المتعاليات النصية
بوطاهر بوسدر
اهتدى جيرار جينيت مستفيداً من التناص لما سماه بالمتعاليات النصية trans****ualité وهي "كل ما يجعل نصاً يتعالق مع نصوص أخرى، بطريقة مباشرة أو ضمنية"[1]. وهذا المصطلح تجاوز لمفهوم التناص فهو يتسع وفق تصور جينيت" لمختلف العلاقات النصية التي ليس التناص سوى واحد منها، وبذلك يغدو التناص مفهوماً فرعياً يشكل مع باقي المفاهيم التي أدخلها جينيت أنواعاً وأشكالاً من المتعاليات النصية"[2].
وفي بحثه عن هذه المتعاليات النصية درس جنيت المتعاليات النصية الموجودة بين نص الإلياذة لهوميروس (أشهر شعراء اليونان) ونص الإنيادة لفرجيل (أشهر شعراء الرومان)، وقسمها إلى خمسة أصناف أو أنماط تجمع مختلف أشكال التفاعل النصي. وسأذكرها بغير الترتيب الذي جاءت به عند جينيت:
أولاً- التناص l’inter****ualité
وهو الحضور الفعلي لنص في نص آخر سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبوعي من الكاتب أو بغير وعي. ومن تجلياته أو أمثلته الاستشهاد الذي يكون بين مزدوجتين، سواء كان بتوثيق أو بدونه، والتلميح أو الاشارة، وهي علاقة خفية بين نصين حيث يكشفها الخيال الحاد والمتمرس، والسرقة أي تضمين نص بنص آخر، دون الإحالة عليه وتوثيقه، ولا وضعه بين مزدوجتين. وللإشارة فإن مفهوم التناص يتداخل عند بعض النقاد العرب مع شكل آخر مع المتعاليات النصية وهو التعالق النصي.
ثانياً- الميتانص Méta****ualité
جاء هذا النوع من المتعاليات النصية في الرتبة الثالثة في ترتيب جينيت حيث يقول عنه: " النوع الثالث من المتعاليات النصية والذي أسميه الميتانصية هو العلاقة التي توحد بين نصين يتحدث أحدهما عن الآخر دون ضرورة ذكره"[3]. ويعرف هذا الصنف عند النقاد العرب بتسميات أخرى كالميتانصية، أو النصية الواصفة، وغيرها من الترجمات. والميتناص هو علاقة بين نصين بواسطة الشرح، أو التفسير، أو التعليق، أو النقد. ويعتبر النقد الأدبي مثالا نموذجيا لهذا النوع من المتعاليات النصية[4]، وذلك لأن الخطاب النقدي" ينهض بوظيفة تفسير العمل الأدبي، بتحليله، والتعليق عليه، من حيث بنيته وقيمته المعرفية، والجمالية وحتى الأيديولوجية"[5].
إن هذا الشكل من المتعاليات النصية قديم قدم النصوص، فكل نص ولا شك دخل في علاقة ميتانصية مع نص آخر سواء تفسيراً وشرحاً، أو تعليقاً، أو نقداً. ويزخر تراثنا العربي بالعديد من الأشكال التأليفية التي يمكن اعتبارها تمثيلا لهذا النوع من المتعاليات النصية. ومن أشهر هذه الأشكال تفاسير القرآن الكريم، فهي في الحقيقة نصوص واصفة لنص أصلي هو كتاب الله تعالى. وهناك أيضا كتب الشروح خاصة الشروح الفقهية والشعرية والنحوية، حيث نجد أن العرب أولوا عناية خاصة بكتب الشروح والحواشي فألفوا مئات الكتب في ذلك.
