mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مفهوم الشعر العربي.. رؤية فلسفية

كُتب : [ 11-30-2017 - 04:46 AM ]


مفهوم الشعر العربي.. رؤية فلسفية








إنّ دراسة الشِّعْر عند فلاسفة العرب لا تتّضِح إلا في ضوء جهود فلاسفة اليونان القدماء، ذلك أنّ الثقافة الفلسفية العربية تدين للثقافة اليونانية التي تلقّفها بعض المسلمين وأفاضوا في تفسيرها والإضافة إليها والاستدراك عليها أحيانًا، لذلك فإنّ الأدباء والنقاد والبلاغيين -منهم- تأثّروا تأثّرًا بالغًا بهؤلاء القدماء، وعلىٰ رأسهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ حيث بدا هذا التأثّر واضحًا بموروثهم، لا سيما بكتاب «فن الشعر» لأرسطو، وبخاصة بعد أن قام متىٰ بن يونس سنة 328هـ بترجمة هذا الكتاب، ومنذ ذلك الوقت توالت التلخيصات والشروح، وتعدّدت الترجمات لهذا الكتاب.

وعلى الرغم من كثرة تلك الشروحات والجهود المبذولة في فلسفة الأدب والشعر على وجه الخصوص، إلا أنّ تراث فلاسفة المسلمين وصل إلينا ناقصًا، فلم يكن بالإمكان العثور على نصوص صريحة حول مفهوم الشعر لكل واحد منهم، إلا أنّ من هؤلاء عددًا قد نَصَّ علىٰ تعريف الشعر من وجهة نظَرِہ؛ وأبان عن ماهيَّتِه، فمِن أبرَزِ هؤلاء:

1. الفارابي:
يُطلِق الفارابي علىٰ الشعر مسمَّىٰ (الأقاويل الشعرية)، وأنّها تتألّف «من أشياء مُحاكية للأمر الذي فيہ القول»([1])، أو أنّها هي «توقِع في ذهن السامعين المحاكىٰ للشيء»([2]).

ويعرِّفہ أيضًا بأنّه: «الصناعة التي بها يقدر الإنسان علىٰ تخييل الأمور التي تبيَّنت ببراهين يقينية في الصنائع النظرية، والقدرة علىٰ محاكاتها بمثيلاتها»([3]).

ومن تعريفاتہ البارزة قوله: «الأقاويل الشعرية هي التي تركَّب من أشياء شأنها أن تخيّل -في الأمر الذي فيہ المخاطبة- حالًا ما، أو شيئًا أفضل أو أخسّ، وذلك إما جمالًا أو قُبحًا، أو جلالًا أو هوانًا، أو غير ذلك مما يُشاكل ذلك»([4]).

ويفصِّل التعريف أكثرَ بقوله: «قوام الشعر وجوهرہ عن القدماء هو أن يكون قولًا مما يحاكي الأمر، وأن يكون مقسومًا بأجزاء ينطبق بها، في أزمنة متساوية... وأعظَم هذين في قوام الشعر هو المحاكاة، وعلم الأشياء التي تكون بها المحاكاة، وأصغرها الوزن»([5]). ويُلاحَظ هنا تطرُّقہ لقضية الوزن في الشعر.

وما من فارقٍ بين هذہ التعريفات سوىٰ أنّ بعضها فيہ التركيز علىٰ الأثر الذي يُحدِثہ الشعر في المتلقّي، باعتبارہ تخييلًا؛ وبالبعض الآخر يركِّز علىٰ العلّة التي تُحدِث هذا الأثر، وهي المحاكاة؛ وفي المحصِّلة هو يركّز علىٰ الخصائص الداخلية، ثم بعد ذلك يأتي التركيز علىٰ الخصائص الشكلية، وهي الوزن وتَساوي الأشياء في الزمن([6]).

2. ابن سينا:
عرَّف ابن سينا الشعر بتعريفٍ جامعٍ فقال: «الشعر كلامٌ مخيَّل، مؤلَّف من أقوال ذوات إيقاعات متَّفقةٍ متساويةٍ متكرِّرةٍ علىٰ وزنها، متشابهة حروف الخواتيم»، ثمّ شرَعَ في شرحِ ألفاظ هذا التعريف، فقال: «فـ(الكلام) جنسٌ أوَّل للشعر، يعمّہ وغيرہ مثل الخطابة والجدل وسائر ما يشبههما. وقولنا (من أقوال مخيّلة) يصل بينہ وبين الأقاويل العرفانية، التصديقية والتصويرية علىٰ ما عرفت في صناعة أخرىٰ([7]). وقولنا (ذوات إيقاعات متفقة) ليكون فرقًا بينہ وبين النثر، وقولنا (متكررة) ليكون فرقًا بين المصراع والبيت، وقولنا (متساوية) ليكون فرقًا بين المقفّىٰ وغير المقفّىٰ، فلا يكاد يسمّىٰ بالشعر ما ليس مقفّىٰ»([8]).

ويعرِّفہ في مَوضِعٍ آخر بقوله: «الشعر من جملة ما يُخيّل ويُحاكىٰ بأشياء ثلاثة: باللحنِ الذي يُتنغَّم بہ، فإنّ اللحن يؤثِّر في النفس... فتصير محاكية في نفسها لحزنٍ أو غضبٍ أو غير ذلك. وبالكلام نفسہ، إذا كان مخيّلًا محاكيًا. وبالوزن، فإنّ من الأوزان ما يطيِّش، ومنها ما يوَقِّر. وربّما اجتمعت هذہ كلّها، وربما انفرد الوزن والكلام المخيّل، إنّ هذہ الأشياء قد يفترق بعضها من بعض، وذلك أنّ اللحن المركّب من نغَمٍ متّفقةٍ ومن إيقاعٍ قد يوجَد في المعازف والمزاهر، واللحن المفرد الذي لا إيقاع فيہ قد يوجَد في المزامير المرسَلة... والإيقاع الذي لا لحن فيہ قد يوجَد في الرقص»([9]).

ومِن تعريفاتہ -أيضًا- قوله: «الشعر هو كلام مخيّل، مؤلَّف من أقوال موزونة»([10]).

3. ابن رشد:
كان تعريف ابن رشد للشعر وبيان مفهومہ امتدادًا لما قرّرہ سابقہ ابن سينا، مع اتّباع ومماثلة؛ فهو يرىٰ أنّ الشعر يقوم علىٰ المحاكاة والتخييل، وأنّ هذان يكونان في ثلاثة أشياء في الشعر، فيقول: «والتخييل والمحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون مِن قِبَل ثلاثة أشياء: مِن قِبَل النغم المتّفقة [وهو الذي عبّر عنہ ابن سينا بـ(اللحن)]. ومِن قِبَل الوزن. ومن قِبَل التشبيہ -نفسہ- [وهو الذي عبّر عنہ ابن سينا بـ(الكلام)]. وهذہ قد يوجد كل واحد منها منفردًا عن صاحبہ، مثل: وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ...، وقد تجتمع هذہ الثلاثة بأسْرها، مثل: ما يوجَد عندنا في النوع الذي يُسمّىٰ الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهلُ هذہ الجزيرة([11])، إذْ كانت الأشعار الطبيعية هي ما جمَعَت الثلاثة الأمور، والأمور الطبيعية إنما توجد للأمم الطبيعيين، فإنّ أشعار العرب ليس فيها لحن، وإنما فيها إمّا وزن فقط، وإمّا الوزن والمحاكاة معًا فيها...، ولذلك ليس ينبغي أن يسمّىٰ شعرًا بالحقيقة إلا ما جمع هذين [الوزن والمحاكاة]، وأمّا تلك [الوزن فقط] فهي أن تسمّىٰ أقاويل أحرىٰ منها أن تسمّىٰ شعرًا... وكذلك الأقاويل المخيّلة التي تكون من أوزان مختلطة ليست أشعارًا»([12]).

من خلال ما سبق من تعريفات فلسفية للشعر، يمكن تلخيص القول بأن مفهوم الشعر عند الفلاسفة يكمن في كونه: (كلامًا) لہ (روح) و(جسد)؛ فروحُہ المحاكاة والتخييل، وجسدُہ الوزن والنظم، وقد يُضاف إليہ اللحن والنغَم؛ علىٰ أنّ ابن سينا وابن رشد يصرّحان بأن جزءًا من هذہ الروح يأتي مِن قِبل أصْل الكلام نفسہ، ومِن قِبل الجسَد أيضًا.

--------

([1]) الفارابي: جوامع الشعر -ضمن "تلخيص كتاب الشعر" لابن رشد-، (ص173).
([2]) الفارابي: رسالة في قوانين صناعة الشعراء -ضمن "فن الشعر" لأرسطو-، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (ص150).
([3]) الفارابي: فلسفة أرسطو، (ص85).
([4]) الفارابي: إحصاء العلوم، (ص83).
([5]) الفارابي: جوامع الشعر، (ص172-173).
([6]) عصفور: مفهوم الشعر، (ص192).
([7]) أيْ: في علم الباطن ومذهب التصوّف، حيث تعرف (العرفانية) في اصطلاحهم: أنّها «التوصّل بنوعٍ من الكشف إلى المعارف العليا، أو تذوُّق تلك المعارف تذوّقًا مباشرًا بأن تُلقى في النفس إلقاءً، ولا تَستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية». النشار، علي سامي: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، (ج1، ص186).
([8]) ابن سينا، جوامع علم الموسيقى، (ص122-123).
([9]) ابن سينا، فنّ الشعر من كتاب الشفاء -ضمن "فن الشعر" لأرسطو-، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (ص168).
([10]) السابق، (ص160).
([11]) يعني بلادَہ (الأندلس) -آنذاك-؛ ومن هذا نلاحظ وعي ابن رشد بارتباط الموسيقى بالشعر من خلال ما وُجِد في بلادهم مما يسمى الموشحات والأزجال، ويكون بذلك أعمق وأدقّ مِن سابقَيہ، لأنہ لم ينظِّر فقط وإنما عايَن وعايَش الشيء.
([12]) ابن رشد: تلخيص كتاب الشعر، (ص57-58).


البوابة



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:11 AM ]


من المعرفة :

ابن رشد
وُلـِد قرطبة، الأندلس
توفي 10 ديسمبر، 1126
مراكش، المغرب
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي " الحفيد " (520- 595 هـ= 14 أبريل 1126- 10 ديسمبر 1198م)، المعروف بابن رشد، عالم عربي ولد في قرطبة بالأندلس، من أسرة عرفت بالعلم والجاه. وتوفي في مراكش. ان ابن رشد يعد في حقيقة الأمر ظاهرة علمية عربية متعددة التخصصات، فهو فقيه مالكي، وهو قاضي القضاة في زمانه، وهو ذاته طبيب نطاسي تفوق على أساتذته حتى ان أستاذه ابن زهر قال عنه: "ابن رشد أعظم طبيب بعد گالينوس"، وهو عينه فيلسوف عقلاني، وهو أيضا مترجم لأعمال أرسطو المرجعية للعرب والغرب فيما بعد، وهو أيضا فلكي ذي أعمال جليلة في المضمار، وهو نفسه المتكلم الذي تصدى لنقد المتكلمين باسم توافق المعقول والمنقول وعلى رأسهم الامام الغزالي.‏



ابن رشد، بريشة أندريا بونايوتو، البندقية، القرن 14.

مناظرة متخيلة بين ابن رشد وفرفوريوس. مونفردو ده مونته إمپريالي Liber de herbisالقرن 14.[1]
عرفت عائلة ابن رشد بالمذهب المالكي، وجده ابو الوليد محمد (توفي 1126) كان كبير قضاة قرطبة تحت حكم المرابطين، وشغل والده ذات المنصب حتى مجيء الموحدين.

يعد ابن رشد من أهم الفلاسفة العرب. دافع عن الفلسفة وصحح علماء وفلاسفة سابقين له كابن سينا والفارابي في فهم بعض نظريات أفلاطون وارسطو. درس الكلام والفقه والشعر والطب والرياضيات والفلك والفلسفة، قدمه ابن طفيل لأبي يعقوب خليفة الموحدين عام 1182م فعينه طبيبا له ثم قاضيا في قرطبة.

تولّى ابن رشد منصب القضاء في اشبيلية، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، تلبية لرغبة الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، وكان قد دخل في خدمته بواسطة الفيلسوف ابن الطفيل، ثم عاد إلى قرطبة حيث تولى منصب قاضي القضاة، وبعد ذلك بنحو عشر سنوات أُلحق بالبلاط المراكشي كطبيب الخليفة الخاص.

لكن الحكمة والسياسة وعزوف الخليفة الجديد (أبو يوسف يعقوب المنصور 1184 - 1198) عن الفلاسفة، ناهيك عن دسائس الأعداء والحاقدين، جعل المنصور ينكب ابن رشد، قاضي القضاة وطبيبه الخاص، ويتهمه مع ثلة من مبغضيه بالكفر والضلال ثم يبعده إلى "أليسانه" (بلدة صغيرة بجانب قرطبة أغلبها من اليهود)، ولا يتورع عن حرق جميع مؤلفاته الفلسفية، وحظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم جملة، ما عدا الطب، والفلك، والحساب.

كانت النيران تأكل عصارة عقل جبار وسخط اتهام الحاقدين بمروق الفيلسوف، وزيغه عن دروب الحق والهداية... كي يعود الخليفة بعدها فيرضى عن أبي الوليد ويلحقه ببلاطه، ولكن قطار العمر كان قد فات إثنيهما فتوفي ابن رشد والمنصور في السنة ذاتها (1198 للميلاد)، في مراكش.

فكره


ابن رشد، تفصيلة الجصية مدرسة أثينا بريشة رفائل
يمثل ردة الفعل الفلسفية على الهجمة القوية على الفلسفة التي أقدم عليها الغزالي. فابن رشد يمثل محاولة رد اعتبار الفلسفة بعد أن أصابها الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة ووضع هذا الجهد في كتابه تهافت التهافت.

ويجسد ابن رشد خير من شرح مؤلفات أرسطو وشروح ابن رشد على أرسطو هي أفضل شروح نعرفها في تاريخ الفلسفة وهو شارح لأرسطو أكثر من كونه فيلسوف مبدع ذا فلسفة خاصة. بل هو تلميذ لأرسطو- رغم وجود 16 قرن بينهم- يتبنى معظم آراءه في الطبيعة وما بعد الطبيعة.

قدم ابن رشد نظرية أو موقف متميز وخاص ومهم في مسألة العلاقة بين الشريعة والحكمة أي بين الدين والفلسفة وذلك في كتاب (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال). وسنتكلم عن القسم الثالث من المتعلق بالعلاقة بين الدين والفلسفة. وهذه المسألة شغلت جميع الفلاسفة من الكندي، الفارابي، الغزالي، ابن سينا، وابن رشد. والغزالي وحده أعتقد أنه الفلاسفة يخرجون من الدين عندما كفرهم في الثلاث قضايا وبدعهم في سبعة عشر.ابن رشد يستأنف موقف الكندي مع شيء من التعديل ويقول لا تعارض بين الدين والفلسفة. أي لا اختلاف بين الأمرين (الشريعة والحكمة) وإذا كان هناك من تعارض فالتعارض ظاهري بين ظاهر نص ديني وقضية عقليه ونستطيع حله بالتأويل وفقا لقواعد وأساليب اللغة العربية. عندما ننظر إلى كتاب فصل المقال لأبن رشد نجد أن: ابن رشد ميّز بين الفلسفة والمنطق أو جعلهما مرتبطتين.

تعريف ابن رشد للفلسفة

لوحة جوع¤اني دي پاولو المسماة توما الأكويني يـُفحـِم ابن رشد.
تعني المصنوعات التي يصنعها الصانع تدل عليه، وكلما عرفنا الموجودات معرفة أتم تكون معرفتنا بصانعها أتم و الشرع ندب (المندوب أي المستحب) إلى اعتبار الموجودات والنظر بها وبيان دلالتها.

الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات لأن النظر في الموجودات نظر عقلي، وهناك أكثر من آية تشير إلى اعتبار الموجودات بالعقل "فاعتبروا يا أولي الأبصار" وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي.

"أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض"

"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت"

"ويتفكرون في خلق السماوات والأرض"

هذه أدلة فابن رشد يشدد على كلمة النظر والاعتبار والتفكر والرؤية وهي أدلة دينية على وجوب النظر العقلي في الموجودات. يفسر ابن رشد كلمة الاعتبار فيقول أننا من مقدمات معلومة نستنتج نتيجة مجهولة، أي من مقدمة كبرى فمقدمة صغرى نستنتج نتيجة، إذا سلمنا بالمقدمات الكبرى والصغرى ينتج عنها بالضرورة نتيجة، وبهذا الشكل سوّغ ابن رشد دراسة المنطق.

التمييز بين أنواع الأقيسة، البرهاني قياس لمقدمتان سابقتان مثل، كل إنسان فان..سقراط إنسان.. إذن سقراط فان.

القياس البرهاني: القياس الذي كلتا مقدمتاه صادقة. (وهو القياس السليم عنده)

القياس الجدلي: القياس الذي إحدى مقدمتيه احتمالية أو كلتا مقدمتيه احتمالية. القياس المغالطي: هو القياس الذي فيه إحدى المغالطات.

أقر ابن رشد و أكد شرعيا المنطق و أكد القياس بآية "واعتبروا يا أولي الأبصار".

القياس في الفقه لا يقولون عنه بدعة، فحكم القياس العقلي نفس الشيء.

إذا تقرر أن النظر بالقياس العقلي واجب فنحن ننظر بالذي سبقونا.

ويقول ابن رشد مثل قول الكندي في أننا يجب أن نأخذ الحقائق حتى لو كان قائلها من ملة غير ملتنا، وأن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع وأن الفرد لا يستطيع أن يحصل العلم وحده ويجب أن نستفيد من بعض ومن السابقين.

شرعيا أوجب النظر العقلي في القضايا التي توصل إلى الله وينبغي أن تتوافر في من ينظر بهذه العلوم أمرين:

- ذكاء الفطرة

- العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية

ويقول ابن رشد إذا غوى (أي ضل وانحرف) غاو بسبب النظر في الوجود لا يمكن أن ننكر الصنعة نفسها عن الأكفاء بالنظر فيها ودراستها لأن بعض غير الأكفاء للنظر قد أخطئ.

سأل أحدهم النبي (ص) عن حل لإسهال أخيه فأشار عليه الرسول بالعسل، ولما سقاه العسل زاد عليه الإسهال فرجع إلى النبي، فقال له عليه السلام "صدق الله وكذب بطن أخيك".

والمقصود أنه إذا مات أحد ما بسبب أنه شرق بالماء، فإن هذا لا يعني أن نمنع شرب الماء حتى يموت الإنسان من العطش لهذا السبب، فالموت عن الماء بالشرق أمر عارض، وعن الماء بالعطش أمر ذاتي ضروري.

قال ابن رشد أيضا أن الناس مختلفون في جبلتهم فهناك أناس يجري عليهم القياس البرهاني وأناس القياس الجدلي.

نظر ابن رشد إلى العلاقة بين الدين والفلسفة وخلاصة موقفه في المسألة:

مثلا إذا قررنا قضية مثل قضية العالم مخلوق، فلا يخلو هذا الوضع (أي خلق الوجود) أن يكون الشرع قد سكت عنه أو قال قولا ما. اليقين الفلسفي البرهاني حق ولا يمكن أن يتعارض مع حقيقة ذكَرَها الشرع:

قول سكت عنه الشرع: يجوز الكلام فيه، قول قرر بشأنه الشرع قولا ما: إما قرر بشأنه قولا موافقا لما قدره العقل: فلا نتكلم فيه، إما قرر بشأنه قولا مخالفا لما قدره العقل: فنلجأ للتأويل.

تتلخص أطروحة ابن رشد في هذه المسألة في:

1- أن الشرع أوجب النظر بالعقل في الوجود و أوجب دراسة المنطق من ناحية مفسرا آية "واعتبروا يا أولي الأبصار". معنى الأبصار القياس، وأوجب النظر في الوجود من علل الموجودات.

2 - الوجه الثاني أن هذا النظر ليس بدعة وينبغي أن نأخذ به و لا يمكن أن يتحقق لفرد واحد فهو إسهام لأفراد كثيرين فيجب أن نلجأ للأمم الأخرى.

3 - العلاقة بين ما يقرره العقل البرهاني وما تتفق به الشريعة، كل منهما يعبر عن الحق، والقضايا البرهانية العقلية هي حق، وما نطق به الشرع حق، والحق لا يضاد الحق بل يؤكده ويشهد له، أي ليس هناك تناقض بين الحكمة (الفلسفة) والشريعة. وابن رشد مرجعه النهائي العقل.

