mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (73): من كتاب وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي

كُتب : [ 11-22-2017 - 06:36 AM ]


الأدب والأديب
من كتاب وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي



إذا اعتبرت الخيال في الذكاء الإنساني وأوليته دقة النظر وحسن التمييز، لم تجده في الحقيقة تقليدًا من النفس للألوهية بوسائل عاجزة منقطعة، قادرة على التصور والوهم بمقدار عجزها عن الإيجاد والتحقيق.
وهذه النفس البشرية الآتية من المجهول في أول حياتها، والراجعة إليه آخر حياتها، والمسددة في طريقه مدة حياتها، لا يمكن أن يتقرر في خيالها أن الشيء الموجود قد انتهى بوجوه، ولا ترضى طبيعتها بما ينتهي؛ فهي لا تتعاطى الموجود فيما بينها وبين خيالها على أنه قد فرغ منه فما يبدأ، وتم فما يزاد، وخلد فلا يتحول؛ بل لا تزال تضرب ظنها وتصرف وهمها في كل ما تراه أو يتلجلج في خاطرها، فلا تبرح تتلمح في كل وجود غيبًا، وتكشف من الغامض وتزيد في غموضه، وتجري دأبًا على مجاريها الخيالية التي توثق صلتها بالمجهول؛ فمن ثم لا بد في أمرها مع الموجود مما لا وجود له، تتعلق به وتسكن إليه؛ وعلى ذلك لا بد في كل شيء -مع المعاني التي له في الحق- من المعاني التي له في الخيال؛ وها هنا موضع الأدب والبيان في طبيعة النفس الإنسانية، فكلاهما طبيعي فيها كما ترى.
وإذا قيل: الأدب، فاعلم أنه لا بد معه من البيان؛ لأن النفس تخلق فتصور فتحسن الصورة؛ وإنما يكون تمام التركيب في معرضه وجمال صورته ودقة لمحاته؛ بل ينزل البيان من المعنى الذي يلبسه منزلة النضج من الثمرة الحلوة إذا كانت الثمرة وحدها قبل النضج شيئًا مسمى أو متميزًا بنفسه، فلن تكون بغير النضج شيئًا تامًا ولا صحيحًا، وما بد من أن تستوفي كمال عمرها الأخضر الذي هو بيانها وبلاغتها.
وهذه مسألة كيفما تناولتها فهي هي حتى تمضيها على هذا الوجه الذي رأيت في الثمرة ونضجها، فإن البيان صناعة الجمال في شيء جماله هو من فائدته،وفائدته من جماله؛ فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره، وعاد بابًا من الاستعمال بعد أن كان بابًا من التأثير؛ وصار الفرق بين حاليه كالفرق بين الفاكهة؛ إذ هي باب من النبات، وبين الفاكهة إذ هي باب من الخمر؛ ولهذا كان الأصل في الأدب البيان والأسلوب في جميع لغات الفكر الإنساني، لأنه كذلك في طبيعة النفس الإنسانية.
فالغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دنيا المعاني الملائمة لتلك النزعة الثابتة فيها إلى المجهول وإلى مجاز الحقيقة، وأن يلقي الأسرار في الأمور المكشوفة بما يتخيل فيها، ويرد القليل من الحياة كثيرًا وافيًا بما يضاعف من معانيه، ويترك الماضي منها ثابتًا قارًا بما يخلد من وصفه، ويجعل المؤلم منها لذًّا خفيفًا بما يثبث فيه من العاطفة والمملول ممتعًا حلوًا بما يكشف فيه من الجمال والحكمة؛ ومدار ذلك كله على إيتاء النفس لذة المجهور التي هي في نفسها لذة مجهولة أيضًا؛ فإن هذه النفس طلعة متقلبة، لا تبتغي مجهولًا صرفًا ولا معلومًا صرفًا، كأنها مدركة بفطرتها أن ليس في الكون صريح مطلق ولا خفي مطلق؛ وإنما تبتغي حالة ملائمة بين هذين، يثور فيها قلق أو يسكن منها قلق.
وأشواق النفس هي مادة الأدب؛ فليس يكون أدبًا إلا إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى، أو كان متصلًا بسر هذه الحياة فيكشف عنه أو يومئ إليه من قريب، أو غيَّر للنفس هذه الحياة تغييرًا يجيء طباقًا لغرضها وأشواقها؛ فإنه كما يرحل الإنسان من جو إلى جو غيره، ينقله الأدب من حياته التي لا تختلف إلى حياة أخرى فيها شعورها ولذتها وإن لم يكن لها مكان ولا زمان؛ حياة كملت فيها أشواق النفس؛ لأن فيها اللذات والآلام بغير ضرورات ولا تكاليف؛ ولعمري ما جاءت الجنة والنار في الأديان عبثًا؛ فإن خالق النفس بما ركبه فيها من العجائب، لا يحكم العقل أنه قد أتم خلقها إلا بخلق الجنة والنار معها؛ إذ هما الصورتان الدائمتان المتكافئتان لأشواقها الخالدة إن هي استقامت مسددة أو انعكست حائلة.
وقد صح عندي أن النفس لا تتحقق من حريتها ولا تنطلق انطلاقتها الخالدة فتحس وحدة الشعور ووحدة الكمال الأسمى إلا في ساعات وفترات تنسل فيها من زمنها وعيشها ونقائضها واضطرابها إلى "منطقة حياد" خارجة وراء الزمان والمكان؛ فإذا هبطتها النفس فكأنما انتقلت إلى الجنة واستروحت الخلد؛ وهذه المنطقة السحرية لا تكون إلا في أربعة: حبيب فاتن معشوق أعطي قوة سحر النفس، فهي تنسى به؛ وصديق محبوب وفي أوتي قوة جذب النفس، فهي تنسى عنده؛ وقطعة أدبية آخذة، فهي ساحرة كالحبيب أو جاذبة كالصديق؛ ومنظر فني رائع، ففيه من كل شيء شيء.
وهذه كلها تنسي المرء زمنه مدة تطول وتقتصر؛ وذلك فيها دليل على أن النفس الإنسانية تصيب منها أساليب روحية لاتصالها هنيهة بالروح الأزلي في لحظات من الشعور كأنها ليست من هذه الدنيا وكأنها من الأزلية؛ ومن ثم نستطيع أن نقرر أن أساس الفن على الإطلاق هو ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه؛ وأن تصوير هذه الثورة في أوهامها وحقائقها بمثل اختلاجاتها في الشعور والتأثير- هو معنى الأدب وأسلوبه.
