الشاعر المصري علاء جانب
بيت القصيد | الشاعر المصري علاء جانب | 2018-09-15
زاهي وهبي: مساء الخير. متورِّطٌ في ياسمين الشِعر، باحثٌ عن عطر القصيدة لعلّه في العطرِ يكتشفُ أسرار المعنى، فشاعِرنا الجنوبي الذي تشبّعَ بأجواء الريف ومناخاته سار على العُشبِ حافياً وتنشّقَ رائِحة التُرابِ بعد الشتوة الأُولى وحمّلَ معه من قريته في الصعيد المصري زوّادةً وافِرةً من الوعي والانتماء حتّى غدت قصيدته سيرة حياةٍ ومسيرة معرِفة حصّنها بدراسةٍ أزهريّةٍ جعلته يحفظُ القرآن الكريم غيباً وهو لا يزالُ طفلاً. لم يقع ضيفنا في فخّ الشُهرة حين فاز بالمرتبة الأُولى في برنامج "أمير الشُعراء" ولم تأخذه نجوميّة الشاعِر من أرض الشِعر فظلّ ثابتاً مواظباً على تطوير تجربته الشِعريّة والأكاديمية المُتميِّزة التي سوف نستعرِضُ أبرز ملامحها الليلة في "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب الذي يفتحُ أبوابه ترحيباً بالشاعِر والناقد المصري الدكتور "علاء جانب" أهلاً وسهلاً بك
علاء جانب: أهلاً بك أُستاذ "زاهي" ومشكور على المُقدِّمة الجميلة التي تفضلت بها
زاهي وهبي: جميل يستدعي الجمال كما يُقال، وحضرتك شاعِر لا تحتاج شهادتي. تقول في قصيدة لك: "نحنُ أطفالٌ جنوبيون تغرينا السماء"، صحيح
علاء جانب: صحيح
زاهي وهبي: ثمّ، "مغروسون في الأرضِ
علاء جانب: مغروسون في الأرضِ وراقصون في الريح في أعواد الذرة
زاهي وهبي: هلّ يعني شيئاً مُختلفاً أن يكون الإنسان جنوبياً؟ في أيّ جنوب في هذا العالم خصوصاً في (صعيد مصر)
علاء جانب: مقولةٌ نحفظها قديماً أنّ الحضارة تبدأ من الجنوب
زاهي وهبي: نعم
علاء جانب: حضارة (مصر) الفرعونية كلّها كانت في الجنوب أولاً. "مينا" موحِّد القطرين في العصور الفرعونية القديمة كان من (الصعيد)، ثلث آثار العالم موجود في (الأُقصر) هي مدينةٌ جنوبية. الجنوب دائِماً قريب من الطبيعة، قريب من الكون، قريب من الله
زاهي وهبي: الجنوب المصري أعطاناً أيضاً عشرات المُبدعين، ربما مئات المُبدعين في الشِعر وفي الأدب
علاء جانب: صحيح، وفي الفنّ وفي الإخراج السينمائي، يعني "أمل دنقل"، "عبد الرحمن الأبنودي"، "عاطِف الطيِّب" من أهم مخرجي السينما في (مصر) وفي العالم العربي، شعراء كثيرون وأُدباء كثيرون، "جمال الغيطاني" الكثيرون
زاهي وهبي: باستثناء طبعاً "أمل دنقل" الذي رحَلَ باكراً، الذين ذكرتهم استضفتهم وحاورتهم جميعاً بما فيهم "عاطف الطيِّب" ولكن "عاطف الطيب" في الصحافة
علاء جانب: "عاطف الطيِّب مُخرِج سينمائي
زاهي وهبي: أجل، عاطف الطيِّب" حاورته في الصحافة
علاء جانب: آه، وأنت صحافي
زاهي وهبي: نعم، قبل أن أشتغِل في التلفزيون أجريت معه حواراً وكان يُصوِّر آنذاك في (بيروت)، أظنّ كان يُصوِّر فيلم "ناجي العلي"
علاء جانب: أكيد
زاهي وهبي: فيلم "ناجي العلي" حينها، إذاً نحن في أجواء ذكرى استشهاد "ناجي العلي" هذه الأيام. لو سمحت سنراك في "علامة فارِقة" ثمّ نستأنِف الحوار إذا تريد
علاء جانب: تفضل
علامة فارِقة
علاء جانب:
- أكثر المناظر التي أحببت فعلاً أن أصفها في الشعر منظر الغروب في بلدي، في قريتنا (عرابة أبو دهب) في مُحافظة (سوهاج)، هذا من أكثر المناظر التي أحببت أن أُصوِّرها في الشعر وأنا أشعُر أنّ كلماتي أعجز من أن تصف الرؤية التي في داخلي. لكن بقي هذا المشهد، كما أحسّ به في وجداني، يستعصي على الكلمات
- ما بين أرجِحة المراكب نلتقي خلف المغارِبِ مشفقين حزانى. هذا الدمج ما بين الكون وما بين الوجدان أريد في يومٍ من الأيام أن أُحقّقه في مشهدٍ شعري سينمائي
- انا في عُمر خمس عشرة سنة مثلاً وكنت لا زلت أتلبّس في نفسي الكتابة الشعرية كتبت قصيدة إسمها "المُستقبل". الأجندة التي فيها هذه القصيدة تحتفِظ بها زوجتي لغاية اليوم، نفس الوضع والـ Career وشكل حياتي إلّا أنّ ربنا أكرمني بأكثر مما كنت أتوقّع من الناس
- أكثر ما هو مُلهِم للكتابة هنا الحزن والحبّ، الكلمتان اللتان تبدآن بحرف الحاء. الفرحة لا تستفزّني للكتابة بقدر الحُزن، لكن الحزن من أكثر الأشياء التي تُحرِّكني للكتابة
- النساء هنّ كلّ الحياة، الأُمّ لعبت دوراً كبيراً، الأُخت، الحبيبة المُلهِمة، البنت. ممكن تقدر تسمّي المرأة مُعادِل موضوعي للحياة
- كان "الأصمعلي" وهي عبارة قديمة يقول لي " الشعر نكِدٌ بابه الشرّ فإذا دخل في الخير لان وضعِف". الشِعر شيطان، ليس أنه بمعنى الدعوة إلى الأشياء التي يدعو إليها الشيطان من خراب ودمار وهذه الأشياء، لكن شيطان بمعنى أنّه لا يدعو إلى الفضيلة بشكلٍ مُباشِر
- "فيكتور هيغو" كان يقول: "الشعراء قومٌ أرستقراطيون في طبيعتهم"، فأنا أكيد عندما يجعلونني أمير قطعاً سأكون سعيداً، لكنه رقم غير حقيقي، ليس هناك دولة للشعر تحتاج إلى أمير، والشعراء مجانين من سيكون أميراً على من؟ كلّهم أمراء على بعض الشُعراء. لكن إيمان الناس بموهبتي وتشجيعهم لي هو الذي يُسعدني أكثر عندما يقولون الكلمة وليس بمعناها اللغوي
- والله يسعدني الرضا، يعني ألّا تكون عندي خصومة مع أحد. تسعدني العلاقات الإنسانية الحميمة، يعني أن يكون المرء محبوباً ومُحباً، يعني أن يكون هناك حبٌّ مُتبادل بيني وبين الناس، بيني وبين الكون كلّه
- هذه الليلة أنا آتي لأقول مع "زاهي" للعالم كلّه، كفاية خصومات، كفاية كُره، كفاية حرب، كفاية دم
المُحاورة: أهلاً وسهلاً
علاء جانب: أهلاً بكِ
زاهي وهبي: فعلاً كفاية مآسٍ وأضمّ صوتي إلى صوتك. سنُحاوِل في الوقت نفسه استخراج شياطين الشِعر إذا استطعنا
علاء جانب: يضحك
زاهي وهبي: أعود إلى النشأة الريفية، إلى (عرابة)
علاء جانب: (عرابة أبو ذهب)
زاهي وهبي: (أبو دهب) قريتك. هذه النشأة ماذا تركت فيك؟ ما الذي لا يُمحى منها؟
علاء جانب: أعتقد أنّها كلّها لا تُمحى لأنّ (عرابة أبو دهب)
زاهي وهبي: في (سوهاج)
علاء جانب: نعم، هي قرية تابعة لمركز (سوهاج) في مُحافظة (سوهاج) وهي قرية تقع في الجبل الغربي من مُحافظة (سوهاج). (عرابة أبو دهب) هي التي شكّلتني شاعِراً وإنساناً ومُفكّراً. كلّ الصفات التي أشعُر بأنّ الناس يصفوني بها ولست أنا من أصف بها نفسي لأنّ النشأة الريفية تقع بين الصحراء وبين الريف، بين الأرض الخضراء وبين الأرض الصفراء يعني، قريبة من الشِعر. كلّما كانت المُجتمعات أقرب إلى الفترة كانت أقرب إلى الشِعر
