mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي اللغة العربية في يومها العالمي

كُتب : [ 03-27-2018 - 04:53 AM ]


اللغة العربية في يومها العالمي



أ.د. بوهادي عابد



إنّ اللّغة هي الوعاء الأساسي الذي يحتوي العلوم، والثّقافة، والتّاريخ، والحضارة، والهوية، والمشاعر، فإن استطاعت أمّةٌ المحافظة على لغتها ستكون من أكثر الأمم تقدُّماً وتطوّراً.

من هذا المنظور، حَظِيَت اللّغة العربيّة بما لم تحظَ بهِ أيّة لُغةٍ من الاهتمام والعناية، إذ اختارها الله جلّ جلاله من بين لُغات الأرض ليكون بها كلامهُ الخالد الذي أعجز بهِ من كانَ ومن سيأتي إلى قيام السّاعة، وهذا الإعجاز لا يكونُ إلاّ لكون هذهِ اللّغة تحتمل ثقل الكلام الإلهيّ وقوّة الخطاب الربّاني. لذلك، سُمّيت اللّغة العربيّة بلغة القرآن والسُنّة. ومع ذلك فإنّ هنالك مُشكلةٌ في تعليم ونشر العلوم في العصر الحاليّ باللّغة العربيّة، واعتماد اللّغة الإنجليزيّة غالباً في التّعليم في الجامعات العربيّة وأحياناً في المدارس أيضاً، وتكوّنت هذه المشكلة بالرّغم من أنّ تعليم العلوم باللّغة العربيّة أسهل وأكثر إمتاعاً؛ نظراً لأنّ اللّغة العربيّة تُعطي مجالاً للإيجاز والتّعبير بشكلٍ كبيرٍ عن المواضيع المُختلفة، فهي لغةٌ مَرِنةٌ جداً في شرح الأمور العلميّة في ظلّ الوفرة الكبيرة في المفردات والأساليب اللغويّة.

وبالنظر إلى مزايا وخصائص العربية تُعدّ اللّغة العربيّة لغةً خالدةً، ولن تنقرض مع مرور الزّمن أبداً حسب دراسة لجامعة برمنجهام أُجريت للبحث في بقاء اللّغات من عدمه في المُستقبل، وتتميّز اللّغة العربيّة بالكثير من الميزات التي توجد في لغة الضّاد فقط ولا توجد في غيرها من اللّغات، فكيف لا يحتفل باليوم العالمي للغة هذه خصائصها ومزاياها.

الكلمات المفتاحية وعاء، الهوية، الاهتمام والعناية ، الإعجاز، الكلام ، الخطاب، الإيجاز...


البَحثُ كاملٌ:

تعتبر اللّغة العربيّة إحدى اللّغات الأكثر انتشاراً في العالم، يتحدث بها يوميّاً ما يقارب خمسمائة مليون شخص. وهي لغة القرآن ووعاء سنّة النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلّم)،فهي لغة تتّسم بالقوة والروعة والجمال حيث لم تستطع لغات العالم مجاراتها. وأهمّ ما يميّز اللّغة الّعربية أنّها تكتب من اليمين إلى اليسار على عكس كلّ لغات العالم، وتستمد أهميّتها من قدرتها على حفظ كيان الأمة العربيّة وإبراز هويّتها، وحمايتها من الضياع بين سائر الأمم والحضارات الأخرى.

يؤكد ذلك ما نشرته جريدة “الواشنطن بوست” حول لغات العالم تنص فيه على أن أكبر اللغات من حيث عدد المتكلمين بها كـ ”لغة أم” هي اللغة الصينية التي جاءت على رأس القائمة. إذ بين سكان الأرض البالغ عددهم 7.2 مليار نسمة يتكلم اللغة الصينية جوالي 1,390 مليار شخص. وحلت في المركز الثاني اللغتان الأردية والهندية، اللتان تنحدران من أصل لغوي واحد في شمال الهند، حيث يتكلمهما 588 مليون شخص.

أما الإنجليزية فجاءت في المركز الثالث، حيث يتكلمها -كلغة أم- 527 مليون شخص. وحلت اللغة العربية في المركز الرابع بـ: 467 مليون متحدث بها، أي بزيادة ما يقارب مائة مليون عن اللغة الإسبانية صاحبة المركز الخامس برصيد 389 مليون شخص.

هذا الترتيب من حيث عدد المتكلمين، أما من حيث عدد الدول ، فإن اللغة التي يتحدثها أكبر عدد من الدول هي اللغة الإنجليزية التي جاءت في المركز الأول حيث تتحدث بها 101 دولة. تليها اللغة العربية حيث يجري الحديث بها في 60 دولة، من بينها 22 دولة هي أعضاء في الجامعة العربية. فيما تتوزع بقية الدول على قارتي آسيا وإفريقيا، حيث هناك قبائل وجماعات تتحدث العربية في تشاد ومالي والكاميرون مثلا، وغيرها.

وحلت اللغة الفرنسية في المركز الثالث برصيد 51 دولة، ثم الصينية بـ33 دولة، وتأتي بعدها اللغة الإسبانية حيث يتحدث بها مواطنون في 31 دولة ...

ما يحز في النفس أن اللغة العربية تحتفي بيومها العالمي ولا نكاد نجد لذا الاحتفاء وجودا يليق بمكانتها سواء لدى الجهات الرسمية أو عبر وسائل الإعلام، وفي الوقت ذاته نلاحظ تراجع استعمالها وهيمنة اللغة الفرنسية بكل أسف على كل المعاملات في الإدارة والدبلوماسية والتجارة والتعليم، إلى درجة أن اللغة الوطنية أصبحت غريبة في عقر دارها وبين أهليها، وهذا ما يتجلى بوضوح في المحيط، حيث غابت اللغة العربية من واجهات المحلات وسادتها كل اللغات الأجنبية، وإذا كانت هناك اللغة العربية فهي مشوهة أو باللهجة العامية.

بدأ تخليد اليوم العالمي للغة العربية عام 2012، ويُوافق 18 ديسمبر/كانون الأول من كل سنة، وهو التاريخ نفسه الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية سادس لغة رسمية لها قبل ذلك بنحو أربعة عقود، أي عام 1973.(بناء على قرار المجلس التنفيذي لليونسكو خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس في أكتوبر 2012)
وفي عام 2013 قررت الهيئة الاستشارية للخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية (أرابيا) التابعة لليونسكو جعل اليوم العالمي للغة العربية

نشاطها المركزي السنوي.

إن 18 ديسمبر هو يوم حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) للاحتفاء باللغة العربية على غرار لغاتٍ أخرى سمَّت لها المنظمة أياما للاحتفاء بها، منها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية والروسية.

إن الواقع يسجل تراجعا رهيبا في تعريب المحيط، وذلك، بالرغم من وضوح القرارات السياسية . . . فاللافتات والإعلانات تكتب بغير لغة الضاد، على مرأى السلطات، التي يقع على مسؤوليتها إلزام أصحاب المحلات والمؤسسات باستعمال اللغة العربية في اللافتات والإعلانات واللوحات،من منطلق احترام الدستور وقانون الجمهورية . . .

يرمي اليوم العالمي للغة العربية إلى إبراز الإسهام المعرفي والفكري والعلمي لهذه اللغة وأعلامها في مختلف مناحي المعرفة البشرية عبر التاريخ، فالحضارة العربية الإسلامية لها إسهامات مشهودة في مختلف مناحي العلوم والمعرفة والآداب والفنون، ويعود إليها الفضل الأكبر في النهضة الأوروبية ثم الثورة الصناعية التي كرَّست قيادة الغرب للعالم منذ أواخر القرون الوسطى.

ويسعى اليوم العالمي للغة العربية كذلك إلى التأكيد على مركزية هذه اللغة، التي تُعد من أوسع اللغات السامية انتشارا، فعدد المتحدثين بها يتجاوز 420 مليون نسمة في البلاد العربية، وفضلا عن ذلك فإنَّ معرفتها ولو بشكل محدود ضروري لأكثر من مليار مسلم كي يُؤدوا صلواتهم، كما أنها اللغة المعتمدة لدى عدد من الكنائس المسيحية في المشرق، وكتب بها جزء مهم من التراث الثقافي والديني اليهودي.