ثم إن الاتساق والخير والحق والجمال -وهي التي تجعل للحياة الإنسانية أسرارها- أمور غير طبيعية في عالم يقوم على الاضطراب والأثرة والنزاع والشهوات؛ فمن ذلك يأتي الشاعر والأديب وذو الفن علاجًا من حكمة الحياة للحياة، فيبدعون لتلك الصفات الإنسانية الجميلة عالمها الذي تكون طبيعية فيه، وهو عالم أركانه الاتساق في المعاني التي يجري فيها، والجمال في التعبير الذي يتأدى به، والحق في الفكر الذي يقوم عليه، والخير في الغرض الذي يساق له، ويكون في الأدب من النقص والكمال بحسب ما يجتمع له من هذه الأربعة، ولا معيار أدق منها إن ذهبت تعتبره بالنظر والرأي؛ ففي عمل الأديب تخرج الحقيقة مضافًا إليها الفن، ويجيء التعبير مزيدًا فيه الجمال، وتتمثل الطبيعة الجامدة خارجة من نفس حية، ويظهر الكلام وفيه رقة حياة القلب وحرارتها وشعورها وانتظامها ودقها الموسيقي؛ وتلبس الشهوات الإنسانية شكلها المهذب لتكون بسبب من تقرير المثل الأعلى، الذي هو السر في ثورة الخالد من الإنسان على الفاني، والذي هو الغاية الأخيرة من الأدب والفن معًا؛ وبهذا يهب لك الأدب تلك القوة الغامضة التي تتسع بك حتى تشعر بالدنيا وأحداثها مارة من خلال نفسك، وتحس الأشياء كأنها انتقلت إلى ذاتك؛ وذلك سر الأديب العبقري؛ فإنه لا يرى الرأي بالاعتقاب1 والاجتهاد كما يراه الناس، وإنما يحس به؛ فلا يقع له رأيه بالفكر، بل يلهمه إلهامًا؛ وليس يؤاتيه الإلهام إلا من كون الأشياء تمر فيها بمعانيها وتعبره كما تعبر السفن النهر، فيحس أثرها فيه فيلهم ما يلهم، ويحسبه الناس نافذًا بفكره من خلال الكون، على حين أن حقائق الكون هي النافذة من خلاله.
ولو أردت أن تعرف الأديب من هو، لما وجدت أجمع ولا أدق في معناه من أن تسميه الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط؛ ومن ذلك ما يبلغ من عمق تأثره بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من اتصال الموجودات به بآلامها وأفراحها؛ إذ كانت فيه مع خاصة الإنسان خاصية الكون الشامل، فالطبيعة تثبت بجمال فنه البديع أنه منها، وتدل السماء بما في صناعته من الوحي والأسرار أنه كذلك منها، وتبرهن الحياة بفلسفته وآرائه أنه هو أيضًا منها؛ وهذا وذاك وذلك هو الشمول الذي لا حد له، والاتساع الذي كل آخر فيه لشيء، أولٌ فيه لشيء.
وهو إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل غيره عليه، وبذلك زيد على معناه معنى، وأضيف إليه في إحساسه قوة إنشاء الإحساس في غيره؛ فأساس عمله دائمًا أن يزيد على كل فكرة صورة لها، ويزيد على كل صورة فكرة فيها، فهو يبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة، فكأنه خلق ليتلقى الحقيقة ويعطيها للناس ويزيدهم فيها الشعور بجمالها الفني؛ وبالأدباء والعلماء تنمو معاني الحياة، كأنما أوجدتهم الحكمة؛ لتنقل بهم الدنيا من حالة إلى حالة؛ وكأن هذا الكون العظيم يمر في أدمغتهم ليحقق نفسه.
ومشاركة العلماء للأدباء توجب أن يتميز الأديب بالأسلوب البياني؛ إذ هو كالطابع على العمل الفني، وكالشهادة من الحياة المعنوية لهذا الإنسان الموهوب الذي جاءت من طريقه، ثم لأن الأسلوب هو تخصيص لنوع من الذوق وطريقة من الإدراك، كأن الجمال يقول بالأسلوب: إن هذا هو عمل فلان.
وفضل ما بين العالم والأديب، أن العالم فكرة، ولكن الأديب فكرة وأسلوبها؛ فالعلماء هم أعمال متصلة متشابهة يشار إليهم جملة واحدة، على حين يقال في كل أديب عبقري: هذا هو، هذا وحده؛ وعلم الأديب هو النفس الإنسانية بأسرارها المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى النفس؛ ولذلك فموضع الأديب من الحياة موضع فكرة حدودها من كل نواحيها الأسرار.
وإذا رأى الناس هذه الإنسانية تركيبًا تامًّا قائمًا بحقائقه وأوصافه، فالأدب العبقري لا يراها إلا أجزاء، كأنما هو يشهد خلقها وتركيبها، وكأنما أمرها في "معمله"، أو كأن الله -سبحانه- دعاه ليرى فيها رأيه ... وبذلك يجيء النابغ من أدب العباقرة وبعضه كالمقترحات لتجميل الدنيا وتهذيب الإنسانية، وبعضه كالموافقة وإقرار الحكمة؛ وأساسه على كل هذه الأحوال النقد، ثم النقد، ولا شيء غير النقد؛ كأن القوة الأزلية تقول لهذا الملهم: أنت كلمتي فقل كلمتك..
وترى الجمال حيث أصبته شيئًا واحدًا لا يكبر ولا يصغر، ولكن الحس به يكبر في أناس ويصغر في أناس؛ وها هنا يتأله الأدب؛ فهو خالق الجمال في الذهن، والممكن للأسباب المعينة على إدراكه وتبين صفاته ومعانيه، وهو الذي يقدر لهذا العالم قيمته الإنسانية بإضافة الصور الفكرية والجميلة إليه، ومحاولته إظهار النظام المجهول في متناقضات النفس البشرية، والارتفاع بهذه النفس عن الواقع المنحط المجتمع من غشاوة الفطرة وصولة الغريزة وغرارة الطبع الحيواني.
وإذا كان الأمر في الأدب على ذلك؛ فباضطرار أن تتهذب فيه الحياة وتتأدب، وأن يكون تسلطه على بواعث النفس دربة لإصلاحها وإقامتها، لا لإفسادها والانحراف بها إلى الزيغ والضلالة؛ وباضطرار أن يكون الأديب مكلفًا تصحيح النفس الإنسانية، ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات؛ ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائمًا إلى فوق!
وإنما يكلف الأديب ذلك لأنه مستبصر من خصائصه التمييز وتقدم النظر وتسقط الإلهام، ولأن الأصل في عمله الفني ألا يبحث في الشيء نفسه، ولكن في البديع منه؛ وألا ينظر إلى وجوده، بل إلى سره؛ ولا يعني بتركيبه، بل بالجمال في تركيبه؛ ولأن مادة عمله أحوال الناس، وأخلاقهم، وألوان معايشهم، وأحلامهم، ومذاهب أخيلتهم وأفكارهم في معنى الفن، وتفاوت إحساسهم به، وأسباب مغاويهم ومراشدهم؛ يسدد على كل ذلك رأيه، ويجيل فيه نظره، ويخلطه في نفسه، وينفذه من حواسه، كأنما له في السرائر القبض والبسط، وكأنه ولي الحكم على الجزء الخفي في الإنسان يقوم على سياسته وتدبيره، ويهديه إلى المثل الأعلى، وهل يخلق العبقري إلا كالبرهان من الله لعباده على أن فيهم من يقدر على الذي هو أكمل والذي هو أبدع، حتى لا ييأس العقل الإنساني ولا ينخذل، فيستمر دائبًا في طلب الكمال والإبداع اللذين لا نهاية لهما؟
فالأديب يشرف على هذه الدنيا من بصيرته فإذا وقائع الحياة في حذو واحد من النزاع والتناقض، وإذا هي دائبة في محق الشخصية الإنسانية، تاركة كل حي من الناس كأنه شخص قائم من عمله وحوادثه وأسباب عيشه؛ فإذا تلجلج ذلك في نفس الأديب اتجهت هذه النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما ضيع الناس، وسخرت في ذلك تسخيرًا لا تملك معه أن تأبى منه، ولا يستوي لها أن تغمض فيه؛ ونقلت الإنسانية كلها ووضعت على مجاز طريقها أين توجهت، فتأكد الأمر فيها، ووصل بها، وعلمت أنها من خالصة الله، رسالتها للعالم هي تقرير الحب للمتعادين، وبسط الرحمة للمتنازعين، وأن تجمع الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته وتصل بينهم بالحقيقة وهي لا تتفرق في موعظتها، وتشعرهم الحكمة وهي لا تتنازع في مناحيها: فالأدب من هذه الناحية يشبه الدين: كلاهما يعين الإنسانية على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريب من قريب؛ غير أن الدين يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهي، والأدب يعرض لها ليجمع ويقابل؛ والدين يوجه الإنسان إلى ربه، والأدب يوجهه إلى نفسه؛ وذلك وحي الله إلى الملك إلى نبي مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرة إلى إنسان مختار.