زاهي وهبي: كانت أكثر شاعرية
علاء جانب: لأنّ هذه البيئة يكون للخيال فيها دور كبير. الكهرباء دخلت بلدنا حينما كان عمري تسع سنوات أو عشر سنوات، فالجزء الأوّل من طفولتي قضيته في هذه العيشة البدائية تماماً، يعني أُمّي رحمة الله عليها كانت تعدّ الأكل على الكانون، على موقد النار كما في الجاهلية بالضبط، وكانت كلّ الأعمال التي تقوم بها سيّدات المنازل يدوية، لم يكن هناك لا غسّالة ولا فرن غاز ولا كهرباء. هذه الحياة، رأيت الغنم وأنا صغير، ركبت الجمل، مشيت في الصحراء كما يمشي البدوي القديم، تعلّمت في الكتاتيب، فكانت هناك صلة بيني وبين مفردات الكون الساكنة والمتحرِّكة من الحيوانات إلى الزروع إلى الجبل إلى منظر المياه، كلّ هذه الأشياء تجعلك قريباً من الشِعر وتجعل الخيال منفتحاً إلى آفاق بعيدة لأنّه دائِماً، حتّى عندما جاء التلفزيون كان الفارِق بينه وبين الراديو أنّ التلفزيون يُحدّد رؤيتك للأشياء. الراديو جماله أنه كان يترك
زاهي وهبي: يأخذ خيالك إلى مطارِح أبعد وأوسع
علاء جانب: آفاق أبعد
زاهي وهبي: انعكست هذه الأمور، هذه الأشياء، العلاقة بالطبيعة، بالكائِنات الأُخرى التي تعيش معنا على نفس الكوكب، انعكست في النصّ الشِعري؟
علاء جانب: طبعاً، هي التي شكّلت النصّ الشِعري، وربما يكون هذا إذا سمحت لي أن أتكلّم عن نفسي، ربّما يكون هذا هو سرّ الخلطة في شِعري أنا، هو السرّ الذي يجعل الناس يُحبّون شِعري، أنّ فيه صدق في إنتاج هذه البيئة مرة أُخرى
زاهي وهبي: لا تُحرَج من الكلام عن نفسك لأنّك في البرنامج آتٍ لتتكلّم عن نفسك وعن تجربتك، فالأمر عادي. صحيح حفظت القرآن وأنت طفل عمره 12 سنة، القرآن الكريم؟
علاء جانب: كنت أكبر من 12 سنة، كان عُمري خمس عشرة سنة. حفظته في المدارِس الأزهريّة
زاهي وهبي: خمس عشرة سنة يعني كنت فتى
علاء جانب: يعني كنت تخطّيت مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ والمُراهقة، لكن هذا كان على فِكرة طبيعي وكان من المفروض أنه يحصل مع كلّ الطلّاب الذين يتعلّمون في "الأزهر الشريف"
زاهي وهبي: نعم
علاء جانب: لأننا كنّا نأخُذ من أوّل الابتدائية لغاية نهاية الشهادة الإعدادية
زاهي وهبي: الأجزاء؟
علاء جانب: بالضبط. من اللازم على الطالب الأزهري في هذه المرحلة أن يكون قد ختَم القرآن، فأنا ختمته بشكلٍ طبيعي جداً، يعني لم أكُن عبقرياً ولا شيء
زاهي وهبي: لكن هذا كم متَّن لغتك؟
علاء جانب: لكن أنا كان عندي ذاكرة أسأل الله أن يُديمها عليّ، كان عندي ذاكرة أن الشيخ عندما كان يُقرِئنا القسط المُعيّن، اللوح كنّا نُسمّيه، في اليوم لم يكن عندي شيء اسمه أن أفتح المِصحف وأُذاكِر أو أُراجِع، يعني آخذه من فم الشيخ اليوم وأسمّعه له غداً كأول طالب من الطلاب الذين كانوا زملائي، وهذا الكلام يؤكِّد عليه زملائي لغاية الآن، أنني كنت أسمع من فم الشيخ القرآن، طبعاً نُردّده مرّة ومرتين وثلاثاً وراء الشيخ في المدرسة وأذهب صباح اليوم التالي وأُسمِّعه له كما لُقِّنته بالأمس