بدأ اهتمام اليونيسكو باللغة العربية باكرا، فقد قرر المؤتمر الثالث للمنظمة، المنعقد في بيروت عام 1948، اعتماد العربية لغة ثالثة، إلى جانب الإنجليزية والفرنسية ، لأشغال هيئات المنظمة في حال انعقادها في بلد ناطق بالعربية، كما استحسن المؤتمر إدراج العربية ضمن اللغات التي تُترجم إليها محاضر الاجتماعات والدوريات ووثائق العمل.

وفي عام 1960، قرر مؤتمر المنظمة ترجمة أهم وثائقه ومناشيره إلى اللغة العربية. مما أدى إلى الاعتراف بأهمية اللغة العربية وبقدرتها على جعل منشورات المنظمة أكثر تأثيرا وجلبا للاهتمام في البلدان الناطقة بالعربية إذا تمت ترجمتها إلى هذه اللغة.

بيد أنَّ عام 1966 شهد تحولا مهما تمثل في اعتماد اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للجلسات مع ترجمة آنية منها وإليها في المؤتمر العام للمنظمة، وبعد ذلك بعامين تم اعتماد اللغة العربية لغة عمل في المنظمة بفضلِ جهدٍ جهيد بذله مديرها العام حينها.

ومهدت هذه الخطوة لاستخدام اللغة العربية بشكلٍ تدريجي في عمل المنظمة بدءا بترجمة وثائق العمل والمحاضر ونحوها.

من ثمار تلك الجهود وضع برنامج لتوسيع استخدام اللغة العربية مع اعتبار المنظمة اللغة العربية -على غرار اللغات الرسمية لها- وسيلة للتعبير عن الحضارة والثقافة البشرية وحفظهما.

إلى أن يُتوج مسار ازدهار اللغة العربية في اليونيسكو باعتمادها لغة رسمية في عام 1974 بفضل جهود حثيثة بذلتها حكومات الجزائر والسعودية ومصر والعراق والكويت ولبنان وتونس واليمن،الأمر الذي مكن من إدراج ترسيم اللغة العربية في جدول أعمال المؤتمر العام للمنظمة، لكن هذا الجهد العربي لم يكن له أن يكلل بالنجاح لولا الدعم السخي الذي قدمه المدير العام السنغالي أمادو مختار مبو .

تحديات تواجهها اللغة العربية
تواجه اللغة العربية تحديات جمة تحول دون تمكنها من مسايرة الحداثة والطفرات العلمية والتقنية الهائلة التي عرفها العالم. والواقع أنّ هذا العجز ليس بنيويا، فعلماء اللغة واللسانيات لا يختلفون حول المؤهلات الفريدة لهذه اللغة وثراء معجمها، ومن هنا لا يمكن فصل مشاكل العربية عن حالة التخلف العامة المهيمنة في الفضاء العربي الإسلامي منذ قرون.

تواجه اللغة العربية مشاكل يمكن أن نذكر في مقدمتها غياب سياسات حكومية لتطويرها، وضعف البحث العلمي بشكل عام، خاصة في علوم اللغة واللسانيات والتواصل، كما أن سيادة اللغات الغربية الموروثة عن الاستعمار في الإدارة والاقتصاد والتعليم، وشيوع اللهجات وتبنيها من شرائح نافذة من النخب المتشبعة بالثقافة الغربية الممزوجة بمسحة استعمارية فكرية، كلها عوامل تُشكل عقبة أمام ازدهار اللغة العربية واسترجاع مكانتها التاريخية.

ومن التحديات كذلك ما يتعلق بمسايرة التكنولوجيا، وتتمحور أساسا حول ضعف حركة الترجمة، فالكتاب مثلا حين يصدر بالإنجليزية - اللغة المهيمنة في مجال العلوم والتكنولوجيا- يُترجم إلى الفرنسية بعد ثلاث سنوات في متوسط الأحوال، في حين لا يُترجم إلى العربية إلا بعد عقدين من الزمن تقريبا.

تواجه العربية إشكالا آخر هو صعوبة "الرقمنة"؛ فاللغات اللاتينية مثلا سهلة "الرقمنة" لإمكانية كتابة كلماتها منفصلة الأحرف، وهو ما ليس متاحا بالنسبة للعربية رغم أنَّ كل حرف عربي يمكن كتابته منفردا، وهو ما يُؤكد أنَّ العائق ليس بنيويا وإنما يحتاج فقط إلى جهد لتطوير الهوية البصرية للأحرف بما يُمكن من تركيب الكلمات وفق نسق يُناسب التعبير المعلوماتي المعروف بالتعبير الثنائي.

ويعكس واقع اللغة العربية حالة التشرذم التي يعرفها الفضاء العربي الإسلامي، فأبرز تجليات ذلك إخفاق الدول العربية في توحيد المصطلح، بل وانتصار كل دولة لمصطلحات مجامعها اللغوية إن وُجدت، رغم أن تلك المصطلحات قد تكون متهافتة في مبناها ومعناها.

ما تزال اللغة العربية تعاني من غياب التكافؤ مع اللغات الأخرى المعتمدة، حيث لم يتم نقل العديد من الوثائق والملفات إلى هذه اللغة بعد، في واقع تثبته بشدة صفحات المواقع الإلكترونية الخاصة بالأمم المتحدة.

ويحدّ الغياب النسبي للغة العربية هامش إيصال المعلومات للمجتمعات الناطقة بهذه اللغة، سيما عبر الإنترنت، التي تشكل مصدر المعلومات الأول المتعلق بتلك المنظمة، التي ينبغي أن تخصص مبالغ أكبر لإزالة الاختلال اللغوي الحاصل.

يذكر أن العديد من الدول العربية قدمت مساهمات مالية سخية تصب في إطار تطوير محتوى اللغة العربية عبر هيئات الأمم المتحدة، التي لا بد لها من أن تحرص على إطلاع شريحة واسعة من جمهورها على وثائقها بلغتهم الأم.

إن تعليم اللغة العربية في العصر الحاضر أصبح مجالا متعدد الأبعاد لا يتعلق فقط بالتعليم اللغوي وإنما يتعلق كذلك بالسياسة اللغوية. إن اللغات السائدة في هذا العصر فازت بالمنافسة في التواصل الدولي، وليس عن طريق التعليم فقط. وإنما عن طريق السياسة اللغوية الداعمة لها، مما يعني أن مجال تعليم أي لغة أجنبية في هذا العصر يجب أن يستند إلى التآزر بين المنهج والسياسة اللغوية.

يضاف إلى ما سبق أثر مخاطر العولمة وسلبياتها إذ يجب ألا ننظر إلى العولمة على أساس ما تحققه من تقدم ملحوظ في المجال الاقتصادي، واعتبارها رأس الهرم الذي بلغته الرأسمالية بتطورها الاقتصادي، وأنها ترفض رأس المال الوطني وتدعو إلى رأسمال عالمي والشراكة العالمية في رأس المال. فهذا، بالضرورة يؤدي إلى تطور في العلاقات؛ سواء مع الذات، أو مع الآخر، أو بالموروث الحضاري من جهة ثالثة.

إن العولمة اللغوية لا تقل خطورة عن أنواع العولمة الأخرى، بل إنها أخطر ألوان العولمة، لأنها لا تعني عولمة اللغة الإنجليزية (وهي اللغة التي تتسلح بها أمريكا في شن هجوم العولمة على العالم) وهيمنتها على سائر اللغات فقط، ولكنها تعني أيضا عولمة ثقافة هذه اللغة وسيادتها على ثقافات العالم كلها.

فاللغة العربية تعد من اللغات الأكثر تعرضا لهذا النوع من العولمة،لكونها لغة أجنبية ولغة دينية في آن واحد، مما يعني أن المواجهة بين الإنجليزية والعربية في ضوء العولمة تعني المواجهة بين الثقافة الغربية والثقافة الإسلامية، وذلك أمر أشعل غزوا فكريا منذ زمن لا يستهان به.

وفي حالة المواجهة بين اللغتين، فإن اللغة العربية هي التي ستخسر كثيرا، ويأتي ذلك نتيجة هيمنة اللغة الإنجليزية وسيطرتها على الوسائل التكنولوجية وسيادتها في مجال الأعمال والاتصال الدولي.