فإن لم يكن للأديب مثل أعلى يجهد في تحقيقه ويعمل في سبيله، فهو أديب حالة من الحالات، لا أديب عصر ولا أديب جيل؛ وبذلك وحده كان أهل المثل الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ليحسب ربحه وخسارته ...
ولا يخدعنك عن هذا أن ترى بعض العبقريين لا يؤتى في أدبه أو أكثره إلا إلى الرذائل، يتغلغل فيها، ويتملأ بها، ويكون منها على ما ليس عليه أحد إلا السفلة والحشوة من طغام الناس ورعاعهم؛ فإن هذا وأضرابه مسخرون لخدمة الفضيلة وتحقيقها من جهة ما فيها من النهي؛ ليكونوا مثلًا وسلفًا وعبرة؛ وكثيرًا ما تكون الموعظة برذائلهم أقوى وأشد تأثيرًا مما هي في الفضائل؛ بل هم عندي كبعض الأحوال النفسية الدقيقة التي يأمر فيها النهي أقوى مما يأمر الأمر، على نحو ما يكون من قراءتك موعظة الفضيلة الأدبية التي تأمرك أن تكون عفيفًا طاهرًا؛ ثم ما يكون من رؤيتك الفاجر المبتلى المشوه المتحطم الذي ينهاك بصورته أن تكون مثله؛ ولهذه الحقيقة القوية في أثرها -حقيقة الأمر بالنهي- يعمد النوابغ في بعض أدبهم إلى صرف الطبيعة النفسية عن وجهها، بعكس نتيجة الموقف الذي يصورونه، أو الإحالة في الحادثة التي يصفونها؛ فينتهي الراهب التقي في القصة ملحدًا فاجرًا، وترتد المرأة البغي قديسة، ويرجع الابن البر قاتلًا مجنونًا جنون الدم؛ إلى كثير مما يجري في هذا النسق، كما تراه لأناطول فرانس وشكسبير وغيرهما، وما كان ذلك عن غفلة منهم ولا شر، ولكنه أسلوب من الفن، يقابله أسلوب من الخلق؛ ليبدع أسلوبًا من التأثير؛ وكل ذلك شاذ معدود ينبغي أن ينحصر ولا يتعدى؛ لأنه وصف لأحوال دقيقة طارئة على النفس، لا تعبير عن حقائق ثابتة مستقرة فيها.
والشرط في العبقري الذي تلك صفته وذلك أدبه، أن يعلو بالرذيلة ... في أسلوبه ومعانيه، آخذًا بغاية الصنعة، متناهيًا في حسن العبارة؛ حتى يصبح وكأن الرذائل هي اختارت منه مفسرها العبقري الشاذ الذي يكون في سمو فنه البياني هو وحده الطرف المقابل لسمو العبارة عن الفضيلة، فيصنع الإلهام في هذا وفي هذا صنعه الفني بطريقة بديعة التأثير، أصلها في أديب الفضيلة ما يريده ويجاهد فيه، وفي أديب الرذيلة ما يقوده ويندفع إليه، كأن منهما إنسانًا صار ملكًا يكتب، وإنسانًا عاد حيوانًا يكتب ...
وإذا أنت ميَّلت بين رذيلة الأديب العبقري في فنه، ورذيلة الأديب الفسل الذي يتشبه به -في التأليف والرأي والمتابعة والمذهب- رأيت الواحدة من الأخرى كبكاء الرجل الشاعر من بكاء الرجل الغليظ الجلف: هذا دموعه ألمه، وذاك دموعه ألمه وشعره؛ وفي كتابة هذه الطبقة من العبقريين خاصة يتحقق لك أن الأسلوب هو أساس الفن الأدبي، وأن اللذة به هي علامة الحياة فيه؛ إذ لا ترى غير قطعية أدبية فنية، شاهدها من نفسها على أنها بأسلوبها ليست في الحقيقة إلا نكتة نفسية لاهتياج البواعث في نفوس قرائها، وأنها على ذلك هي أيضًا مسألة من مسائل الإنسانية مطروحة للنظر والحل، بما فيها من جمال الفن ودقائق التحليل.
واللذة بالأدب غير التلهي به واتخاذه للعبث والبطالة فيجيء موضوعًا على ذلك فيخرج إلى أن يكون ملهاة وسخفًا ومضيعة؛ فإن اللذة به آتية من جمال أسلوبه وبلاغة معانيه وتناوله الكون والحياة بالأساليب الشعرية التي في النفس، وهي الأصل في جمال الأسلوب؛ ثم هو بعد هذه اللذة منفعة كله كسائر ما ركب في طبيعة الحي؛ إذ يحس الذوق لذة الطعام مثلًا على أن يكون من فعلها الطبيعي استمراء التغذية لبناء الجسم وحفظ القوة وزيادتها؛ أما التلهي فيجيء من سخف الأدب؛ وفراغ معانيه، ومؤاتاته الشهوات الخسيسة والتماسه الجوانب الضيقة من الحياة؛ وذلك حين لا يكون أدب الشعب ولا الإنسانية بل أدب فئة بعينها وأحوالها؛ فإن أديب صناعته أو أديب جماعته، غير أديب قومه وأديب عصره، أحدهما إلى حد محدود من الحياة، والآخر عمل جامع مستمر متفنن؛ لأن عمله الأدبي وهو وجوده، وكل شيء في قومه لا يبرح يقول له: اكتب ...
ومن الأصول الاجتماعية التي لا تتخلف، أنه إذا كانت الدولة للشعب، كان الأدب أدب الشعب في حياته وأفكاره ومطامحه وألوان عيشه، وزخر الأدب بذلك وتنوع وافتن وبني على الحياة الاجتماعية؛ فإن كانت الدولة لغير الشعب، كان الأدب أدب الحاكمين وبني على النفاق والمداهنة والمبالغة الصناعية والكذب والتدليس، ونضب الأدب من ذلك وقل وتكرر من صورة واحدة؛ وفي الأولى يتسع الأديب من الإحساس بالحياة وفنونها وأسرارها في كل من حوله، إلى الإحساس بالكون ومجاليه وأسراره في كل ما حوله؛ أما الثانية فلا يحس فيها إلا أحوال نفسه وخليطه، فيصبح أدبه أشبه بمسافة محدودة من الكون الواسع لا يزال يذهب فيها ويجيء حتى يمل ذهابه ومجيئه.
والعجب الذي لم يتنبه له أحد إلى اليوم من كل من درسوا الأدب العربي قديمًا وحديثًا، أنك لا تجد تقرير المعنى الفلسفي الاجتماعي للأدب في أسمى معانيه إلا في اللغة العربية وحدها، ولم يغفل عنه مع ذلك إلا أهل هذه اللغة وحدهم!
فإذا أردت الأدب الذي يقرر الأسلوب شرطًا فيه، ويأتي بقوة اللغة صورة لقوة الطباع، وبعظيمة الأداء صورة لعظمة الأخلاق، وبرقة البيان صورة لرقة النفس، وبدقته المتناهية في العمق صورة لدقة النظر إلى الحياة؛ ويريك أن الكلام أمة من الألفاظ عاملة في حياة أمة من الناس، ضابطة لها المقاييس التاريخية، محكمة لها الأوضاع الإنسانية، مشترطة فيها المثل الأعلى، حاملة لها النور الإلهي على الأرض ...

