[center]ازدواجية اللغة: طبيعتها ومشكلاتها قي سياق التعليم
د. محمد راجي الزغول
[color="black"][size="6"][font="traditional arabic"]
يطرح هذا البحث قضية ازدواجية اللغة، وقد تناول الباحث هذا الموضوع من الناحية التاريخية، وعلق على العوامل التي أثرت عليها خلال سنين عدة، وعرضها للقارئ كمشكلة نفسية، اجتماعية وتربوية، لما فيها من حساسية دينية وقومية. تناول هذا البحث أربعة أنماط للغة تحدث عنها الباحثون الغربيون، ثم تبعهم العرب في الحديث عنها. ثم تناول فكرة الدعوة للعامية وتحدث عن ثلاث مراحل تاريخية هامة لتطور اللغة.
حسبما ورد في المقال إن أول من تناول موضوع الازدواجية اللغوي الألماني "كرم باخ" في كتاب له ألفه سنة 1902، حيث عالج خلاله اللغة اليونانية والعربية. ودعا اليونانيين إلى ترك الازدواجية في لغتهم والالتحاق بالغرب، كما دعا العرب إلى ترك الفصحى واختيار اللهجة المصرية كلغة قومية.
هناك رأي آخر يقول أن العالم الفرنسي مرسييه (1930) أول من عرف الازدواجية وعرّفها بأنها: "تنافس بين لغة أدبية مكتوبة ولغة عامية شائعة للحديث". بعد ثلاثة عقود من ذلك برز تشارلز فرجسون (1959)، وبحث ازدواجية اللغة العربية، اليونانية، الألمانية والسويسرية، ثم لهجة هاييتي. كما يعتبر فرجسون المرجع لكل الباحثين من بعده.
يتوقع فرجسون انه سنة 2150 سوف تتطور أنماط لغوية ترتكز كل منها على العاميات مع مزيج من مفردات الفصحى، وستكون ثلاثة أنماط أساسية: المغربية التي ترتكز على عامية الرباط أو تونس. المصرية المرتكزة على عامية القاهرة. المشرقية المرتكزة على عامية بغداد. ربما يضاف إليها عربية سورية وترتكز على عامية دمشق، وسودانية معتمدة على عامية الخرطوم أو درمان.
بعد فرجسون جاء د. هيمز (1964)، وعرف الازدواجية بأنها مثال ممتاز للتعايش بين نظامين غير متبادلي الفهم (الفصحى والعامية) لأن الفصحى صعبة على العوام من الشعب. لقد درس ظاهرة الازدواجية أيضا كل من جمبرز (1962)، ورأى أن الازدواجية موجودة أيضا في مجتمعات تستخدم لغات منفصلة لوظائف مختلفة. أما فيشمان (1972) فقد أطلق على الازدواجية "ثنائية اللغة"، ورأى بالفصحى استمرارية للعامية، كما رأى بها عائقا معطلا من ناحية اجتماعية وقومية.
لقد قام ألن كي (1972) بانتقاد فرجسون ووصفه بأنه "انطباعي"، كما رأى أن الازدواجية وضع غير ثابت، وان العامية نمط معرّف بينما الفصحى نمط غامض التعريف؛ لأنها ليست اللغة المكتسبة في البيئة الطبيعية (أي ليست لغة الأم)، لهذا فان الوضع بين اللغتين غير ثابت.
أما فيشمان (1993)، فقد رأى أن الوضع ألازدواجي غير مستقر بسبب الخلل في ميزان القوى بين النمط المعرف (العامية)، والنمط الغامض (الفصحى)، وذلك بسبب التنقل من نمط وآخر أو حلول احد الأنماط محل الآخر. بعد فرجسون أجريت دراسات عديدة بالانجليزية تناولت الازدواجية كانت معظمها بين السنين (1983- 1992).
لقد اعتبر الباحثون الازدواجية اللغوية عائقا اقتصاديا وتربويا ومشكلة في التماسك القومي. لهذا الغيت في اليونان (على سبيل المثال) الفصحى التي تسمى (كذاريفوسا)، واتبعت محلها العامية (ديموتيكي) كلغة رسمية للبلاد. فقد شكلت الازدواجية رمزا وتذكرة للصراع والتماسك الاجتماعي.
لقد قام باحثون عدة بمعالجة موضوع الازدواجية ورأوا بها مورثة للمشاكل النفسية، الاجتماعية الاقتصادية والتربوية. ووصف الكاتب اليهودي رفائيل باتاي العقل العربي بالهامشية وانفصام الشخصية. كما يربط الكاتب ليفين (1977) بين اللغة العربية والكذب متهما إياها كباعث وسببا في استعمال العنف.
