نظرات في تدريس قواعد النحو للناطقين بغير العربية
د. مصطفى شعبان
هنا بعض النظرات والنصائح في سبيل تدريس القواعد ننصح معلم اللغة العربية بالحرص عليها ومراعاتها في مراحل التعليم الخاصة بغير الناطقين بالعربية، نجملها في التالي:
1-ينبغي أن نعلم أن قواعد النحو وسيلة وليست غاية:
فقواعد اللغة بشكل عام هي تقنين لظواهر لغوية ألِفَها الناس واستخدموها، فاستعمال اللغة إذن سابق على تقعيدها، وما نشت الحاجة للتقنين إلا عندما بدأت مسارات الاستخدام اللغوي تنحرف، ومن هنا كانت وظيفة القاعدة تقنين المسارات الصحيحة للغة، فالقواعد إذن وسيلة وليست غاية بذاتها، والغرض من تدريسها ينبغي أن يكون التعبير والفهم السليمين في مجال المحادثة والقراءة والكتابة، كما ينبغي الربط بين القاعدة وتذوق الأساليب.
2-أن تُدرس القواعد النحوية في ظل اللغة وليس بمعزل عنها:
فالقواعد لم تكن إلا لحفظ نظام اللغة، وإقامة الألسن على أنظمتها التركيبية، والطلاقة في اللغة هو المنتوج الأهم من تعليم القواعد، لذلك لا ينبغي أن تدرس القواعد بطرق جامدة وبأمثلة جامدة كالتي عهدنا دراستها في طرق تدريس النحو القديمة، بل ينبغي أن تُسلك الطرقُ التي تجعل القواعد منسجمة مع الهدف من تدريسها.
3-تجنب سوء استخدام القواعد بالإفراط تعميمها:
قد يُساء استخدام القاعدة عند تعليمها بأن يُفرط المنهج في تعميم القاعدة في نماذج وأوضاع معينة لم يُطبق من قبلُ في نظام اللغة، كأن يضرب المنهج أمثلة على أن التمييز منصوب بقوله: (تتطور الدولة اقتصاديًّا) ويقيس على ذلك المثال كل ما جاء على نحوه في إعراب (اقتصاديًّا، وتجاريًّا، وثقافيًّا..) تمييزًا، وهو إفراط في التعميم مع القياس الخاطئ، إذ إن الصواب في إعراب هذه المنصوبات هو أنها (نائبة عن المفعول المطلق) وفي حالة إرادة جعلها تمييزًا فالصواب: (تتطور الدولة اقتصادًا، وتجارةً، وثقافةً..).
4-خطورة التحجُّر على اللغة المؤقتة(البينية):
أو ما يعبر عنه البعض بـ(ديمومة الخطأ)، وهو شعور الطالب بعدم الحاجة إلى تطوير قواعد لغته المؤقتة؛ لأنها قد خدمت أغراضه، وقد يجد تشجيعًا من المعلم على ذلك، وقد عزت دراسات كثيرة حدوث هذه الظاهرة إلى عدم تمكن المتعلمين من دفع الدقة والإتقان إلى الأمام في المستويين المبتدئ والمتقدم، وذلك لأنهم التقطوا أو اكتسبوا اللغة من غير تدريب منظم، وتفاديًا لهذه الظاهرة لابد أن يلجأ المعلم إلى تدريبات كثيفة على الجمل، وإبراز بعض الشروح للقاعدة تجنبًا لحدوث التحجر، كما أنه من المفترض أن واجب المعلم هو تصحيح الأخطاء في فترة مبكرة خشية حدوث التحجر المبكر.
5- أهمية السياق في تدريس القواعد:
إن اللغة العربية كما نعلم ليست مجرد مجموعة متناثرة من الكلمات، إن الذي يحدد للكلمة معناها هو علاقتها بغيرها من الكلمات والسياق الذي ترد فيه، لذ ينبغي الحرص على مراعاة هذا المبدأ فيقدم المعلم الكلمات في سياقات طبيعية توضح معناها، ومن خلال تراكيب تبين طريقة استعمالها، على أن يراعي تكرار هذه التراكيب بشكل يطمئن فيه إلى استيعاب الدارس له، كما ينبغي على المعلم أن يشجع الطلاب على استيعاب الجمل والتراكيب في سياقها الذي وردت فيه وعدم حفظها في قوالب معزولة عن سياقها.