قيل عنه


Commentarium magnum Averrois in Aristotelis De Anima libros. مخطوطة فرنسية، الربع الثالث من القرن 13.
يقول لويجي رينالدي في بحث عنوانه "المدينة العربية في الغرب":‏
"ومن فضل العرب علينا أنهم هم الذين عرّفونا بكثير من فلاسفة اليونان. وكانت لهم الأيدي البيضاء على النهضة الفلسفية عند المسيحيين. وكان الفيلسوف ابن رشد أكبر مترجم وشارح لنظريات أرسطو. ولذلك كان له مقام جليل عند المسلمين والمسيحيين على السواء. وقد قرأ الفيلسوف ورجل الدين النصراني المشهور توماس الأكويني، نظريات أرسطو بشرح العلامة ابن رشد. ولا ننسى أن ابن رشد هذا مبتدع مذهب "الفكر الحر". وهو الذي كان يتعشق الفلسفة، ويهيم بالعلم، ويدين بهما. وكان يعلمهما لتلاميذه بشغف وولع شديدين، وهو الذي قال عند موته كلمته المأثورة: تموت روحي بموتِ الفلسفة".‏

وفي كتابه "تاريخ موجز للفكر الحر" كتب المفكر الإنكليزي جون روبرتسون : "إن ابن رشد أشهر مفكر مسلم، لأنه كان أعظم المفكرين المسلمين أثراً وأبعدهم نفوذاً في الفكر الأوروبي، فكانت طريقته في شرح أرسطو هي المثلى".‏
وكتب المستشرق الإسباني البروفيسور ميگل هرناندث : "إن الفيلسوف الأندلسي ابن رشد سبق عصره، بل سبق العصور اللاحقة كافة، وقدم للعلم مجموعة من الأفكار التي قامت عليها النهضة الحديثة".‏
ورأى هرنانديز أن ابن رشد قدم رؤية أكثر شمولاً وإنسانية للمدينة الفاضلة. وكان يرى أن في الإمكان قيام كثير من المدن الفاضلة، تقوم بينها علاقات سلمية فاضلة -والمدينة هنا تكاد تعني الدولة تماماً- واعتقد أن قيام الحروب بين الدول هو نهاية العالم.‏



أعماله

وضع ابن رشد أكثر من خمسين كتاباً في مجالات مختلفة:

من شروحاته وتلاخيصه لارسطو :
تلخيص وشرح كتاب ما بعد الطبيعة (الميتافيزياء).
تلخيص وشرح كتاب البرهان او الأورغنون.
تلخيص كتاب المقولات (قاطيقورياس).
تلخيص كتاب الاخلاق.
تلخيص كتاب السماع الطبيعي.
شرح كتاب النفس.
شرح كتاب القياس.
وله مقـالات كثيرة ومنها:

مقالة في العقل.
مقالة في القياس.
مقالة في اتصال العقل المفارق بالانسان.
مقالة في حركة الفلك.
مقالة في القياس الشرطي.
وله كتب اشهرها:

كتاب مناهج الادلة ، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية في الأصول.
كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال ، وهو من المصنفات الفقهية والكلامية.
كتاب تهافت التهافت الذي كان رد ابن رشد على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة.
كتاب الكليات.
كتاب "التحصيل" في اختلاف مذاهب العلماء.
كتاب "الحيوان" .
كتاب "فصل المقال في مابين الحكمة والشريعة من الاتصال".
كتاب "المسائل" في الحكمة
كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" في الفقه.
كتاب "جوامع كتب أرسطاطاليس" في الطبيعيات والإلهيات.
كتاب "شرح أرجوزة ابن سينا" في الطب.‏
ـــــــــــــــــــــ
مفهوم الشعرية عند ابن رشد - صحيفة الرأي
http://alrai.com/article/774000.html



التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله بنعلي ; 11-30-2017 الساعة 11:14 AM

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:16 AM ]


بقلم الطيب بوعزة
قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية

هل يمكن تحديد ماهية الشعر، والتنصيص على خصائصه المائزة؟

عندما نظر النقاد إلى الشعر بنظرة تبتغي تحديد ماهيته، انساق أغلبهم إلى تحديدها في موسيقاه؛ فقالوا "الشعر كلام موزون مقفى". ومعلوم أن الخليل بن أحمد بعد كشفه للنظام الموسيقي المحايث للشعر العربي وضع تعريفا إجرائيا ومعياريا، صار مقياسا لقراءة الشعر السابق واللاحق أيضا؛ فقال:" الشعر ما وافق أوزان العرب"، فنفى بذلك الخاصية الشعرية عن كل نظام من القول يخرق هذه الأوزان الموسيقية ولا يوافقها.

فهل بالفعل يصح اختزال الشعر في إيقاعيته؟

إن ماهية الخطاب الشعري أوسع من أن تختزل في إيقاعه الموسيقي، أو فلنقل بلفظ أدق "في وزنه" على اعتبار أن ابن سينا يفرق بين الموسيقى والوزن في الشعر. لكن فائدة هذا التعريف الشائع هو أنه يبرز الصلة الوثيقة بين الشعر والموسيقى، وهي في نظرنا صلة أكيدة لا يمكن إنكارها . لكن مع ذلك، لابد من أن ننتقل إلى بحث الماهية الشعرية خارج هذا الاختزال الإيقاعي الذي اتجه إليه أغلب نقاد الشعر العربي، إن لم نقل كلهم.

ولعل أول من تنبه إلى بيان الماهية الشعرية خارج ذلك الاختزال الشائع الذي يحصرها في النغم الإيقاعي هو الجاحظ، عندما أشار إلى الصورة كمكون رئيس في تعريف الشعر؛ حيث قال:" إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير.".

تجاه هذا التعريف نلقى أحد كبار أساتذة الأدب العربي ـ أقصد شوقي ضيف ـ ينتقد الجاحظ؛ لأنه لم يلتزم بتعريفه هذا، حيث يقول:"ولكن للأسف لم يعن هو نفسه( يقصد الجاحظ) بهذا المعنى فيما جمع من الشعر بكتابه البيان والتبيين."([1])

ونعتقد أن الصواب غير ذلك، فما جمعه الجاحظ في كتاب "البيان" لا يخلو من سمت وفعالية التصوير. ولا يسمح المقام بالإيغال في إيراد الشواهد الشعرية من متن الجاحظ لاحتوائها على الصور، إنما نكتفي بهذا الإلماح لنفرغ لسؤال بحثنا:

هل يمكن تحديد ماهية الشعر؟

إن كثيرا من المفكرين والنقاد لم يجدوا مسلكا إلى ضبط ماهية القول الشعري، لذا تجدهم يصرحون باستحالة التحديد الماهوي للشعر . فـ "تيفر" يرى بأن "كلمة الشعر ككلمة الجمال من الكلمات المبهمة."([2])

كما أن لمبورن ينطق صراحة باستحالة التحديد، مستدلا على هذه الاستحالة بغموض موضوعين رئيسين يكونان أصل المادة الشعرية، هما الحياة والحب؛ حيث يقول:"لا يمكن تعريف الشعر إلا إذا عرفنا الحياة والحب اللذين يترجم عنهما."([3])

وقبل هذه التأملات القاضية باستحالة التحديد الماهوي للشعر، نجد التفكير الفلسفي منذ أرسطو، قد اهتم ببحث القول الشعري من مدخل آخر هو المحاكاة؛ ففي كتابه "فن الشعر" يعرف أرسطو الشعر بكونه محاكاة.

ويربط بين الشعر والصورة والخيال؛ فالقول الشعري عند أرسطو إبداع للصور من المخيلة، يستوي في نظام لغوي إيقاعي. لكن إذا كان أرسطو قد حدد مكونات القول الشعري في الصورة والخيال واللغة والإيقاع، فإنه سرعان ما سينفي خلال بحثه اللغة والإيقاع؛ لأنهما ـ حسب تقديره ـ عنصران لا يملكهما الشاعر؛ ومن ثم لا يتبقى إلا الصورة المتخيلة؛ فأصالة الشعر والشاعر ينبغي أن تلتمس في الصورة التي يبتدعها المخيال الشعري.

وتعريف أرسطو للشعر بوصفه محاكاة، تكرر من بعد عند مختلف نقاد الشعر المتأثرين بالفلسفة الأرسطية مركزين على فكرة الأداة المتوسلة في المحاكاة الشعرية، فبحثوا فيها بقصد التنصيص على خصائص مائزة للقول الشعري عن غيره، إذ أدركوا أن الاقتصار على التحديد الإجمالي لا يثمر فصلا ماهويا؛ لأن المحاكاة - كما تقول الفلسفة الأرسطية ذاتها - سمة لجميع أنماط الفنون. فكان لابد لكل فلسفة تتلقى القراءة الأرسطية للشعر، أن تلتفت إلى تحديد ماذا تمتاز به المحاكاة الشعرية عن غيرها من أشكال المحاكاة . ومختلف الفلاسفة العرب الذين انتهجوا التعريف الأرسطي استشعروا أهمية تحديد هذا التمييز الفارق بين المحاكاة الشعرية ومحاكاة الفنون الأخرى. ونلحظ أنهم في هذا الإيغال في تحديد المائز اختلفوا وتبيانوا رغم انطلاقهم من الأرضية الأرسطية ذاتها في تحديد الشعر. وآية ذلك أن ابن رشد اختلف مع ابن سينا، وهذا الأخير نجده متمايزا عن الفارابي مع قولهم جميعا بالمحاكاة.

فلنستحضر بوجيز القول هذا التمايز الذي ميز كيفية تلقي العقل الفلسفي العربي لنظرية المحاكاة في الشعر:

استعاد الفارابي التعريف الأرسطي، بكون المحاكاة مسلكا حاضرا في مختلف الفنون، مؤكدا أن الاختلاف بينها في الأدوات فقط؛ حيث يقول:" فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل وقد تكون بقول؛ فالذي بفعل، ضربان:

أحدهما: أن يحاكي الإنسان بيده شيئا ما، مثل أن يعمل تمثالا يحاكي به إنسانا بعينه أو شيئا غير ذلك، أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك.

والمحاكاة بقول: هو أن يؤلف القول الذي يصنعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالا على أمور تحاكي ذلك الشيء."([4])

ومن هنا يتضح أن الفارابي يجعل الفارق بين المحاكاة الشعرية وغيرها في كون أداة الشعر هي اللغة. وهذا ما يبدو عند تمييزه بين الرسم والشعر في قوله :"إن بين أهل هذه الصناعة (أي الشعر) وبين أهل صناعة التزويق (أي الرسم) مناسبة، وكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتها وفي أفعالها وأغراضها، أو نقول: إن بين الفاعلين والصورتين والغرضين تشابها، وذلك أن موضع هذه الصناعة الأقاويل، وموضع تلك الصناعة الأصباغ، وإن بين كليهما فرقا، إلا أن فعليهما جميعا التشبيه."([5])

إذن، فالشعر والرسم كلاهما فعل تشبيه؛ أي محاكاة، لكن الأول يحاكي بالقول، والثاني بالصباغة.

غير أن ابن سينا رغم اتفاقه مع الفارابي في كون الشعر يتفق مع غيره من الفنون في فعل المحاكاة، ويختلف في الأداة، فإنه يتمايز عن الفارابي في عدم اختزاله للوسيلة الأداتية التي تتوسلها المحاكاة الشعرية في اللغة؛ حيث أضاف لها الوزن، إذ يقول :"والشعر من جملة ما يخيل ويحاكي بأشياء ثلاثة : باللحن الذي يتنغم به، فإن اللحن يؤثر في النفس تأثيرا لا يرتاب به، ولكل غرض لحن يليق به بحسب جزالته أو لينه أو توسطه، وبذلك التأثير تصير النفس محاكية في نفسها لحزن أو غضب أو غير ذلك، وبالكلام نفسه، إذا كان مخيلا محاكيا وبالوزن، فإن من الأوزان ما يطيش ومنها ما يوقر. وربما اجتمعت هذه كلها، وربما انفرد الوزن والكلام المخيل : فإن هذه الأشياء قد يفترق بعضها من بعض، وذلك أن اللحن المركب من نغم متفقة، ومن إيقاع قد يوجد في المعازف والمزاهر. واللحن المفرد الذي لا إيقاع فيه قد يوجد في المزامير المرسلة التي لا توقع عليها الأصابع إذا سويت مناسبة . والإيقاع الذي لا لحن فيه قد يوجد في الرقص، ولذلك فإن الرقص يتشكل جيدا بمقارنة اللحن إياه حتى يؤثر في النفس."([6])

ويبدو هنا أن ابن سينا مايز بين خاصيتين اثنتين هما: الوزن واللحن؛ حيث لا يراهما شيئا واحدا. ومن ثم، يمكن للكلام الشعري أن يكون موزونا دون أن يكون لحنا؛ حيث يقول: "وربما انفرد الوزن والكلام المخيل". ولهذا يتحقق الشعر بالخيال والوزن. وقد يزيد في امتلاك الخصائص، فيحصل التركيب بين الخيال والوزن واللحن.

وهذا ما يقوله ابن رشد أيضا، مستحضرا قصائد الموشحات كنموذج على الشعر الذي تتوافر فيه الخصائص الثلاثة (أي الوزن واللحن والخيال) فضلا عن المحاكاة، حيث يقول: "والتخييل والمحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه. وهذه قد يوجد كل واحد منها منفردا عن صاحبه، مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ، أعني الأقاويل غير الموزونة. وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها، مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة(يقصد الأندلس). إذ كانت الأشعار الطبيعية هي ما جمعت الأمرين جميعا، والأمور الطبيعية إنما توجد للأمم الطبيعيين. فإن أشعار العرب ليس فيها لحن، وإنما فيها إما الوزن فقط ، وإما الوزن والماحكاة معا."([7])

ومن ثم إذا كان الفارابي قصر المحاكاة الشعرية على اللفظ، فإن ابن سينا وابن رشد يضيفان الوزن إلى اللفظ.

وعودا إلى أرسطو، لنذكر باختزاله وظيفة القول الشعري في إبداع الصورة، لنر ما النتيجة المستلزمة عنه:

إذا ما التزمنا بهذه الرؤية النقدية الأرسطية، فإن تحليل القول الشعري سيكون متجها ليس إلى الأسلوب اللغوي ولا إلى الإيقاعية التي يبتدعها الشاعر بتوليفه بين صوتية الألفاظ، إنما فقط إلى الصورة. وذاك ما حصل بالفعل من بعد أرسطو؛ حيث هيمن تصوره الفلسفي هذا على النقد، فاتجه إلى تحليل الصور وإغفال الإيقاع والأسلوب، "حتى ظهر الناقد اليوناني ديونيسيوس لونجينوس"([8])

ومما ساعد هذا الناقد على خرق السلطة الأرسطية هو أنه كان متخصصا في علم البلاغة. وانطلاقا من زاوية نظره التخصصية هذه كان مدفوعا إلى إعادة قراءة العرف النقدي الأرسطي، لخرق محدودية رؤيته إلى الشعر؛ ففي تحليل ديونيسيوس للأوديسا، نظر، ليس فقط إلى الصورة الشعرية الكامنة فيها، بل إلى بلاغة خطابها، فانتهى إلى القول بأن "أساس الشعر الأسلوب."([9])

وبعد زوال السلطة الأرسطية، ذهب "كثير من النقاد في أوائل العصر الحديث كل منهم يخطئ أرسطو ويبرهن على أن الأسلوب والوزن لهما أثر كبير في صناعة الشعر."([10])

وعليه، فنحن هاهنا أمام ثلاثة مكونات تؤسس الخطاب الشعري، اختلف الفلاسفة والنقاد في شأنها هي : الصورة والأسلوب والإيقاع. أيها محدد لماهية الشعر؟

لكن لم هذا السعي إلى اختزال الماهية؟

لم يتجه التفكير الفلسفي إلى تضييق الواسع واختزال الكثرة؟

ألا يمكن أن تكون الماهية متعددة متكثرة؟

لعل من بين الحوافز التي دفعت الوعي الفلسفي إلى اختزال الماهية في محدد واحد هو فهمها للكينونة الماهوية ذاتها.

بمعنى أن مكمن نزعتها الاختزالية لماهيات الأشياء هو اختزالها لماهية الماهية.

فالتعريف الماهوي عندها هو ذاك الذي يمسك بـ"الفصل" المائز بين الأنواع. وبذلك استقر داخل التفكير الفلسفي عرف يضبط عملية التعريف، فيوجه التفكير نحو الإمساك بعنصر مائز يسميه فصلا ماهويا. وبما أن الكينونة حسب التصور الفلسفي متراتبة، وبما أن العناصر متفرقة في مراتب الكينونة، فإن كل مرتبة تتميز عن سابقتها بمائز هو ماهيتها. لذا فتحليلها للخطاب الشعري كان مدفوعا بهذا التوجه نحو تحديد فصل ماهوي يميزه عن غيره من أشكال الخطاب.

* د.الطيب بوعزة أستاذ مغربي و باحث في الفلسفة

[1] - ضيف، شوقي (1987)، في التراث والشعر واللغة، القاهرة ، مكتبة الدراسات الأدبية، دار المعارف، ص 88.

[2] - ضيف،شوقي (1987)، ص89

[3] - م س ، الصفحة نفسها .

[4] - الفارابي :مقالة في قوانين صناعة الشعراء، كتاب فن الشعر، (1973) ترجمة عبد الرحمن بدوي دار الثقافة بيروت ط 2 ،150

[5] - الفارابي، م س .

[6] - ابن سينا، فن الشعر،م س، ص 168 .

[7] - م س، ص203.

[8] - ضيف ،شوقي . م س ، ص89.

[9] - ضيف،شوقي. م س ، الصفحة نفسها.

[10] - ضيف، شوفي ، الصفحة نفسها.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:18 AM ]


مفهوم الشعر عند ابن سينا

الأحد ظ£ آب (أغسطس) ظ¢ظ*ظ*ظ¨، بقلم حسـن الأشــرف

صدر العدد 133 من سلسلة الكتيبات الشهرية لمجلة "المجلة العربية" السعودية، وهو عبارة عن بحث للشاعر والباحث المغربي علي العلوي حول “مفهوم الشعر عند ابن سينا”، وكيف يرى هذا الفيلسوف العربي الكبير مسائل التخييل والمحاكاة وعلاقتهما بماهية الشعر.
من ديوان العرب :
الشعر عند ابن سينا

يتحدث المؤلف عن قوى الإدراك النفسية عند ابن سينا لأنه "يصعب الحديث عن مفهوم الشعر حسب هذا الفيلسوف بمعزل عن معرفة المخيلة الإنسانية باعتبارها مصدر النشاط الشعري". ويلخص آراء ابن سينا حول القوى النفسية وقوى الإدراك في ما يلي: الحس المشترك و الخيال والمتخيلة والوهم والحافظة.

ويعرف ابن سينا الشعر بكونه "كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة"، وهو بهذا التعريف يجعل التخييل أولا والوزن ثانيا هما قوام الشعر، أما القافية فهي خاصية الشعر العربي.

ويرى ابن سينا أن التخييل هو السمة الخاصة التي تميز الشعر عن النثر، ولا يصبح القول شعرا بمجرد أن يكون موزونا، يقول في هذا الصدد: "قد تكون أقاويل منثورة مخيلة وقد تكون أوزانا غير مخيلة لأنها ساذجة بلا قول، وإنما يجود الشعر بأن يجتمع فيه القول المخيل بالوزن".

ويضيف الباحث علي العلوي بأن اعتبار ابن سينا "الشعر كلام مخيل" يجد تبريره أو صلته بطبيعة فن الشعر في فلسفته، ذلك أن القوة المتخيلة قد تمتعت عند ابن سينا بمكانة خاصة، إذ إن مركزها المهم في عملية الإدراك ينبع من تسلطها على صور المحسوسات المحفوظة في قوة الخيال التي تعمل فيها بالفصل والتركيب، بل إن سلطانها يمتد إلى المعاني الجزئية التي تدركها قوة الوهم وتحتفظ بها قوة التذكر".

