في قوله تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا)
د. محروس بريك
الألف والسين والتاء في (استيأسوا) للدلالة على المبالغة في انقطاع الرجاء وبلوغ اليأس منتهاه؛ لقد بلغ اليأس من إخوة يوسف مبلغه وانقطع رجاؤهم من استجابته لهم بأن يأخذ أحدهم مكان بنيامين، فتفردوا عن سائر الناس وانتحوا جانبًا يتناجون فيما بينهم، مطرقين في أسى، يتناجون هامسين حائرين، لقد حلَّ بنا خطب عظيم، وأبونا شيخ كبير قد ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهمس كبيرهم في نبرة حزن وأسى (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله)، فما عسانا قائلين له وقد أخذ علينا موثقا من الله لنأتينَّه بأخينا إلا أن يُحاط بنا.. لقد فرطتم في يوسف من قبل، وها نحن نفرط في أخيه بنيامين !! ولما بلغ به الأسى مبلغه أردف في نبرة جازمة قائلاً (فلن أبرح الأرضَ حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي)، أما أنتم فإن شئتم فـ (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين).
و(نجيا) مفرد جمعها (أنجية) ، و(نجوى) وفي قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) أي ما يكون من قوم نجوى ، وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ويجوز في (نجوى) أن يُعَدّ مصدرًا بمعنى (التناجي).
و(نجيا) حال، وجاز مجيء الحال مفردة وصاحبها جمع (واو الجماعة) قياسا على وصف الجمع والمثنى بالمفرد كما في قولنا (رجل عدل ورجلان عدل ورجال عدل ونساء عدل)، وفي ورود الحال مفردة إشارة إلى أن نجواهم واحدة وهمّهم واحد، فإذا ما تكلم أحدهم أنصت الباقون، لأنه إنما يتكلم بما في نفوسهم من يأس وأسى.
المصدر