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-22-2017 - 06:39 AM ]


.... وإذا أردت الأدب الذي ينشئ الأمة إنشاء ساميًا، ويدفعها إلى المعالي دفعًا، ويردها عن سفاسف الحياة، ويوجهها بدقة الإبرة المغناطيسية إلى الآفاق الواسعة، ويسددها في أغراضها التاريخية العالية تسديد القنبلة خرجت من مدفعها الضخم المحرز المحكم، ويملأ سرائرها يقينًا ونفوسها حزمًا وأبصارها نظرًا وعقولها حكمة، وينفذ بها من مظاهر الكون إلى أسرار الألوهية ...
... إذا أردت الأدب على كل هذه الوجوه من الاعتبار -وجدت القرآن الحكيم قد وضع الأصيل الحي في ذلك كله، وأعجب ما فيه أنه جعل هذا الأصل مقدسًا، وفرض هذا التقديس عقيدة، واعتبر هذه العقيدة ثابتة لن تتغير؛ ومع ذلك كله لم يتنبه له الأدباء ولم يحدوا بالأدب حذوه، وحسبوه دينًا فقط، وذهبوا بأدبهم إلى العبث والمجون والنفاق؛ كأنه ليس منهم إلا بقايا تاريخ محتضر بالعلل القائلة، ذاهب إلى الفناء الحتم!
والقرآن بأسلوبه ومعانيه وأغراضه لا يستخرج منه للأدب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأدب هو السمو بضمير الأمة.
ولا يستخرج منه للأديب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأديب هو من كان لأمته وللغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-22-2017 - 09:55 AM ]


من موقع المكتبة الوقفيّة :
عنوان الكتاب: وحي القلم (ط. العصرية)
المؤلف: مصطفي صادق الرافعي
حالة الفهرسة: غير مفهرس
الناشر: المكتبة العصرية
سنة النشر: 2002
عدد المجلدات: 3
عدد الصفحات: 1050
الحجم (بالميجا): 40
تاريخ إضافته: 15 / 10 / 2008

رابط التحميل من موقع Archivehttps://archive.org/details/WAQwakl
التحميل المباشر:
تحميل مجلد 1https://archive.org/download/WAQwakl/01_wakl.pdf
تحميل مجلد 2https://archive.org/download/WAQwakl/02_wakl.pdf
تحميل مجلد 3https://archive.org/download/WAQwakl/03_wakl.pdf
تحميل الواجهةhttps://archive.org/download/WAQwakl/00_wakl.pdf
تصفح مجلد 1https://archive.org/stream/WAQwakl/01_wakl
تصفح مجلد 2https://archive.org/stream/WAQwakl/02_wakl
تصفح مجلد 3https://archive.org/stream/WAQwakl/03_wakl


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-22-2017 - 10:01 AM ]


د. بغداد عبد الرحمن - الجزائر
مفهوم الأدب والأديب عند الرافعي

قراءة في مفهوم الأدب والأديب عند مصطفى صادق الرافعي

بغداد عبد الرحمنحظي مفهوم الأدب والأديب منذ زمن طويل بعناية بالغة من قبل النقاد العرب قدامى ومحدثين على اختلاف رؤاهم وتعدد مشاربهم. ومصطفى صادق الرافعي واحد من كبار أدباء العرب وناقديهم الذين أبدوا عديدا من الآراء في تعريف هذين المصطلحيْن، حيث أولى مجال الأدب تعريفاً وماهيةً أوفر نصيب من عنايته، فها هو يوافينا بتصوره لمعنى الأدب قائلاً: "والأدب من العلوم كالأعصاب من الجسـم، هي أدق ما فيه ولكنها مع ذلك هي الحيـاة والخلْق والقوة والإبداع"(1).

وعبارة الرافعي في تعريف الأدب تدلّ على أنه مأخوذ بهاجس التجديـد، هاجس أنْ يبدعَ الأديب العربي أعظم أثر في وقته، إذا ما تحققت له عناصر الأدب، التي حصرها في الحياة والخلْق والقوة والإبداع، ومن فعاليتها في النص الأدبي تأتي قيمة ذلك الأدب.

وفي إطار هذه الرؤية، يتحرك الرافعي محدداً للأدب وظيفته الأساسية، التي يراها، كما يقول المقالح، في أنْ يكون: "الجديد حقيقة مسكونة بالهـمّ العربي والألـوان العربيـة وبالصراع الدائب من أجل إيجاد الكائن العربي والعصر العربي" (2). ولعل فَهْم الظروف التي تطور الأدب العربي في ظلها، ومعرفة التغييرات الجوهرية في الميادين المنوعة التي لحقت بتلك الظروف على مرّ الزمن، تقودنا إلى فهم شامل لمذهب الرافعي الأدبي والنقدي.