تقول الأرقام الدولية الرسمية أن 90% ( تسعين ) من العناصر التي تتحرك في شبكة الإنترنت هي بالإنجليزية وحدها، و85% (خمسة وثمانين ) من الاتصالات الدولية عبر الهاتف تتم بالإنجليزية أيضًا، وأن أكثر من 70% ( سبعين ) من الأفلام التليفزيونية والسينمائية بالإنجليزية، و65% (خمسة وستين) من برامج الإذاعات في كل العالم بالإنجليزية. ([1])

أما في مجال الأعمال، فإن الإنجليزية تشكل أهم الشروط التي يجب توفيرها من أجل الحصول على عمل أو منصب مرموق معين بخلاف العربية التي تنحصر مطالبتها في مجالات محددة.

وليست هذه الظاهرة بالمشكلة الحقيقة التي تتعرض لها العربية، ولكن المشكلة الحقيقية هي ما يترتب على هذه الظاهرة من تكوين الاتجاهات الإيجابية تجاه الإنجليزية والسلبية تجاه العربية. وما ينتج عن ذلك من طمس للهوية اللغوية العربية والثقافية الإسلامية.

ولعل أبرز صورة تعكس هذا الطمس هو أن نلفي المسلمين أنفسهم يفتخرون بالإنجليزية ويعتبرونها لغة وحيدة للفوز في الحياة

المعاصرة. وفي المقابل ينظرون إلى العربية نظرة مخالفة. فتنقص رغبة الأجنبيين ودافعيتهم لتعلم العربية وتعليمها، ويضيع افتخار العرب

باستخدام العربية إلا صورتها العامية.

فهم يعلمون أولادهم في المدارس الغربية لكي يجيدوا الإنجليزية أكثر من العربية. بل هناك ظاهرة تكاد تتجاوز الخيال حيث يلاحظ

في العقود الأخيرة أن بعض السيدات الحوامل يسافرن إلى أمريكا أو إنجلترا ليلدن هناك حتى يكتسب المولود جنسية فوقية لا عربية دونية. ([2]) مما يؤكد أن أزمة الهوية بين أبناء هذه الأمة وصلت إلى أقصى حدودها !

لكن هل يجوز لنا الاعتقاد المطلق بأن العولمة مشكلة دائمة ضد اللغة العربية؟ ألا يمكننا التكيف معها؟ وقد أصبحت واقعا لا مفر منه؟ ألا ينبغي التعامل معها، واعتبار الموقف مخرجا أملته الضرورة الملحة؟ إن قليلا من التمعن والتروي يفرض علينا هذا الطرح الواقعي الجديد لأنه - في تقديري - الحل الأنسب في ظل الظروف الراهنة . ثم إن العولمة لا تقوم دائما ضد العربية. فهناك من الظواهر ما يمكن أن تنتفع بها اللغة العربية كغيرها من اللغات، ولعل أهمها توفير الوسائل التكنولوجية الإعلامية التي اتخذت العربية فيها مكانا للتداول. إن الوسائل الإعلامية وبخاصة شبكات الإنترنت والقنوات الفضائية بالنسبة للناطقين بغير العربية تقدم لهم ما يتمتعون به من برامج لغوية وثقافية، وتزودهم بدورها بالمعلومات عن اللغة العربية وثقافتها. أما بالنسبة للمواطنين العرب فقد تضاعفت من خلال هذه الوسائل فرصهم لسماع الفصحى وفهمها في الوقت الذي سادت العامية في حياتهم اليومية. والإنترنت هي أهم ما تنتفع به العربية، وبخاصة في تقديم ديناميكية هذا العصر أمام المجتمع الدولي بأسلوب عربي، وهي بهذا تحمل العربية على مواكبة جميع تطورات العالم الحاضر، مما يعني أن هذه الوسيلة تضمن حضور اللغة في التواصل الدولي.

إن إجراءات العولمة الحالية تحاول أن تشمل الاقتصاد والسياسة والاجتماع والاستراتيجية والثقافة، من خلال نظرية ليبرالية شاملة، تحت شعار: (المصير الواحد للبشرية قاطبة)

لكن من هو الإنسان المستفيد من العولمة؟ ومن هو القادر على إملاء مفاهيمه على الآخرين؟ إنه الطرف الأقوى ولا شك؛ فهو الذي سيحدد المعايير، وهو الذي سيدفع الهيئات والدول نحو ما يريد، وهو الذي سيعمل بانتقائية لخدمة مصالحه، إنه الغرب وعلى رأسه أمريكا. . . الغرب الذي لم يعرف في تاريخه ولا حاضره إلا العمل لمصلحته وترويج مفاهيمه، حيث يزعم الكثير بأنَّ العولمة نَسَق اقتصادي اقْتَضَاه التَّقَدُّم الحاصِل في تقنيات الاتِّصال والمعلومات، والتَّغَيُّر الحاصِل في المفاهيم الاقتصاديَّة للمجتمع المعاصِر. غيرَ أنَّ الحقيقة هي أنَّها نظام كوني يتجاوز دائرة الاقتصاد؛ ليشمل تعميم النَّمَط الحضاري الأمريكي بجميعِ مفرداته السياسيَّة، والفكرية، والعَقَديَّة.

ومن ثم، يظهر بوُضُوح أنها إرادة للهيمَنة، وبالتالي قمع وإقصاء للخصوصيَّة، واستهداف السَّيْطرة على الإدراك، واختطافه وتوجيهه لِسَلْب الوعي، والهيمنة على الهُويَّة الثَّقافيَّة الفرديَّة والجماعيَّة للمجتمع، وهكذا فَبَدَلاً مِن تأسيس الحدود الثقافيَّة، والخصوصيَّة الوطنية والقومية، تطرح أيديولوجيا العولَمة حُدُودًا أخرى، غير مرئيَّة، ترسمها الشبكات العالميَّة الأمريكية؛ بِقَصْد الهيمنة على الاقتصاد، والأذواق والفكر والسلوك. مما يكرس مبدأ انصهارِ الحُدُود المكانيَّة الكونيَّة، وإزالة جميع العَقَبات التي تقف أمام انتقال البَشَر والمعلومات، والسِّلع وجميع أنواع الخدمات بين بقاع المؤسَّسات المنتَشرة على رقعة كوكبنا الأرضي . . .



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-27-2018 - 04:56 AM ]


إن ما نشهده اليوم في ظلِّ هذا النظام الجديد، والتبشير بالعولمة: دولٌ تفكَّكَتْ كما يحدث الآن في العراق وسوريا وليبيا والسودان وأفغانستان، والصومال . . . هي في واقع الحال مذابح ضد الإنسان بشكْلٍ عام، والإنسان المسلم بشكل خاصٍّ، وارتكبت دون تحقيق دولي. . . وكما حدث في البوسنة والهرسك في قلب أوروبا، وما حدث في كوسوفو، وكما حدث في رواندا؛ حيث أُبِيد أكثر من نصف مليون مواطن، دون أن تُحَرِّك القوى المهيمنة ساكنًا، ومن هذا الباب سوف تنكشف بعض مخاطِر العولمة على حياتنا اليومية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية . . .

الموقف من العولمة:

منذ أن أطلق دعاة العولمة شعارهم وقف شعوب العالم العربي والإسلامي والدول النامية من ذلك مواقف مختلفة يمكن إجمالها في

ثلاثِ فِرق:

الفرقة الأولى: وقفت موقف الاستسلام والخضوع، ورأت في العولمة حتمية تاريخية وإعصاراً مدمراً لا قِبل لأحد بالتصدي له أو الوقوف في وجهه. وعلى شعوب العالم أن يطأطئوا رؤوسهم ويكيفوا أوضاعهم حسب معطيات تيار العولمة ويركبوا قطارها قبل أن يفوتهم، فيضيعوا في متاهات الحياة وتنقطع بهم السبل فيتجاوزهم التاريخ.

الفرقة الثانية: وقفت موقف الرفض المطلق للعولمة ودعوتها، ورأت فيها استعماراً جديداً بأساليب العصر، ودعوة إلى هيمنة الغرب وحضارته على مقدرات الشعوب، والقضاء على خصوصيتها وإحلال النمط الغربي محل النموذج المحلي، والجديد في العولمة ما هو إلا تطوير في أدوات الهيمنة وتقنينها.

الفرقة الثالثة: وقفت وقفة المتدبر إلى دعوة العولمة، المحلل لمعطياتها، المقوم لنتائجها وثمراتها.ومن ثم أعطت لكل حالة حكمها، واتخذت موقفاً يتناسب مع مراحل بروزها وتطور وسائلها وحاولت الإفادة من إيجابياتها والتحذير من سلبياتها.

