جاء في (أسرار البلاغة) للجرجاني (ص: 125)
يبين تأثير الشعراء ببيانهم في قلب الحقائق ودفن العيوب أو بعثها، ويمثل ب4 وقائع غاية في العجب البياني:
1- وقد عرفتَ ما كان من أمر القبيلة الَّذين كانوا يعيَّرون بأَنْف الناقة، حتى قال الحطيئة:
قومٌ هُم الأَنْفُ والأذْنَابُ غيرُهُم ... ومَن يُسَوّي بأَنْف النَّاقة الذَّنَبا
فنَفَى العار، وصحّح الافتخار، وجعل ما كان نَقْصاً وشَيْناً، فضلاً وزَيْناً، وما كان لقباً ونَبْزًا يسوءُ السمع، شَرَفاً وعزّاً يرفع الطرف، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع، ولُطف القريحة الصَّناع، والذِّهن الناقد في دقائق الإحسان والإبداع، كما كساهم الجمالَ من حي كانوا عُرُوا منه، وأثبتهم في نِصَاب الفضل من حيث نُفُوا عنه، فَلرُبَّ أنفٍ سَليم قد وَضع الشعرُ عليه حَدَّه فجدَعَه، واسمٍ رفيع قَلَب معناه حتى حطّ به صاحبَه ووَضَعه، كما قال:
يا حاجبَ الوزراء إنّك عندَهم ... سَعْدٌ ولكن أنتَ سَعْدُ الذابحُ
2- ومن العَجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد:
لَوْ عَلِمَ اللَّه فِيه خَيْراً ... ما قال لا خَيْرَ في كَثير
فانظر من أيّ مدخل دخل عليه، وكيف بالهوينا هَدَى البلاءَ إليه؟ وكَثِيرٌ هذا هو الذي يقول فيه الصاحب: " ومِثْلُ كَثِير في الزَّمَان قَلِيلُ " فقد صار الاسم الواحد وسيلةً إلى الهَدْم والبناء، والمدح والهجاء، وذريعةً إلى التزيين والتهَجين.
3- ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قولُ ابن المعتزّ في ذمّ القمر، واجتراؤُه بقدرة البيان على تقبيحه، وهو الأصْل والمثل وعليه الاعتماد والمعوَّل في تحسين كل حَسَن، وتزيين كلِّ مزيَّن، وأوَّلُ ما يقع في النفوس إذا أريد المبالغة في الوصف بالجمال، والبلوغُ فيه غايةَ الكمال، فيقال وجهٌ كأنه القمر، وكأَنه فِلْقَةُ قمر، ذلك لثقته بأنّ هذا القول إذا شَاء سَحَر، وقَلَبَ الصُورَ، وأنه لا يَهاب أن يخرق الإجماع، ويسحَر العقولَ ويَقْتَسر الطباع، وهو:
يا سارقَ الأنوار من شَمْس الضُّحَى ... يا مُثْكِلي طيبَ الكَرَى ومُنَغِّصِي
أمّا ضياء الشمسِ فيك فناقصٌ ... وأرَى حَرَارةَ نارِها لم تَنْقُصِ
لم يَظْفَرِ التشبيهُ منك بطائِل ... مُتسَلِّخٌ بَهَقاً كلَوْنِ الأَبْرصِ
4- وقد عُلِم أنْ ليس في الدنيا مُثْلَة أخزَى وأشنعُ، ونكالٌ أبلغ وأفظع، ومَنْظرٌ أحق بأن يملأ النفوس إنكاراً، ويُزْعج القلوبَ استفظاعاً له واستنكاراً، ويُغْري الألسنةَ بالاستعاذة من سُوء القضاء، ودَرَكِ الشقاء، من أن يُصلَب المقتول ويشبَّح في الجِذع، ثم قَدْ تَرَى مَرثيةَ أبي الحسن الأنباري لابن بقيّة حين صُلب، وما صَنَع فيها من السّحر، حتى قَلَبَ جُملةَ ما يُستنكر من أحوال المصلوب إلى خِلافها، وتأَوّلَ فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضي منْه العجَب:
عُلوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... بحَقٍّ أَنت إحدى المعجزاتِ
كأنّ الناسَ حَوْلَك حينَ قاموا ... وُفودُ نداك أيّامَ الصِّلاتِ
كأنك قائمٌ فيهم خطيباً ... وكلُّهُمُ قيامٌ للصَّلاةِ
مددتَ يَدَيْك نحوهُمُ احتفاءً ... كمدِّهما إليهم بِالهِبَاتِ
ولما ضاق بطنُ الأرض عن أنْ ... يَضُمَّ عُلاكَ من بعد المماتِ
أصَاروا الجوَّ قبرَك واستَنَابُوا ... عن الأكفانِ ثوبَ السَّافياتِ
لعُظْمك في النفوس تبيتُ تُرعَى ... بحُرَّاس وحُفَّاظٍ ِثِقاتِ
وتُشعَلُ عندك النيرانُ ليلاً ... كذلك كنتَ أيامَ الحياةِ
ركبتَ مَطِيَّة، من قَبلُ زيدٌ ... عَلاَها في السِّنين الماضياتِِ
وتلك فضيلةٌ فيها تَأسّ ... تُباعد عنك تَعييرَ العُداةِ
أسأتَ إلى الحوادث فاستثارت ... فأنت قتيلُ ثَأْرِ النائباتِ
ولَوْ أنّي قَدَرتُ على قِيامي ... بفَرْضك والحقوق الواجباتِ
مَلأْتُ الأَرض من نَظْم القوافي ... ونُحْتُ بها خِلال النائحاتِ
ولكنّي أُصَبِّر عنك نفسي ... مخافةَ أن أُعَدَّ من الجُنَاةِ
وما لك تُرْبةٌ فأقول تُسْقَى ... لأنّك نُصْبُ هَطْلِ الهاطلات
عليك تحيّةُ الرَّحمن تَتْرَى ... برَحْمَاتٍ غوادٍ رائحاتِ
فسبحان الذي اختار العربية لغة خاتم كتبه، وأفضل رسله, والحمد لله الذي علمنا منها ما لم نكن نعلم