الإعراب والمعنى
كثيرة هي المواضيع التي طرحت في المنتدى وتناولت علاقة الإعراب بالمعنى والتي تنطلق من القانون النحوي المعروف بأن الإعراب فرع المعنى, والذي أراه – وهذا رأيي ولا ألزم به أحدا – يساء فهمه.
إن الإعراب سبيل إلى فهم المعنى إضافة إلى المعجم والمعارف الكلية التي يكتسبها المتكلم والمستمع حتى تكون لهما قناة اتصال واحدة متفق عليها. إلا أن المعنى قد يخالف الإعراب أحيانا, ليظل الإعراب مستوى تركيبيا تجريديا بحتا يبرز العلائق التركيبية بين ألفاظ الكلام دون مسؤولية عن صحتها أو إمكانها, وهذه الحالات كثيرة في كلامنا, وفيها يتجلى الفرق بين الإعراب والمعنى. هذه الحالات هي حالات الكذب والخطإ والمجاز, فالكاذب إذا كذب وأعرب كلامه إعرابا صحيحا فإن الإعراب غير مسؤول عن صحة الكلام أو إمكانه, فلو قال قائل:
أكلتُ سيّارةً.
فإن مهمة الإعراب الوحيدة هي إظهار أن "سيارة" مفعول به تركيبي في الجملة, وهو غير مسؤول عن صحة الكلام أو إمكانه, ونحن لا نستطيع أن نقول أن "سيارة" لا يمكن أن تكون مفعولا به لأنها لا تؤكل, لأن ذلك حكم على المعنى لا على الإعراب.
ولو قلنا:
يقول النصارى: اتخذ الله ولدًا.
فإن إعراب "ولدا" هو مفعول به تركيبي, وهذا الإعراب لا يهمه إن كان الفعل ممكنا حقيقة أم لا – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فالحكم على المعنى من حيث الحقيقة والإمكان مستوى فوق الإعراب, مستوى تفاعلي بين المتكلم أو المستمع والكلام الملفوظ, ولولا الإعراب لما وصل إلى هذه المرحلة, فالإعراب هو الذي أظهر له العلائق وهو الذي بين له المعنى.
ولو قال قائل:
خرق الثوبُ المسمارَ.
فإن إعراب "الثوب" فاعل وإعراب "المسمار" مفعول به, سواء كان ذلك ممكنا حقيقة أم لا.
وفي حالات الخطإ فإن الإعراب يصعب ويتطلب أحيانا تداخلا بينه وبين المعجم حتى يميز كل عنصر في الجملة, فلو قال قائل:
جلستُ كرسيًّا.
فإن المعجم يخبرنا أن "جلس" لا يمكن أن يتعدى هنا بنفسه, وأن "كرسيا" لا يمكن أن تكون ظرف زمان غير محتاج لحرف, فنحكم على الكلام بالخطإ الإعرابي. وعلى العموم فإن حالات الخطإ الإعرابي حالات معقدة لا تنبني عليها قواعد واضحة.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الفصيح