وفـي تلـك الآونـة، حفز العرب إلى إحياء ماضيهم والتأسي بالغرب في حاضرهم، وبذلك حقق ذاك الاتصال المآرب والآمال المرجوة، تجانست مع ظهور تلك التيارات الثقافيـة والأدبية المتشعبة، والرؤى النقدية الحديثة، والأذواق المتباينة. وفي هذا الجوّ، خلق الرافعـي لنفسه نوافذ يتنفس من خلالها ليطرح مسألة ضرورة البحث عن أدب يتلاءم ورؤيتـه للكـون والحياة والإنسان.

ونجد الرافعي بعد ذلك يذهب في تحديد مفهوم الأدب بعد تصوره لواقع الأدب في أيامـه، ويقف عند حدّ بيان أنَّ الأدب العربي كان يعاني محنـة ليس فقـط : "في الأدب من لغته وأساليب لغته، ومعانيه وأغراض معانيه، بل حتى في القائمين عليه في مذاهبهم ومناحيهم وما يتفق من أسبابهم وجواذبهم" (3).

وهنا تمثّل لديه ضيق لغة الأدب في تعابيرها وألفاظها، إذْ كثيراً ما كان يجد الأديب معضلة في التعامل مع اللغة العربية حتى يكتمل لديه المعنى المراد في كتاباته وإنتاجه الفني. وكأن الرافعي في عرضه لهذا الموقف يقرّ بأن علّة ذلك، إنما ترجع إلى أنَّ لغة الأدب قد شاخت وعجزت عن التعبير، مما دفع الأدباء بالضرورة محاولة تركيز جهودهم على النظرة الحديثة لعلوم العربية، وبيان الغاية المرجوة منها. فجاءت محاولات الأدباء تنمّ عن رغبة في إعمال الطريقة القديمة لبعث اللغة العربية وانسجامها مع التعبير الفني الحديث، وكذا انتقاء جوهر الآداب الأجنبية الموائم للقيم العربية.

وفي هذا المنحى جاء قول طه حسين مؤكداً على أنَّ "الباحث في تاريخ الآداب لا يكفيه من درس اللغة حسب البحث عما في القاموس واللسان وما في المخصص والمحكم وما في التكملة والعباب، بل لا بد له مع ذلك من أن يدرس أصول اللغة العربية القديمة ومصادرها الأولى (...) وإذا اللغة العربية وحدها لا تكفي لمن أراد أنْ يكون أديباً أو مؤرخاً للآداب حقاً إذْ لا بد له من درس الآداب الحديثة في أوروبا ودرس مناهج البحث عند الفرنج" (4).

ومن هذا المنطلق، عكف الرافعي على الإصلاح اللغوي كمرحلة أساسية لوضوح الرؤية في التنظير للأدب، وذلك بعد أنْ شعر، كما يقول حلمي مرزوق، أنَّ "العُجْمَة قد غلبت على ذوق العصر وأنَّ العامية تفشت فيه، فأحرى به أنْ يحمل على الصحيح لا أنْ يُقاس الصحيح إلى خطئه" (5).

ومن هنا حدد المنهج الذي يسلكه، بدءً بالاهتمام بقضية اللفظ والمعنى أو بمنهجه البياني، حيث أدرك حقيقة أنَّ الألفاظ عناصر أساسية بدونها لا يُعْتَمد الأدب، فلا فضل للمعنى على الصياغة اللغوية وإنما تعوزهما أهمية متساوية لكل منهمـا. هذا ما يقره في قولـه: "إذا قيـل الأدب، فاعلـم أنه لابد معه من البيان، لأنَّ النفس تخلق فتصور فتحسّ الصورة، وإنما يكون تمام التركيب في معرضه وجمال صورته دقّة لمحاته" (6).

وبذلك، يرى الرافعي أنَّ صناعة الأدب لا تؤدي وظيفتها إلاَّ داخل سياق الألفاظ، وعلى الأديب الذي يستهدف الإبداع نظماً ونثراً، عليه طلبه بعد أن تستقر له ملكة البيان ويتخلص من العُجْمَة. ولا نرى الرافعي في هذا الطرح إلا أنه يقرر ما ذهب إليه قبله ابن جني في خصائصه حين قال: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا ترينَّ أنَّ العناية إذْ ذلك إنما هي الألفاظ، بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويـه بـها وتشريف منها" (7).

والرافعي بذلك يقرب من إمام البيان العربي، الجاحظ، قرباً بيِّناً، بل إنه ينقل رأي الجاحظ نفسه في تفسير سرّ خلود الأدب والشعر، حيث يذكر "أنَّ فضل الشعر بلفظه لا بمعنـاه، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة" (8). ومن هذا يتبين لنا أنَّ الرافعي كالجاحظ في العناية بالصياغـة، التي يعتبرها وسيلة انفراد النص وتميـزه عن غيره.

ولا يقف الأمر لدى الرافعي عند هذا الحدّ من مطالب البيان ومقاصد البلاغة، بل رغبته في اللغة واكتسابه لها اكتساباً فعلياًّ، تمثل له في وضعه لمنهج بياني واضح المعالم والـرؤى، تجلى في وقوفه على طرق الوضع التي تقلبت عليها اللغة العربية كالمجاز والارتجال والاشتقاق، باعتبارها مواداً جوهرية كاشفة عن كثير من أسرار تلك اللغة العجيبة.

ويمضي الرافعي، بعد ذلك، مؤكداً سرّ تلك اللغة وغناها، الذي يراه دائماً فيل ألفاظها وفي اتساع وجوه التصرف فيها، تأكيداً شاملاً، وذلك حين يعمق هذه النظرة باللجوء إلى الكشف عن الصلة التي يجب أن تنفصم بين الأديب المجدد واللغة وفق ما تؤديه شروط محددة بينهما كالحرية والنظام والنمو (9).

من أجل ذلك، نميل إلى القول بأن سبب خلود الرافعي في عصره وبعده يكمن فـي هذه الأمور على الخصوص، وهي ترجع إلى طبيعة منهجه البياني بزواياه اللغوية المنوعة التي كشفت لنا عن قدرته على تصريف العبارة وتنويع الأسلوب طبقاً لمقتضيات القول: "على أن العبرة هنا وهناك ليست في الوقوف على هذه القوانين أو أصول هذه المزية، وإنما هي في نفس الثقافة والمعرفة بهذه الأداة، والرافعي كان موفور الحظّ في هذه الجهة" (10).

