من خصائص اللغة العربية
د. محمود حسن مخلوف
من بركات القرآن الكريم على اللغة العربية ، أن تحقق فيها وعد الله الذى لا يتخلف أبداً : ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر )القمر/17، 40،32،22ولقد أكد النظم الكريم هذا الوعد باللام الموطئة للقسم المحذوف ، و " قد " التحقيقة ، والماضى ( يسّر ) الدال على تحقق الوقوع ، وإسناد الفعل إلى ضمير " نا " الموحى بعظمة المتكلم ــ عز وجل ــ كل هذا التوثيق للخبر، مع كونه من كلام الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛للعناية المضاعفة بمضمونه!!
وتيسير " الذكر "تيسير تلاوة ، وتيسير حفظ ، وتيسير فهم وتذوق ..
وقد تجلى تيسير الله وتوفيقه فى عشرات الملايين من المسلمين غير العرب، الذين انشرحت صدورهم للإسلام ، قديماً وحديثاً ، شرقاً وغرباً ، حيث يسر الله لهم ذكرالقرآن تلاوة ،وحفظاً ،وفهماً ..
والأعجب من هذا العجيب أن من يقرأ تاريخ الإسلام والعربية يلحظ أن أئمة العربية منذ القرن الثانى الهجرى كانوا من غيرأبناء عدنان وقحطان ، بل جلهم ممن دخل الإسلام قلوبهم ، فدخلت العربية عقولهم ، فصاروا ـ بتوفيق الله ـ أئمة عربية القرآن ، وآدابها ، وعلومها ـ :
فهذا سيبويه 180هـ ـ إمام النحوـ فارسى الأصل ، والجاحظ 255 هـ ـ إمام علم الشعرـ حبشى الأصل ،وابن جنى 392 هـ ـ فيلسوف العربية وشيخ فقه اللغة فيها ـ رومى الأصل ، والآمدى 366هـ والقاضى الجرجانى 388هـ ـ شيخا النقد التطبيقى عند العرب ـ فارسيا الأصل ، وعبد القاهر الجرجانى 471هـ ـ شيخ البلاغة والإعجازـ فارسى الأصل ..
وهؤلاء : ابن المقفع ، وعبد الحميد الكاتب ، ومحمد بن يسار ، وبشار بن برد ، وأبو نواس ، وابن الرومى ، وصالح بن عبد القدوس ، مع عشرات غيرهم على قمة هرم الإبداع النثرى والشعرى ، ودماؤهم فارسية ..
يضاف إلى هؤلاء : مؤلفو المعجمات العربية الكبرى ، ومفسرو القرآن ، وشراح الحديث ، وشراح الشعر، ممن لهم أصول غير عربية .....
وهذا كله شاهد على تيسير الله القرآن ، ولغته ، للذكر فهماً وتذوقاً بما ليس له نظير فى تاريخ اللغات الحية ..
وقد سجّل هذا العلامة ابن خلدون حيث قال : " من الغريب الواقع أن حملة العلم فى الملة الإسلامية أكثرهم من العجم ... مع أن الملة عربية ، وصاحب شريعتها عربى ... ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم ، وظهر مصداق قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : " لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من فارسى " (1) ، وهذا صحيح فى مجمله لولا أن تعبير " الملة عربية " زلةٌ منه ــ رحمه الله ــ ، إذ الملة الإسلامية ليست عربية ، بل عالمية ، لقوله ــ سبحانه ــ " وما أرسلناك إلاكافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثرهم لا يعلمون " سبأ/28..
وقول النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ " وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة " متفق عليه ، وعند مسلم من رواية أبى هريرة " أرسلت إلى الخلق كافة " ، وإن كانت مقولة ابن خلدون تحتاج إلى تعليقات ، تعوز إلى مقالة أو مقالات ، إذا يسر الله ...
وبهذا كله صارت عربية القرآن جنسية معنوية روحية شملت كلَّ من أحبها ، ونطق بها ؛ لحديث " ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، فإنما هى اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربى " رواه ابن عساكر عن أبى سلمة بن عبدالرحمن مرسلاً ، وأورده " التقى الهندى " فى " كنز العمال " .
وبهذا كله صارت عربية القرآن رباطاً مقدساً ، وشارة لوحدة المسلمين فى كل بقاع الأرض ، مما أزعج أعداء المسلمين فى القرون الثلاثة الأخيرة ...
ومن هنا حرص الاستخراب الأوروبى منذ أن وطئت أقدامه بلاد المسلمين على تقطيع هذه الآصرة بكل مكر ، ودهاء ، وخبث ..
ومن صور هذا المكر الخبيث ان أشاع المستخرب بين المسلمين ـ غير العرب ـ أن اللغة العربية صعبة التعلم لكثرة مفرداتها ، وصعوبة قواعد نحوها وصرفها وبلاغتها ، وقد روجوا لهذا بكل حيلهم الماكرة، وأدخلوه فى عقول من لا دراية له ، ووظّفوا من أبناء هاتيك البلاد من ينشر هذا بين قومه ، حتى صدّق كثير من المسلمين ـ غير العرب ـ هذه الفرية البلقاء ، التى ليست لها سند من واقع أو تاريخ ..
فالتاريخ يشهد أنه لم ينبغ أحد من الناطقين بالإنجليزية أوالفرنسية من أهل البلاد التى احتلتها إنجلترا وأمريكا وفرنسا .. لم ينبغ أحد من غير جنس السكسون والجرمان فى علوم هاتين اللغتين وأدابهما نبوغ شكسبير ، وجورج إليوت ، و ج.ك.رولينج ، وصمويل جونسون ، ووليم هازلت ، وميلتون ، و ت.س.إليوت وغيرهم من عباقرة الإنجليزية وآدابها فى بريطانيا وأمريكا ..
ولم ينبغ أحد مثل : فولتير ، وموليير ، وأناتول فرانس ، وآلان فورنييه ، ورولان بارت ، وجان بول سارتر ، وسايمون دى بوفوار ، وجاك دريدا ... وغيرهم ممن نبغ فى الفرنسية وعلومها وآدابها ...
قارن هذا بما حدث من نبوغ المسلمين ـ غير العرب ـ فى العربية وعلومها وآدابها = تدرك حقيقة قوله تعالى : " ولقد يسرنا القرآن للذكر .. " ويبين لغير العرب من المسلمين كذب ما يروجه أعداء الإسلام من صعوبة تعلم عربية القرآن وعلومها وآدابها ... يتبع
ـــــــــــــ
1) المقدمة صـ 3 / 1123 ، والموجود فى الصحيحين ومشكل الآثار للطحاوى " لو كان الإيمان عند الثريا"