التخييل والمحاكاة عند ابن سينا

ويعتبر التخييل عند ابن سينا ـ كما جاء في الكتاب ـ مرادفا للمحاكاة التي بدورها ترادف التشبيه، والمخيلات هي مقدمات ليست تقال ليصدق بها، بل لتخيل شيئا على أنه شيء آخر على سبيل المحاكاة". ويعرف الفيلسوف العربي المحاكاة بأنها "إيراد مثل الشيء وليس هو هو، فذلك كما يحاكى الحيوان الطبيعي بصورة هي في الظاهر كالطبيعي، ولذلك يتشبه بعض الناس في أحواله ببعض

ويحاكي بعضهم بعضا ويحاكون غيرهم"، وبهذا نجده يؤكد أن "المحاكاة تعطي شبيه الشيء ولا تنقله كما هو، وهو حين يضرب أمثلة للمحاكاة في الرسم والتمثيل يريد أن يشير إلى أن هناك فرقا بين ما هو حقيقي وما هو محاكى، وأن هذا الفرق يسمح بأن نقول إن المحاكاة لا تطابق الواقع، وإنها ليست تقليدا حرفيا له حتى وإن اقتصرت على تصوير ظاهر الشيء".
وأورد الباحث مسألة استخدام ابن سينا مصطلح "المحاكاة" بمعنى التشبيه، فإنه حينما يأتي بأمثلة للمحاكيات لا يأتي إلا بتشبيهات كتشبيه العسل بالمرة، والتهور بالشجاعة والشجاع بالأسد، والجميل بالقمر والجواد بالبحر. كما أنه يعد الشعر محاكاة للأشياء وتتجلى في التشبيه الذي غايته التخييل لا التصديق، وبذلك ينحصر أثره في إيقاع انفعال نفسي تجاه الشيء المحاكي، والمحاكيات عند ابن سينا ثلاثة: تشبيه واستعارة وتركيب.

وموضوع المحاكاة عند ابن سينا لا يقتصر على "الذوات الإنسانية أو الذوات عموما، ذلك أن المحاكاة الشعرية تتناول الأفعال الإنسانية المنسوبة إما إلى الأفاضل والممدوحين وإما إلى من يقابلهم من الناس، فيصبح موضوع المحاكاة تبعا لذلك إما مدحا وإما ذما. وربما تقتصر المحاكاة على وصف أحوال الناس وأفعالهم كما هي".

مهمة الشعر

يفصل الفيلسوف العربي ابن سينا بين غايتي الشعر: الإفادة والمتعة، ويتضح ذلك ـ وفق الكتاب ـ عندما يتحدث ابن سينا عن غاية الشعر عامة، حيث يذكر أن الشعر قد يقال للتعجيب وحده، وقد يقال للأغراض المدنية؛ وثانيا عندما يتحدث عن غاية الشعر عند العرب حيث يرى أن " العرب كانت تقول الشعر لوجهين أحدهما ليؤثر في النفس أمرا من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال، والثاني للعجب فقط، فكانت تشبه كل شيء لتعجب بحسن التشبيه".
وغاية الشعر عند ابن سينا، كما يوضح علي العلوي ـ تكمن في "الحث على فعل أو الكف عن فعل، ولما كانت الأفعال الإنسانية التي تحاكي إما جميلة أو قبيحة، أي إما فضائل وإما رذائل، فمن البديهي أن يكون الحث مرتبطا بالفضائل، والكف أو الردع مرتبطا بالرذائل. وفي كلا الأمرين، يقوم الشعر بدوره التخييلي الذي يدفع المتلقي إلى الإقبال على الأفعال الجميلة والنفور من الأفعال القبيحة. ويرتبط هذا الدور التخييلي بالتحسين والتقبيح اللذين حددهما ابن سينا غايتين أخلاقيتين للمحاكاة في الشعر؛ يقول ابن سينا في هذا الصدد: وكل محاكاة فإما أن يقصد بها التحسين وإما أن يقصد بها التقبيح

وفي خاتمة الكتيب، تحدث الشاعر والباحث المغربي عن حاجة تراثنا النقدي والأدبي والفكري لكثير من الدراسة والتحليل العميقين، حتى "يتأتى لنا الكشف عن مكامن الاجتهاد والإبداع والعبقرية التي كان يتميز بها أسلافنا"، مؤكدا أن الدراسات التي تناولت هذا التراث ليست في حجم وضخامة الكنوز المعرفية والنقدية التي يحفل بها، لهذا ينبغي المزيد من الجهد في سبيل إعطاء هذا التراث ما يستحقه من مكانة في الحقل المعرفي والنقدي الراهن"


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:20 AM ]


أبو نصر محمد الفارابي
من المعرفة
أبو نصر محمد بن فرخ الفارابي[1]
اللقب الأستاذ الثاني[2]
الديانة عالم مسلم
المذهب مسلم شيعي[2]
النهج الدراسي عـُرف بأنه "أبو الأفلاطونية الحديثة الإسلامية"؛ أسس المدرسة الفارابية[1]
الاهتمامات الرئيسية
ميتافيزيقا، الفلسفة السياسية، المنطق، الموسيقى، علم(الطبيعيات)، الأخلاق، الصوفية[2],

نظرية المعرفة والطب
أعماله أغراض ميتافيزيقا أرسطو[3]، فصوص الحكم، كتاب مبدأ آراء أهل المدينة الفاضلة، احصاء العلوم، الموسيقي الكبير[2]
تأثيرات أرسطو، أفلاطون، پورفيري، بطليموس[بحاجة لمصدر]
تأثرات
ابن سينا، يحيى بن عدي، أبو سليمان السجستاني، شهاب الدين السهروردي، ابن باجة، ملا صدرا[2]

الأميري وأبو حيان التوحيدي
أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي (ولد عام 260 هـ/874 م في فاراب في بلاد ما وراء النهر وتقع فاراب اليوم في قزخستان وتوفي عام 339 هـ/950 م) فيلسوف أتقن العلوم الحكمية، وبرع في العلوم الرياضية، زكي النفس، قوي الذكاء، متجنباً عن الدنيا، مقتنعاً منها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكانت له قوة في صناعة الطب وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها. يعود الفضل اليه في ادخال مفهوم الفراغ إلى علم الفيزياء.

وكان أبوه قائد جيش. جاء إلى بغداد وهو في سن الأربعين، تنقل بين مصر وسوريا وحلب وأقام في بلاط سيف الدولة الحمداني ثم ذهب لدمشق وبقي فيها حتى وفاته عن عمر 80 عاما ووضع عدة مصنفات وكان أشهرها كتاب حصر فيه أنواع وأصناف العلوم ويحمل هذا الكتاب إحصاء العلوم. سمي الفارابي "المعلم الثاني" نسبة للمعلم الأول أرسطو والإطلاق بسبب اهتمامه بالمنطق لأن الفارابي هو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية.


نص كتاب اراء اهل المدينه الفاضله ومضاداتها 00 الفارابي(1) انقر على الصورة للمطالعة

نص كتاب اراء اهل المدينه الفاضله ومضاداتها 00 الفارابي(2) انقر على الصورة للمطالعة


عكف في مسقط رأسة على دراسة طائفة من مواد العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات وعلى الأخص التركية وهي لغته الأصلية بجانب معرفته للغات العربية والفارسية واليونانية.

ثم خرج من بلده حوالي سنة 310 هـ، وهو يومئذ يناهز الخمسين، قاصداً العراق، حيث أتم دراساته. فيما بدأ فيه في مسقط رأسه وأضاف إليه مواد أخرى كثيرة ، فدرس في حرّان الفلسفة والمنطق والطب على الطبيب المنطقي المسيحي يوحنا بن حيلان ، ودرس في بغداد الفلسفة والمنطق على أبي بشر متى بن يونس ، وهو مسيحي كان حينئذ من أشهر مترجمي الكتب اليونانية ومن أشهر الباحثين في المنطق ، ودرس في بغداد كذلك العلوم اللسانية العربية على ابن السراج ، وأتيح له فيها أيضاً دراسة الموسيقى وإتمام دراساته في اللغات والطب والعلوم والرياضيات ، ولا غرابة أن يتتلمذ في هذه السن المتقدمة ، فقد كان دأب العلماء في هذه العصور ، يطلبون العلم من المهد إلى اللحد.[4] كان الفارابي مولعاً بالأسفار في طلب العلم ونشره والإحاطة بشئون الجماعات ، فانتقل من العراق إلى الشام حوالي سنة 330 هـ حيث اتصل بسيف الدولة بن حمدان الذي عرف له فضله ، وأكرم وفادته ، وعاش في كنفه منقطعاً إلى التعليم والتأليف ، وكان في أثناء إقامته بالشام يتنقل بين مدنها وخاصة بين حلب (عاصمة الحمدانيين) ودمشق التي كانت في حوزتهم تارة وتخرج أخرى ، وقد سافر مرة من الشام إلى مصر ، وكان ذلك على الراجح سنة 338 هـ ثم رجع منها إلى دمشق حيث توفي سنة 339 هـ.[4]

وقد آثر الفارابي حياة الزهد والتقشف فلم يتزوج، ولم يقتن مالاً ، ولم يشأ أن يتناول من سيف الدولة إلى أربعة دراهم في اليوم - كما يذكر كثير من الرواة - ينفقها فيما احتاج إليه من ضروري العيش ، وقد اكتفى بذلك قناعة منه، وكان في استطاعته وهو الأثير عند الملك الجواد سيف الدولة بن حمدان أن يكتنز الذهب والفضة ويقتني الضياع، ويروى أنه قد بلغ به التقشف أنه كان يسهر الليل للمطالعة والتصنيف مستضيئاً بقنديل الحارس، لأنه لم يكن يملك قنديلا خاصاً، وأنه قد بقي على ذلك أمداً طويلا.[4]

وكان يؤثر العزلة والوحدة ليخلو إلى التأمل والتفكير، وكان طول مدة إقامته بدمشق، كما يقول ابن خلكان في «وفيات الأعيان» يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى شواطئ الأنهار، فلا يكون إلا عند مشتبك رياض، حيث يؤلف بحوثه ويقصد إليه تلاميذه ومساعدوه. [5]

إيمانه بوحدة الحقيقة

إيمانه بوحدة الحقيقة كان يعتقد أن الحقيقة الطبيعية الفلسفية واحدة وليس هناك حقيقتان في موضوع واحد بل هناك حقيقة واحدة وهي التي كشف عنها أفلاطون وأرسطو، وبرأيه أن كل الفلسفات التي تقدم منظومة معرفية ينبغي أن تحذو حذو أفلاطون وأرسطو. ولكن بين أفلاطون وأرسطو تناقض أساسي وكان الفارابي يعتقد أن فلسفة أفلاطون هي عين فلسفة أرسطو ووضع كتاب (الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو) أفلاطون وأرسطو كلاهما يبحثان في الوجود من جهة علله الأولى، وعند أفلاطون الوجود والعلل الأولى هي (المثل) وأرسطو (العلل الأربعة) ولكن الفارابي كان يعتقد في كتابه أنه لا فرق وحاول أن يوفق بين الفيلسوفين وقدم مجموعة من الأدلة ليقول أن هؤلاء كشفا الحقيقة وكل من جاء بعدهما يجب أن يحذو حذوهما.

س/لماذا وقع الفارابي بالخطأ وقال أنهما ليسا متناقضين رغم أنهما كذلك؟
ج/لأنه استخدم في المقارنة بكتابه كتاب (أثولوجيا) الذي نسب لأرسطو إلا أنه ليس لأرسطو بل لأفلوطين الاسكندري وحين نقل السريانية الكتاب أخطئوا، وبناء عليه عندما نقله العرب من السريانية أخطئوا.
أقام الفارابي جهد توفيقي على كتاب اثيولوجيا وكان كمن يوفق بين أفلاطون وأفلوطين فلم يظهر التناقض ونرى الكثير كالفارابي وقعوا بهذا الخطأ.

نظريته الخاصة بالصدور

نظريته في الوجود، وهنا تبدو النظرية التي تسمى بالصدور والفيض وهي أبرز ما يميز الفارابي فهو يميز بين نوعين من الموجودات: الموجود الممكن الوجود الموجود الواجب الوجود هنا موجودات ممكنة الوجود كثيرة، لكن موجود واحد واجب الوجود. الموجود الممكن الوجود: الموجود الذي متى فُرِض موجودا أو غير موجود لم يعرض منه محال. يعني وجوده أو عدم وجوده ليس هناك مايمنع ذلك. لكن إذا وجدت لابد لها من علة وكل الموجودات التي تحقق وجودها حوادث.

الموجود الواجب الوجود: الموجود الذي متى فرضناه غير موجود عرض منه (الهاء تعود على الفرض) محال. يعني لا يمكن إلا أن يكون موجودا وهو في المصطلح الديني (الله) فنحن لا يمكن أن نقول الله ليس موجود؛ لأنه لا يمكن لنا أن نقول بعد أن قلنا الله ليس موجود كيف وجد العالم. (مؤيس الأيسات عن ليس) تعني موجود الموجودات من العدم (أليس أي أوجد). س/ لا نستطيع أن نفهم كيف وجدت الموجودات الممكنة عن واجب الوجود؟ وكان جواب الكندي هو (مؤيس.....) أما الفارابي يقول أن واجب الوجود طبيعته عقل محض واحد من كل الجهات جوهر عقل محض يعقل ذاته وموضوع تعقله هو ذاته، خلافا لنا نعقل ذاتنا ونعقل أيضا الموجودات الطبيعية ولكن واجب الوجود عند الفارابي يعقل ذاته فقط ويقول الفارابي أنه من تعقله لذاته يفيض عنه عقل أول، يكفي أن يعقل واجب الوجود ذاته حتى يصدر عنه عقل أول أي فعل التعقل فعل مبدع يصدر على سبيل الضرورة لا الإرادة والقصد. يصدر عقل من تعقله لما فوقه يصدر عقل آخر ومن تعقله لذاته يصدر فلك..الخ العقل الأخير هو العقل الفعال والفلك الخاص به فلك القمر.

العلاقة بين الفيلسوف والنبي

التمييز الذي قام به الفارابي بين النبي من ناحية والفيلسوف من ناحية: المعرفة تكون بتجريد المعاني الكلية من المحسوسات، النبي والفيلسوف كلاهما يتلقى حقائق وينقلها للآخرين. يقول الفارابي أن معرفة الحقائق القصوى كلها مصدرها الله لكن فرق بين حقائق النبي وحقائق الفيلسوف فالفيلسوف يتلقى الحقائق بواسطة العقل الفعال فتكون طبيعتها عقليه وليس حسية، الرسول تأتيه المعارف منزلة من عند الله بتوسط الملك جبريل عليه السلام ويتلقى الوحي بالمخيلة ثم يتم تحويل الصور المتخيلة إلى صور ومعاني تنقل للناس. المعارف النبوية هي معارف المخيلة أساس فيها.

فلسفته السياسية والأخلاقية

ما تميز به الفارابي بعد تميزه بالمنطق هو السياسة والأخلاق ومن أشهر كتبه: 1- آراء المدينة الفاضلة 2- الموسيقى الكبير آراء أهل المدينة الفاضلة: خير المدن الممكنة على الأرض بالنسبة للبشر، وقضية الكاتب هي قضية السعادة التي يطلبها جميع الناس ويقسم الكتاب إلى قسمين: قسم يبحث فيه الفارابي نظرية الوجود ونرى فيها التمييز بين الممكن والواجب، القسم الثاني خاص بالمدينة وآراء أهل الجماعة الفاضلة القسم الأول يقابله القسم الثاني والمدن المضادة للمدينة الفاضلة. يبني الفارابي المدينة على غرار الوجود بأسره، فكما للوجود مبدأ أعلى كذلك المدينة الفاضلة لها مبدأ أعلى وهو الرئيس.

والفارابي يقول أن القصد في المدينة الفاضلة الإبانة عن الجماعة التي تسود فيها السعادة والمدينة الفاضلة هي التي يطلب جميع أهلها السعادة والمدن المضادة يطلب فيها أهلها أشياء مضادة. السعادة عند الفارابي مرتبطة بتصوره للتركيبة الإنسانية والنفس الإنسانية والسعادة تكون عندما تسيطر النفس العاقلة (وفضيلتها الحكمة) على النفس الغضبية (وفضيلتها الشجاعة) والنفس الشهوانية (وفضيلتها العفة) فيصل الإنسان للسعادة. المدينة الجاهلة: عكس المدينة الفاضلة، يطلب أهلها السعادة الآتية من النفس الغضبية والشهوانية. المدينة الفاسقة: هي التي عرف أهلها المبادئ الصحيحة وتخيلوا السعادة على حقيقتها ولكن أفعالهم مناقضة لذلك.

المدينة المبدلة: أيضا مضادة للمدينة الفاضلة ويكون السلوك فيها فاضل ثم يتبدل. المدينة الضآلة: ويعتقد أهلها في الله والعقل الفعال آراء فاسدة واستعمل رئيسها التمويه والمخادعة والغرور ويصّور الله والعقل الفعال تصوير خاطئ وكانت سياسته خداع وتمويه. وجعل الفارابي مجموعة سمات مميزة لأهل المدينة الفاضلة:

معرفة السبب الأول وصفاته (أي الله) معرفة العقول والأفلاك معرفة الأجرام السماوية معرفة الأجسام الطبيعية معرفة الإنسان يعرفون السعادة ويمارسونها أي معرفتهم كاملة بالوجود وبكل الموجودات وعلى رأس المدينة الفاضلة يضع الفارابي الرئيس مثلما للوجود رئيس هو الله وللإنسان رئيس هو القلب. والذي يقول على المدينة الفاضلة (الرئيس) له صفات: تام الأعضاء جودة الفهم والتصور جودة الحفظ جودة الذكاء والفطنة حسن العبارة في تأدية معانيه الاعتدال في المأكل والمشرب والمنكح محبة الصدق وكراهية الكذب كبر النفس ومحبة الكرامة (أي تقدير الذات) الاستخفاف بأعراض الدنيا محبة العدل بالطبع وكره الجور قوة العزيمة والجسارة والإقدام ويتوج هذه الصفات بالحكمة والتعقل التام جودة الإقناع جودة التخيل القدرة على الجهاد ببدنه

مؤلفاته

من أشهر كتبه:

كتاب الموسيقى الكبير
آراء أهل المدينة الفاضلة
الجمع بين رأي الحكيمين — حاول فيه التوفيق بين أفلاطون وأرسطو
التوطئة في المنطق
السياسة المدنية
احصاء العلوم والتعريف بأغراضها
جوامع السياسة
فصوص الحكمة


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:23 AM ]


منازعات في فلسفة الفارابي بين محمد عزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابر
بقلم يوسف بن عدي
قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية

التمهيد:

عاصر محمد عزيز الحبابي (1922- 1993) محمد عابد الجابري (1936- 2010)، وتواجدا معاً في الأجواء الفكرية والفلسفية والسياسية، ممّا يجعل الانطباع الأوليّ هو القول بتشابه أفكارهما ورؤيتهما، بيد أنّ الأمر غير ذلك؛ فهما قد تشخصنا مع المعطيات والسياقات بطريقة مختلفة، وإن تبيّن لنا أنهما يقفان على الأرضية الإيبستيمولوجية ذاتها.

من هنا، سوف نقوم في هذه الدراسة بإبراز الاختلاف و"التطابق" في تقريبهما لفلسفة الفارابي، وكذلك بيان آليات قراءتها والاستشكالات التي حكمتهما. وبهذا الاعتبار فإنّ النظر في المصادر الفكرية والاجتماعية قد يكون له الأثر البليغ في توجيه رؤية الحبابي والجابري حينما يرسمان موقفهما من التراث وقضية الحداثة أو المعاصرة.

ينحدر الحبابي من مدينة فاس المغربية، وهي موطن جامعة القرويين الشهيرة، درس في الكتّاب ثم المدرسة الابتدائية ثم الثانوية، غير أنه طرد من التعليم الثانوي إثر مشاركته في المظاهرات والمطالبة بالاستقلال سنة 1944، لينتقل فيلسوفنا بعد ذلك إلى باريس، يقول عن تلك المرحلة: "لقد تابعت دراستي العليا في فرنسا بالسوربون، كان المغرب آنذاك مازال تحت الحماية، لم أكن أشعر أنني كائن كالكائنات الأخرى، على أنّ المستعمر كان يرمي إلى ترسيخ نوع من الإحساس بالدونية..."[1]. مما دفعه إلى النضال من أجل استعادة الكائن لدائرة الشخص المنتمي لوطنه وشعبه؛ أي مشروع الإنسان الحر والمنفتح على الهويّة التراثيّة ومنجزات الغرب الحديثة. وفي سياق هذه الأجواء الفكرية والسياسة، أنجز الحبابي أطروحة: "من الكائن إلى الشخص" (1954) كردّ فعل ضد الاستلاب والذلّ متطلّعاً إلى الحريّة والتحرّر. وهكذا، خطّت يد الحبابي مؤلفات مهمّة وجادّة، منها: من المنغلق إلى المنفتح. عشرون حديثاً عن الثقافات القوميّة والحضاريّة الإنسانيّة، ترجمة محمد برادة (1973)، وكتاب: "ورقات عن فلسفات إسلامية" (1988)، وكتاب: "من الحريّات إلى التحرّر" (1972)...إلخ.