وكان من الضروري أن يتتبع النقاد والمهتمين آراء الرافعي في تحديده لماهية الأدب وفي اختياره اللفظ كمحدد جوهري في العملية الإبداعية لدى الأديب. هذا جعل طه حسين يشيع الرافعي مستخفاً به وبنظرته حين يرى أنـه " يذهب في النثر مذهباً غريباً، إذْ يتكلف العنـاء والمشاق في الغوص على المعاني الغريبة ثم يتكلف بعد ذلك العناء والمشقة في أنْ يسبغ على هذه المعاني الغريبة ألفاظاً غريبة " (11).

هذه المآخذ في أسلوب الرافعي تسلم إلى إثبات أنَّ الرافعي كان يعمد إلى الغموض والالتواء قصداً، ويلجأ إليه عمداً. وقد أصبحت هذه السمة أكثر من غيرها شيوعاً في مجالات الأدب والفنّ، لأنّ "الشعراء المجيدين"، كما يقول عبد القادر القطّ، " كان يغريهم كثير من الأحيان من قبيل الحذلقة، استخدام كلمات وتعبيرات غامضة، أصابت شعرهم بالغموض والتكلف، لذا حاء غموض شعر أبي تمام من جانب تقليده للغة البدو تقليداً متعمـدا" (12).

والحق أن أمثال هذه الدعاوى تحتاج إلى كثير من الشواهد تفوق ما ساقه الدكتور من أدب الرافعي، مما رأى فيه جانباً من جوانب القصور. على أن تلك القلة من الأمثلة لا تنهض أن تكون دليلاً على قصور طبع الرافعي وكلال خاطره.

ونحن من جانبنا لا نرتاب في أن الرافعي كان يتعسف أحياناً في أساليبه تعسفاً واضحاً في غالبية مؤلفاته الشعرية كالسحاب الأحمر، وحديث القمر، ورسائل الأحزان، وأوراق الورد، وغيرها. ومنها نأخـذ قـولـه : "وفي تلك الساعة كانت الأرض قد عريت من أواخر الناس وطوارق الليل وبقية من يقظة النهار تحبو في الطريق ذاهبة إلى مضاجعها" (13). وقوله في مقام آخر واصفاً البحر: "فكأنما البحر سحاب عظيم قد حبسه الله في الأرض فهو أبداً ثائر يضج ويرعد ولا يبرح تنازع الأرض أنْ يفرّ منها" (14).

فإذا أنت تدبرت فيما تقدم، حكمت بعلوّ اللفظ و"غموضه " وبانعدام الفائدة في المعنى، إلا أنَّ الرافعي في كل ذلك لا يتصور للفظ موضعاً من غير أنْ يعـرف معنـاه وبعد أنْ يفرغ من معرفة المعاني وترتيبها في نفسه، يتبعها بالألفاظ الدالة عليها، وبدون ذلك لا يتأتى له أنْ يشتق لفظاً من لفظ، وذلك هو الأصل في الاشتقاق.

فعندما ينظر الرافعي، مثلاً، إلى ألوان الطبيعة من أرض وليل ونهار وبحر، إنما ينظر إلى جمالها الشكلي وتشكلها عبر الأيام والسنين، فأحسّ بتلك اللذّة جمالية التي كانت ترتديه، ولم ينظر إليها في وظيفتها التي تقوم بها. وهو بذلك يحيلنا على ذلك السر الذي لا يـراه إلا في أنَّ "الجمال حيث أصبته شيء واحد يكبر ولا يصغر، ولكن الحسّ به يكبر في أناس ويصغر في أناس، وها هنا يتأله الأدب، فهو خالق الجمال في الذهن، والممكن للأسباب المعينة على إدراكه وتبين صفاته ومعانيه" (15).

على أن هذه الخاصية لن تستطيع أن تضفي على نصوصه بعداً جمالياً بدون صياغة وأسلوب، وقد "ذهب النقد الأدبي إلى أبعد من ذلك حين رأى أنَّ في الإمكان الوصول إلى أقصى آفاق الجمال بتتبع جرس الألفاظ دون المعاني" (16)، كما أشار إلى ذلك أيضا محمد عبد المطلب حين استنتج بأنه لا يمكن تصور وجود أدب بدون أسلوب لدى أيّ باحث أو متذوق أو ناقد، فالصلة بينهما متينة وأكيدة (17).

ومن هذا كله، جاء تصور الرافعي للازدواجية الواجبـة في فـنّ الأدب بين الأسلـوب والقيم الجمالية، حين تمثل في قوله "بأن البيان صناعة الجمال في شيء وجماله هو من فائدته، وفائدته من جماله، فإذا خلا من هذه الصناعة التحق بغيره، عاد باباً من الاستعمال بعد أنْ كان باباً من التأثير" (18).

هذه هي نظرية الرافعي في جمالية النص الأدبي التي تقوم أساساً على الكشف عن أسرار جمال العبارة وما يبلغه الأدب من أهداف مثل التأثير في نفس المتلقي، وحصول ملكة الذوق التي تهيئ للأديب تقدير عمله الأدبي والوقوف عند أسرار الحسن فيه. ثم ينتقل من هذه الفكرة إلى فكرة أخرى أعمق وأدق من الأولى. وهي التي يجملها قوله:

"فالغرض الأول للأديب المبين أنْ يخلق للنفس دنيا المعاني الملائمة لتلك النزعة الثابتة فيها إلى المجهول وإلى مجاز الحقيقة (...) ولن يكون الأدب أدباً إلاَّ إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى، أو كان متصلاً بسرّ هذه الحياة فيكشف عنه أو يومئ إليه من قريب، أو غيَّر للنفس هذه الحياة تغييراً يجيء طباقاً لغرضها وأشواقها" (19).

وإنَّا لنجد في قول الرافعي هذا مدى اهتمامه بدنيا النفس التي يراها مصدر كل معرفة ومنبع القوة والإلهام والإبداع الأدبي في الأديب، بل يتعمق الرافعي أكثر حين يعين الشعور العميق المتأصل في نفس كل أديب هو المعين على تتبع أثر المبدع في مثيره طلباً للسمو والجمال الفني. ولذلك يبقى، كما يذهب إليه أحمد عامر، دائمـاً: "الأدب صورة النفس، أو ترجمان النفس، والشاعر أو الأديب هو الذي يعبر عن نفسه، فيجيد التعبير بلا تزويق ولا تنميق، إنه يترك نفسه على سجيتها تنبض بما في داخلها، مندفعة بطاقات التجارب المتعـددة" (20).

ومن أجل ذلك، ظلَّ الرافعي يفرز عالمه الرحب والأبقى على غرار عوالم الأدباء، زاهداً عن كل ما بالحياة ابتغاء التفرد والاستئثار بعلوّ المنزلة. وقد رست تلك الحقيقة لديه لما قادته شحناته النفسية والشعورية إلى أساس ذلك الفن المرجو الذي لم يره إلاَّ بعد "ثورة الخالد في الإنسان على الفاني فيه، وأنَّ تصوير هذه الثورة في أوهامها وحقائقها بمثل اختلاجاتها في الشعور والتأثير، هو معنى الأدب وأسلوبه" (21).