ولعل من الأنسب أن نميل إلى الفرقة الثالثة ونتبنى موقفها لأنها تدعو إلى الموضوعية والدراسة والتدبر الذي يتأسس على التعقل والتمعن في عملية التحليل والتنظير ، وبالتالي اتخاذ الموقف المناسب للإفادة من الإيجابيات واستغلال نتائجها، ورفض السلبيات وتجنب ما قد يترتب عنها من عواقب. ومن باب أولى أن نتعرف على عيوب العولمة وسلبياتها حتى يتسنى لنا العمل على تفاديها.

سلبيات العولمة وعيوبها:

لعل من أكبر عيوب العولمة وأكثرها وضوحا ازدواجية معاييرها. فحقوق الإنسان مثلا والشرعية الدولية كثيرا ما تزدوج فيها المعايير، وتتدخل الفلسفة البرجماتية في رسم هذه التوجهات وفي ضبط هذه القيم.

فخطر العولمة يهدد كيان الحضارات الإنسانية، ويدفع إلى نشوء حضارة جديدة تعتمد على طغيان رأس المال وجبروته، وهذا الخطر سيهدد العالم العربي والعالم الإسلامي باعتبارهما منطقة استهلاكية ضعيفة ومتخلفة.

ومن السلبيات الاجتماعية الناتجة عن العولمة ذوبان الطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي تقود مختلف التغيرات في العالم، لأن الطبقة الثرية تحافظ على امتيازاتها فهي تسعى إلى الإبقاء على ما كان، كما أنها حريصة على استمرار منافعها من الوضع القائم.

أما الطبقة الوسطى في نظام العولمة، وفي ظل خصخصة المؤسسات الصناعية والتجارية فإنها ستنزل إلى الطبقات الفقيرة، وسيزداد الفقر وستكون الدولة عرضة لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وتتدخل هذه المؤسسات العالمية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية. أما المعارضون للعولمة وغير المتحمسين لها فيرون أنها تهدف إلى تحقيق النتائج التالية:
01- الهيمنة على اقتصاديات العالم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال السعي إلى السيطرة واحتكار الشركات الأمريكية الكبرى لعوامل الاقتصاد العالمي ووسائله.
02- التحكم في مركز القرار السياسي وصناعته في دول العالم.
03- إلغاء النسيج الحضاري والاجتماعي للشعوب.
04- تدمير الهويات القومية والثقافة القومية للشعوب.
05- ازدياد الدول القوية غنى، بينما تزداد الدول الفقيرة فقرآ.
06- القضاء على الهوية الثقافية وعلى تراث الأمم والشعوب في المجال الفكري والحضاري.
07- فرض السيطرة بشتى أنواعها على الشعوب بقصد نهب ثرواتها واستغلالها.

ولعل أول ما تؤدي إليه العولمة في ضوء هذا المفهوم هو ما يعرف بطمس الهويات وضياع الاتجاهات غير الأمريكية. لأن تعميم النموذجي الأمريكي في هذه المجالات يعني الابتعاد عن أي نظام آخر متبع فيها. فتعميم النموذجي الأمريكي في الاقتصاد على سبيل المثال يعني أول ما يعني الابتعاد عن أي نظام اقتصادي لا يتناغم معه. فإذا وقعت هذه العولمة الاقتصادية في دولة معينة، فذلك سوف يحثها على الابتعاد عن نظامها الاقتصادي وتبني نظام آخر أمريكي، وبهذا تختفي هوية هذه الدولة الاقتصادية.

وعلى صعيد آخر ، فإن بعض ردود الفعل على العولمة قد تأتي لصالح اللغة العربية. ومن ذلك ظهور رغبة متزايدة في بعض الدول في تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي ردا على الاقتصاد الأمريكي الرأسمالي. وهذا قد أدى إلى رغبة متزايدة لتعلم اللغة العربية لأغراض اقتصادية، حيث بدأ المعنيون بالاقتصاد الإسلامي يهتمون باللغة العربية لكونها وسيلة وحيدة للرجوع إلى المصادر الاقتصادية الإسلامية.

ومما يدعو إلى الاستغراب أن الردود المناوئة لظاهرة العولمة قد تركت هي الأخرى من الآثار ما يحسب لصالح اللغة العربية. لأن الحرب على الإسلام وما ينسب إليه من إرهاب قد أثارت فضول الملايين في الغرب لمعرفة الإسلام واكتشاف تعاليمه التي ربطوها بالإرهاب فأصبحوا يندفعون إلى تعلم العربية بدواعٍ كثيرة وفي مقدمتها الرغبة في أن يفهموا بأنفسهم الإسلام والثقافة العربية دون تأثير من أحد. ([3])

ومن ثم فالمنهج الذي يمكن الاستناد إليه في تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية ينبغي أن يجسد استراتيجية لغوية واضحة يمكن وضعها لدعم تعليمها.

أ)- الاستراتيجية اللغوية

لا يختلف اثنان في اعتبار المنهاج تقنية ضرورية يتوجب حسن توظيفها من أجل إنجاح العملية التعليمية غير أن الجدير بالملاحظة أن

تعليم اللغات الأجنبية في العصر الحاضر وخاصة المهيمنة منها مثل الإنجليزية لا يعتمد على المنهج فقط وإنما أيضا على استراتيجية لغوية قوية. لأن المنهج مهما كان فعالا لن يضمن نجاح تعليم أي لغة أجنبية في نطاق واسع ما لم تكن هناك استراتيجية لغوية تدعمه سواء أكانت تلك الاستراتيجية دولية قد وضعتها الدول الناطقة بتلك اللغة أم استراتيجية وطنية وضعتها كل بلاد تهتم بتدريس تلك اللغة. وللأسف الشديد فإن اللغة العربية بصفتها لغة أجنبية كان تعليمها ومازال يعتمد على المناهج التعليمية فقط ولم تكن هناك أية استراتيجية لغوية واضحة وضعت لدعم ذلك سواء أكانت استراتيجية دولية تطبق في جميع الدول الأجنبية أم استراتيجية محلية تخص دولة معينة تعنى بتعليم اللغة العربية.

وهذا يجعل تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية يلجأ كثيرا إلى كونها لغة دينية مما يعني أن تعليمها وتعلمها تحدده رغبة المسلمين في فهم دينهم. فإذا قويت هذه الرغبة زادت رغبتهم في تعلم اللغة العربية والعكس صحيح. لذلك، فمن الضرورة بمكان مبادرة وضع استراتيجية لغوية دولية أو وطنية لدعم تعليم اللغة العربية لكي تستطيع مواكبة العولمة اللغوية في العصر الحاضر، لأن الاستراتيجية اللغوية تغطي جوانب كثيرة يمكن ذكر أهمها فيما يلي:

الاستراتيجية مجال تأهيل المعلمين
يمكن أن تتمثل الاستراتيجية اللغوية العربية بهذا المجال في تنسيق الدورات التكوينية لمعلمي اللغة العربية وذلك بهدف تزويد المعلمين على أيدي الخبراء بأحدث التقنيات التعليمية التي يمكن لهم تطبيقها في رفع مستوى تعليم اللغة العربية أينما كانوا وحيثما وجدوا . وتتمحور مواد التكوين حول تصميم المناهج وتطويرها، وإدارة المواد التعليمية وتطويرها، وحسن استخدام طرائق التدريس وأساليبها، وإدارة الوسائل التعليمية واستثمارها، وإدارة نظام التقويم وأدواته، وثقافة اللغة العربية.

ويمكن تنسيق هذه الدورات التكوينية في مرحلتين: تتخذ المرحلة الأولى شكل "تدريب المعلمين المكونين"(formateurs) وهو تدريب مجموعة من المعلمين البارزين الذين سيكونون فيما بعد مدربين لزملائهم المعلمين الآخرين. وتتمحور المواد التي يتدربون عليها حول الخبرات المعرفية والثقافية وغيرها من المواد التي تفيدهم في تحسين مستواهم وفي أداء مهامهم. أما المرحلة الثانية، فتتم على شكل "تدريب أثناء الخدمة وهو تدريب معلمي اللغة العربية وليس إعدادا لهم. مما يعني أن المشاركين في هذا النوع من التدريب هم الذين يتخصصون في تعليم اللغة العربية ويعملون عليه.

