اللغة العربية والطريق نحو الابتكار
د. شعبان بدير
تُتّهم اللغة العربية الفصيحة بأنها غير قادرة على مُجاراة عصر التقدم التكنولوجي، وأنها ليست اللغة المُؤهّلة التي يستند عليها العرب في سعيهم نحو المستقبل المستند على الإبداع والابتكار. ونتساءل: هل اللغة بالفعل هي التي تخلق الابتكار؟! أم أن أهل اللغة أنفسهم هم المبتكرون الذين يعيدون إليها حياتها ويُعلون من قدرها بتقدّمهم وإبداعهم؟
وللإجابة عن هذين السؤالين لا بد لنا أن نعي أن اللغة هي وسيلة التفكير ووعاء الإبداع والابتكار، وليست صانعته في الأساس؛ لأن التقدّم يصنعه أبناء اللغة بجدِّهم وعلمهم وابتكاراتهم التي يواكبون بها كل جديد في عصرهم، بل إن اللغة ذاتها، كما ذهب جبران خليل جبران في كتابه مستقبل اللغة العربية، مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمّة، أو ذاتها العامّة، فإذا هجعت قوّة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها.
فمستقبل اللغة العربية إذاً يتوقف على مستقبل الفكر المبدع عند المتحدثين بها، فإن نهضوا بفكرهم وإبداعهم، نهضت اللغة وانتعشت بل سادت كل اللغات؛ لأنها ستصير اللغة المعبرة عن كل جديد في عالم المخترعات والمكتشفات والتكنولوجيا المعاصرة، بل ستجبر أهل اللغات الأخرى على تعلُّم اللغة العربية حتى يواكبوا كل جديد يبدعه أبناؤها. والتاريخ زاخر بالعديد من الشواهد على ذلك؛ فقد مرّ على اللغة العربية عصور كانت لها الغلبة والقوة التي اقتبستها من قوة أبنائها وعزتهم.
وهذا يحدو بنا إلى أننا بدلاً من أن نهمل لغتنا ونطمس معالمها، ونبحث لنا عن لغة بديلة نراها، في زعمنا، قادرة على ولوج العالم الحديث بعلومه وتقدمه، علينا أن نبحث عن الوسائل التي تعيد اللغة العربية إلى عرشها بعودة أبنائها إلى النهضة الحقيقة القائمة على التعليم المتميز الذي يبني العقول ويمدها بمداد التقدم المبني على استراتيجيات صحيحة وواعية، يتحوّلون بها إلى منتجين حقيقيين وليسوا مجرد مستهلكين أو مقتبسين لنتاج غيرهم.
إن السّعي باللغة العربية نحو الابتكار يجب أن ينطلق من مشروع علميّ عربيّ كبير يشمل كل التخصصات العلميّة والمعرفيّة التي تأخذ بيد الأمة العربية نحو الرقي والمزاحمة الحقيقية في كل المجالات العلمية على مستوى العالم، وأن تبذل الجهود من كافّة الهيئات الحكومية والخاصة في الإنفاق على مشروع عربي كبير من أجل النهوض باللغة العربية ونشرها في ربوع المعمورة عن طريق المؤسسات التعليمية والهيئات الإعلامية، وتسهيل سبل تعليمها باستخدام المهارات والوسائل التقنية، وأن تجتهد الحركة المعجمية في بذل جهودها الحثيثة من أجل استيعاب كل جديد في المخترعات والمكتشفات الحديثة كافّة، مثلما يحدث مع اللغة الإنجليزية، ورصد المكافآت والجوائز من أجل تشجيع الإبداع في علوم العربية واستراتيجيات تعليمها كافة، وتعدُّ جائزة محمد بن راشد للغة العربية خير شاهد ودليل على ذلك.
المصدر