وبهذا المنحى، يؤمن كمال زكي "بأنَّ الأديب يعيش بإحساسه أكثر مما يعيش بعقله، أيْ أنه يفسر حياته تفسيراً قائمـاً علـى الوجـدان" (22). هذا ما يقودنا إلى القول بأنَّ معنى الأدب عند الرافعي، يتحدد في تلك العلاقة بين الأدب والنفس المبدعة التي توجد ذلك التوازن بين العقل والقلب لدى الأديب. وهنا تتمثل لنا النظرة الجديدة إلى الأدب عند الرافعي: إنها تلك الثورة الفنية الجديدة التي أضافهـا إلى رصيدنـا الأدبي، المجسدة في تلك الخواطر الأدبية ذات القيمة الفنية، والمنبعثة من أعماق نفسه الملهمة بعد أنْ اعتملت فيها انطباعاته القوية أثناء تجربته الشعرية التي مرَّ بها، فكان الأدب عنده على الإطلاق علم المشاعر والأحاسيس، وما القلب إلاَّ ضوء الحقيقة في مثيره الفني.

= = = = =

يتبع في العدد القادم، 99 (أيلول/سبتمبر 2014).

الإحالات

1= الرافعي، تحت راية القرآن، القاهرة، مطبعة الاستقامة، ط 4، 1376هـ/1956م - ص 130.

2= عبد العزيز المقالح، عمالقة عند مطلع القرن - بيروت، منشورات دار الآداب، ط 1، 1404هـ/1984م، ص 125.

3= الرافعي، وحي القلم، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ب.ت، ج3، ص 207.

4= طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1974 م، ص 11.

5= حلمي مرزوق، تطور النقد والتفكير الأدبي الحديث في الربع الأول من القرن العشرين، بيروت، دار النهضة العربية، 1982، ص370

6= الرافعي، وحي القلم، ج3، ص 211.

7= ابن جني، الخصائص، بيروت، دار الكتاب العربي، ط2، 1371ﻫ/1952م، ج1، ص 217.

8= عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، بيروت، دار المعارف، 1978 - ص 197.

9= الرافعي، تاريخ آداب العرب، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 2، 1394هـ/1974 م - ج 1، ص 216.

10= حليم مرزوق، تطور النقد و التفكير الأدبي، ص 372.

11= طه حسين، حديث الأربعاء، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1974 - ج3، ص 703.

12= عبد القادر القطّ، مفهوم الشعر عند العرب، القاهرة، دار المعارف، 1982م، ص 79.

13= الرافعي، السحاب الأحمر - بيروت، دار الكتاب العربي، ط 8، 1402هـ/1982م، ص 100.

14= الرافعي، أوراق الورد، مصر الطباعة السلفية، 1349هـ/1931 م - ص 253.

15= الرافعي، وحي القلم، ج3، ص 215.

16= أحمد كمال زكي، دراسات في النقد الأدبي، بيروت، دار الأندلس، ط 2، 1980، ص 19.

17= ينظر : محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984 - ص 267.

18= الرافعي، أوراق الورد، ص 212.

19= الرافعي، وحي اللقم، ج3، ص 212.

20= فتحي أحمد عامر، من قضايا التراث العربي : الشعر و الشاعر، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1405هـ/1985م، ص 95.

21= المصدر السابق، ص 213.

22= أحمد كمال زكي، دراسات في النقد الأدبي، ص 18.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-22-2017 - 10:01 AM ]


ما الأدب ووظيفته؟ وكيف يمكنه أن يحقق الوظيفة التي حملها على عاتقه؟

فالأدب فن من الفنون الجميلة يعكس مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية. وسيلته في التعبير عن تلك القيم الكلمة المعبرة الموحية، هذا التعريف البسيط يلتقي بتعريف آخر.. " إنه تعبير فني عن موقف إنساني أو تجربة إنسانية ينقلها الأديب ويبغي من ورائها المتعة والفائدة ".

فالتعريف يؤكد على دور الكلمة وأثرها في التعبير ومكانتها لما فيها من سحر وقوة مؤثّرة في نفس المتلقي وهذه الكلمة وراءها مبدع مرهف الحس ورقيق الطبع شديد الحساسيّة يستشفّ بريشته الفنية وبوسيلته الخاصة..

فللكلمة دور في بناء المجتمعات وأكثر ما يظهر في المواقف العصيبة والأزمات وصانع هذه الكلمة أديب ملك عقلا واعيا متسلّحا بالوعي والإيمان بالهدف..

ولكن نسأل أنفسنا عن طبيعة العلاقة بين الأديب ومجتمعه، فهل العلاقة طبيعية وعادية كغيره من أفراد المجتمع؟ وهل علاقته علاقة توجيهية بنّاءة؟

في يقيني إنها علاقة توجيهية قياديّة نظرا لما يملكه من صفات وإمكانات تؤهِّله على تحمُّل المسؤولية ولذلك يطلب منه أن يكون أكثر التحاما بقضايا مجتمعه وهو الذي يملك وسيلة مؤثرة، فكل شيء يمكن أن يزول إلا أثر الكلمة ولا يتغيّر شيء إلا عن طريق الكلمة؟ ألم يقل التوراة " في البدء كانت الكلمة "؟

فالأديب يملك القدرة على ربط الماضي بالحاضر وكشفه وترسيخه لقيم الخير وهذه أمور أساسية في الأدب ومن أهدافه. فالأديب له عين تكشف الغطاء عن روح الأمة، ويد تربط بين أجزاء شخصيتها ومراحل تطورها، وله قدم تسعى إلى مستقبل أرحب. وهذا لا يتحقق إلا بتوفُّر أدباء ناضجين مسؤولين واعين لقضايا أمتهم ومؤمنين بمعالجتها، فالأديب له رسالة، وهذه الرسالة تتطلب منه زادا ثقافيا وفكريا يغني تجربته ويعمق رؤيته للمجتمع والإنسان ولا نفهم علاقة الأديب بمجتمعه أنها انخراط بمشاكل المجتمع، بل نفهمها إحساسا صادقا مفعما بالحب والغيرة والرغبة في تطوّر مجتمعه، فعلاقة الأديب بمجتمعه علاقة تفاعليّة يتأثر بالمجتمع وأحداثه ويتأثر بالوسط الاجتماعي ويتفاعل معه مما يزيد انتماءه وإحساسه.

ويأتي إلينا سؤال: ما هي وظيفة الأدب؟ وما هو دوره في حركة المجتمعات؟ فأرى أنّ الأدب انعكاس لرؤية الأدباء وتصوّراتهم المستقبلية، فإليكم ما قاله القاص المبدع يوسف إدريس عن علاقته بالمجتمع.

