معجم الهيئات والإشارات والرموز في التراث العربي من خلال لسان العرب لابن منظور
(الحلقة الحادية عشرة)
فرح الشويخ
-ن-
[79] الانحناء: يقال" حَنَا الشيءَ حَنْواً وحَنْياً وحَنَّاهُ: عَطَفه [...] والانْحِناءُ: الفِعْلُ اللَّازِمُ، وَكَذَلِكَ التَّحَنِّي. وانْحَنَى الشيءُ: انْعَطَفَ "(1)، ومما تدل عليه هذه الهيئة في التراث العربي:
1- الصلاة: وعدم الانحناء أيضا دلالة على عدم الركوع، وفي الحديث: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا قَالَ « سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ». لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ»(2)؛ أي لم يثنه للركوع.[80] نَزْعُ الرِّداء: يقال" نَزَعَ الشيءَ يَنْزِعُه نَزْعاً، فَهُوَ مَنْزُوعٌ ونزِيعٌ، وانْتَزَعَه فانْتَزعَ: اقْتَلَعَه فاقْتَلَعَ، وَفَرَّقَ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ نَزَعَ وانْتَزَعَ فَقَالَ: انْتَزَعَ اسْتَلَبَ، ونزَع: حَوَّلَ الشَّيْءَ عَنْ مَوْضِعِهِ وإِن كَانَ عَلَى نَحْوِ الاسْتِلاب. وانْتَزَعَ الرمحَ: اقْتَلَعَه ثُمَّ حَمل. وانتزَع الشيءُ: انقلَع"، ومنه نزع الرداء ومن دلالات هذه الهيئة في التراث العربي:
1- نزع البخل والجبن والكذب: جاء في الحديث أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَدَرَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الجِعْرَانَةَ سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ، وَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ، حَتَّى نُزِعَتْ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ: «رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ؟، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعْمًا، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا جَبَانًا، وَلَا كَذَّابًا»(3).
-هـ-
[81] الهَبَنقَعَة: " الهَبَنْقَعةُ: قُعُودُ الرجلِ عَلَى عُرْقُوبَيْه قَائِمًا عَلَى أَطرافِ أَصابِعِه. واهْبَنْقَعَ: جَلَسَ الهَبَنْقَعةَ، وَهِيَ جِلْسةُ المَزْهُوِّ [...] والهَبَنْقَعَةُ: أَنْ يَتَرَبّعَ ثُمَّ يَمُدُّ رِجْلَهُ اليُمْنَى فِي تَرَبُّعِهِ، وَقِيلَ: هِيَ جلْسةٌ فِي تَرَبُّعٍ. والهَبَنْقَعةُ: قُعودُ [...] الاستِلقاءِ إِلى خَلْفٍ.[...] والهَبَنْقَعةُ أَن تَرَبَّعَ وتمدَّ إِحدى رِجْلَيْهَا فِي تَرَبُّعِهَا"(4)، ومن دلالات هذه الهيئة في التراث العربي أنها:
1- جِلسة المزهو: قَالَ الفَرَزْدَق:
ومُهُورُ نِسْوَتِهِمْ، إِذا مَا أَنْكَحُوا غَدَوِيُّ كلِّ هَبَنْقَعٍ تِنْبالِ(5)
وَفِي الحَدِيثِ أنه [صلى الله عليه وسلم]: « مَرَّ بامرأَة سوْداء تُرقِّصُ صَبِيًّا لَهَا وَتَقُول:
يَمْشِي الثَّطا ويَجلِسُ الهَبَنْقَعهْ»(6)
وَجاء في الأثر: «عَن الزبْرِقَان بن بدر رَضِي الله عَنهُ: أبْغض كنائني إِلَيّ الطُّلَعَةُ الخُبَأَةُ الَّتِي تمشى الدفقى وتجلس الهبنقعة »(7).
[82] الهِربذَى:" الهِرْبِذَى: مِشْيَةٌ فِيهَا اخْتِيَالٌ كَمَشْي الهَرَابِذَةِ وَهُمْ حُكَّامُ المجوس؛ [...] وَقِيلَ: هُوَ الِاخْتِيَالُ فِي المشْيِ. وَقَالَ أَبو عُبَيْد: الهِرْبذى مِشْية تُشْبِهُ مِشْية الهَرَابِذَةِ"(8)، ومن دلالات هذه الهيئة في التراث العربي:
1- التبختر والاختيال: قَالَ امْرُؤ القَيس:
إذَا زَاعَهُ مِن جَانِبَيه كِلَيهِما مَشَى الهِرْبِذَى فِي دَفِّه ثُمَّ فَرْفَرَا(9)
قال الشارح:" وقال أبو عمرو: « الهِرْبِذَى » هو التبختر، [...] و « الهِرْبِذَى » مشية الهرابذة وهم من علماء الفرس"(10).