تقوم بعض الدول بممارسة مثل هذه الاستراتيجية اللغوية في برامج تأهيل معلمي اللغة الإنجليزية مثل أستراليا- على سبيل المثال- من خلال تدريبات أثناء الخدمة لمعلمي اللغة الإنجليزية في إندونيسيا التي تهدف إلى تزويد المعلمين بكل ما يحتاجون إليه في تحسين أدائهم التعليمي من خبرات معرفية ومهنية وثقافية. وبالطبع، فإن مثل هذه الاستراتيجية اللغوية تلعب دورا أساسيا في رفع مستوى تعليم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية في إندونيسيا ومن ثم تتكون لدى المجتمع الإندونيسي اتجاهات إيجابية تجاه هذه اللغة وثقافتها ودوافع قوية لتعليمها وتعلمها.

استراتيجية تصميم المواد التعليمية وتطويرها
تتعلق هذه الاستراتيجية ببرامج مخططة في تأليف السلسلة التعليمية المتكاملة المضمون، ليس من الناحية اللغوية فقط، وإنما من الناحية التعليمية والثقافية أيضا. وبعبارة أخرى فإن السلسلة التعليمية المقصودة هي التي تغطي من الناحية اللغوية أغنى المواد اللغوية العربية في ضوء المهارات اللغوية الأربع، ومن الناحية التعليمية تنبني هذه الخطة على أحدث النظريات والمبادئ التعليمية، ومن

الناحية الثقافية تغطي الملامح والقيم الأساسية لكل من ثقافة الناطقين بالعربية وثقافة المتعلمين الناطقين بغيرها.

وتأتي أهمية تأليف مثل هذه السلسلة التعليمية من أن أهم ما يعاني منه حقل تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هو انعدام الكتب التعليمية الجيدة. لأن الكتب المستخدمة في تعليم اللغة العربية حتى الآن يمكن وصفها بشكل عام بغير الجيدة لما يلاحظ عليها من تقصير من عدة نواح، منها مثلا:

- الناحية اللغوية. إن الكتب التعليمية لم تغط جميع المهارات الأربع بصورة متوازنة حيث تحظى مهارة القراءة باهتمام أكثر مما تحظى به المهارات الأخرى. ويترتب على ذلك ترقية مهارة الطلاب في القراءة وتدني مهارتهم في الاستماع والكلام والكتابة.

- الناحية الثقافية. إن الكتب التعليمية- سواء منها الصادرة عن الدول العربية أم المؤلفة في الدول الأجنبية- لم تستمد موضوعاتها من الثقافات الإسلامية المحلية التي ينتمي إليها المتعلمون الأجانب. ويترتب على ذلك عدم انفعال المتعلمين بهذه الموضوعات، وتكوّن لديهم اتجاهات سلبية تجاه اللغة العربية بوصفها لغة تخص ثقافة العرب وبيئتهم ولم تتناول ثقافة المتعلمين وبيئتهم فيشعرون بأنها غير قابلة للتعبير عن أنفسهم وأفكارهم وبيئتهم.

- الناحية التعليمية. إن المواد التعليمية في الكتب التعليمية لم يتم اختيارها وتنظيمها بشكل يراعي المبادئ التعليمية. ولعل أبرز ما يؤكد ذلك أن ترتيب المواد التعليمية وخاصة الموضوعات النحوية يتقيد بتبويب الكتب النحوية وليس على أساس الاحتياجات اللغوية للمتعلم. ولعل أهم ما يقف وراء ذلك عدم استفادة عملية اختيار المواد وتنظيمها من الدراسات التقابلية بين اللغة العربية ولغة المتعلم.

وبما أن هذه السلسلة التعليمية المراد تأليفها متكاملة من حيث المحتوى اللغوي ومتوازنة من حيث المحتوى الثقافي فلا بد في عملية تأليفها من التعاون والعمل الجماعي بين خبراء تعليم اللغة العربية العرب ونظرائهم الأجانب، مثل التعاون بين خبراء تعليم اللغة العربية العرب ونظرائهم الإندونيسيين في تأليف السلسلة التعليمية لتعليم اللغة العربية في إندونيسيا مثلا.

استراتيجية بناء المؤسسات اللغوية أو مراكز النشاط اللغوي
ومما لا اختلاف فيه أيضا، أن من أهم العوامل الداعمة لهيمنة اللغات الغربية وسيادتها في العصر الحاضر هو وجود المؤسسات اللغوية التي أنشئت مبدئيا بهدف توفير كل ما يحتاج إليه المتعلم الأجنبي في إجادة هذه اللغات. فاللغة الإنجليزية على سبيل المثال قد أصبحت لغة سائدة على المستوى الدولي لأن تعليمها وتعلمها مدعوم بما يعرف دوليا بالمؤسسة البريطانية (British Council).

والمعروف عن هذه المؤسسة أنها تقدم برامج تعليم اللغة الإنجليزية على جميع المستويات من الابتدائي حتى المتقدم وتوفر مختلف الوسائل والتسهيلات وغيرها مما يحتاج إليه الأجنبيون في تعلم الإنجليزية مثل المعلومات عن الدراسات والمنح الدراسية في الجامعات الغربية. وبقدر متباين قامت بهذا الإنجاز اللغات الغربية الأخرى مثل الفرنسية والألمانية.

أما اللغة العربية وبالرغم من كونها من أكبر اللغات الأجنبية لم تحظ بمثل هذه السياسة وبما يكفيها من الدعم، بل لم تكن هناك أي مؤسسة لغوية بنيت لتوفير كل ما يحتاج إليه الأجنبيون لإجادة هذه اللغة. فكل ما يوجد في بعض الدول هو معاهد تعليم اللغة العربية تقدم برامج تعليمية على مستويات معينة، إلا أنها لم تقدم مثل ما قدمته تلك المعاهد لتعليم اللغة الإنجليزية.

من أجل ذلك وتجنبا لهذا النوع من التقصير فعلى المعنيين بتعليم اللغة العربية أن يبادروا إلى التعاون في بناء مؤسسات لغوية في الدول الأجنبية بهدف توفير جميع الوسائل والتسهيلات المساعدة في تعلم اللغة العربية خاصة ما يسد التقصير في المواد المقروءة حول اللغة العربية وثقافتها وتوفير الفرص للدراسة في الدول العربية مما يمكن الأجانب من الحياة مع هذه اللغة وثقافتها في بيئتها الطبيعية.

المستقبل المأمول لاستفادة العربية من العولمة

لقد بات معروفًا أن العولمة ليست شرًّا يُتَّقى، أو خطرًا يُدفَع؛ وإنما هي ظاهرة تكاد تكون كونية، لها سلبياتها وإيجابياتها. فإن توفرت شروط التعامل معها، والتكيف مع متغيراتها، أمكن تجاوز السلبيات، والتغلب على ما يترتب عليها من مشكلات، وفي مقدمة هذه الشروط امتلاك القدرات الذاتية، على مستوى الأفراد والجماعات، وعلى مستوى الحكومات والهيئات الأهلية، والتوفر على الوعي الحضاري الرشيد الذي هو بمثابة البوصلة التي تقود نحو رسم السياسات الحكيمة، واتخاذ القرارات الواعية، للبناء الذاتي، وللانفتاح على آفاق العصر، وللاندماج في تياراته، من منطلق الاقتناع بأن حماية الذات وترقيتها، والحفاظ على الهُوية، والتشبث بخصوصياتها الثقافية والحضارية - رهين بإثبات الحضور في ساحة التفاعل الإنساني، وفي مضمار الحوار الثقافي، والتحالف الحضاري، وبالإسهام الفاعل في مسيرة التقدم والنماء والرخاء، على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ومما لا شك فيه أن في امتلاك القوة الذاتية، والقدرات العلمية والتقنية، والصناعية والاقتصادية - الحصانةَ ضد التأثيرات السلبية، والانعكاسات الضارة لنظام العولمة، الآخذ في الاكتساح لمواقع الاستقرار والثبات، وفي الاقتحام لمعاقل الخصوصيات التي تميز الثقافات والحضارات بعضها عن بعض، والقدرةَ على إغناء الحضارة الإنسانية بالتنوع الثقافي، والتعدد الحضاري([4]) .