أمّا محمد عابد الجابري فهو من مواليد مدينة فكيك الجهة الشرقية من المغرب، وقد التقى الجابري برجالات النهضة والإصلاح والنضال السياسي والوطني الذين تركوا بصمة في ذهنه، حتى صار يناضل من أجل تأسيس الروح الوطنية في التعليم. درس في التعليم الابتدائي متدرّجاً ومكتسباً لطريقته البيداغوجية الفائقة في توصيل الأفكار وتبليغها مهما كانت مجرّدة وصعبة على الفهم والتعقل.

من المعلوم أنّ الجابري قد تأثر بالفلسفات الغربية الحديثة من قبيل الماركسية والباشلارية في التأريخ للعلم، والفوكوية التي تشتغل على نظام الخطاب والمقاربة الأركيولوجية.. بيد أنّ قراءته للتراث لم تكن قراءة إسقاطيّة أو لا تاريخيّة بقدر ما كانت تندرج ضمن تبيئة المفهوم وفق منطق الثقافة العربية ورهاناتها. ولعلّ من مؤلفات الرجل التي عرفت شهرة كبيرة: ("نحن والتراث" (1980)، كتاب: "تكوين العقل العربي" (1982)، وكتاب: "بنية العقل العربي" (1986)، .....) إلخ من المؤلفات التي رسمت رؤية منهجيّة قويّة في تقريب التراث الإسلامي العربي.

من المؤكد أنّ مهمّة الفكر عند الحبابي والجابري إنّما كانت، بغض الطرف عن اختلافاتهما الإيديولوجية والنظرية، محاولة استيعاب خصوصية الهويّة العربيّة واندماج سؤال التراث في قلب مسار الحداثة وفكرها وتحولاتها. وهذا يعني أنّ (الجابري والحبابي) لم يكونا يجسّدان ذلك التفكير الإقصائي الذي يرفض التراث، بل كلّ التراث مهما كانت جوانب منه إشراقية ومتنورة وتقدمية. بعبارة أدق، كان المفكّران المغربيان من المفكّرين العرب القلائل الذين ينتقدون التراث لبيان حدوده والإفادة منه، لدفع الهوية العربية وخصوصيتها التاريخية والحضارية لبناء حداثة أو معاصرة بطبعة عربية. ويترتّب على هذا، أنّ المفكرين الحبابي والجابري، قد استوعبا درس "هايدغر" الذي يقول إنّ اعتقادنا بأنّ التراث والماضي هو وراءنا هو اعتقاد خاطئ، إذ هو أمامنا، إنه قدرنا، ولا يمكن الانفلات منه إلا عبر عمليتي التملّك والتجاوز.

أولاً: من مهرجان الفارابي بـ"بغداد" إلى استئناف القول الفلسفي في المغرب

ربما ليس من المبالغة في شيء إذا ما استحضرنا قول الأستاذ محمد المصباحي: "بعد ابن رشد جاء الحبابي". وإن كان الأمر هنا يتعلّق بالطريق الجديدة التي دشّنها الحبابي في تأسيس القول الفلسفي، يعني حضور منجزات الغرب الفلسفية والفكرية ووقوع العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار والإمبريالية...إنّها معطيات تؤثّث لتغير العمران وتحوّل لسان حال العالم بلغة ابن خلدون. إنها متغيرات جديدة لم تشهدها بالإطلاق الفلسفات الما بعد الرشديّة. فضلاً عن ذلك فإنّ استئناف القول الفلسفي في المغرب والعالم العربي، في خطوته الثانية، لم يكن إلا مع محمد عابد الجابري. كلّ ذلك في معرض نقد العقل وآليات اشتغاله، بعدما غرقت الثقافة العربية في نقد المنتوج والخطابات والمفاهيم والتصوّرات والنماذج والمذاهب والأسماء...والحال المعضلة تكمن في نقد العقل وليس في ما ينتجه هذا العقل. وهكذا انطلق الحبابي والجابري إلى مهرجان الفارابي الذي نظّم في بغداد في أواخر أكتوبر عام 1975 حاملين معهما الحمولات الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية، بل قُلْ إنّهما طامحان في تجذير سؤال التراث في جسد الحداثة والمعاصرة من خلال فلسفة الفارابي. يقول الجابري مفصحاً عن هذه العزيمة والرغبة: "مرور ألف ومائة عام على ميلاد فيلسوفنا الأعظم، أبي نصر الفارابي، مناسبة تتيح لنا فرصة أخرى للعودة بأفهامنا وجماع وعينا إلى تراثنا العربي الإسلامي، لنجدّد الاتصال به، وتعميق فهمنا له، على ضوء تطوّر وعينا ونموّ معارفنا، وتحسين أساليبنا في البحث والدراسة (...) ألف ومائة عام فقط تفصلنا عن الفارابي كفكر وثقافة"[2]، وهو الهاجس ذاته الذي حمله معه محمد عزيز الحبابي في مهرجان الفارابي بـ"بغداد" باحثاً في "التراث عمّا هو قمين بأن يستوحي ويستخرج ويستمرّ في بناء بنيات ذهنية متطورة جديدة؟".[3]

وينتج عن هذا أنّ رؤية الحبابي والجابري هي رؤية طموحة وطامعة في تحصيل شروط التجديد وأسباب الإبداع. ولعلّ عنونة دراستهما تدلّ على ذلك دلالة واضحة وبارزة، إذ عنون الحبابي دراسته بـ: "أبو نصر الفارابي المنظّر للمجتمع المدني المثالي"، وعنون الجابري مداخلته بـ: "مشروع قراءة جديدة لفلسفة الفارابي السياسية والدينية". وأحسب أن عنوان الدراسة له من الدلالة ما يشي بأنّ الجابري كان يطمح إلى بناء مشروع نقدي عربي، وهو الأمر الذي يتضّح لنا إذا ما رصدنا لفظ "مشروع" و"المدرسة البرهانية" و"النظرة الشمولية"... والتي تحيل على هذا الطموح الإبيستيمولوجي الكبير، وقد حقّق الجابري جزءاً كبيراً منه. وأمّا الحبابي، فكان شخصاني المنزع والهوى، هواه هو الإنسان والشخص، أمر الإنسان ولواحقه من الاندماج والانفتاح والتحرر..وأكيد أنّ دلالة عنوان دراسته تفي بالغرض حينما تستوقفنا لفظة "المجتمع" و"المثالي"...هما لفظان يعبّران عن ترادفين للتفتّح على المستقبل وعالم الغد أو الغدوية...ومحاولة تخطّي الحاضر الفكري المنغلق...نحو الانفتاح على مستجدات العصر. إنها عملية تعصير الأصالة وتأصيل المعاصرة.

من هنا كانت رؤية الحبابي تنطلق من تأويل لفلسفة الفارابي أو ما سمّاها بـ"الفارابية" التي هي "كالفلسفات الإسلامية الأخرى أضخم بمكوناتها من الآثار المنشورة والمقروءة. ولكلّ فلسفة منها وجه خاص من التفكير العربي الإسلامي العام، استُغلّ جانب منه، ومازالت أوجه في انتظار الاستثمار"[4]. ومن ثمّة كانت قراءة الحبابي للفارابي وفلسفته قراءة تأويلية على جهتين: الجهة الأولى: محاورتها بالمعنى التاريخي المنهجي، والثانية: رصد المعنى التاريخي الوجودي.[5] إضافة إلى ذلك فإنّ الفارابية في تصوّر الحبابي تتحصّل بقراءتها على ضوء جدل الانفصال والاتصال. أعني ما "تمثله بالنسبة لعصرها، وما توحي به بالنسبة لعصرنا، عسانا نتفهّمهما أكثر وأحسن، وندخل في حوار معها ملتصق بالقضايا الحالية للعالم العربي-الإسلامي"[6]. وبهذا الاعتبار، فإنّ الهاجس المنهجي في قراءة فلسفة الفارابي عبر عمليتي: الاتصال والانفصال لم يكن نافلة فكرية أو متعة فلسفية بقدر ما كان رؤية مسلحة نظرياً. وآية ذلك إقرار الحبابي في سياق حديثه عن الغزّالية (نسبة إلى أبي حامد الغزّالي)، إنه يجدر بنا التعاطي معها وكأنها "حيّة تعاصرنا"[7]. وبالتالي، فقراءة الرجل للفارابية تنطلق من "تجاوز حرفية آثارها لتبرز إشكالياتها، فإنّ لكل قارئ معاملاً شخصياً له، يميز تلقائياً، ما لم يلائم طبعه واهتمامه؛ أي عناصر الرسالة الخاصة التي وجهها له الكاتب".[8]

لننعطف، ونقول إنّ رؤية الجابري وتأويله لمتن الفارابي، إنما يجعلنا نستشكل دور النظام الابستيمي الذي تحدّث عنه "ميشيل فوكو" بأنّ العصر يحكم رؤية العالم والفيلسوف والمؤرخ والأديب...حتى أنه ليس في مكنته الانفلات من أساسياتها ومعالمها الكبرى، وإن ظهرت لنا بعض الاختلافات بين هذا الفيلسوف أو ذاك، إنها اختلافات سطحية لا غير. وكذلك الأمر لدى الجابري، فما يتحدّث عنه الحبابي هو ذاته الذي يتحدّث عنه الجابري.

لنستمع إلى الجابري: "أمّا مائة العام الأخيرة التي شهدت يقظة الفكر العربي وتحرّره التدريجي مما علق به من عناصر التشوّش والتعتيم والانحراف، فإنها لم تمكّنا بعد من امتلاك ما يكفي من صفاء الرؤية، وعمق النظر إلى مشاكلنا بالدرجة نفسها من القوة والحرارة والتواضع التي نظر بها الفارابي إلى مشاكل عصره واهتمامات معاصريه"[9]. بمعنى لا بدّ من استحضار سؤال الماضي وامتداداته في الحاضر. إذا لم نتمكن من أن ندرس الفارابي "في إطار هذه الإشكالية نفسها، إشكاليتنا نحن الذين نعيش في القرن العشرين، والتي هي في حقيقتها وجود امتداد لإشكالية مماثلة عاشها الفارابي نفسه منذ ألف ومائة عام"[10]. فهذه الرؤية لا تجدف خارج النظرة الشمولية؛ أي ربط الأجزاء بالكلّ الذي تنتمي إليه، ونحاول أن نقيم ما يمكن إقامته من الروابط بين عالم الفكر وعالم الواقع".[11]

وهكذا، فالقراءة الصحيحة في نظر الجابري "لا تتأتّى (...) إلا بقراءة ما قرأه الفارابي، وبالشكل الذي قرأه به. أعني بذلك أنه علينا أن نجتهد ونجاهد في أن نعيش بوجداننا وعقولنا الإشكالية نفسها التي عاشها الفارابي وحاول فكّ رموزها. إذا نحن أردنا النفاذ إلى عمق تفكيره وآفاق رؤيته"[12]. إنها لحظة الاتصال والانفصال في قراءة الفارابي، وهو المنطلق ذاته الذي يزاوج فيه الجابري والحبابي على حد سواء. وأكثر من ذلك، فإنّ هناك أيضاً تشابهاً بين الحبابي والجابري على مستوى الحدوس الفلسفية، إذ يعترض الجابري على جعل الفارابي ناقلاً فحسب. "إنه لو كان الفارابي مجرد فيلسوف ناقل، كما يقول بعض الباحثين لما أجهد نفسه في الجمع بين رأيي الحكمين ولاقتصر على نوع واحد من الاقتباس، النوع الذي لا يتطلب تأويلاً ويستوجب توقيفا"[13]. ولعل الخروج عن هذا التصور المنغلقينبغي النظر في الوظيفةالإيديولوجية التي أعطاها كل فيلسوف لهذه المعارف[14]، وليس الاقتصار على المادة المعرفية، لأنّ ذلك سوف يجعلنا، حسب الجابري، نقرأ الفلسفة كسلسلة متكرّرة من حيث المفاهيم والتصورات. أمّا قول الحبابي فهو يكاد يتشابه مع قول الجابري حينما قال: "خلافاً لما يدّعيه بعض المؤرخين من أنّ الفارابي مجرد ناقل وشارح للفلسفة اليونانية، فالاسترشاد بتفكير الآخرين"[15]، بمعنى أنّ الفارابية هي "حصيلة حوار، لا عملية نقل. إنها تمثّل حملاً وولادة".[16]


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي تتمة

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:24 AM ]


ثانيا: فلسفة الفارابي بين التوظيف الإيديولوجي، وسؤال الإنسية- الأخلاقية

لقد سعى كلّ من الحبابي والجابري إلى نصب الأدلة والتدليل على أهميّة البعد التاريخي في قراءة المتن الفارابي. إذ أنهما استطاعا بكل ثقة ونزاهة الكشف عن دور الماضي في بناء الحاضر، أو بعبارة أوضح ربط المجال الفكري والفلسفي بالسياق التاريخي والفكرولوجي (الإيديولوجيا).

يتصوّر الحبابي أنّ الفارابية تولدت عن "أزمة سياسية ومجتمعية وعن أزمة ضمير، فاندفعت تبحث عن المثل في "مدينة فاضلة"، رغبة في تحقيق السعادة القصوى وتحقيق مستقبل حسب اتجاه بدأ مع الفارابي ولم ينته. فتاريخ الأمم الحيّة يتطوّر بالأزمات خصوصاً في ميدان العمران".[17]

وبهذا الاعتبار، فإنّ علينا أن "نواجه تآليف الفارابي لا أن نعاملها بحياد، لأننا لا نفهمها كما فهمها معاصروه. فالفهم يفرض موقف تفاهم والمواقف تتأثر بالأوضاع التاريخية، ومما لا ريب فيه أنه تتاح لقراءة الغد قراءة جديدة وفهم جديد لأبي نصر"[18]. وهذا ذاته لدى الجابري عندما رفع لواء البعد التاريخي في قراءته للفارابي معترفاً بأنّ وراء كتابة "الجمع بين رأيي الحكيمين" هو "الصراع الصاخب الذي شهده عصره، صراع اجتماعي حضاري، عبّر عن نفسه في المجال الفكري"[19]. ويضيف أيضاً "إنّ المحور الموجّه لقراءة الفارابي لم يكن شيئاً آخر غير نفسه، المحور الذي كانت تدور حوله الحياة الفكرية والسياسة والاجتماعية والخلقية في عصره والعصر السابق له".[20]

مما تقدّم، فنحن أمام الفارابية التي لا يمكن فصلها البتّة عن "مقوماتها الماديّة والروحيّة، التي لها ثوابتها ونزوعاتها"[21]. إننا أمام "حامل لثقافة معيّنة يقرأ أخرى مختلفة، ويجب أن نغيّر الاهتمام الكامل هنا لفعل القراءة هذا.

من المؤكد أنّ القارئ هنا ليس الفارابي بصفته فرداً من أفراد المجتمع يحسن التهجّي والفهم، بل القارئ هو الحضارة العربية الإسلامية بكلّ أبعادها الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية والتاريخية، ممثلة في شخص الفارابي الفيلسوف[22]. والشاهد على ذلك أنّ فلسفة الفارابي قد تمّت في سياق زمان ومكان من العقود الأخيرة من القرن الثالث الهجري، والعقد الأوّل من القرن الرابع الهجري، وبالتالي فالفارابية أو الفارابي كإشكالية تمثل "تطلعات تلك القوى الجديدة النامية، لكن المهددة بجدّ في مصالحها، بل في كيانها كلّه"[23]. لذا ليس من الغريب أن ينهض الفارابي للدفاع عن مشروعية المدينة الفاضلة من جراء النظر الفلسفي في أسبقية الفلسفة على الملّة؛ أعني علاقة الدين بالسياسة في الفلسفة[24] محاولاً منه (المعلّم الثاني) توطين عناصر جديدة في القول السياسي في الإسلام من قبيل: ضرورة الفلسفة للرياسة، وضرورة قيام جماعة مشروطة بالتفلسف.

لقد اعتبر الجابري قراءته لفلسفة الفارابي أو بالأحرى نظره في علاقة الدين بالسياسة على وجه التحديد، إنما كان مقتنعاً بالتمييز المنهجي بين المحتوى المعرفي (المادة المعرفية) والمضمون الإيديولوجي (الوظيفة الإيديولوجية).

وبهذا الاعتبار، يخلص الجابري بأنّ أيّة قراءة كيفما كانت هي قراءة غير بريئة؛ أي إيديولوجية.غير أنّ الأهم، بالنسبة للجابري، هو أن تكون قراءة إيديولوجية واعية." أفضل ألف مرّة من أن تحاول قراءة تراثنا قراءة إيديولوجية، تريد أن تكون واعية، من أن تستمرّ في قراءته قراءة إيديولوجية غير واعية، قراءة مزيّفة مقلوبة"[25]. ويترتّب على هذا أنّ قراءة الجابري لا تكفّ عن استحضار الثالوث المنهجي في قراءته للتراث الفلسفي العربي: المعالجة البنيوية، والتحليل التاريخي، والطرح الإيديولوجي. كلّ ذلك من شأنه أن يحقّق ما كان يطمح إليه الجابري لحظة "الاتصال من أجل الانفصال.

أمّا رؤية الحبابي فلم تكن بعيدة عن هذه الأجواء الفلسفية والفكرولوجية المنطرحة في سياق الولع بمنجزات الحداثة والمعاصرة من تحليلات ماركسية وتاريخانية وشخصانية واقعية. إنه حضور للبعد التاريخي لكن في أفق مغاير ومختلف لا يخلو من الغمز الواضح للتوظيف الإيديولوجي لفلسفة الفارابي.

من المعلوم أنّ مفكر الشخصانية محمد عزيز الحبابي، قد اعتبر أنّ "القراءة تغير المقروء حسب وضع القارئ وحسب تاريخيته. قرأ الفارابي الفلاسفة القدامى طلباً للمعرفة، بيد أنه لمّا شرع في تحرير كتبه الفلسفية، اضطر إلى أن يستقرئ (...) وكأنّه يبحث عمّا عندهم، ويؤيد المشروعية المنطقية والتاريخية للمصادرات التي آمن بها"[26]. وبهذ الاعتبار، فإنّ قراءة الحبابي هي قراءة تستحضر جميع أفعال الإنسان الوجدانية والعقلانية والحسيّة، وكأنّ الأمر لا يتعلق بالرؤية العقلانية فحسب، بل إنّ فعل القراءة هو فعل مستشكل. يقول محمد عزيز الحبابي: "نقرأ بالبصر والحدس، ونقرأ، في الآن نفسه، سابقات على البصر لما نقترح بتسميته بـ"قبليات القراءة (...) القراءة فرصة يقع فيها اتصاله[27]. واللازم عن هذا، أنّ قراءة فلسفة الفارابي ومتونه السياسية والمنطقية والدينية والفقهية، إنما تحتاج وفق كلام الحبابي إلى استثمار جميع حواس الإنسان الظاهرية والباطنية، حتى يتسنى لنا تقريب لغة المعلّم الثاني. وعليه، فلا "يضير الفلسفة في شيء أن تمتزج بعناصر صوفية أو طوباوية، بله غنوصية، لأنّ المنظومات (E)Système، (F)Système، مهما تعقلنت ورمت إلى الموضوعية تسرّب إليها بشكل أو بأخرى عناصر ذاتية وأخرى غير عقلانية ملازمة لتدخل المخيلة في أعمال الإنسان[28]. وأكيد أنّ هذه المخيّلة في فلسفة الفارابي هي التي رسمت معالم الكائن الذي كان يسير على غير هدى." فجاء كتاب "أهل المدينة الفاضلة" بحسب مشروع الفارابي المستقبلي الأصلي متجاوزاً مساوئ حاضره الذي يربطه بالتأريخ".[29]

هكذا، يقع المنعطف أو الفجوة النظرية ما بين الجابري والحبابي في فهمهما للبعد التاريخي والتأريخي لأفكار الفارابي؛ فمفكّر الشخصانية يتصوّر المعلّم الثاني فيلسوفاً ملتزماً؛ "أي مندمجاً في الصيرورة الإنسانية ومسؤولاً عن مصيرها"[30]، إذ المسؤولية هي أساس الفلسفة المدنية، و"المسؤولية تستلزم الحرية في النظر والعمل، فالفعل الحرّ حقّ مار إلى غاية ما التزم بقصد واع"[31]. وبهذا صارت الفارابية في عيون الحبابي تجليّاً من تجليات الفكر الإنسي" أي نسقاً يجعل الإنسان محور التفكير ويسخّر الأشياء لسعادة الإنسان"[32]. وهذا منظور شخصاني يضحي فيه الإنسان ليس معطى خاماً من صناعة ذاته، بل هو من طبيعة الآخرين، أي نسيج من التأثيرات والسياقات المختلفة التي عاشها الفارابي[33]، ومن ثمّ كانت إنسانية الإنسان تشترط الانفتاح، بل الاستعداد للانفتاح. والشرط الثاني هو الاندماج في "محيطه الحضاري في وعيه بذاته والقيم التي تبنى عليها العلاقات المجتمعية، حتى يميز القبيح عن الجميل والسلوك الزائف من السلوك الصادق تميزاً يفتح المجال للتصوّر والنمو والتجاوز"[34]. والحصيلة تحقق ما سمّاه الحبابي بمفهوم التحرّر الذي هو الخروج من الاضطراب منطقياً وأخلاقياً إلى السكينة التي يمنحها الله للمؤمنين. ويظهر هذا المفهوم أيضاً حينما جعل محمد عزيز الحبابي الفلسفة والإيمان في تواكب لا إقطاع فيه. وبالتالي كانت فلسفة الفارابي فلسفة ـ الكل، لكونها "تبحث عن شمولية الوجود، وهي أيضاً "فلسفة ـ الكل، "بمعنى أنها ترمي إلى شمولية المستنفذين من الموجودات".[35]

من هنا اكتسبت الفارابية حق المعاصرة لنا، ذلك أنّ "قلقنا هو قلقه وكلاهما يردّد صدى الآخر"[36]. إنها فلسفة "إنسية-أخلاقية" لالتزامها بقضايا الشمولية وتوجهها إلى "أجيال وأمم، إلى الإنسان وهو يتطلّع إلى فهم ذاته والعالم وإلى ممارسة التحرر"[37]. كلّ ذلك من شأنه أن يرسّخ البعد الشخصاني- قبل تبلوره فلسفياً ونظرياً في الفلسفة المعاصرة بصورة قوية - للإنسان الذي هو الفارابي الكائن المتفاعل والمنفعل مع الحضارة اليونانية وعلومها من أجل بناء رؤية واضحة للأمة العربية والإسلامية الموغلة في الفتن والاضطرابات، والمترهّلة بالانقسامات والطوائف...حتى توهّج سؤال الإنسان والإنسية في ذهن أبي نصر الفارابي.