ب- الإشارات:
-أ-
[1] الإشارة بالأصبع: يقال" أَشار إِليه وشَوَّر: أَومَأَ، يَكُونُ ذَلِكَ بالكفِّ وَالعَيْنِ وَالحَاجِبِ [...] وشَوَّر إِليه بِيَدِهِ أَي أَشارَ"(11)، وتدل هذه الإشارة في التراث العربي على:
1- الشُّهرة: قال مزرد بن ضرار الشيباني يصف الدرع:
مُشَهَّرَة تحنَى الأصابعُ نحوهَا إذا جُمِعَت يومَ الحِفَاظِ القبائِلُ(12)
وإنما يشار إليها هنا لشهرتها بالجودة والحسن.
2- العَيب: قال الشاعر:
إذا قل مال المرء قَلَّ صديقه وأَوْمَتْ إِلَيه بِالعُيوبِ الأَصَابِعُ(13)
3- العَداوة: قال ابن الزيات:
وإني متى أنظر إلى من أُحِبُّه أشارت من الأعداء نحوي الأصَابعُ(14)
4- التَّحِية والسَّلام: قال ابن المعتز يمدح المعتضد بالله:
مُنِعْنَ سَلَامَ القَوْل وَهو مُحَلَّلٌ سِوَى لَمحاتٍ أو تُشير الأَصابعُ(15)
وقال ذو الرمة:
غَدَوْنَ فأحْسَنَّ الوداعَ ولم نَقُلْ كما قُلْنَ إلا أنْ تُشِيرَ الأَصَابِعُ(16)
5- الوَفَاء بالذمة: قال ابن المقرب العيوني يرثي القاضي محمد بن إبراهيم المستوري:
إِذَا قيل مَن أَوْفَى مَعَدٍّ بذِمَّة أشَارت إليه بالبَنَانِ الأَصَابِعُ(17)
6- الفَضَائل والمَكَارم: قال ابن دريد الأزدي في رثاء الإمام الشافعي:
وَهُذِّبَ حَتَّى لَمْ تُشِرْ بِفَضِيلة إِذَا الْتُمِسَت إِلا إِلَيه الأَصَابِعُ(18)
وقال بشر بن أبي خازم:
تَدَارَكَنِي أَوْسُ بْن سُعْدَى بِنِعْمَة وَعَرَّدَ مَنْ تُحْنَى عَلَيْه الأَصَابِعُ(19)
7- عُلُوُّ المكَانة: قال الشاعر حيص بيص:
وأن عماد الدولة الواحد الذي تشير إليه بالفَخَار الأصابعُ(20)
8- الحياة: قال كعب بن زهير:
فأبلغ بها أفناء عثمان كلها وأوسا فبلغها الذي أنا صانعُ
سَأَدْعُوهُم جَهْدِي إِلَى البَّر والتُّقَى وأَمْرِ العُلَا مَا شَايَعَتْنِي الأَصَابِعُ(21)
فقوله:« ما شايعتني الأصابعُ » أي ما دمت حيا.
9- الشَّر: قال الفرزدق:
إذا قيل أيُّ الناس شَرُّ قبيلة؟ أَشَارَت كُلَيْبٌ بِالأَكُف الأَصَابِعُ(22)
10- تحقيقُ الظُّنُون: قال معاوية ابن أبي سفيان يخاطب عمرو بن العاص:
فَإن تكُ قَد أَبْطَأتَ عَني تَبَادَرَت إليكَ بتَحْقِيق الظُّنُون الأَصَابِعُ(23)
قال الشارح: "أسرعت إليك الأصابع بإشارات الاعتقاد بأن ما كان ظنا بك أصبح حقيقة"(24). وكلها دلالات على الإشارة بالأصبع عند العرب.