6-الطريقة السياقية(الاستقرائية أو الاستنباطية) في تدريس القواعد:
والطريقة الاستقرائية التي ذكرتها تميل إلى المدخل الموقفي أو السياقي، وفيها يقدم المعلم للطلاب مجموعة من الأمثلة تتضمن القاعدة، وبعد قراءة الأمثلة والتدريب عليها يوجه الطلاب إلى استنتاج التعميم الذي لاحظوه بلفظ بسيط يتفقون عليه جميعًا، ومن مميزات هذه الطريقة أن الطالب يشترك في استخدام القاعدة وصياغتها وأنه يمارس اللغة فعلًا من خلال قراءة وكتابة الجمل والنصوص المتضمنة للقاعدة، ولذلك يصبح التعميم مفهومًا لديه وذا دلالة.
7-تجنب قصور درس النحو في التدريب والتمرين:
فينبغي ألا يقتصر درس النحو على ما يُعرض من الأمثلة والنماذج، بل يجب الإكثار من التمرينات والتدريبات، لكي تتكون لدى الطالب العادات اللغوية الصحيحة، مع الإقلال من التسميات والقياسات والتعريفات والتخريجات، مع تبسيط أسلوب العرض ليتلاءم مع الطالب والبعد عن التعقيد.
8-مرحلة صياغة القاعدة:
يلزم هذه المرحلة التدرج في خطوات الدرس حتى يصل المعلم إلى لفظ سهل للقاعدة، فيحسن اختيار الأمثلة والنصوص النموذجية في البداية، ثم ينتقل في تحليلها من المعلوم إلى غير المعلوم، على أن تكون الأمثلة كما أوضحنا سلفًا في سياقات ذات دلالة، مع الأخذ بيد الطلاب ومساعدتهم على استنباط القاعدة وتعميمها.
9-معايير التدريبات النحوية:
ينبغي أن تخضع التدريبات النحوية لمعايير علمية محددة تضمن سلامة عملية استيعاب الطلاب للقاعدة، وتلك المعايير هي: (التوظيف – التكثير – التنويع – التدريج)، أما التوظيف، فهو أن يحسن المعلم اختيار النماذج التي يوظف من خلالها القاعدة بأن يرجع إلى نصوص التراث والأدب، ولا يتعمد اصطناع أمثلة قد تؤدي إلى تعقيد القاعدة بدلا من تسهيل وصولها، ثم يعتني بكثرة الأمثلة، فإنه أضمن لاستيعاب الطالب لها، والتنويع بأن يأتي بالقاعدة متمثلة في تراكيب متنوعة من حيث النوع، والقيمة الدلالية، والمهارات اللغوية، فيأتي بتدريبات شفوية وكتابية كافية لضمان فهم القاعدة واستيعابها، والتدريج بأن يتدرج التدريب من السهل إلى الصعب، ومن المعلوم إلى غير المعلوم.
10-الاستعانة بالمنهج التقابلي في عملية شرح القاعدة:
من أيسر الطرق التي توصل القاعدة بسهولة وسلاسة هو أن يستعين المعلم بعملية مقارنة توضيحية بين ما تهدف إليه القاعدة في لغة الطالب الأم وبين اللغة العربية، فيستخدم المنهج التقابلي (علم اللغة التقابلي) في عملية شرح القاعدة وتوضيح الفرق بين الأنظمة النحوية في اللغة الأم والأنظمة النحوية في اللغة العربية، فإنه من شأنه أن يسهل عملية الاستيعاب ويضمن ثبات القاعدة ووصول مضمونها إلى الأذهان من أقرب السُّبل.