وبما أن العلاقة بين الحاضر والمستقبل مترابطة؛ لأن المستقبل ما هو إلا امتداد للحاضر، ولأن الماضي والحاضر والمستقبل وحدة لا سبيل إلى انفصامها، ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر، ولتنظيم المستقبل، فإن بناءنا لأسس إستراتيجية المستقبل لا بد أن ينطلق من الفهم الواعي لحاضر اللغة العربية، إحاطةً واستيعابًا، ويَصْدُر عن البحث الدقيق في قضاياها ومشكلاتها، تمحيصًا ونقدًا؛ ولذلك فإن العناية ببحث مستقبل اللغة العربية في ضوء المتغيرات والظروف الحالية، واستنادًا إلى خلاصة التاريخ القريب، هي ظاهرة صحية تعبر أصدق التعبير وأقواه عن درجة عالية من التطور في فَهم مقتضيات الحاضر، ومتطلبات المستقبل، وتدل هذه الظاهرة على توجُّه سليم، سيؤدي - لا محالة - إلى نتائج إيجابية، وستدعم خدمة لغة الضاد، بل هي ضرورة من ضرورات الرقي

الحضاري.

إن التفكير في مستقبل اللغة العربية قضية بالغة الأهمية في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، لها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها وعلى كِيانها الحضاري والسياسي والاقتصادي في المقام الأول، وعلى حاضرها ومستقبلها؛ فتلك قضية سيادية بالمعنى الشامل للكلمة، وليست مجرد قضية لغوية وأدبية وثقافية. ولذلك يمكن أن نقول بكل ثقة واطمئنان: إن مستقبل اللغة العربية قضية أمن قومي لغوي بالمعنى السياسي، والسيادي، والجغرافي العام، وليس بالمعنى الجغرافي الوطني الإقليمي المحدود؛ لأن حياة الأمم في حياة لغاتها وقوتها في ازدهارها، فإذا ماتت اللغة - واللغات تموت باعتبارها كائنًا حيًّا - أو ضعفت، أو انهارت، ضاعت الأمة ضياعًا لا يُبقي لها أثرًا في الحياة.

ومن المؤكد أن اللغة لا تحقق الازدهار المطلوب إلا بنجاح العملية التعليمية وبالاعتناء بالمناهج التربوية لأن المنهاج هو مجموع الآليات والتقنيات الضرورية التي يتوجب حسن توظيفها لإنجاح العملية التعليمية.



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-27-2018 - 04:58 AM ]


ب) أسس بناء المنهاج

إن الأدوار التي تلعبها اللغة العربية في عصر العولمة والتحديات التي تواجهها هي أدوار وتحديات متعددة الأبعاد. ولذلك، لا بد أن يكون المنهاج المتبع لتعليم هذه اللغة وتعلمها مصمما تصميما كاملا ومبنيا بناء شاملا على عدة أسس من أهمها ما يلي:

1- الأسس النفسية

تتعلق هذه الأسس بالجوانب النفسية التي لها أثر كبير في تعليم اللغة العربية وتعلمها للأجانب ومن ثم يجب مراعاتها في عملية بناء

المنهاج من جانب وكيفية معالجتها عند التطبيق من جانب آخر. فثمة جوانب كثيرة تنضوي تحت هذه الأسس، نذكر أهمها وأشدها

ضرورة في عملية بناء منهاج تعليم اللغة العربية وتعلمها في عصر العولمة، وهي:

- الدافعية: Motivation

فهي قوة نفسية دافعة تلعب دورا بالغ الأهمية أثناء عملية التعليم والتعلم لدرجة التأسيس على فكرة واضحة وهي: أن أي طالب أجنبي لن يستطيع أن يتعلم اللغة العربية ما لم تكن لديه الدوافع أو الرغبة في تعلمها،لأنَّ الدوافع هي التي تحركه وتدفعه إلى بذل ما لديه من طاقة ضرورية من أجل إتقانها. ([5]) والدافعية نوعان، هما: الدافعية الوسيلية والدافعية التكاملية:

أما الدافعية الوسيلية (Instrumentale Motivation)، فتدفع الأجانب إلى تعلم اللغة العربية من أجل قضاء حاجات قصيرة المدى، مثل الحصول على الوظيفة الشاغرة، أو التمتع بالسياحة، أو الاستجابة لمتطلبات مقرر دراسي معين أو الحصول على درجة علمية أو اكتساب المهارة للاتصال بالكتابة المعينة، أو الاستجابة لشعائر دينية يلزمهم أداؤها بهذه اللغة.

وأما الدافعية التكاملية(Intégrative Motivation)، فهي التي تحث الأجانب وتحفزهم على تعلم اللغة العربية من أجل تحقيق أهداف محددة، من أهمها : الاتصال بمتحدثي اللغة العربية وممارسة لغتهم، وفهم ثقافتهم وتقاليدهم.([6]) وهناك نوع آخر من الدافعية وهو الدافعية الانتمائية([7])، وهي ما يدفع الأجانب إلى تعلم العربية من أجل الانتماء إلى المجتمع العربي والاندماج فيه.

والجدير بالتأكيد هنا أن هذه الأنواع من الدافعية ليست من أسس بناء المنهج فقط، وإنما يجب أن تكون هدفا من أهدافه أيضا. بمعنى أن المنهج المصمم لتعليم اللغة العربية يجب أن يسعى إلى تقوية هذه الدافعيات - خاصة الدافعية التكاملية- وتوطيدها في صدور متعلمي هذه اللغة العربية. وذلك لأن من أبزر المشكلات التي يتعرض لها متعلمو اللغة العربية الأجانب هي قلة الدافعية أو انعدامها نتيجة اتجاهاتهم السلبية لهذه اللغة واعتبارهم إياها بأنها لا تلبي متطلبات حياتهم في عصر العولمة.

إن عملية توطيد الدافعية يمكن أن تتم من خلال المعلم أثناء عملية التعليم ، وذلك عن طريق إفهام الطلاب (مثلا) بأن تعلم اللغة العربية سوف يساعدهم على تحسين مستواهم وأوضاعهم من خلال العمل في المجالات التي تتطلب إجادة اللغة العربية. ([8]) وتحقيقا لذلك، يجب أن تكون المواد التعليمية وطريقة تدريسها قد وظفت بطريقة تثير دافعية إيجابية وتوطدها لدى الطلاب لإيجاد اللغة العربية.

- الاتجاهات

يمكن تعريف الاتجاهات بأنها حالات استعداد عقلي وعصبي ( Attitudes ) نُظِّمَت عن طريق التجارب الشخصية وتعمل على توجيه استجابة الفرد لكل الأشياء والمواقف التي تتعلق بهذا الاستعداد. ([9]) وفي مجال تعليم اللغة العربية قد تكون الاتجاهات إيجابية، ومن ثَمَّ ، تلعب دورا إيجابيا في عملية تعليم اللغة العربية وتعلمها، وقد تكون سلبية. ومن ثم، تلعب في أغلب الأحيان، دورا سلبيا في تعليم هذه اللغة وتعلمها.

واتجاهات الأجانب نحو اللغة العربية وتعليمها وتعلمها - شأن دوافعهم لذلك - يمكن وصفها بصفة عامة سلبية. وذلك لأن العولمة التي تأتي من خلال سيطرة اللغة الغربية وهيمنة الثقافات الغربية قد جعلت أبناء المسلمين يرون أن هذه الثقافة المهيمنة، وتلك اللغة المسيطرة، هي الخيار الوحيد الذي يمكنهم من عيشة هذا العصر بصورة أفضل. وهذا ما يكرس لديهم اتجاهات إيجابية نحو لغات هذه الثقافة. وفي المقابل، تكرس اتجاهات سلبية نحو لغات وثقافات غيرها بما فيها اللغة العربية والثقافة الإسلامية حيث يعتبرون أنها لا تلعب دورا يذكر في فوز منافسات الحياة في العصر الحاضر.

لذلك، فلا بد في عملية بناء منهج اللغة العربية من مراعاة هذا الجانب النفسي لتكون ليس أساسا من أسس هذه العملية

فحسب، وإنما أيضا هدفا من أهدافها. وفي هذا الإطار، ينبغي أن تتكون بنية المنهج من عناصر تستطيع أن تكرس اتجاهات إيجابية

لدى الأجانب تجاه اللغة العربية. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إدماج كل ما يبرز صورا تستحق التقدير وتثير الاهتمام باللغة

العربية وبثقافتها في محتوى المنهج.


2- الأسس اللغوية

تتعلق هذه الأسس بالجوانب اللغوية التي يجب أن يتمحور حولها بناء منهج تعليم اللغة العربية. وهذه الجوانب كثيرة، ولعل أهمها دورا وتأثيرا في إنجاح تعليم اللغة العربية في عصر العولمة ما يلي:

- الجانب الاتصالي

إن كون اللغة وسيلة للاتصال أوضح من أن يناقش. فاللغة يستخدمها الإنسان للتعبير عن أفكاره وأغراضه تحقيقا للاتصال. بل إن اللغة تتكون نتيجة لوجود رغبة الإنسان كمخلوق اجتماعي في قضاء حاجاته للاتصال.