[2] الإيماء أو الإشارة بالحاجب: يقال" ومَأَ إِلَيْهِ يَمَأُ وَمْأً: أَشارَ مِثل أَوْمَأَ.[...] وَأَوْمَأَ كَوَمَأَ، وَلَا تَقُلْ أَوْمَيْتُ. اللَّيْثُ: الإِيماءُ أَن تُومِئَ برَأْسِكَ أَوْ بيَدِك كَمَا يُومِئُ المَرِيضُ برأْسه للرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وَقَدْ تَقُولُ العَرَبُ: أَوْمَأَ برأْسِه أَي قَالَ لَا"(25)، ومنه الإيماء أو الإشارة بالحاجب، ومن دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- رَدُّ التحية: قال الشاعر:
وقَفْنا فَقُلْنا: إِيه سِلْمٌ! فَسَلَّمَتْ، فَمَا كَانَ إِلَّا وَمْؤُها بالحَواجِبِ(26)
وقال آخر:
صَفَحْنا الحُمُولَ، للسَّلامِ، بنَظْرَةٍ، فَلَمْ يَكُ إِلَّا وَمْؤُها بالحَواجِبِ(27)
2- الإخبار عن الشيء: قال المرار الفقعسي:
لَيَالي إذ أهلِي وأهلك جيرةٌ وسلم وإذ لم يصدع الحي صَادِعُ
نُسِرُّ الهَوَى إِلا إِشَارَةَ حَاجِبِ هناك وإلا أن تُشِيرِ الأَصَابِعُ(28)
وقال ابن الدمينة:
ونَظَلُّ نُظهر بالحَواجِب بيننا مَا في النُّفوسِ ونحن لَا نَتكلَّمُ(29)
وقال الفرزدق:
إذ نحن نُخبرُ بالحَواجِب بيننا مَا في النُّفوسِ، ونحن لم نَتكلَّمِ(30)
[3] الإشارة إلى نياط القلب(31): ومعنى النيط" نِيَاطُ القَلْبِ وَهُوَ العِرْق الَّذِي القَلْبُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ"(32)، ومن دلالات الإشارة إلى نياط القلب في التراث العربي:
1- الوَعْيُ بالقَلْب: جاء في حديث أبي اليسر: « [...] قال : إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل فأشهد بصُرَ عيناي هاتان ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه - سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله )» (33) ؛ وإشارته إلى نياط قلبه تحقيق جميل لقوله:« ووعاه قلبي» ولا شك أن الإشارة مع الكلام أبلغ في التأثر والتأثير من الكلام فقط.
[4] الإيماء بالوسطى والسبابة: ومن دلالات الإشارة بالوسطى والسبابة في التراث العربي:
1- المساواة في الشيء: وَفِي الحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ ». وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا»(34)؛ أَراد بسَفْعاءِ الخدَّيْنِ امرأَة سَوْدَاءَ عَاطِفَةً عَلَى وَلَدِهَا، أَراد أَنها بَذَلَتْ نَفْسَهَا وَتَرَكَتِ الزِّينَةَ والترَفُّه حَتَّى شحِبَ لَوْنُهَا واسودَّ إِقامة عَلَى وَلَدِهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا(35).وأراد [صلى الله عليه وسلم] التي تقيم على ولدها لا تتزوج شفقة وعطفا؛ وإشارته صلى الله عليه وسلم بالوسطى والسبابة تأكيد رائع لتساوي تلك المرأة والنبي [صلى الله عليه وسلم] في شيء لم يحدده كتساوي الوسطى والسبابة بين أصابع اليد، ولا شك أنها إشارة بليغة المقصد.
[5] الإشارة بالسبابة: و" السَّبَّابةُ: الإِصْبَعُ الَّتِي بَيْنَ الإِبهام والوُسْطى، صفةٌ غَالِبَةٌ، وَهِيَ المُسَبِّحَةُ عِنْدَ المُصَلِّين"(36)، وتدل الإشارة بالسبابة في التراث العربي على:
1- التوحيد: جاء في الحديث:« عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِي وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعَيَّ فَقَالَ: «أَحَدٌ، أَحَدٌ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ»(37)، ومعلوم عند العرب أن الإشارة بالسبابة تكون للتوحيد وهو ما أراده النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله «أَحَدٌ، أَحَدٌ».
2- التشهد: جاء في الحديث:« عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا قَعَدَ في التَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُمْنَى وَعَقَدَ ثَلاَثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ»(38).
أما إشارته بعقده ثلاثة وخمسين فدالة على عدد معين، فهو علم قائم بذاته تعرفه العرب، قال حاجي خليفة صاحب «كشف الظنون»:" ومنها: علم حساب العقود، أي: عقود الأصابع، وقد وضعوا كل منها بإزاء أعداد مخصوصة، ثم رتبوا لأوضاع الأصابع آحاداً، وعشرات، ومئات، وألوف، ووضعوا قواعد يتعرف بها حساب الألوف فما فوقها، وهذا عظيم النفع للتجار، سيما عند استعجام كل من المتبايعين لسان الآخر، وعند فقد آلات الكتابة.
والعصمة عن الخطأ في هذا العلم أكثر من حساب الهواء، وكان هذا العلم يستعمله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما وقع في الحديث في كيفية وضع اليد على الفخذ في التشهد: أنه عقد خمساً وخمسين، يعني: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عقد أصابع اليد غير السبابة، والإبهام، وحلق الإبهام معها.
وهذا الشكل في العلم المذكور دال على العدد المرقوم، فالراوي ذكر المدلول، وأراد الدال، وهذا دليل على شيوع هذا العلم عندهم"(39).
3- مَثَلُ الدُّنيا في الآخرة: جاء في الحديث:« قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ »(40).
4- تعيين الشيء: جاء في الحديث:« عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ قَالَ كَيْفَ تَقُولُ يَا أَبَا القَاسِمِ يَوْمَ يَجْعَلُ اللَّهُ السَّمَاءَ عَلَى ذِهْ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ»(41).
ـــــــــــــ