عود على بدء

نقول إنّ عودتنا إلى قراءة كلّ من محمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري لفلسفة الفارابي إنما هي عودة فكرية لتأمّل كيف استطاع المغربيّان أن يتخطّيا القراءات المؤدلجة السائدة للتراث الفلسفي العربي نحو قراءة أقلّ ما يمكن أن ننعتها به أنّها قراءة "جادّة" باستشكالاتها واستدلالاتها. في لحظة لم يكن بإمكان المفكّر والمثقّف أن يتفطّن إلى أنّ العالم في تغير على مستوى الأفكار والاجتماع والسياسة. وهذا ما جعل قراءة كلّ من الحبابي والجابري تكاد، كما قلنا آنفاً، أن تتشابه وتتطابق في أمور كثيرة، ممّا قد يدفع القارئ إلى التفكير في سؤال، طبعاً لا أساس له: من أخذ من الآخر هل الجابري أم الحبابي؟ نقول بكلّ بساطة إنّ الأمر يتعلق برؤية للعالم (Weltanschauung) أسهمت بقوّة في انفتاح الحبابي والجابري وتقبلهما للانفتاح على منجزات الحداثة والمعاصرة من دون إلغاء التراث. لأنّ التراث أو الميتافيزيقا، لا يمكن شطبها ومحوها بجرّة قلم، لأنّها بنية ذهنيّة وأنطولوجيّة في وجدان الإنسان. فهذا هو الدرس الفلسفي الذي استفاد منه كلّ من الحبابي والجابري ليس في قراءتهما لنصوص المعلّم الثاني، بل لفلاسفة الإسلام مشرقاً ومغرباً. في الوقت الذي كانت فيه القراءات الفكرية والفلسفية أو الإيديولوجية الأخرى، لم تستطع الخروج من البنيات المستقرة على أنّ العالم في تغير على مستوى الأفكار والنماذج والمفاهيم والرؤى، لننعطف ونقول إنّ الحبابي في قراءته لفلسفة الفارابي قد أمسك بسؤال الإنسان والإنسيّة التي هي مدار الفكر الفلسفيّ المعاصر.

*- مجلة يتفكرون، العدد الثالث، شتاء 2014

[1]ـ غريب (عبد الناصر)، مقال: "محمد عزيز الحبابي. أول مفكر عربي إسلامي يقبل ترشيحه لنيل جائزة نوبل للآداب"، ضمن كتاب: "محمد عزيز الحبابي. الإنسان والأعمال" الجزء الثالث: آراء ومواقف (لجنة رعاية الترشيح لجائزة نوبل1991)، الطبعة الأولى 1411/1991، ص 130

[2]-الجابري(محمد عابد)، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، الدار بيضاء،1986، الهامش (1)، ص 55

[3]- غريب(عبد الناصر)، مقال: "محمد عزيز الحبابي. أول مفكر عربي إسلامي يقبل ترشيحه لنيل جائزة نوبل للآداب"، ضمن كتاب: "محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال" الجزء الثالث: آراء ومواقف (لجنة رعاية الترشيح لجائزة نوبل1991)، الطبعة الأولى 1411/1991، ص 130

"حرر هذا النص بمناسبة مهرجان بغداد 29/10 إلى 1/11، 1975 عن "الفارابية والحضارة الإنسانية"، راجع ص 9

[4]- الحبابي(محمد عزيز)،ورقات عن فلسفات إسلامية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، البيضاء، 1988، ص 7

يقول الحبابي عن ابن رشد: "إن لابن رشد قضايا عنها وأخر وجدت ولم تخرج إلى طور التعبير و"العبرة" وثالثة نقولها أثار ابن رشد بتلميحات وسكون فصيح وسياق يدعون إلى حوار صامت معها.ثم إن الرشدية هي كل ذلك وزيادة"، ص 7

[5]-"يحتوي هذا العرض على مدخل عام، ويحدد بعض المفاهيم ويبرز الطريقة التي تتبع، وبما أن لل" تاريخية" معنيين، سنحاول محاورة الفارابي، انطلاقا منهما. يتناول القسم الأول التاريخية بمعناها المنهجي، والثاني بمعناها الوجودي، ويلي ذلك قسم ثالث يلقي أضواء على ما تقدم، وأخيرا تأتي الخاتمة"،ص9. المرجع المذكور أعلاه.

[6]- المرجع ذاته، ص 53

[7]- المرجع ذاته، ص 53

[8]- المرجع ذاته، ص 10

الفارابية عند محمد عزيز الحبابي: "هي مجموع المشاكل المجتمعية والفكرية التي كانت موضوعة في عصره، وما نشأ عنهما من مناخ ثقافي وتأثير على سلوك الناس فوجدت الفارابية، في كل ذلك بنياتها"، ص ص 10-11

[9]- الجابري(محمد عابد)، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، الدار بيضاء، 1986، ص 56

[10]- المرجع ذاته، ص 56

[11]- المرجع ذاته، ص 59

[12]- المرجع ذاته، ص 57

[13]- المرجع ذاته، ص 64

[14]- المرجع ذاته، ص 33

[15]ـ الحبابي(محمد عزيز)،ورقات عن فلسفات إسلامية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، البيضاء، 1988، ص 11

[16]- المرجع ذاته، ص 11

[17]- المرجع ذاته، ص 10

[18]- المرجع ذاته، ص 11

[19]- الجابري(محمد عابد)، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، منشورات المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، الدار بيضاء، 1986، ص 62

[20]- المرجع ذاته، ص 63

"الإشكالية لا تتحدد فقط بما تمّ التصريح به، بل أيضاً بما تتضمنه وتحتمله"، ص ص 28-29/ المرجع المذكور أعلاه.

[21]- المرجع ذاته، ص 62

[22]- المرجع ذاته، ص 62

[23]- المرجع ذاته، ص 79

[24]- المرجع ذاته، ص 72

[25]- المرجع ذاته، ص 83

[26]-الحبابي(محمد عزيز)،ورقات عن فلسفات إسلامية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، البيضاء، 1988، ص 17

[27]- المرجع ذاته، ص 17

[28]- المرجع ذاته، ص 13

[29]- المرجع ذاته، ص 23

- يقول الحبابي في سياق حديثه عن الغزالي: "من مفارقات الغزالي أنه يمجّد العقل في بعض النصوص، ويحذّر منه لفائدة المشاهدات الصوفية في نصوص أخرى."، ص 53 و54. كتاب: "ورقات عن فلسفات إسلامية"، المذكور أعلاه.

- يقول أيضا: "إنّ أبا حامد يسكننا، لا يسمح لنا بالحياد، فنحن دائماً معه ومخالفون له. وتلك إشكاليتنا نحن، بالنسبة للغزالي"، ص 166

[30]- المرجع ذاته، ص 23

[31]- المرجع ذاته، ص24

[32]- المرجع ذاته، ص ص 23-24

[33]- الحبابي(محمد عزيز)،من الكائن إلى الشخص: دراسات في الشخصانية الواقعية، دار المعارف، القاهرة، 1962، ص 136

يقول الحبابي مستثمراً مفهوم التشخصن في قراءة التراث: "إنّ الفيلسوف الفارابي والشاعر المتنبي تعاصرا وتواجدا في حلب، وخالطا نفس الأوساط، ولكن رغم ذلك كلّه تشخصن كل منهما تشخصنا جعله مخالفاً للآخر كلّ الاختلاف"، ص 134/ المرجع المذكور أعلاه.

[34]- الحبابي(محمد عزيز)، ورقات عن فلسفات إسلامية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، البيضاء، 1988، ص 25

[35]- المرجع ذاته، ص 31

[36]- المرجع ذاته، ص 31

[37]- المرجع ذاته، ص 43


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 8 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:25 AM ]


الفارابي

<أستاذ المنطق ومعلمه الثاني>
<الفقيه والفيلسوف والموسيقي والرياضي العربي الفذ>
"أبرز عمالقة الفكر العربي"

أبو النصر الفارابي
"قال تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"
الفارابي،هو محمد بن أوذلغ بن طرخان، الشهير باسم الفارابي نسبة إلى فاراب ، مولده. صاحب لقب " المعلم الثاني " بعد المعلم الأول أرسطو. . وأعظم فلاسفة الإسلام، صاحب المؤلفات القيمة في الفلسفة والمنطق والموسيقى والعلوم.
ولد الفارابي في بلدة تسمى وسيج من مدن فاراب في عام 873 م (260 هـ) وتوفي في الثمانين من غمره عام 950 م (339هـ) وكانت الحالة السياسية خاضعة للصراع من سلطة الخليفة من ناحية وسلطة الأتراك من الناحية الأخرى، فكثرت المكائد والمؤامرات والاغتيالات.

*زهد وتقدير: مع أن الفارابي عاش حياته زاهدا في المال والسلطة ، لا يتصل بالسياسة إلا فكره ورؤيته للحياة المثالية الفاضلة. فقد كان هذا هو الحال للدول العربية التي تحرك بينها من الناحية السياسية. وعلى أي حال فقد كان حكام الدول والإمارات ينظرون إلى الفارابي كعالم جليل ، يحظى بالاحترام والتقدير. كما كان الحال مع سيف الجولة الحمداني.
في ذلك العصر، تطرقت الرفاهية إلى الحياة الاجتماعية، خاصة بين الطبقات العليا والأغنياء. فظهرت فنون الهندسية الشرقية في قصور الخلفاء والأمراء والقادة والتجار، فكانت دورهم فخمة ذات اتساع ، تضم حدائق غناء. فانتشرت مجالس الغناء والطرب يعقدها الخلفاء والحكام ويحضرها الشعراء والمغنون والأدباء والموسيقيون وأهل الفكاهة. ومع هذا أو بسببه، ازدهرت الصناعة ونمت الجارة والزراعة، فتقدمت الصناعات اليدوية. واشتهرت كل مدينة بنوع خاص من الصناعة يتوارثه الأبناء عن الآباء. ومن ناحية أخرى نرى صورة مغايرة : نرى اختلال الأمن بسبب كثرة الحروب بين الأمراء ، وبسبب غارات الجند وانقلاباتها، مما أشاع البطالة بين الناس وجعل عامة الشعب تعاني من الفقر واختفاء الأمن والطمأنينة.
ولد الفارابي وعاش ومات في عصر تعددت فيه الحركات الدينية، بتعدد الحركات السياسية.



*عربي الموطن والثقافة:


من هنا اشتهر أبو النصر بلقب الفارابي، نسبة إلى مسقط رأسه في فاراب. واكتسب أبو نصر لقبه من نسبته إلى ولاية فاراب التي تضم مدينة وسيج التي ولد فيها معظم المؤرخون الذين كتبوا عن الفارابي يقولون أنه فارابي الأصل . وقال أحدهم، وهو ابن أبي أصيبعة: إن أباه كان قائد الجيش وكان فارسي النسب. كما أن الفارابي عندما غادر فاراب لم يرجع إليها، وأمضى سنوات دراسته وانتاجه في عدد من العواصم العربية : بغداد ، حلب، دمشق، مصر. . . وثقافة الفارابي في بغداد والشام كانت ثقافة عربية . كما أن مؤلفات الفارابي التي زادت عن المائة كانت كلها باللغة العربية.
لهذا ، استحق الفارابي لقب "فيلسوف العرب" ذلك لأنه كان عالما عربيا مبتكرا وفيلسوفا عربيا مبدعا وموسيقيا عربيا بارعاً، كما كان أديبا عربيا في علمه وثقافته وموطنه ، ومؤلفا من كبار المؤلفين.



تفوقه على أساتذته:


دخل بغداد على عهد الخليفة المقتدر العباسي. وصل إليها وفي عزمه أن يستعيد من وجوده بين طائفة من أفضل العلماء في مختلف التخصصات و العلوم .
بدأ بدراسة اللغة العربية على يد أبى بكر ابن السراج ،كذلك درس عليه النحو و كان ابن سراج في نفس الوقت يتعلم منه علم المنطق ، سمع الفارابي بعد ذلك عن الأستاذ يوحنا بن خيلان الذي يعيش في مدينة (حران) فسافر إليه ليدرس على يديه الفلسفة و المنطق ، وقد استفاد الفارابي من معرفة ابن خيلان بعلوم الطب ، فدرس الطب على يديه ،و إن لم يشتغل به الفارابي بعد ذلك . و عندما انتهت دراسته في (حران) عاد إلى بغداد و عندما عاد إلى بغداد واصل دراسة الفلسفة والمنطق ثم اتجه لدراسة الرياضيات والموسيقى. وظل الفارابي ينهل من معين العلم في بغداد يقرأ ويدون الملاحظات وتحضير مجالس العلم والعلماء. حتى تفوق في علمه ومعرفته على أساتذته.


*صفة "المعلم الثاني":


إنّ سر اهتمام الفارابي بالفلسفة والحكمة، هو أن رجلا من طلاب العلم، أودع عنده جملة من الكتب لأرسطو كأمانة، وأن الفارابي أخذ يقرأ في هذه الكتب، فأعجبته الموضوعات التي تتحدث عنها. وهكذا انكب على هذه الكتب ، يستوعب ما بها ويتفهم معانيها، حتى أحاط بها. وصار فيلسوفا كبيرا.
رأي الفارابي في بغداد ، وقد تجاوز الخمسين من عمره،يدرس الفلسفة والمنطق والرياضيات والموسيقى واللغة ويسعى إلى كبار الأساتذة، مسافرا من بغداد إلى حران ، لا يجد في ذلك حرجا، ولا يجد بكبر السن مانعا في مواصلة الدرس والبحث، ولهذا استحق لقب : "المعلم الثاني".


*أستاذ ابن سينا:


من أقوال ابن سينا في الفارابي: "سافرت في طلب الشيخ أبي نصر، وما وجدته، وليتني وجدته، فكانت حصلت إفادة." وهو يعني بهذا أنه سافر يبحث عن الفارابي ليستفيد من علمه. فلم يوفق في ذلك ، وهو يأسف لهذا، فقد كان من الممكن أن ينتفع بعلم الفارابي إلى حد بعيد.
وهكذا يعترف العالم والفيلسوف الكبير ابن سينا، بأستاذية الفارابي ، فهو لم يفهم كتاب " ما بعد الطبيعة" رغم أنه قرأه أربعين، وحفظه عن ظهر قلب، لكن ابن سينا، ما إن قرأ كتابات الفارابي الواضحة حول هذا الموضوع، حتى فهم كتاب أرسطو، وتوصل إلى معانيه وأفكاره.
فقد كانت حياة الفارابي في بغداد وحلب ودمشق ومصر، حياة دراسة وتدوين وتعلم وانتاج. ولقد نبغ الفارابي في الفلسفة بمعناها الواسع الذي كان مستخدما في ذلك الوقت نبوغا ملفتا للنظر، تفوق في الفلسفة بوصفها العالم الجامع الشامل الذي يضع أمام الإنسان صورة كلية شاملة للكون بكل ما فيه. لهذا اعتبر ان الفارابي في أنحاء العالم كله: أكبر الفلاسفة بعد أرسطو. وأعظم من شرح ووضح ونشر آراء أرسطو المعلم الأول، ولهذا حصل بحق على لقب: "المعلم الثاني".


شهادة من أهل الغرب:


لقد كان الفارابي في هذه الفترة من عمره منتجا إلى أبعد حد من حدود الإنتاج. أخرج للناس المؤلفات والرسائل ما يزيد على المائة. بل وفي قول بعض المؤرخين ما يزيد على المائتين، تناول فيها الفلسفة بفروعها وعلوم النجوم والمنطق والإعداد والهندسة والموسيقى. وكان يدون كتبه هذه بأسلوب ممتاز. لا إطالة فيه أو استطراد؛ عندما لا يقتضي الأمر كذلك مع دقة في التعبير، ومنطق مرتب في تتابع الحقائق وربط الموضوعات بعضها ببعض.
ومما يذكر، أن بعض الأوروبيين عندما وقعت في أيديهم بعض رسائل الفارابي القيمة؛ نقلوا محتوياتها إلى لغاتهم. ونسبوها إلى أنفسهم . لكن البحث العلمي والتحقيق الدقيق، كشف عن هذا وأعاد إلى الفارابي فضه وأسبقيته.
ولقد شهد أهل القرب بفضل الفارابي في أكثر من مناسبة وعلى مدى القرون التي بين زمنه وزماننا ، وهذا ما قاله المستشرق دياخو عن رأيه في شخصية الفارابي، قال: "إن الفارابي شخصية قوية وغريبة حقا"
وهو –عندي – أعظم جاذبية وأكثر طرافة من ابن سينا، لأن روحه كانت أوفر تدفقا وجيشانا، ونفسه أشد تأججا وحماسة. . لفكره وثبات كوثبات الفنان، وله منطق مرهف بارع متفاوت، ولأسلوبه مزية الإعجاز والعمق".


أخلاق المفكر:


إلى جانب هذا التفوق العلمي والعقلي، الذي شهد به أهل الغرب والشرق، تحدث المؤرخون عن أخلاق الفارابي: فقالوا انه كان زكي النفس، هادئ الطبع، ساكنا لا يعبأ بشيء من أمور الدنيا، من مأكل أو مشرب أو ملبس أو مسكن.
كانت أغلب ملابسه من ملابس الأتراك، يقتصر على أبسط أنواع الغذاء. كان أكثر أيامه ينفرد بنفسه لا يجالس الناس، ولا يكون عادة إلا حيث المياه الجارية والحدائق المتشابكة الأشجار. هناك كان يؤلف كتبه، ويزود تلاميذه والذين يسعون إلى تلقي العلم على يديه، فيسألونه فيما استعصى عليهم، وليس أدل على زهده من رفضه عطايا سيف الدولة الحمداني واكتفاؤه بأربع دراهم باليوم. لا يطلب غيرها لضروريات معيشته.
واذ كان الفارابي قد آثر حياة الزهد والاعتزال والبعد عن الناس، وعن السعي إلى المناصب والوظائف، فإنه لا ينصح الآخرين بهذا الموقف من الحياة ولا يجعل لنا حياته نموذجا يقتدى في هذا المجال.