ومؤدى هذه الطبيعة الاتصالية للغة في مجال تعليم اللغة العربية يفترض التركيز والاهتمام بأن يتكون المنهج مما يمكن الطلاب من التواصل بهذه اللغة بشتى أشكال الاتصال في مواقف مختلفة. والتركيز على الجانب الاتصالي في وضع منهج تعليم اللغة العربية ضروري لسببين:

أولا، وجود دراسات تدل على أن المنهج الذي يفصل تعلم اللغة عن طبيعتها الاجتماعية (اتصالية) لن يحقق نتائج مرضية.

ثانيا، وجود اتجاهات سلبية عامة لدى الأجانب في تعلمهم اللغة العربية وهي أن تعلمهم هذه اللغة ليس لأغراض اتصالية وإنما لأغراض دينية. (العربية وسيلة لفهم النصوص الدينية). ويترتب على ذلك تدني القدرة اللغوية الاتصالية لدى الأجانب على استخدام اللغة العربية. مما يؤدي إلى قلة استخدامها اتصاليا في الدول الأجنبية خاصة في الوقت الذي نجح فيه مجال تعليم اللغات الأجنبية الأخرى وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية في تنمية المهارات الاتصالية بين متعلميها.

إن تعلم اللغة العربية من أجل الأهداف الدينية ليس عيبا بكل التأكيد إلا أن التركيز البالغ عليه يحرم المتعلمين الأجانب من إجادة اللغة العربية بصورة كاملة وشاملة وذلك لانحصار اهتمامهم على النحو والترجمة واستهانتهم بمهارات استخدام اللغة مثل مهارة الكلام والكتابة بوصفهما وظيفتين اتصاليتين أساسيتين للغة العربية. إلى جانب ذلك فإن تعليم اللغة العربية على مثل هذا الاتجاه لا يتماشى مع وظائف مستجدة للغة العربية في عصر العولمة بوصفها لغة أجنبية لا ينحصر استخدامها في المجال الديني فقط، وإنما قد توسع استخدامها لتكون لغة اتصالية في كل مجالات الحياة مثل المجالات الأكاديمية، والسياسية، والثقافية، والدبلوماسية، والسياحية، والصحافية، وغيرها من المجالات.من أجل ذلك،كان التركيز على الجانب الاتصالي في تعليم اللغة العربية، مرة أخرى- ضروريا للغاية.

وتحقيقا لهذا الجانب يجب أن يكون محتوى المنهج مشتملا على المواد الاتصالية للغة العربية بشتى ألوانها. وهذا المحتوى يجب أن يكون تقديمه على المستوى التعليمي من خلال الطرائق والأساليب والوسائل التي تتبنى مدخلا اتصاليا، وكل ذلك يتم في ضوء ما يعرف بعملية "تعليم اللغة اتصاليًا"، وهي عملية جعل الكفاية الاتصالية(compétence communicative ) هدفا رئيسيا من تعليم اللغة تعلمها([10])

- الجانب الثقافي

تقوم بين اللغة والثقافة علاقة وطيدة ترجع إلى عدة أسباب،أهمها:

أولاً، أن اللغة تربط بين الثقافة وأبنائها. فالطفل يكتسب ملامح ثقافة بيئته من خلال اللغة.

ثانيـًا، أن اللغة تنقل الثقافة إلى خارج حدودها،([11]) واللغة لا تكسب الثقافة لأبنائها فقط، بل تنقلها من شعب إلى شعب ومن جيل إلى آخر. وهذا يعني أن تعليم أية لغة وتعلمها لا بد أن يتم في إطار ثقافتها، وإلا فلن ينجح.

ولكن، وللأسف الشديد، فإن الجانب الثقافي هو أكثر ما يهمل في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وذلك نتيجة رؤية

أحادية الجانب بأن الثقافة الإسلامية التي يتم في إطارها تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هي الثقافة الإسلامية السائدة في الدول العربية فقط، دون غيرها من ثقافات الشعوب الإسلامية في الدول الأجنبية.

وهذا يخالف تمام المخالفة مفهوم الثقافة الإسلامية التي تعني المعتقدات والمفاهيم والمبادئ والقيم وأنماط السلوك التي يقرها الدين الإسلامي متمثلا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ومن ثم، فإنَّ هذه الثقافة تقتصر على المجتمعات الإسلامية بغض النظر عن المكان والزمان".([12])

كما يخالف طبيعة اللغة العربية التي ترتبط بثقافة الناطقين بها بصفة خاصة، وبثقافة الناطقين بغيرها من الشعوب الإسلامية بصفة عامة ارتباطا عضويا يصعب معه أن يحدث الانفصال بينهما. ([13])

وينتج عن ذلك عدة أمور لعل أوضحها وأخطرها انحصار مواد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في مجال الثقافة العربية الإسلامية، مما يجعل هذه المواد غريبة إلى حد كبير بالنسبة للناطقين بغير العربية وتجعلهم يشعرون بأن اللغة العربية لا تخدم احتياجات الاتصال بهذه اللغة في إطار بيئتهم وثقافتهم المحلية.

لذلك، فلا بد من مراعاة هذا الجانب الثقافي في بناء منهج تعليم اللغة العربية خاصة في اختيار محتواه وتنظيمه لكي تقدر هذه اللغة بما تحمله من القيم الثقافية الإسلامية على مواجهة تحديات العولمة. لأن تعليم اللغة وتعلمها في هذا العصر يعني تعليم وتعلم ثقافتها، وانتشار اللغة يعني انتشار ثقافتها. فليس علينا كأبناء هذه اللغة في مواجهة هيمنة الإنجليزية والثقافة الغربية إلا تحبيب هذه اللغة القرآنية إلى أبناء المسلمين وغرس قيم ثقافتها الإسلامية في صدورهم لكي يستطيعوا مواجهة تيار العولمة بهويتهم الخاصة وهي

الهوية اللغوية العربية والثقافية الإسلامية.

- الجانب التكنولوجي

إن تعليم اللغات الأجنبية في ضوء اتجاه العولمة يتآزر مع التطورات التكنولوجية. وذلك على أساس الفرضية أن التطورات التكنولوجية تأتي دائما لتلبية احتياجات الإنسان. فاللغة بوصفها حاجة من حاجات الإنسان الأساسية لا بد أن تواكب كل تطور من هذه التطورات التكنولوجية. فالاتصال اللغوي في شتى أشكاله يتم اليوم مستعينا بكل أنواع الآليات التكنولوجية الحديثة. وكذلك في مجال تعليم اللغة حيث أصبحت عملية تعليم اللغة وتعلمها توظف كل أنواع التكنولوجيا مما يجعلها أكثر فعالية.

وللأسف، فإن مجال تعليم اللغة العربية لم يستفد كل الاستفادة وبصورة مرضية من هذه التطورات التكنولوجية. بل على العكس من ذلك، لأن الاستفادة من التكنولوجية لم تكن مما يراعى في عملية بناء المنهج بحيث تنبني العملية على عدة أسس لم تكن الأسس التكنولوجية منها.

ومما يترتب على ذلك تخلى عملية تعليم اللغة العربية وتعلمها عن الاستعانة بالوسائل التكنولوجية الذي يؤدي بدوره إلى شيئين: عدم فعالية عملية التعليم والتعلم ذاتها من جانب، وتدني مهارة الطلاب على استخدام التكنولوجية في التواصل اللغوي من جانب آخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المشكلة تؤثر سلبا على أداء المعلمين حيث أشارت العديد من الدراسات أن أغلبية المعلمين لا يجيدون استخدام الوسائل التكنولوجية التعليمية. وإن أجادوها فهم لا يرغبون في الاستفادة منها في عملية تعليمية. وهذا كله على حساب اللغة العربية، نظرا لأن العولمة اللغوية في هذا العصر تتماشى مع العولمة التكنولوجية مما يعني أن اللغة التي لا تواكب التطورات التكنولوجية ستكون معزولة من ديناميكيات عصر العولمة.