" أما نحن فإننا ندعو من أجل تدعيم هذا الأدب وتركيزِه وتوضيح اتجاهاته إلى سلوك سبيل الالتزام. سمّوه ما شئتم، ذلك هو الأدب الحيّ الذي ينبع من المجتمع ويصب فيه فيكون صورة حية له، وذلك هو الأديب الذي يصهر عواطفه جميعَها في بوتقة الناس وحاجاتهم، فينفذ إلى أغوار مشكلاتهم فيصدق في الإحساس وفي التعبير عنها والمشاركة في إيجاد حلول لها ".

فالأدب الصادق أدب ليس معزولا عن المجتمع، فعلى الأدباء أن يعيشوا تجربة عصرهم، ويعكسوها في أعمالهم متوخّين ترسيخَ الجديد ونفي الفاسد. وللأديب وظيفةٌ اجتماعية نحو قضايا مجتمعه دون أن تخرجه عن إطار ومقومات العمل الفنية لأن ما يقوله ليس عاديا. ولو كان عاديا لما تميّز الأديب عن باقي أفراد الشعب ولا يمكن للأدب أن يؤدي وظيفته بعيدا عن مقومات الإبداع الفنية من خيال ورؤية وأسلوب مناسب وتصور لما يعبر عنه، ويرسمه بحريته بعيدا عن الإلزام. فهو مسؤول أمام التاريخ عن كل كلمة عبّر عنها.

ويخطر على بالي سؤال يلحُّ عليّ كثيرا: الأدب موجِّهٌ أم قائد؟ وهل للأدب وظيفة سياسية مباشرة؟ إلى ما هنالك من تساؤلات؟ وأجيب عن هذه الأسئلة بما تمليه قناعتي معتمدا على بعض التصريحات التي أدلى بها الأدباء في مقابلاتهم، فقد سُئل توفيق الحكيم لماذا تكتب؟ فكان جوابه: " لأن الفنّان لا بد ّأن يكون له وجهة نظر في الحياة وفي الناس وفي الأفكار. الفنان ليس مجّرد متفرّج. إنه متفرج وصانع لمجتمعه في وقت واحد ".

وهناك قول يقول: " النفس بحاجة إلى رخاء في غذائها الفكري والعاطفي كحاجة الجسم إلى شيء من النعيم في حياته المادية، والأدباء والفنانون يجلبون هذه الحقيقة، ويقدّمون هذه الوجبة الغنية للمجتمع "

ونحن نقول: يقدِّمونها وجبة أوّلية، ويرشدون إليها، ويلفتون الأنظار نحوها موضّحين أهميتها دون أن يلقِّنوها بالفم.

فوظيفة الأدب محصّلة لوعي الأديب وإيمانِه بدور الكلمة. فالأدباء رسُل المجتمع، وهداة البشر بما يملكون من قدرات ومواهب، فالأدب ليس حزبا سياسيا أو قيادة عسكرية أو حلفا. بل مؤشّرا لزرع قيم نتوخّاها، ونسعى لتحقيقها. فدوره دور تهذيبي تكوينيّ تحريضيّ، فرسالة الكاتب الكشفُ للناس عن الحقيقة، وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الألماني (نيتشه):

" فمن لم يكن يحيا لكشف الحقيقة كاملة فليستمعْ ما طاب له من نعيم الدنيا لن يكون ذلك كاتبا وإنما هو أفّاك مزِّور لا قدْرَ له ولا مقام له ".

إن هذا الإدلاء الصريح يُبيّن وظيفة الأديب ودورَه، وهذا لا يأتي إلا بتحرّر الأديب. فالحقيقة وكشفُها وتعريتها تحتاج لتحرّر الأديب سوى من فكرِه وقناعاتِه ولا نفهم حياديَّة الأديب إنّها تخلٍّ عن رسالته ومجتمعه. فالأدب ألصق الفنون بالحياة الإنسانية وأقدرُها على الإبداع والإمتاع، وأحبّها إلى الأذواق وأشهرُها شيوعا بين الناس، وهذا ما يحدّد مسؤولية الأديب أمام هذه الثقة الممنوحة له من فئات المجتمع المختلفة. فلا أدب من دون هدف ورسالة، يصبو إليها الأديب فالأديب الحرُّ مسؤول أمام ضميره عمّا يكتب ويقدِّم من إبداع.

ومن الأسئلة التي تتردّد في المجالس الأدبية: ما دور الأدباء أمام الأدباء الشباب الذين ينطلقون بعفويّة وحرارة، ويبحثون عن مكان لهم؟ فالأدباء الشباب لا تختلفُ الآراء حول أهميتهم ودورهم الأساسي لحمل عبء من سبقهم ومتابعة الدرب برؤية واقعية تفاؤلية متسلّحة بالحفاظ على القيم والمثل، متمسكين بتراثهم دون تناسي معاصرتِهم ومتطلباتهم. فعليهم أن يجدّدوا ما شاء لهم التجديد، ولكن داخل إطار الإتقان والقواعد والتجويد والمعقولية وحسن النية بالدرجة الأولى. بعيدين عن الاستخفاف والابتذال والاستهتار، وهذه الأمور لا تتحّق إلا بتعميق الصلة والعلاقة بين الأجيال وزرع الاحترام المتبادل، فعلى الأدباء أن يفتحوا صدرَهم لتجارب الشباب، ويناقشوها، وعلى دور النشر أن تأخذ بأيديه، تساعدهم على النشر، وتوجِّهُهم وتبحث عن وجودهم. وهذه مسؤولية ضرورية لئلا تكون هناك قطيعة ٌ، وعندها الطامة الكبرى.

فالأدباء الشباب لهم حقوق وعليهم واجبات، ويجب أن نتوجه إليهم لنحافظ عليهم، فالمحافظة عليهم تمسّك بوحدتنا وأصالتنا.

فواجبنا – معشر الأدباء – أن نرسّخ فيهم إيمانَهم بعروبتهم ومثلِهم، ونمكّنهم من الوقوف بثقة وثبات، وهذا لا يأتي بالخطابات والكلمات الجوفاء، بل بالإيحاء وتنمية الحسّ بالمسؤولية. فهم بحاجة لمن يأخذ بأيديهم قبل أن تستهلكهم الأفكارُ الدخيلة والأغاني السخيفة والأزياء المتدفقة من المفاهيم، فإني على ثقة بأن بذرة الخير والعمل مغروسةٌ في أعماقهم، لكنها محتاجة لمن يمدّها بالماء والعطاء، لكي ينعشها ويخرجها من الأزمات والمواقف العصيبة.

وأترك سؤالا مطروحا أمام أدبائنا: ماذا قدّمتم لشبابنا وأطفالنا في المرحلة الراهنة؟ وما قُدِّم لهم هل يكفي ويغني؟


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (23): من كتاب وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 04-30-2017 09:37 PM
سطور في كتاب (20): من كتاب تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 04-26-2017 01:26 PM
قصيدة في اللغة العربية لمصطفى صادق الرافعي رحمه الله شمس الاصيل واحة الأدب 3 11-01-2014 05:45 PM


الساعة الآن 09:49 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by