نهاية جليلة:


مضت حياة الفارابي يسودها الزهد والتقشف والانكباب على الدراسة والإنتاج حتى توفي في دمشق سنة 950 هجرية، واختلف المؤرخون في تاريخ ولادته وفي نسبه وفي تاريخ سفره إلى بغداد، واختلفوا أيضا في وفاته، وذكر البعض رواية غريبة عن وفاته.
*مؤلفات الفارابي:
كانت حياته الفكرية حياة خصبة، وقد بلغت مؤلفاته من الكثرة ما جعل بعض المستشرقين يخصص لحصرها مجلدا ضخما، ولكن أغلب هذه المؤلفات قد ضاع ولم يبق منها غير أربعين مؤلفا وهي:
1. المنطق: 7 مؤلفات، من بينها : كتاب التوطئة في المنطق و كتاب شرائط البرهان، وهو يتضمن كل ما يحتاج إليه كل دارس لعلم النطق.
2. الخطابة والشعر: وهي 3 مؤلفات ، من بينها : شرح كتاب الخطابة لأرسطو ورسالة في "قوانين صناعة الشعر".
3. نظرية المعرفة: 4 مؤلفات من بينها " رسالة في العقل والعقول" و " إحصاء العلوم" و " مراتب العلوم".
4. ما بعد الطبيعة والفلسفة العامة: 12 مؤلفا من بينها" فصوص الحكم" و " الجمع بين رأييي الحكيمين: أفلاطون الالهي وأرسطو طاليس" وعيون المسائل، وتعليقات الحكمة.
5. الفيزياء وعلم الطبيعة: 5 مؤلفات من بينها كتاب في " أصول علم الطبيعة" ومقالة في وجوب صناعة الكيمياء ، ورسالة في ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم.
6. الموسيقى: وصل إلينا مؤلف واحد هو كتاب الموسيقى الكبير.
7. الأخلاق والفلسفة السياسية: 7 مؤلفات بينها كتاب" آراء أهل المدينة الفاضلة" وكتاب" السياسة المدنية" وكتاب " تحصيل السعادة" وكتاب " تلخيص نواميس أفلاطون".



أسلوب الفارابي:


دقيق مركز، ليس فيه تكرار أو ترادف وهو يعتني باللفظ والعبارة ويعطي أغزر المعاني في جمل مختصرة، يمر على الأمور التي يفترض أنها معروفة دون أن يطيل شرحها. ولا تستوقفه المعلومات العادية ، لكنه عندما يتصدى للحديث عن الأسس وجوهر المبادئ: يوفي الحديث حقه بما يكشف الغموض عن آرائه وآراء الآخرين. ويتميز الفارابي في أبحاثه بالترتيب ووضوح الانكسار وخير شاهد على ذلك ، رسالته المسماة " ما ينبغي أن يقدم قبل تعلم الفلسفة" فهي أشبه ما يكون بفهرس مقسم مبوب لعرض المدارس الفلسفية اليونانية. مبينا مصدر تقسيمها أو أسماء رواد هذا المدارس الفلسفية.


أهم آراء الفارابي:


- في الفلسفة: كانت الفلسفة بمعناها الواسع أوضح ناحية من نواحي نبوغ الفارابي ، فمعظم بحوثه كانت متجهة إلى تجديد بحوثها، هو يعتبر المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي. . . وحاول الفارابي أن يوفق بين الآراء الفلسفية لأفلاطون وأرسطو. والفارابي يرى أن الفلسفة ليست علما جزئيا، كعلوم الرياضيات والطبيعة والطب وما شابهها، وإنما هي علم "كلي" يرسم لنا صورة شاملة للكون بكل ما فيه، ويقول أن " الفيلسوف الكامل" هو الذي يحصل على العلم الكلي ويكون له في نفس الوقت القدرة على استعماله، أو كما يقول هو: "الذي يحصل الفضائل النظرية أولا، ثم الفضائل العلمية ببصيرة يقينية".
- المنطق: يقول ابن خلدون في مقدمته " أن أرسطو سمي بالمعلم الأول لأنه هذب وجمع ما تفرق من مباحث المنطق ومسائله. فأقام بناء متماسكا، وجعله من أول العلوم الحكيمة وفاتحتها. وسمي الفارابي بالمعلم الثاني لما قام به من تأليف كتاب بجمع وترتيب ما ترجم قبله من مؤلفات أرسطو خاصة ، فمنذ أيام الفارابي أضحت كتب أرسطو ورتبت
على صورة لم تتغير في حجمها، وصارت تفسر وتشرح على طريقة الفارابي.
- الأخلاق والسياسة: أهم كتب الفارابي في الأخلاق السياسية : "كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة " ومدينة الفارابي الفاضلة ليست صورة مصغرة لكتابات أفلاطون في تصوره الذي يعرف باسم "جمهورية أفلاطون" ، لقد استعان الفارابي فعلا بفلسفة اليونان وجمهورية أفلاطون، ولكن استعان أيضا بالإسلام وأحكامه، وأضاف إلى هذا كله تجاربه وخبراته. وفي مدينته الفاضلة يصف الفارابي الأمة باعتبارها جسما واحدا لا يستقيم أمره إلا بالتضامن والتعاون وتوزيع الأعمال وتنسيقها على أساس الاستعدادات والمواهب والقابليات. وأن الدول لا تتقدم ولا تسير نحو السعادة قدما إذا لم يكن على رأسها الحكماء والفلاسفة المعروفون بكما العقل وقوة الإدراك وقوة الخيال.
- العلوم: يقال عن الفارابي أنه أدل من قام بمحاولة لوضع دائرة معارف شاملة، وقد ظهر هذا في تصنيفه للعلوم وإحصائها. وهو يقسم العلوم في كتابه "إحصاء العلوم" إلى ستة أقسام: علوم اللغة، علوم المنطق بما فيها الخطابة والجدل، الرياضيات، العلوم الطبيعية ، العلوم المدنية، علم الكلام، علم ما وراء الطبيعة.
- الموسيقى: ينسب إلى الفارابي من صناعة وابتكار آلة القانون الموسيقية وغيرها من الآلات الموسيقية الغربية، وما يقال من إجادته العزف على الآلات ، فله إلى جانب هذا العديد من الأفكار القيمة في علم الموسيقى تتضمنها كتبه ورسائله في هذ1 الموضوع . من بين هذه الكتب التي لم تصل أغلب نصوصها إلينا : "كتاب الموسيقى الأكبر" و "كلام في الموسيقى" وكتاب "إحصاء الإيقاع".
- ومن أقوال رجال الغرب في فضل العرب:
- أن العرب في الواقع أساتذة أوروبا في جميع فروع المعرفة. (العلامة سيديو).
- العلوم والحضارة والآداب مدينة بازدهارها وانتشارها إلى العرب وحجهم طول ستة قرون. (الفيلسوف ارنست رينان).


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:28 AM ]


الشعر في خدمة الفلسفة
مايو 27, 2016


*علاء الدين محمود



يلج الكاتب الفرنسي كريستيان دوميه عبر كتابه «جنوح الفلاسفة الشعري» إلى التقاطعات بين العوالم الشعرية والفكرية للفلاسفة، وبالأحرى إلى اللحظة الشعرية، وهذه العلاقة غير المصرح بها في أحايين كثيرة نجدها حاضرة عند لحظة التأمل في قول الفلاسفة في عالم «المقولات» و«المفاهيم» التي لا تخلو من الصور الشعرية، ولربما يأتي عمل المؤلف ضمن أعمال سعت إلى هدم الحوائط المفتعلة بين الفلسفة والشعر، أو ربما أراد المؤلف إعادة الاعتبار للعلاقة التي أخذت طابع العداء الذي أسس له أفلاطون في كتاب «الجمهورية» عندما تحدث عن ضرورة طرد الشعراء من تلك الجمهورية.
الكتاب «جنوح الفلاسفة الشعري» صدر في طبعته الأولى عام 2013م عن المنظمة العربية للترجمة ،وهو من تأليف كريستيان دوميه، وترجمة الدكتورة ريتا خاطر.
وينطلق المؤلف من ملاحظة أن القرّاء يحاولون إيهام أنفسهم بأنهم يحبّذون الفلسفة والشعر في حالتيهما المجرّدتين. فمن الأولى، يحفظون صيغاً لا يفهمونها إلا جزئياً، وتظلم رؤيتهم وتقلقل مفاهيمهم. ومن الثاني، ينشدون إرشادات تلقّنهم كيفية العيش وأفكاراً نيّرةً وعبراً تتخذ شكل الانفعالات، علماً أن الأمر ليس كذلك. يتموضع هذا الكتاب عند تلك التخوم ويطالعنا فيه فلاسفة (كأفلاطون وديكارت وليوباردي وكانط ونيتشه…) لحظة يحاولون قراءة الشعر، ساعين إلى التعرف إلى ما يوجد في الصوت الداخلي الشاعري الغريب وفهمه والاسترسال في الحلم معه، ومحاولين التعبير عنه في نبرتهم الخاصة نوعاً ما، سواء خفيةً أو على العكس من خلال إبقائه مسرحياً على بعد مسافة منهم. ويضطلع هؤلاء إجمالاً بدور التأليف، وكأن هذه التوليفة أشبه بمعزوفةٍ متعثرةٍ إنما ضرورية، ويبحثون من دون كللٍ أو مللٍ عن السبب الذي يدفعهم إلى القيام بهذا العمل، فيجدونه حيناً ويفقدونه أحياناً.
ويرجع الكاتب إشكالية العلاقة بين الفلسفة والشعر إلى مشهد صورة أفلاطون في كتابه «الجمهورية»، حين طالب بطرد الشعراء خارج المدينة الفاضلة، لأنهم ينحرفون بالفكر عن درب الحقيقة، من خلال إخضاعه لإغراء الصور المضللة ووسم الشعر بالعاطفة، وذهب إلى اعتبار الفلسفة تقوم على«حب الحكمة»، فجعل الشعر بذلك نقيضا للفلسفة وعدوها اللدود بعد أن شن حملة هوجاء على الشعر وهذا يعتبر أول تناقض ينشأ بين الشعر والفلسفة، وبذلت محاولات كثيرة لإعادة العلاقة بين الفلسفة والشعر من جديد.
والمنجز على الرغم من تناوله لقدم العلاقة بين الشعر والفلسفة، غير أنه ينفي عن نفسه محاولة الكشف عن الشاعر داخل الفيلسوف، بقدر ما يرمي إلى تعاطي الفلاسفة مع الشعر وهذا ما قاد الكاتب إلى توضيح أن الكتاب لا يعالج العلاقة بين الشعر والفلسفة، كما أنه لا يعالج المضمون الفلسفي الذي تنطوي عليه بعض القصائد الشعرية، بل إنه يبحث في العلاقة التي أنشأها بعض الفلاسفة مع مطالعة القصائد الشعرية وأحياناً الكتابة الشعرية، ويبدو أن الكاتب أراد من هذه الإشارة الإبقاء على كل من الفلسفة والشعر في فلكيهما، لكن هذه العملية ظلت عصية فهو يخوض في معظم أقسام الكتاب المتناثرة في كيفية توظيف بعض كبار الفلاسفة لا إطلاعهم فقط الشعر فيما أسماه خدمة مقاصدهم الفلسفية، وهذا ما يقود المؤلف إلى الإقرار بأن الجفوة بين الشعر والفلسفة مصطنعة فهما يتضافران معا للكشف عن عمق الأشياء وللنبش الممكن والمستحيل وعن الضروري في العارض، وعن العارض في الضروري ليكملا بعضهما بعضا، هذه النقطة التي أشار إليها الكاتب مهمة جدا وربما تسهم في إعادة الاعتبار ليس للعلاقة وحدها، بل وكذلك للشعر كشعر، كونه ظل مجرداً من إمكانية التأمل ومهمة الأفكار، وللفلسفة التي يريد البعض أن يشيعها إلى مثواها الأخير ضمن ما يسمى بأدب النهايات لمصلحة العلم الحديث، لذلك فإن الكاتب يركز على حقيقة أن الشعر يتمم عمل الفلسفة، وبالمقابل تواصل الفلسفة عمل الشعر، ولتأكيد مكانتهما يرى الكاتب أن عالما بلا فلسفة هو عالم أهوج تتقاذفه الرياح، وعالما بلا شعر هو عالم قاحل فقد روحه، وما أشار إليه الكاتب هنا بكلمات شعرية يجد مشروعية في عالم يتجه إلى تسليع المشاعر والأفكار، بالتالي تصبح كل تلك القيم الإنسانية مجرد أشياء، فهذه الإشارة هي تمرد ضد التشيؤ وضد التسليع.
وكان للكثير من الفلاسفة علاقة مباشرة بالشعر ونضرب هنا مثلا أسقطه الكاتب رغم الإشارات الخفية وهو الفيلسوف الكبير كارل ماركس الذي طرق باب الشعر باكرا، وكانت له تجارب مع نظم الشعر لم تلق حظا من الرواج، لكن ماركس الذي عدل عن فكرة نظم الشعر رافقته فيما يبدو الشاعرية في أعماله ومقولاته الفلسفية وكثيرون كانوا يرون في البيان الشيوعي وأعمال ماركس الباكرة قصيدة تحفل بالأحلام المستحيلة في تغيير العالم، وعندما أراد الفيلسوف الكبير جاك دريدا إعادة الاعتبار لماركس ضد أفكار أعلنت عن موته وروجت ل«نهاية التاريخ» حشد دريدا في «بيان الأطياف» صورا شعرية مستدعيا وليم شكسبير وشبح هاملت عاقداً مقارنة بين الطيفين، طيف هاملت وطيف ماركس المستوحى من مقولته هناك شبح يجول في أوروبا – هو شبح الشيوعية. وقد اتحدت قوى أوروبا العجوز في حلف مقدس لملاحقته والتضييق عليه؛ من البابا والقيصر إلى مترنيخ وغيزو، ومن الراديكاليين في فرنسا إلى رجال الشرطة في ألمانيا.«وفي جملة شاعرية يقول دريدا بأنه مسكون بأشباح ذلك الفيلسوف.
والكاتب استدعى دريدا في تعريف للشعر في فصل كامل ويرى دريدا أنه لكي نجيب عن سؤال ما هو الشعر.؟ فينبغي أن يكون جديراً بالمرء أن يعرف كيف يزهد بمعرفته، مع الاعتراف طبعاً بالقدرة على الإلمام بهذه المعرفة وعدم غيابها عن باله أبداً، أما ما يقصده دريدا في التخلي عن المعرفة فهي فقط المعرفة التي تكون خارجة عن موضوع القصيدة الموضوعة أمامه للدراسة. وبعد التخلي عن تلك المعرفة يجب أن يُرخى العنان للذات في اتجاه الشعر، ويعني ذلك أن نجيب بلغة الشاعر حتى ولو اضطررنا للاعتراف بطوباوية هذه الإجابة، لأننا في النهاية قمنا بتبديل في المواقع، حيث ينبغي أن يصبح الفيلسوف شاعراً متخلياً عن معرفته الفلسفية رغم إلمامه بالشعر.
وكذلك يستدعي الكاتب الفيلسوف نيتشة الباحث عن «الإنسان الكامل» والذي يقول: «إنه من الضروري ألا نوغل في الفكر وننسى الوجدان الذي يمثله جانب الأدب والشعر فلابد من العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائية للارتشاف من نبع العاطفة حتى لو دعا ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي»، ولعل نيتشة يقيم هنا تناقضاً بين الوجدان والفكر، الوجدان للشاعر والفكر للفيلسوف، وهذه نقطة تحتاج إلى إضاءات كثيفة فمن الصعب إقامة هذا التناقض بشكل حاسم فهنالك بعض الشعراء تعبر قصائدهم عن مواقف فلسفية، ومن التراث العربي يمكن أن نضرب مثلا بأبي العلاء المعري، ومن الغرب هنالك الشاعر والمسرحي وليم شكسبير وكثيرون، بل إن كل نص يحمل فكرة وتأسيساً جديداً وموقفاً من الوجود، وهذا ما نجده في تأملات الفيلسوف هيدغر حول الشعر فهو يعتبر الشعر تأسيساً للوجود بواسطة اللغة، لقد جعل هيدغر من الشعر أسمى تعبير عن ماهية الوجود.. فالشعر والوجود يشكلان علامة رؤيوية يقول هيدغر في محاضرته «هيلدرلن وماهية الشعر»: «إذا كان (الشعر) في جوهره تأسيساً، فهذا معناه وضع أساس ثابت وراسخ، الشعر تأسيس للوجود بواسطة الكلمة والوجود لا يكون أبداً هو الموجود ولكن ونظراً لكون الوجود وماهية الأشياء لا يمكن أبداً أن ينتجا عن حساب ولا أن يشتقا من الموجود المعطى سلفاً، فإنه من الواجب أن يخلقا ويوضعا ويعطيا بحرية. وهذا العطاء الحر هو التأسيس، إن ماهية الشعر تجعل منه تأسيساً للوجود، وماهية الإنسان هي في أن يحيا شعرياً على هذه الأرض، قدم هيدغر في محاضرته (رسالة في النزعة الإنسانية) عام 1947 فكرة عن العلاقة بين الشعر والفكر والوجود، وبين أن التفكير سرعان ما ينهار عندما تتخذ لغته طابعاً علمياً وتتشكل في قوالب منطقية أو فيزيائية، فالتفكير الأصلي هو الذي يُعبر عن الوجود بواسطة اللغة، اللغة بيت الوجود كما يقول هيدغر، والإنسان يقطن هذا البيت، ويكون الشاعر والمفكر حراس وحماة هذا البيت.
وينشد المؤلف كذلك إعادة الرابط بين الفلسفة والشعر، هذا الرابط الذي يعيد الحاضر شده، بينما لم يكف التاريخ عن فصمه، لذلك يقول الكاتب إن الخصام بين الفلسفة والشعر هو مجرد خدعة.
وفي معالجته للعلاقة يشير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز على الشبه بين النشاط الذي يقوم به الكاتب وضمناً الشاعر وبين ما يقوم به الفيلسوف فكلاهما يضع نفسه في موضع الترحّل، أي في اعتماد أسلوب الذهاب والإياب إلى التصوّر العقلي، من خلال المرور بالصور والأشخاص، ومختلف أشكال اللحن، والإيقاعات، والمشاهد.
وتتجلّى فرضيّة الكتاب في أن الفلاسفة يميلون بمقتضى ظروف وأساليب خاصة إلى ملاقاة القصيدة الشعرية، سواء اتخذت شكل الحلم، أو الخيال المبدع، أو الحنين، محاولين توطين مضمونها في أرض الإدراك العقلي.
ويتضمن الكتاب ما يناهز العشرة أبحاث يتم تنظيمها في كل مرة حول شخصية أو شخصيتين تؤديان دور نقاط الاستدلال. وتطالعنا فيه قصائد شعرية. ونصادف فيه فلاسفة مثابرين على قراءة القصائد الشعرية.
ويلفت المؤلف في ختام توطئته للكتاب إلى أن بعض الفلاسفة الذين لم يتطرق لهم لعدم تمحصه في قراءتهم مثل سارتر وفوكو وهيجل، فالغاية التي يصبو الكتاب إلى تحقيقها كانت تكمن في استكشاف بعض الحالات التي بدت فريدة ومعبرة في آن معا.
الكتاب يحشد عددا من الفلاسفة الكبار الذين لهم علاقة حقيقية بالمطالعة الشعرية ويسرد تجاربهم الثرية مع تلك المطالعة وتأثير الشعر والشعراء في فلسفتهم ومواقفهم وكذلك أقوالهم، وكذلك علاقاتهم ببعض الشعراء، جمعها في فصول متناثرة ونقول متناثرة لكونها لم تلق بالا للتسلسل، فكل فصل هو قائم بذاته ويحمل فكرة مختلفة، ويسجل الكتاب اختراقاً نادراً في تناول العلاقة بين الشاعر والفيلسوف، وبين الفيلسوف والشعر.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 10 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:29 AM ]


جدلية العلاقة بين الفلسفة والشعر عند الفلاسفة المسلمين

كريم الصامتي
الحوار المتمدن-العدد: 4324 - 2014 / 1 / 2 - 04:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع






لقد أقام الفلاسفة المسلمون بنائهم الفلسفي على أساس تمجيد العقل، لما له من قدرة على تمكين المرء من تحقيق وجوده الإنساني الأفضل، وبلوغ السعادة القصوى. وجعلوا من المنطق الآلة التي تمد العقل بالقوانين ،وتعصم المرء من الوقوع في الخطأ، وتوجه خطاه نحو استكمال قواه الناطقة والوصول إلى الرشد الإنساني، الذي يمكنه من تحصيل المعارف والعلوم النظرية والعملية، كيما يحقق غاية الغايات وهي السعادة.
وحين فصل فلاسفتنا بين النقد النظري والنقد العملي رأوا أن النظر في الشعر أمر يخص المنطق فأخضعوا التنظير للشعر للنظر العقلي الفلسفي. وعلى هذا الأساس تشكلت نظرتهم للشعر، فجعلوه فرعا من فروع المنطق وقياسا من أقيسته. لكنهم ردوه إلى أدنى درجات القياس المنطقي، ذلك أنهم عدوا البرهان أعلى درجات القياس المنطقي وأشرفها عل الإطلاق، يليه الجدل، فالسفسطة، فالخطابة، ثم يأتي الشعر أخيرا. وذلك لإعتبارهم أن الشعر نتاج قوة نفسانية أدنى من العقل، الذي يتوسل بالبرهان من أجل الوصول إلى المعرفة اليقينية.
غير أن الشعر في هذا المتصل المنطقي، الذي يمثل البرهان قطبه الأقصى في حين يمثل الشعر قطبه المقابل، قد جاء معتمدا بشكل أساسي على أنه نشاط تخييلي وتخيلي.
ورغم وعي فلاسفتنا بقدرة الخيال على الخلق والإبداع، فإنهم لم يكونوا ليسمحوا لهذه القوة بأن تعمل وفق هواها، حتى يتمكنوا من تنفيذ مخططهم التربوي الأخلاقي الذي يعينهم على دفع الإنسان إلى تحقيق الغاية القصوى من وجوده.
وعلى هذا الأساس رأوا أن يفيدوا من قدرات هذه القوة على الحركة والخلق والابتكار في تنفيذ مخططهم وتحقيق الغاية المتوخاة. فكان من الطبيعي، والشعر يصدر عن هذه القوة، والتي وضعوها أدنى من العقل معرفيا وأخلاقيا، أن يوضع في أسفل الترتيب الهرمي لفروع المنطق التي يعد الشعر من ضمنها، وبفضل هذا الضم اعتبر الشعر شكلا من أشكال الإدراك، أي إلى وسيلة معرفية لها طبيعتها الخاصة.
ووعي الفلاسفة المسلمون بالطبيعة التخيلية للشعر، وما لها من قوة على الإثارة النفسية للمتلقي والتي تدفعه إلى الإقدام على فعل أو تجنب آخر، هو ما دفعهم أن يجعلوا من الشعر وسيلة لتعليم الجمهور والعوام وتهذيبهم وتأديبهم وتوجيه أفعالهم والتحكم في سلوكهم، ذلك لكون العوام والنشء لا يدركون الأشياء إلا محسوسة أو متخيلة.
وبهذا يلعب الشعر بالنسبة للعوام ما يلعبه البرهان بالنسبة للخواص، ومن ثم عُد التخييل الشعري بالنسبة لفلاسفتنا، نظيرا للعلم في البرهان و الإقناع في الخطابة، فرأوا بأن التخييل الشعري يحدث فعل التصديق البرهاني لما له من قدرة على التأثير.
وحرص فلاسفتنا على جدية الفن عموما والشعر بصفة خاصة، جعلهم ينظرون إلى اللذة أو المتعة التي يحدثها الشعر، على أنها لذة هادفة إلى تحقيق الراحة النفسية التي تمكنه الإنسان من الاستمرار بشكل أفضل حتى يتمكن من إنجاز مهامه في السعي نحو تحقيق وجوده الأفضل.
وتجدر بنا الإشارة إلى أنه رغم انتباه الفلاسفة المسلمين للشعر وأدواره المختلفة في المعرفة والحياة، فهم لم يقصدوا الشعر لذاته، فلم يخصصوا له كتابات مستقلة بعينها اللهم شرحي ابن سينا وابن رشد على كتاب الشعر لأرسطو، وبعض الرسائل القصيرة للفارابي، وفيما عدا ذلك، تأتي كتاباتهم عن الشعر موزعة في مؤلفاتهم الفلسفية. وهذا يدل على أن الشعر كان مرتبطا عندهم بنسقهم الفلسفي الشامل حتى أنه يصعب الفصل بين النظر إلى تصورهم للشعر من زاوية إبداعه أو تأثيره أو طبيعته وبين ذلك البناء الفلسفي.
وتقَصّينا لنظرة الفلاسفة المسلمين للشعر وعلاقته بالفلسفة وما كان تحت وصايتها من علوم الاستدلال، لن يتحصل لنا بغير تفحص مجموعة من الأسئلة التي يمكننا إذا ما تلمسنا طريقنا إلى الإجابة عنها أن نقترب من موقفهم حيال الشعر ومن مكانته لديهم. فماهي مبررات جعلهم الشعر فرعا من فروع المنطق؟ وهل هناك من نقط إلتقاء بين التصديق البرهاني والتخييل الشعري؟ وماهو دور الشعر في المعرفة النظرية والأخلاقية؟ وما الدافع إلى اعتبار الشعر ضروري للمدينة الفاضلة؟ كما ماهي المنافع التي حددها فلاسفتنا للشعر؟...


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 11 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:30 AM ]


موقف الفلسفة من الشعر والشعراء

صاحب الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 1069 - 2005 / 1 / 5 - 07:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع






هناك تعارض في التوجهات بين الفلاسفة والشعراء، فالفيلسوف يستند في تحليله للظواهر الاجتماعية إلى منظومة من المناهج العلمية والتفسيرات العقلانية. ويتخذ من منظومة قيم الخير المسطرة لقياس أبعاد الظاهرة في المجتمع، فأن اتفقت وقياسها جاز اعتمداها وإن اختلفت تم رفضها واعتبارها مناهضة لتوجهاته.
في حين تهيمن على الشاعر حالة من الهيام والعواطف التي ليست لها عوالم محددة، فتارة تجانب قيم الخير وتارة أخرى تتقاطع معها وتميل نحو اتخاذ المصالح الشخصية كأساس للتوجهات. ولاتبالي بمدى توافقها مع منظومة قيم الخير، بل في أغلب الأحيان تعي تماماً أنها مناصرة لقيم الشر لكنها تعتمدها كمنهج لتحقيق المصالح الخاصة.
ويعتقد ((أفلاطون))" أن الشعر دجل كالتصوير، إذا نزع عنه سحر اللفظ بدا شاحباً فقيراً يستطيب وصف العواطف. ويعتبر متقلب، ولايجد له موضوعاً في العقل الثابت الهادئ فيهيج العواطف ويشل العقل، مثله مثل الطاغية الذي يقلد السلطة للأشرار ويضطهد الأخيار".
وتجد الفلسفة أن الهيام الذي يكتنف إحساس الشاعر يجعله غير موضوعي في نقل أحاسيسه بصدق وواقعية، بل أن بعض الشعراء يربط إحساسه بمصالحه الخاصة فأن توافقت معها أزجل في مديح من يحقق له تلك المصالح حتى لو تعارضت أحاسيسه مع قيم الخير لتصب في محصلتها لصالح قيم الشر.
لذا فأن إحساس الشاعر قد لايكون صادقاً في أغلب الأحيان، حين يتعلق الأمر بتحقيق مصالحه الخاصة. ويميل أغلب الشعراء إلى مديح الحكام والأشرار في سبيل حصولهم على مغانم شخصية، وقلما تجد هناك شاعراً متوافقاً مع ذاته ومناصراً لقيم الخير خلال كامل مسيرة حياته الشعرية.
ويعبر ((أفلاطون)) عن توافق الشاعر مع قيم الشر أكثر من قيم الخير قائلاً:" نحن مع إعجابنا بمحاسن الشعر، ننعته بأنه معلم الوهمَّ. لذلك نضع على رأس صاحبه أكليل من الشوك وندور به في المدينة، ثم نعمل على نفيه ونحن نجزل بمديحه، ولانستبقي غير الشاعر سديد الرأي وهادئ النسق ويحاكي قيم الخير وليس قيم الشر".
كما تجد الفلسفة أن أغلب الشعراء غير صادقين في مشاعرهم، ولايوفقون في نقل صورة حقيقية عن الواقع. ويأتي وصفهم للوقائع والأحداث والأحاسيس بما لايتفق والحقيقة، لأن الوهمًّ والخيال يسيطر عليهم وقلما يستخدمون عقولهم في إصدار أحكامهم على الظواهر الاجتماعية لأنهم يميلون أكثر نحو عالم الغيب والخيال. وتحكمهم الألفاظ والمفردات اللغوية في تصوير الواقع، وهذا ما يؤدي بهم إلى إصدار أحكام غير مطابقة للعقل والحقيقة.
ويعتقد ((هيراقليط))" أن الشعراء يكذبون كثيراً وغير صادقين في مشاعرهم".
وتجد الفلسفة أن انطلاق الشعراء من عالم الخيال والوهمًّ، لايمكنه أن يلتقي وعالم الواقع والحقيقة، لذا فأن أحكامهم الجازمة للظواهر والأحداث الاجتماعية تثير الشفقة والحيرة والتساؤل عن حقيقية ادعائهم بالمعرفة وشؤون الحياة.
ويعود هذا التعارض بين الفلسفة والشعر إلى اختلاف المنطلقات الأساسية لكل منهما، فالفلسفة تنطلق من الواقع وتحتكم إلى المنهج والعقل في تفسير الظواهر الاجتماعية. في حين أن الشعر ينطلق من عالم الخيال لتفسير ومحاكاة الأحداث والظواهر الاجتماعية وتغلب عليه أحكام الوصف غير الواقعي لمكونات الظاهرة. لذا نجد أحكام الفلسفة على الشعر أحكاماً قاسية، نتيجة اختلاف الرؤى وتعارض منظومة الفهم والإدراك للظواهر بين الطرفين.
ويعتقد ((سقراط))" أن الشعراء على شاكلة العرافين، نظراً لما هم عليه من شاعرية. ويعتقدون أنهم يفهمون ويدركون بشكل أعمق من غيرهم في كافة شؤون الحياة، بينما هم يجهلونها جهلاً مطبقاً".
وإذا تم إسقاط أحكام الفلاسفة على شعراء العصر الحالي، ستجد أن (أغلبهم) ينطلق من مصالحه الشخصية للتعبير عن الواقع الاجتماعي، بل أن العديد منهم جانب قيم الشر وساندوا الطغاة والحكام الأشرار من خلال قصائدهم في المديح والتبجيل.
ومازال العديد من الشعراء العراقيين الذين جانبوا قيم الشر يتفاخرون بقصائد تمجيد الحروب وتأليه الطاغية وبأوسمة الخزي والعار التي نالوها، ولم تستيقظ ضمائرهم الميتة بالرغم من الكشف عن عشرات المقابر الجماعية على امتداد مساحة الوطن.
والبعض الأخر من الشعراء يدعو لفك الارتباط بين قيمة الشعر وموقف الشاعر من القضايا الإنسانية، ويطالب بميزان آخر لتقييم الشعر والفن من خلال اعتماد معيار قيمة الشعر ورصانته لتقييم الشاعر!.
ويعلق الشاعر ((عبد الحميد الديب)) على هذا الموقف المتذبذب للشعراء قائلاً:
"يا رجال الشعر والفن الرصين لعن الله أباكم أجمعين".
ويبقى أن نشير إلى أن الفلسفة تستند إلى منهج علمي وعقلاني في إطلاق أحكامها على ظاهرة اجتماعية ما، لذا فأن أحكامها غير جازمة وغير شمولية وتتغير بتغير الواقع والعوامل والظروف، لأن العلم لايؤمن بالأدلة الثابتة والنصوص المقدسة وأحكامه تميل أكثر نحو مناقشة وتقييم عمومية الظاهرة وليس خصوصيتها. وتبقى هناك شواذاً خارجة عن حدود الظاهرة ولاتشملها الأحكام!.
لذا يتوجب عدم التعميم في إصدار الأحكام على الشعر والشعراء من خلال أحكام الفلسفة على ظاهرة ما، بل يتعين الإشارة إلى أن عمومية الظاهرة وأحكامها لاتنفي وجود شواذاً لها. والتقييم الصحيح لظاهرة ما يتوجب أن يحتكم لمجمل حيثيات الظاهرة (العام والخاص)!.
وفي هذا الإطار يتوجب الإشارة إلى أن هناك عدداً ليس بقليل من الشعراء الذين جانبوا قيم الخير، وكانوا في مقدمة قوافل الشهداء المدافعين عن الحقيقة وقيم الخير.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 12 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:33 AM ]


ملامح من النقد الأدبي عند الفلاسفة المسلمين
( الفارابي – ابن سينا – ابن رشد )
إن دراسة النقـد عنـد الـفلاسفـة المسلميـن لا تتضـح إلا بـمعرفـة النقد عند اليونانيين ، حيث أن الثـقافـة العـربية تـدين للثقافة اليونانية الـتي تـلقـفهـا العـرب وأفـاضـوا فــي تـفسيــرها والإضافـة إليهـا، وقـد يـعـتبرنـي الـبعـض أنـني مغال فيما أقول ، ولكنه موقف من طالب علم باحث حاول أن يكون صريحا مع نفسه أولا ، ثم مع الأخرين ثانيا وآية الأمـر أنـني سأحاول هنا في هذا البحث أن أعبر عن أفكاري مصحوبة بالقرينة والدليل .
لا شـك فـي أنـنا قـد وجـدنا في الكتب أثناء البحث أن الفلاسفة والأدباء والنقـاد والـبلاغيـين الـعرب قد تأثروا بمن سبقهم من فلاسفة اليونان، كأرسطـو وأفلاطون ، حيث يبدو هـذا الـتأثـر واضـحـا خاصـة في كتاب فـــن الشعـر لأرسطـو عـلى الفلاسفة المسلمين أمـثال الـفارابـي وابـن سـينـا وابن رشد .
لـم يعرف النقاد العرب أو الفلاسفة المسلمين أي تأثر بالنقد الغربي إلا عـام 328 هـ حيـنما قـام ( بشر بن متى ) بترجمته لكتاب فــن الشعر، ثم قام بتلخيصه الفارابي ، ثم قام بترجمته مرة أخرى ابن سينا ، ومنذ هـذا الـوقـت بـدأت نظـرية أرسطو في الشعر تجد صداها في نقد الشعر العربي ، ونجد أن هـؤلاء الفلاسفة لم يخصصوا كتابات مستقلة بعينها للشعر أو للنقد ، فلم نجد سوى الترجمات والشروح التي ذكرناها لهم.

ولـكي تـتضح الأمور أكثر علينا أولا أن نمهد بكلام أرسطو في الشعر، والتخيـيل ، والـمحاكـاة ، وغـير ذلك ثم نعرض كلام كل من الفارابي ، وابن سينا ، وابن رشد ونحاول خلق موازنة بينهم .

هـناك العـديد مـن القضايا المهمة التي أثيرت من الدارسين حول كتاب فن الشعر لأرسطو ومن هذه القضايا معنى المحاكاة عند أرسطو .

(2)
فـهو جعل الفن محاكاة ، وعنـدما عـدد أنــواع الشعر جعلها كلها قائمة عـلى المحاكـاة ، وفسـر المحقـقون لكتـاب( فن الشعر ) الـمحاكاة عـند أرسطو في عدة أشياء ومنها :
أولا :
المحـاكـاة أساس كـل فن لكنها تختلف في وسائل المحاكاة المتمثلة في الإيقاع واللغة والانسجام وتختلف أيضا في موضوع المحاكاة .

" فالمحاكاة الشعرية هي ذلك الإلهام الخلاق الذي به يستطيع الشاعر أن يوجد شيئا جديدا على الرغم من استخدامه لظواهر الحياة وأعمال البشر " (1)

لـذلـك نـرى أن المحاكـاة عند أرسطـو هـى إعـادة خلق ونراها موجهة للطبيعة مباشرة عكس المحاكاة عند أفلاطون فهى موجهة لعالم المثل.

ثانيا :
المحاكاة أداة للتمييز بين العلوم وجدت أنه هناك كثير من الأدياء ناقشوا قضية المحاكاة وما يتعلق بها وموقف الشعراء منها وربطها بالعلوم والفنون وأجمل كلام وجدته هنا كان كلاما للأستاذه سهير القلماوي حيث قالت :

" بغير المحاكاة لا يمكن أن توجد أي صورة من صور الفن " (2)

فأرسطو هنا جعل المحاكاة للتمييز بين ما يسمى بالعلوم الإنتاجية أو الإبداعية وغيرهـا من العلوم العملية أو النظرية فالنظم وحده لا يكفي لنقل نظرية فلسفية أو رسالة طبية من باب الفن الشعري لأن الشعر لا يكون شعرا إلا بالمحاكاة،فالمحاكاة عنده هى العامل المشترك بين الشعر و الفنون الأخرى .

والمحاكاة أيضا من وجهة نظر أرسطو هى التي تميز لنا بين عمل الشاعر المسرحي/التراجيدي، وعمل الشاعر في الملحمة المعتمد على السرد فقط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 - ابن رشد، تلخيص كتاب الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، ص57
2- سهير القلماوي، فن الأدب ص 92
(3)
يقول " إن الشعر الملحمي والتراجيدي، وكذلك الكوميدي، وفن تأليف الديترامبيات، وغالبية ما يؤلف للصفير في الناي، واللعب على القيثارة. كل ذلك –بوجه عام- أشكال من المحاكاة " (1)

ومن الأمور المهمة أيضا لدى أرسطو مفهومه للمأساة واختلف النقاد أيضا في ما يتصل بهذه القضية وخاصة فيما يتعلق بالتطهر. قال البعض إن المأساة عند أرسطو هي نظام مصمم لبلوغ هدف معين، وهذا الهدف هو التطهر. وقال آخرون إن التطهر الذي يتحدث عنه أرسطو هو تطهر أخلاقي يتعلم فيه المتفرجون ما يجب أن يثير فيهم الخوف والشفقة.

وأما من ناحية التخيل و التخييل عند أرسطو ومطابقته للصدق والكذب فالتخيل عنده ضرب من الحركة في الذهن يقابل الحركة في عالم الحس وحركة التخيل يجب في رأيه أولاً: ألا تكون قادرة على الوجود بدون الإحساس، وأن تنتمي إلى الكائنات التي لا تحس. ثانياً: أن تجعل صاحبها قادراً على أن يفعل وينفعل بعدد كبير من الأفعال.
وأخيراً أن تكون هي نفسها صادقة أو كاذبة (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
1- أرسطو، فن الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة 55
2- ينظر ابن رشد، تلخيص كتاب الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، ص66
النقد عند الفارابي

أشرت من قبل أن الفـلاسـفة ومنهـم الـفارابـي قـد تـأثـروا بالثقافة الـيونانيـة كــأرسطـو على سبيل المثال ، ونلحظ هذا التأثر هنا في آثاره وآرائه حـول الـشعــر، فـأول مـا نلاحـظه عـن تأثره الشديد بأرسطو أنه خـالـف ( متى بن يونس) فــي تـسميتـه لـلتراجيديـا والـكومـيديـا بـالمدح والـهجاء ، بـل سمـاها (طراغوذيا ) و (قوموذيا) ، فهو بذلك يعتمد على مـقـولات أرسطـو فـي حديثه عن الشعر هذه واحدة ، وأما الثانية فإنه قد اسـتبدل مصطلح ( الشعر ) بـ (الأقاويل الشعرية) ويعرفها بقوله عنها :

" هى التي من شأنها أن تؤلف من أشياء محاكية للأمر الذي فيه القول "(1)


وأشـار إلـى أن مـثـل هـذه الأقـاويـل الـشعـرية ومطابقتها بالنسبة للواقع الخـارجي ، سواء بالصدق ، أم بالكذب فهى كاذبة ؛ وذلك لعدم تطابقها مع الواقع .

" الأقاويل الشعرية تعتمد على الكذب لأنها تهدف إلى محاكاة الشيء على غير ما هو عليه في الواقع بل على ما يريد الشاعر " (2)

ويرى البعض هـنا أن الفارابي متأثـربمقـولة قدامة (أعذب الشعر أكذبه) ، وقـد قـسم الـفارابي الأقـاويـل الـشعـرية إلى ( برهانية / جدلية / خطابية / سوفسطائية / شعرية ) .
الـفـارابـي حـاول أن يـوضـح لـنا معـنى الـمحاكاة عـندنـا ، ومعناها عند اليونانيين فصنفها إلى نوعين يقول :

" فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل. وقد تكون بقول، فالذي بفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان بيده شيئا ما ، مثل ما يعمل تمثالا لا يحاكي به إنسانا بعينه، أو شيئا غير ذلك، أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك. والمحاكاة بقوله : هو أن يؤلف القول الذي يصنعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالا على أمور تحاكي ذلك الشيء " (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1- مقالة في قوانين صناعة الشعراء ص 152 كتاب فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي
2- نفس المصدر ص 150

(3)

وعلـقـت الـدكتورة / ألـفت الروبي عـلى هذه المقولة بقولها أن الـفارابي أراد أن يقول لـنا إن الشعر عند اليونانيين تمثيلي مرتبط بفعل التمثيل و الـحـركـة ، أمـا الـشعـر عـندنـا فـهو غـنائـي مـرتبـط بـالقـول والتعـبـير
عن الذات (1) .
قـلنا أن الـفارابـي وجد أن الشعر العربي شعر غنائي ، ليس هذا فقط بل وجـد العرب أيضا يهتمون بالقوافي وبالأغراض الشعرية ، ولم يركزوا على الأوزان ، ولم يربطوا بين الأغراض الشعرية وأوزان مـعينة ، فلم يخصصوا أوزانا لتكـون قوالـب لأغـراض معيـنة ، لكنه وجد اليونانيين عكس ذلك ، فهم ربطوا بين الأغراض الشعرية و الأوزان ، بل وجعلوا لكـل غـرض مجموعة من الأوزان ، فعلى سبيل المثال ذكر الفارابي أن اليونانيين جعلـوا للـمدح أوزانا ، وللهجاء أوزانا فنعرف من هذا أن هذه الأوزان أصبحت حكرا لهذه الأغراض .
ونـرى فـيما يـرى الكثير من النقاد أن الفارابي لـه الـفضل و السـبق فـي التعـرض لـهذه الـقضيـة ، أوهـذه الفكـرة التي تدور حول اهتمام العرب بـالقــوافـي وبـالأغــراض الـشعـريـة ، وعزفهم عن تخصيص الأوزان للأغراض الشـعـرية عـلى عكـس الـيونانيين ، ومـرد فكـر الفارابي هنا يـرجـع لقـدرتـه الـموسيقـية الـعالية الـتي كــان يتحلى بها ، ويـتميز بـها عـن غيـره فـي عصـره ، لكـننـي أختـلف معـه في قوله بأن العرب كان لابـد لهــم بـتخصـيص الأغــراض الـشـعرية بأوزان عروضية معينة ؛ فـالباحثون الآن وجدوا أن غرض المديح قديما قد ألفه العرب على وزن بحر البـسيـط ، وغـرض الهـجاء نـظمه العـرب بكثرة على وزن الكامل و الطويل .