لذلك، فمن الضرورة بمكان الاهتمام باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في تعليم اللغة العربية وتعلمها لكي تزيد العملية نفسها

فعالية، ولكي يتدرب الطلاب على الاتصال اللغوي مستخدمين الوسائل التكنولوجية الحديثة. وتحقيقا لذلك، فلا بد من توفير كل

أنواع الوسائل التكنولوجية التعليمية في مراكز تعليم اللغة العربية وتدريب المعلمين على استخدام هذه الوسائل في عملية التعليم.

الخاتمة

إن ما تقدم عرضه يشير بما لا يدع مكانا للشك إلى أن مجال تعليم اللغة العربية يواجه تحديات كبيرة في ظل العولمة. وعند مواجهة هذه التحديات لا يتوافر لمن يعنى بشأن هذه اللغة إلا خيار وحيد وهو تغيير اتجاهات تعليم هذه اللغة نحو ما يحافظ على طبيعتها كلغة للثقافة الإسلامية من جانب، وإلى ما يضمن وجودها في ظل العولمة اللغوية في العصر الحاضر من جانب آخر.

وهذا التغيير ينبغي أن يكون متعدد الأبعاد حتى لا يغطي بعدا لغويا واحدا، وإنما أبعادا أخرى أيضا مثل البعد النفسي والثقافي والاتصالي. كما ينبغي أن يتم في إطار محاولات حمل اللغة العربية على الارتقاء والهيمنة على غيرها من اللغات الحية لتسود معها قيم ثقافتها الإسلامية في الحياة المعاصرة.

فبهذا الاتجاه يمكنها أن تتجاوز حدود التعليم من أجل الأهداف الدينية البحتة الذي يتسم بالاكتفاء والرضا ببقائها كلغة الدين بقاء دون هيمنة في عالم التواصل الدولي في عصر العولمة.

ويستحيل دعم هذه الأهمية وتحقيق أهدافها ما لم تكن هناك مبادرة جادة تهدف إلى وضع منهج اللغة العربية واستراتيجية تعليمها للناطقين بغيرها الذي يمكنها من مواجهة تحديات العولمة وتلبية متطلباتها في آن واحد. وبما أن هذا العمل متعدد الأبعاد فلا بد من التآزر بين الأطراف المختلفة المعنية بمجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. كما أنه لا بد أن يكون هذا التآزر مستمرا بتخطيط دقيق وإدارة جيدة إذ أنه ليس عملا قصير المدى تأتي ثمرته بين عشية وضحاها وإنما هو عمل بعيد المدى يحتاج إلى مدة زمنية طويلة

ويتطلب خلالها بذل جهود جادة ومستمرة.

إن هذه اللغة هي لغة القرآن، لذا فإنها ستظل باقيةً ما دام القرآنُ باقيًا ولذلك يجزم علماءُ اللغة أن اللغة العربية هي لغة المستقبل، وستبقى حية قادرة على مسايرة الحضارة والتطور والتقدم. على ذلك مقدرتُها العجيبة على استيعاب أعقد المصطلحات الغربية والتعبير عنها بمصطلحات عربية، يقولون: إن اللغة العربية لا تستوعب المصطلحات الغربية، ومن ثم فلا بد أن تظل الدراسة باللغات الأجنبية. وهذا أمر بعيد عن الصواب؛ فإن اللغة العربية لغة ثرية بمفرداتها وتراكيبها، بل هي من أثرى اللغات على الإطلاق، ولن تعجز عن أن يكون فيها مفردات تعبر عن هذه المصطلحات العلمية الحديثة، وللمجامع اللغوية العربية جهودٌ في تعريب الألفاظ والمصطلحات وأسماء الآلات والأجهزة الحديثة، ولله در حافظ إبراهيم إذ يقول على لسان العربية:

وسعت كــــــتاب الله لفــــــــظًا وغايـــة وما ضِقتُ عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنســـــــــــيق أســـــــــــماء لمخــــــــــــترعات ؟

إن اللغة العربية لغة حية قوية، وضع اللهُ عز وجل فيها كلَّ مقومات البقاء، فحريٌ بنا أن نعتز ونفتخر بها،كيف لا وقد اختارتها جماعة من العلماء الروس لغة عندما وضعوا النفايات النووية في أماكن بعيدة يُتوقع العثور عليها بعد أربعة أو خمسة قرون، فأرادوا أن يكتبوا رسالةً لهذه الأجيال المستقبلية، فبحثوا وفتشوا واستفتوا أهلَ الخبرة باللغات ليعلموا اللغة التي يمكن أن تبقى بعد هذه القرون الطويلة، فلم يجدوا لغة يمكن أن تبقى هذه المدة الطويلة إلا اللغة العربية، فكتبوا رسالتهم باللغة العربية، فانظر إلى أبناء هذه الأمة البعيدة عن العربية كيف يشهدون بأن اللغة العربية هي لغة المستقبل؟

فالعربية إذن هي خير اللغات والألسنة، يقول عنها "كارلونلينو:" اللغةُ العربية تفوقُ سائرَ اللغاتِ رونقًا وغنًى، ويَعجِز اللسانُ عن وصفِ محاسنها".


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-27-2018 - 04:59 AM ]


المراجع

1- رشدي أحمد طعيمة، الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (مكة المكرمة: معهد اللغة العربية جامعة أم القرى،1402هـ/1982م)

- المدخل الاتصالي في تعليم اللغة (سلطانة عمان: بدوم مطبعة، 1997م)

- تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه (الرباط المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو، 1989م)

2 - عبد الحميد عبد الله وناصر عبد الله الغالي، أسس إعداد الكتب التعليمية لغير الناطقين بالعربية

(الرياض: دار الغالي،1991م)

3 - كمال بشر، اللغة العربية بين العوربة والعولمة، مقالة مقدمة في مؤتمر مجمع اللغة في دورته الثامنة والستين يوم الاثنين 18 من المحرم سنة 1423هـ الموافق 1 من أبريل (نيسان) سنة 2002م.

4- محمد على الخولي، الحياة مع لغتين: الثنائية اللغوية (الأردن: دار الفلاح للنشر والتوزيع، 2002م)

5- نبيه إبراهيم إسماعيل، الأسس النفسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، بدون سنة).

[1] ) - ينظر عبد الخالق عبد الله ،-جامعة الإمارات العربية المتحدة قسم العلوم السياسية ، في بحثه المنشور في مجلة عالم الفكر ، -الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – دولة الكويت العدد 28 عام 1999 م –بعنوان جذور العولمة والتعامل معها.

[2] ) - ينظر، المرجع السابق

[3] ) - ينظر، عمر ظاهر، العولمة في خدمة العربية.

[4] ) - ينظر: التويجري، عبد العزيز بن عثمان، اللغة العربية أمام تحديات المستقبل، جريدة الحياة - 01 /05/ 2008م.

[5] ) - نبيه إبراهيم إسماعيل، الأسس النفسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ب ت )،ص 28.

[6] ) - رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها: مناهجه وأساليبه (الرباط: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة-إيسيسكو،1989م)،ص81

[7] ) - محمد على الخولي،الحياة مع لغتين: الثنائية اللغوية (الأردن: دار الفلاح للنشر والتوزيع، 2002م)،74.

[8] ) - إسماعيل، الأسس...ص، 28-29.

[9] ) - ينظر، رشدي أحمد طعيمة، المرجع السابق. ص83.

[10] ) - رشدي أحمد طعيمة، المدخل الاتصالي في تعليم اللغة (سلطانة عمان: بدون مطبعة: 1997م)،25.

[11] ) - رشدي أحمد طعيمة، تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، المرجع السابق. ص24.

[12] ) - عبد الحميد عبد الله وناصر عبد الله الغالي،أسس إعداد الكتب التعليمية لغير الناطقين بالعربية (الرياض: دار الغالي،1991م) 20

[13] ) - رشدي أحمد طعيمة، الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ( مكة المكرمة: معهد اللغة العربية جامعة أم القرى، 1402هـ/1982م)، 20


المصدر

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
اللغة العربية في يومها العالمي.. حقائق وعراقيل مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 12-21-2019 04:41 AM
اللغة العربية في يومها العالمي.. حقائق وعراقيل شمس البحوث و المقالات 0 12-21-2019 12:37 AM
أغاليط محبي اللغة العربية في يومها العالمي! شمس البحوث و المقالات 0 01-09-2019 03:52 PM
في يومها العالمي.. هذا هو أصل اللغة العربية الفصحى مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 12-26-2018 02:14 PM
تعرف إلى مميزات اللغة العربية في يومها العالمي مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 12-20-2018 03:42 PM


الساعة الآن 03:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by