ثالثاً- التعالق النصي hyper****ualité
يعرف هذا النوع عند النقاد والباحثين العرب بعدة تسميات منها، النص اللاحق، والملابسة النصية، والتعلق النصي. وهو يدل على علاقة نص لاحق Hyper****e بنص سابق Hypo****e، وتقوم هذه العلاقة على إعادة إنتاج الثاني للأول بطريقة جديدة. يقول جينيت ممثلاً للتعالق النصي (النص اللاحق): "الإنياذة L’Eneide وأوليس Ulysse هما، بدون شك، بدرجات متفاوتة - وهما كما نرى بعنوانين مختلفين- عملان (ضمن الأعمال الأخرى) متفرعان لنص واحد أصل هو الأوديسا l’Odyssée".[6] ويرى جينيت أن التعالق النصي له ثلاثة أشكال هي: التحويل، والمحاكاة، والمعارضة الساخرة.
يقول الدكتور حميد لحميداني عن هذا النوع من المتعاليات النصية: "الحالة التي يقصدها جيرار جينيت هنا تشير بالفعل إلى نوع من التماهي الحاصل بين نصين، إما بواسطة تحويل وتغيير نص سابق عبر نص بديل أو الاكتفاء بتقليد نص لنص سابق. وتنتمي لهذا الصنف كل أنواع المعارضات والمحاكاة الساخرة"[7]. وقد أفرد جينيت لهذا النوع من المتعاليات النصية كتاب أطراس 1982.
ويمكن القول إن التراث العربي يعرف بعض أشكال التعالق النصي، ومنها العقد والحل والتوليد:
- العقد: هو تحويل المنثور إلى منظوم، وقد سمي عقدا لأنه كان نثراً محلولاً، فصار نظماً معقوداً بالوزن... كما روي عن الشافعى رضى الله عنه أنه قال:
عمدة الخير عندنـا كلمـاتٌ * أربعٌ قـالهن خير البريهْ
اتق الشبهات وازهد ودع مـا * ليس يعنيــك واعملنَّ بنيه
فإنه أشار لقوله صلّى الله عليه وسلّم:" الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" وقوله عليه الصلاة والسّلام:" ازهد في الدنيا يحبك الله" وقوله عليه الصلاة والسّلام:" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله عليه الصلاة والسّلام: إنما الأعمال بالنيات"[8].
وقد يظهر أن العقد فيه معنى الاقتباس والتضمين، ولعل ضابطه أن يكون الكلام المعقود أو المحل كاملاً مع الزيادة عليه فمن" شرائطه أن يؤخذ المنثور بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد فيه، أو ينقص منه، أو يحرف بعض كلماته ليدخل به في وزن من أوزان الشعر، ومتى أخذ معنى المنثور دون لفظه كان ذلك نوعاً من أنواع السرقات"[9].
- الحل: هو عكس العقد، أي تحويل المنظوم إلى منثور، ومثاله ما روى عن إبراهيم بن العباس الصولي أنه قال: "ما اتكلت قط في مكاتباتي إلا على ما يجلبه خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: " فأبدلوه آجالاً من آمال " فإني حللت قول مسلم بن الوليد.
موف على مهج في يوم ذي رهج * كأنه أجل يسعى إلى أمل"[10]
- التوليد: "أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة."[11] ومثاله بيت أحمد شوقي:
ما تراها تناست اسميَ لما * كثرت في غرامها الأسماء
فهو قد ولدّه من بيت أبي تمام:
أتيت فؤادها أشكو إليه * فلم أخلص إليه من الزحام
وقد قارن الرافعي بين البيتين قائلا:"مر المعنى في ذهن شوقي كما يمر الهواء في روضة، وجاء نسيمًا يترقرق، بعدما كان كالريح السافية بترابها؛ لأن الزحام في بيت أبي تمام حقيق بسوق قائمة للبيع والشراء، لا بقلب امرأة يحبها، بل هو يجعل قلب المرأة شيئًا غريبًا كأنه ليس عضوًا في جسمها، بل غرفة في بيتها... وقد سبق شاعرنا أبا تمام بمراحل في إبداعه وذوقه ورقته."[12].