حدد الفارابي الوسيلة الأكبر عنده للمحاكاة وكانت من نصيب( التشبيه ) ، فـالفـارابـي مؤمن بأن قول الشعر لكي يصل إلى ذهن القارىء وتتقبله نفـس المتـلقي ، فـإنه يجب على الشاعر أن يجيد التشبيه ، ولذا فإننا نجد الفارابي يقارن بين الشاعر ، والرسام مع وجود بعض الاختلاف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1- انظر نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين : د/ ألفت كمال الروبي – الهيئة العامة
المصرية للكتاب ص 75
(4)
يقول :
" إن بين أهل هذه الصناعة (يقصد الشعر) وبين أهل صناعة التزويق (يقصدالرسم) مناسبة وكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتها وفي أفعالها وأغراضها " (1)
الـفارابي هـنا يجعل الفنون كلها تلتقي حول مبدأ المحاكاة ، وتختلف مع بعـضها فـي وسـائـل وأدوات هـذه المحـاكـاة ، فـالاختلاف على حد قول الـفارابي فـي الصنـاعــة ، بينــما الاتـفاق يكـون فـي صورتـها وأفعـالها وأغراضها .

هـذه المقـارنـة بـين الشعروالرسم لم نجدها عند أرسطو مصدر الفارابي الأول ، لـذا نجـد الدكتور/ محمد علي سلامه يعبر عن هذا ، ويشير إلى أن الفارابي هنا أخذ عن الجاحظ هذه الفكرة يقول :
" وأظن أن الفارابي في حديثه القارن بين الشعر و الرسم أو التصوير متأثر بمقولة الجاحظ في الشعر وأنه ضرب من الصبغ وجنس من التصوير لأنه لم يرد عن أرسطو كلام يوحي بهبه المقولة " (2)

المحاكاة عند الفارابي ليست استنساخا للواقع ، أو نقلا لمعطياته ، ونلمح هـذا مـن خـلال فـكرته للأقاويل الشعرية التي لاتكون ملزمة بنقل ما في الواقع والإتيان بما يطابقه ، فطبيعة المحاكاة عنده هى أنـها خلق وتخييل وتشكـيل لـلموضـوع الـشعري على أساس أن غرض المبدع وكما يقول الفارابي هو : "أن يوقع في ذهن السامعين - والمتلقين - المحاكي للشيء بدلا من الشيء نفسه": (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1- مقالة في قوانين صناعة الشعراء ص 159 كتاب فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي
2- تاريخ النقد الأدبي القديم ج 1 : د/ محمد علي سلامة مكتبة الآداب ص 185 3- مقالة في قوانين صناعة الشعراء ص 150 كتاب فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي
(5)
النقد عند ابن سينا

" إن الشعر هو كلام مخيل مؤلف مـن أقوال موزونة متساوية عند العرب مقفاة ومعنى كونها موزونة أن يكون لها إيـقاع ومعنى كونها متساوية هو أن يكون كل قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية ومعنى كونـهـا مقـفاة هو أن يكون الحرف الذي يختم به كل قول منها واحدا وإنما ينظر المنطقي في الشعر من حيث هو مخيل " (1)

ابن سـينا هو أول فيلسوف من فلاسفة المسلمين وصف الشعر بأنه كلام مُخَيّـِل ، فهو لم يقف في تعريفه للشعر على أنه قول موزون ومقفى فقط ، بل ذهب إلى أبعد من هذا وجعله (كلام مخيِّل) ومن خـلال هـذا الـكلام نستطيع أن نتعرف على مفهوم الشعر عند ابن سينا ، فوجدناه قد عرف الشـعر تعـريفا منطـقيا مـفصلا ؛ فالشعر عنده لا يكون شعرا إلا بما فيه من مخيلـة ووزن ، فقـد تكــون هنـاك أقـوال مخـيلة ليس فيها وزن فهى نثر، وقد توجد أقوال موزونة ليس فيها مخيلة فهى ساذجة .

ابن سـينا ركــز عـلى الـتخيـيل ودوره فـي المتلـقي فـالتخيـيل يترك أثرا واضحا في المتلقي فيقول " والمخيِّل هـو الكـلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عـن أمـور، وتنـقبـض عـن أمور من غير روية وفـكر واختـيار، وبالجملة تنفعل له انفعالاً نفسانياً غير فكري، سواء كان المقول مصدَّقــاً به أو غير مصدق. فإن كونه مصدقاً به غير كونه مخيـلاً أو غـير مخـيل: فإنـه قـد يصـدق بقول مــن الأقـوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرة أخرى وعلى هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخييل لا للتـصديق فكثيراً مــا يؤثر الانفــصال ولا يحـدث تصديقاً وربما كان المتيقن كذبه مخيلاً. " (2)

وعـن طـريـق الـتخييل استطـاع ابن سينا التفريق بين الشعر وغيره من الـفنـون كـالنثر و الخطابة فيقول " الشعر يستعـمل التخييل والخطابة تستعمل التصديق. "(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1 - مقالة في قوانين صناعة الشعراء ص 161 كتاب فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي
2- نفس المصدر ص 163
3- نفس المصدر ص 161
(6)

تـأثـرابن سـينا بـالفـارابـي تـأثـرا كـبيـرا فـي قـضيـة المحاكاة أو التخيل والتخـييل ، وأفـاد منـه حتى أنه طور هذه الفكرة بعد ذلك والمحاكاة عند ابن سينا هى : " والمحاكاة هي إيراد مثل الشيء، وليس هو هو، فذلك كما
يحاكى الحيوان الطبيعي بصورة ، هي في الظاهر كالطبيعي " (1)

ويـعلـق الـدكتور/ سعد عبد العظيم على تعريف المحاكاة عند ابن سينا ، بأنه يفهمها أنها ليست نقلا حـرفيا للواقع كما صرح بذلك أرسطو، وإنما هى محاكاة الشيء بإحدى طرق ثلاث : إما بأمور موجودة في الحقيقة ، وإمـا بـأمور يـقال أنهـا كـانت موجودة ، وإما بأمور ستوجد وتظهر (2)

ويقـول ابن سينا فـي هـذا الـشأن " إن المحاكاة التي تكون بالأمثال و القصص ليـس هـو هـو مــن الشعــر بشـيء بـل الشعـر أن يتعرض لما يكون ممكنا في الأمور وجوده أو لما وجد دخل في الضرورة "(3)

وعـاب الدكـتـور/ سعد عبد العظيم عـلى ابن سينا في خلطـه بين الـخطأ الـجوهـر و الثـانـوي ، فهـو يـرى أنـه خلط فـي حديثه عن المحاكاة بين مفهوم الخـطأ الجوهـري و الخـطأ الثانوي ، وأشـار إلـى أن ابن سينا قد عاب عـلى الـشاعر إذا أتى بهما أو بأيهما عكس أرسطو الذي عاب فقط الخطأ الجوهري .
مفهوم الخطأ الثانوي (أن يخطىء الشاعر في الوصف عكس الحقيقة بأننا نقول مثلا الجواد يمد قدميه الأماميتين )
مفهوم الخطأ الجوهري (محاكاة الشاعرلشيء مستحيل فيعجز عن ذلك ) (4)

وأوضح ابن سينا أن المحاكـاة فـي الـشعـر عنـده هـى الكلام و اللحن و الوزن وأن للمحاكاة تلذذا يقول " و الدليل على فرحهم بالمحاكاة أنهم يسرون بتـأمل الـصور المنقـوشـة للحيـوانـات الكـريهة والمـتقذر منهـا ولوشاهدوا أنفسها لتنكبوا عنها "(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1 – نفس المصدر ص 168
2- انظر قضايا ونصوص نقدية : د/ سعد عبد العظيم ص 54 دار الهاني
3- فن الشعر ص 183
4- انظر قضايا ونصوص نقدية : د/ سعد عبد العظيم ص 56 دار الهاني
5- فن الشعر ص 192
(7)
وتجـدر الإشـارة هـنا إلـى قضية هامة جدا وهى أن ابن سينا ذكر لنا في تـرجمـته لكـتاب فن الشعرأن أرسطو كان مقصورا على الأدب اليوناني فـقط فـي حـديثــه عـن الشعـر، وعلى ذلك لم يتورط ابن سينا في تطبيقه لـلشعر فـكان يعـلم أن كـل ما جاء في كتاب الشعر لا يصلح تطبيقه على الشعر العربي
" إذ أكثر ما فيه اقتصاص أشعار ورسوم كانت خاصة بهم ومتعارفة بينهم يغلبهم تعارفهم إياها عن شرحها وبسطها "(1)

ويـلمح ابـن سـينا بدقـة الفرق بين الشعر العربي ، والشعر اليوناني على نحـو يـدل عـلى أنـه يـعي طبيعـة كـلا منهـما ، فيقـول فـي طبيعة الشعر اليوناني :
" و الشعر اليوناني إنما كان يقصد فيه في أكثر الأمر محاكاة الأفعال و الأحوال لا غير " (2)
ويقول في طبيعة الشعر العربي :
" وكانـت العرب تقول الشعر لوجهين أحدهما ليؤثر في النفس أمرا من الأمور تعد
به نحـو فعل وانـفعال و الـثاني للعجب فقط فكانت تشبه كل شيء للتعجب بحسن
الـتشبيـه وأمـا الـيونانيون فـكانوا يـقصدون أن يحثوا بالقول على فعل أو يردعوا
بالقـول عــن فعـل وتـارة كـانوايفعلون ذلك عـلى سبيل الخطابة وتارة على سبيل
الشعـر فـلذلـك كانت المحاكاة الشعرية عندهم مقصورة على الأقاويل و الأحوال و
الذوات من حيث لها تلك الأفاعيل و الأحوال " (3)

يقول ابن سينا نهاية تلخيصه وترجمته لكتاب فن الشعر
"هذا هو تلخيص القدر الذي وجد في هذه البلاد من كتاب الشعر للمعلم الأول وقد بـقى منـه شطـر صـالح ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان كلاما شديد التحصيل و التفصيل "(4)





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
1 - فن الشعر ص 187
2- نفس المصدر ص 188
3- نفس المصدر ص 188
4- نفس المصدر ص 198
(8)


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 13 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-30-2017 - 11:34 AM ]


النقد عند ابن رشد

يعـد ابن رشد واحدا من الفلاسفة الذين ترجموا كتاب (فن الشعر) ، و يعـتبر أيـضا الـوحـيـد الـذي اختـلفـت تـرجـمتـه عـن بـاقي الترجمات والشـروح ، فـقد لـوحظ عـليه سـوء الـفهـم لـلمصطـلحات الواردة في الـكتاب ، ورأى البعض أنه أخطأ في ترجمته ؛ وذلك يرجع إلى تخلصه مـن الأمـثلة التي أوردها أرسطو للنصوص الأدبية اليونانية واستبدلها بالنصـوص العـربية مـن شعـر وآيات قرآنية ، وهذا هو ما جعل الكثير مـن النقـاد و البـاحثيـن وأنا معهم أن نظن أن ترجمة ابـن رشـد لـكتاب أرسطـو عــبارة عـن كتاب مستقل تمـتزج فـيه أقوال أرسطو مع أقوال ابن رشد .

يعتـبر ابـن رشـد الـمحاكاة هي العمود والأساس في المديح، وريط بين المحاكـاة و التشـبيه حيث قـال:

"والتشبيه والمحاكاة هي مدائح الأشياء التي في غاية الفضيلة "(1)

وأن المحاكـاة عـنده تـرادف التخيـيل، بمعنى أنها ستظل محصورة في نطـاق الصـور الحسية التـي يغـلـب عليهـا الـتشبيـه، تـليـه الاسـتعـارة الـقائـمة عـلى التشخـيص، يعـدها أيضا من أنواع المحاكاة (2)

يقول ابن رشد " والأقاويل الشعرية هي الأقاويل المخيلة، وأصناف التخييل ثلاثة، اثنان بسيطان وثالث مركب منهما ، أما الاثنان فأحدهما تشبيه شيء بشيء وتمثيله به، والقسم الثاني هو أن يبدل التشبيه، والصنف الثالث هو المركب من هذين(3)

وقـد تـأتـي المحاكـاة مقترنة بالتخييل، فيصبح كل منهما متمما للآخر، فيشـملان معـا معنى التصوير، أو ما قد يتضمن معنى التأليف الشعري عامة؛ يوحي بذلك قوله: "ويجب على الشاعر أن يلزم في تخييلاته ومحاكاته الأشياء التي جرت العادة في استعمالها في التشبيه، وألا يتعدى ذلك طريقة الشعر(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

1- ابن رشد، تلخيص كتاب الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، 121
2- ينظر المصدر السابق 122
3- نفس المصدر
4- نفس المصدر 112

(2)
والمحـاكـاة الشعريـة عند ابـن رشد تكـون مـن قبل ثلاثة أشياءالوزن، والـلحن، والكلام ، والتخييل ، والمـحاكـاة في الأقاويـل الشعـرية تكون مـن قبل ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفقة، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيـه نفسه وقد تجتمع هذه الثلاثـة مـع بعضها وهذا الذي يوجد في الموشحـات و الأزجـال وقد توجد كل واحد منها مفردا مثل وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ (1) .
ابـن رشد جعل الشعر يقوم على عنصريين مهميين جدا وهما المحاكاة و الوزن ؛ ليميز بهما الشعـرعن النثـر ، وصـنع مقابلة بين التراجيـديا (المأساة) اليونانية، والموشحات والأزجال الأندلسية.


وبـمناسبة المقـابلة الـتي وظـفها ابـن رشـد بيـن الـتراجيـديا الـيونانية والأزجـال الأندلسية ، فالشـيء بـالشيء يـذكر فلا ننسى في هذا المقام أن نـذكر قضية مهمة جدا آثارت جدلا كبيرا بين النقاد و الباحثين حول كـلام ابـن رشد المتعلـق بالأمور الطبيعية التي توجد للأمم الطبيعيين ، ووصـف الأمـة العربـية بأنهـا أمـة غيـر طبيعية فهذه القضية أحتاجت إلى تأمل كبير من قبل الباحثين ، فنجد مثلا محمد خلف الله أحمد طرح تساؤلا عن هـذه المقـولـة مثله مـثل كثير من النقـاد أراد أن يستفسر ، ويعرف ما المقصود بمقولة ابن رشد يقول :

" أيريد بها كونها على درجة معينة من البدائية والفطرية؟ أم يريد بها تلك الأمم قبل أن تتأثر بتشريع سماوي أو أحوال اجتماعية طارئة؟ لاحظ أن هذا الأمر في حاجة إلى مزيد من البحث " (2)

ومـن الباحثين أيضا الذين رصدت لهم بعضا من أفكارهم حول موقفهم من ابـن رشد (عباس أرحيلـة) ، الـذي حـاول أن يـكشـف عـما تحـملـه عبارة ابن رشد من غموض ، وكان كلامه يرتكز على عدة أشياء منها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
1- ينظر ابن رشد، تلخيص كتاب الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، 60-61.
2- محمد أحمد خلف الله، بحوث ودراسات في العروبة وآدابها دار الشروق ، 145


(2)
1- ابـن رشـد ينظـر إلـى الشعـر عـلى أنـه لحـن ووزن وتشبيـه، وهـذا مشتـرك بيـن جمـيع الأمـم، وهـو موجود في الموشحات والأزجال. أما الأشعـار الأخـرى لـلعرب فـليـس فيهـا لحـن وقــد تجـتمع هـذه الـثلاثـة بأسرها مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال إذ كـانــت الأشعـار الطـبيعـية هـي مـا جـمعـت الثـلاثة أمـور، والأمـور الطبيعية إنما توجد للأمم الطبيعيين…" (1)

2- "الشعراء اليونانيون يعتمدون فـي تـأليـف الخـرافـة عـلى الأمـور الـموجودة ، أو عـلى الأمور الممكنة الوجود، والعرب يفضلون الأمثال والقصـص من الأمور المخترعة الكاذبة ويقول الدكتور عباس والشعر اليونـاني أقـرب إلـى الفلسـفة مـن صناعـة اختراع الأمثال، فهم تجنبوا الأمور المخترعة، أمـا أشعـار العرب فجـاءت بعيدة عـن الفلسفة ؛ لأن اليونـان اعتـنوا بالكليات فـمالوا إلـى الفلسفة، لذلك كانوا طبيعيين. أما العرب فاهـتمـوا بالجـزئيـات، لـذلك ابتـعدوا عـن الفلسفـة، فـلم يكـونوا طبيعيين ... (2)

3- لاحـظ ابـن رشـد أثـناء حديـثه عـن التراجـيديـا الـيونانيـة (صنـاعة الـمديح عـنده)، أن كـثيـرا مـما أتـى بـه أرسطـو في هذا المجال خاص بـاليـونـان. وقــد ورد بعــضه فـي الكـتب الـشرعـية عـنـد الـمسلـميـن،
يقول ابن رشد: "وذكر فروقا بين صناعة المديح/وبين صنائع الشعر الأخرى عندهم وخواص تختص بها تلك الأشعار الأخرى في الأوزان والأجـزاء والـمحاكـاة والـقـدر، وأن هـاهـنا أوزانـا هـي ألـيق بـبعـض الأشعار من بعض" (3)
ثـم يضـيف كذلك، أن كـل ما ذكـر خـاص باليـونـان وغير موجود مثاله عـندنا. إمـا لأن ذلـك ذكر غير مشـترك للأكثر من الأمـم، وإما لأن طبع العرب لا يقبله وهو الرأي الأقرب إلى الصواب في نظر ابن رشد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-عباس أرحيلة، الأثر الأرسطي منشورات كليةالآداب والعلوم الإنسانية، الرباط ، 1999م ،ص 928
2- ابن رشد، تلخيص كتاب الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، 57
3 - عباس أرحيلة، الأثر الأرسطي، 928.

(3)
وابن رشد يلوم أرسطو كما يعرض عباس أرحيلة وهو ما ذهب إليه محققا التلخيص، من "أن ابن رشد بإثباته أن اليونان وأهل الأندلس من الأمم الطبيعية، ونفيه أن يكون العرب منهم، إنما يشير به ابن رشد إلى أن العادات الحضرية عند الأولين، تساعدهم على الانتقال إلى مرحلة تكوين الأمة، وعاشوا مجموعات كبيرة، ولم يقوموا شأن العرب قبائل وعشائر. ورجح المحققات أن يكون ابن رشد قد جعل الأمة العربية غير طبيعية، بسبب إصراره الشديد على الآثار الأخلاقية والتربوية والسياسية للشعر (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- ينظر عباس أرحيلة، الأثر الأرسطي، 929
** أرجو المعذرة فقد كتبت الموضوع في صفحة Word أولا ثم قمت بنسخه مباشرة .
** هذا الموضوع ليس إلا إشارات بسيطة جدا أنصح طالب العلم ألا يقف عندها كثير بل يجعلها إن شاء عونا له فقط وحافزا لتكملة ما يبحث عنه .
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الفصيح


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مفهوم الطلل في الشعر العربي القديم مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 11-11-2019 07:46 AM
مفهوم الرمز فى الشعر الصوفى سيد حشمت محمد أمين البحوث و المقالات 2 06-08-2016 06:53 PM
مفهوم التلقي في التراث العربي علاء التميمي البحوث و المقالات 3 03-06-2016 05:35 PM


الساعة الآن 01:13 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by