سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

81-عالم ورأي-أ.د.محمد يونس الحملاوي-أستاذ هندسة الحاسبات بكلية الهندسة جامعة الأزهر، ورأيه في دور اللغة القومية في عملية التنمية:
بجانب العديد من التعريفات هناك وظيفة أساسية للغة هي نقل المعارف بين أفراد المجتمع والحصول عليها من المجتمعات الأخرى عبر آلية الترجمة، وكذلك البناء على البناء المجتمعي الممتد لقرون عدة ومنه التراث العلمي، فالوعاء المجتمعي لأية أمة يتمثل أساسًا في لغتها. اللغة؛ أية لغة، تحمل المضامين الثقافية للمجتمع الذي تحيا فيه وبه ويحيا هو بها. ورغم ذلك تتمايز اللغات فيما بينها؛ فمنها ما هو مكتمل البنيان، ومنها ما يقصر عن التعبير عن بعض الأزمنة على سبيل المثال، فالإنجليزية واليابانية على سبيل المثال لا تحتويان على صيغة للفعل في الزمن المستقبل، بل يلزم إضافة بعض الكلمات للتعبير عن المعنى في اللغتين، كما أن الفعل في اليابانية لا يرتبط بالفاعل. هذه الاختلافات هي في حقيقتها مؤشرات تعبر بجانب عدد الكلمات وعدد جذور اللغة عن درجة ثراء تلك اللغة وعن طريقة تفكير أهل تلك اللغة في نفس الوقت.
كما أن اللغة وعاء حضارة المجتمع؛ فمن خلالها يتواصل الفرد مع غيره، ويتواصل مع تاريخه ويتواصل مع مستقبله من خلال ما يتركه من آليات للحضارة. فاللغة ليست فقط أداة تواصل بين أفراد المجتمع، بل هي بالأساس مضامين حضارية، والتي بدورها تشمل مفاهيم ثقافية. فاللغة هي الوعاء الأكبر لأي مجتمع، وكلما كانت اللغة نقية كانت فرصة نهوض مجتمعها أفضل؛ فهي ليست العامل الوحيد ولكنها عامل مهم في عملية التنمية.
تُعد توصيات التقرير الأمريكي "أمة في خطر" مفيدة من ناحية ترتيب أولويات التنمية علميًّا حيث بدأت باللغة القومية (الإنجليزية في أمريكا) ثم الرياضيات ثم العلوم البحتة ثم الدراسات الاجتماعية ثم علوم الحاسوب ثم تلا ذلك بعض المجالات الأخرى. ما يهمنا في هذا السياق هو التركيز ابتداءً على اللغة القومية.
وللغة دور مهم في مسألة القومية وصهر المجتمع سياسيًّا وفكريًّا في بوتقة واحدة. ويجدر بنا أن نتذكر دور المفكر الألماني هردر في القرن الثامن عشر الميلادي في هذا السياق الذي نظَّر لوحدة الأقاليم الألمانية المتناحرة مما عبَّد الطريق أمام بسمارك لتوحيد ألمانيا.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن اللغة وعاء الفكر حيث تؤكد العديد من الدراسات إلى أن للغة حضورًا أساسيًّا في عملية التفكير، وتكاد تجمع على أن الفكر يتشكل داخل وعاء اللغة.
وهناك نقطة جديرة بالاهتمام في سياق علاقة اللغة بالتنمية، وهي أن الإنفاق على التعليم العالي عند العرب عالٍ نسبيًّا (كنسبة من الناتج القومي الإجمالي) وذو مردود ضعيف، فالإنفاق على التعليم في المتوسط في الدول العربية أعلى من مثيله في دول أخرى؛ حيث يمثل عام 2002م نسبة 5.7% من الناتج القومي الإجمالي للدول العربية في حين أنه يمثل 3%، و4.4%، و4.3% لمجموعات الدول التالية على التوالي شرق آسيا مع الباسيفيك، وأمريكا اللاتينية مع الكاريبي في نفس الفترة الزمنية، والتي حققت تنمية مجتمعية محسوسة مقارنة مع الدول العربية مجتمعة، والتي بقيت في عداد الدول المتخلفة.
المصدر: التعليم واللغة القومية، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 144-146.
إعداد: د.مصطفى يوسف