أما شوبي (1951) أو شعوبي، فقد رأى أن اللغة العربية قد أوجدت عالمين، عالم الحقيقة ويتمثل باللهجة، وعالم الخيال ويتمثل بالفصحى. ويضيف أن اللغة العربية تهتم بالشكل على حساب الفكرة والمضمون، وهذا يؤدي في راية إلى أن "تحشر الأفكار لتناسب الكلمات" وليس العكس. وقد أيده في ذلك العربي أبو سعدي (1971) حيث قال: إن الفصحى بصيغتها الجامدة تركت اثرين نفسيين على الناطقين بها: الأول، الاهتمام بالشكل وليس بالمضمون، وهذا يؤدي إلى الغموض الذي يجرنا إلى غموض آخر في المواقف الحياتية. ثانيا، استعمال القواعد النحوية الجامدة القديمة وعدم ملاءمتها للحضارة الحديثة. لقد رأى الغربيون أن وضع اللغة هذا، شكل سببا هاما في تأخر الأمة العربية وفقدانها للإبداع.
إن أول من استخدم تعبير الازدواجية من بين الكتاب العرب كان أنيس فريحه في كتابه "اللغة العربية وبعض مشكلاتها" (1966)، وتحدث في كتابه عن خمس مشكلات تعاني منها اللغة: 1- تقييد الفصحى بأحكام وضوابط مبنية على قواعد الشعر. 2- كتابة اللغة بحروف صامتة. 3- عجز اللغة عن اللحاق بالفنون والعلوم والفلسفة. 4- مشكلة طرائق تدريس اللغة العربية. 5- ويأتي العامل الأهم من بينهم ألا وهو الازدواجية. حيث رأى بها تأشيرات مدمرة للإنسان العربي؛ لان العامية هي لغة "الجتمعة" والاتصال اليومي، وهي اللغة التي نفكر بها بدون قيود؛ أما في المواقف الرسمية فعلينا تبني لغة جديدة تخص جيل عبر، وقد أحيطت بها هالة من القدسية وتوقفت في نقطة معينة من الزمان والمكان. ووصفها باللغة "المعقدة"، والانتقال من لغة سلسة كالعامية إلى لغة معقدة كالفصحى أمر يعيق الفكر ويسبب في كساد الأدب وصعوبة التدريس، وأضاف قائلا أن الطفل الغربي يعبر عن نفسه بصورة أفضل من الطفل العربي بسبب لغته السهلة الطيعة، وان هناك كلمات في اللغة العربية تدعو إلى القتل وارتكاب الجرائم، وان الفصحى كانت وما زالت عائقا في حرمان العرب من الفن المسرحي.
يتركز جل اهتمام هذا البحث على تأثير الازدواجية على قضايا التعليم وبأنها سبب مباشر في انتشار الأمية. لقد كتب الدكتور طه حسين في مقالة له بعنوان "مستقبل الثقافة في مصر" بان اللغة العربية الفصيحة سوف تكون لغة الدين فقط إذا لم تهتم الدول العربية بتعليمها وانتشارها بين عامة الشعب عن طريق التثقيف للجميع لأنها قليلة الاستعمال، مع تعلم نحوها على القدر الكافي لتفي مهمات الحياة الضرورية.
يقول إبراهيم السامرائي (1973) في كتاب له بعنوان "تنمية اللغة العربية في العصر الحديث" انه يراد باللغة العربية أن تكون لغة العرب بينما العرب يجهلونها، حتى أن معلم اللغة العربية نفسها يجهلها بسبب عدم قدرته على الإعراب، وان على اللغة أن تيَسّر نحوا وصرفا وبناء ورسما لتصبح لغة صالحة للكلام والفكر والكتابة، لأنه يصعب إيصال العلم الحديث بواسطتها بسبب مفرداتها الثابتة والغير قابلة للتغيير.
أجرى سامي الرباعي بحثا في مجلة أمريكية قام من خلالها بتقويم كفاءة الطلاب في استخدام الفصحى، وأظهر البحث أن الطلبة سجلوا أخطاء إملائية، صرفية ونحوية والسبب في ذلك هو الفجوة بين الفصحى والعامية، وهذا البعد هو السبب المباشر في انتشار الأمية في الوطن العربي وسبب في ضعف مستوى الأداء اللغوي عند الطلبة العرب. هناك دراسة لصلاح عياري (1996) تدعم الرأي القائل أن الازدواجية وصعوبة تعلم الفصحى هما سبب في انتشار الأمية. أما فرجسون فقد علق على هذا الموضوع قائلا: إن الازدواجية لا تشكل عاملا نحو الأمية طالما بذلت الجهود الكافية لمحو الأمية، وكانت هناك اتصالات مباشرة بين الأقاليم والطبقات أو تشكيل نمط لغوي موحد للعرب "يمثل الاستقلال والسيادة العربية".
بعد أن عرفنا أن الكثير من اللغات تعاني من الازدواجية، يتساءل كاتب المقال إذا كان للغة العربية وضع خاص يختلف عن غيرها من اللغات، وسوف يعطينا الإجابة بعد بحث أربعة أنماط للغة العربية الممثلة في الرسم التالي:
*-------------------------*---------------------------------*-------------------------------*
الفصحى العربية الحديثة عربية المثقفين العامية
العربية الفصحى: أو الكلاسيكية