الاستـشـراق
وقبل الخوض في شبهات المستشرقين في بعض الأحكام الربانية التي هي بمثابة المنهجية الفطرية التي فطر الله الناس عليها ، وجبلهم على الانسجام والتناغم الفطري معها لا بد لنا من التعرف على ماهية الاستشراق وما هي أهدافه التي يرمي إليها .
التـعريف :
الاستشراق تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق ، ويطلق على كل ما يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم , ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي ، والتي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته, ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن الشرق عامة وعن العالم الإسلامي بصورة خاصة ، معبراً عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما.
البدايات :
من الصعب تحديد بداية للاستشراق إذ يعود به بعض المؤرخين إلى أيام الدولة الإسلامية في الأندلس ، في حين يعود به آخرون إلى أيام الصليبيين ، بينما يرجعه كثيرون إلى أيام الدولة الأموية في القرن الثاني الهجري, وأنه نشط في الشام بواسطة الراهب يوحنا الدمشقي في كتابين الأول : حياة محمد . والثاني : حوار بين مسيحي ومسلم. وكان هدفه إرشاد النصارى في جدل المسلمين . وأياً كان الأمر فإن حركة الاستشراق قد انطلقت بباعث ديني يستهدف خدمة الاستعمار وتسهيل عمله ونشر المسيحية ، والتشويه للإسلام .
وقام المستشرقون بدراسات متعددة عن الإسلام واللغة العربية والمجتمعات المسلمة. ووظفوا خلفياتهم الثقافية وتدريبهم البحثي لدراسة الحضارة الإسلامية والتعرف على خباياها لتحقيق أغراض الغرب الاستعمارية والتنصيرية.
وقد اهتم عدد من المستشرقين اهتماما حقيقيا بالحضارة الإسلامية وحاول أن يتعامل معها بموضوعية . وقد نجح عدد قليل منهم في هذا المجال . ولكن حتى هؤلاء الذين حاولوا أن ينصفوا الإسلام وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يستطيعوا أن ينفكوا من تأثير ثقافاتهم وعقائدهم فصدر منهم ما لا يقبله المسلم . وهذا يعني أن أي تصنيف للمستشرقين إلى منصفين ومتعصبين هو أمر تختلف حوله الآراء . فقد يصدر ممن عرف عنه الاعتدال قولاً أو رأياً مرفوضاً ، وقد يحصل العكس فتكون بعض آراء المتعصبين إنصافاً جميلاً للإسلام .
أهـداف الاستشراق :
وللاستشراق عموماً أهداف متنوعة يجنيها من وراء ما يقوم به أو يطمح في الحصول عليها سواء حال قيامه بالدارسة أو بعدها ولو بزمن بعيد . وإليك أهم هذه الأهداف :
أولاً : الهدف الديني :
كان هذا الهدف وراء نشأة الاستشراق ، وقد صاحبه خلال مراحله الطويلة ، وهو يتمثل في:
1ـ التشكيك في صحة القرآن والطعن فيه ، حتى ينصرف المسلمون عن مصدر العز والقوة بين أهل الأديان الأخرى .
2ـ التشكيك في صحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، والزعم بأن الحديث النبوي إنما هو من عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى ، والهدف الخبيث من وراء ذلك هو محاربة السنة بهدف إسقاطها حتى يفقد المسلمون الصورة التطبيقية الحقيقية لأحكام الإسلام ولحياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته ، والمصدر الثاني للتشريع .
3ـ التقليل من قيمة الفقه الإسلامي واعتباره مستمداً من الفقه الروماني .
4ـ النيل من اللغة العربية واستبعاد قدرتها على مسايرة ركب التطور وتكريس دراسة اللهجات لتحل محل العربية الفصحى .
5ـ إرجاع الإسلام إلى مصادر يهودية ونصرانية بدلاً من إرجاع التشابه بين الإسلام وهاتين الديانتين إلى وحدة المصدر ، وذلك في بعض الأمور التي هي محل اتفاق بين الأديان .
6ـ العمل على تنصير المسلمين .
7ـ الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والأخبار الموضوعة في سبيل تدعيم آرائهم وبناء نظرياتهم .
8ـ لقد كان الهدف الاستراتيجي الديني من حملة التشويه ضد الإسلام هو حماية أوروبا من قبول الإسلام بعد أن عجزت عن القضاء عليه من خلال الحروب الصليبية.
ثانياً : الهدف التـجاري :
لقد كانت المؤسسات والشركات الكبرى ، والملوك كذلك ، يدفعون المال الوفير للباحثين؛ من أجل معرفة البلاد الإسلامية وكتابة تقارير عنها .
ثالثاُ : الهدف السياسـي : وذلك من خلال :
1ـ إضعاف روح الإخاء بين المسلمين والعمل على فرقتهم لإحكام السيطرة عليهم .
2ـ العناية باللهجات العامية ودراسة العادات السائدة لتمزيق وحدة المجتمعات المسلمة.
3ـ كانوا يوجهون موظفيهم في هذه المستعمرات إلى تعلم لغات تلك البلاد ودراسة آدابها ودينها ليعرفوا كيف يسوسونها ويحكمونها .
4ـ من خلال العمل مع أجهزة الاستخبارات لسبر غور حالة المسلمين وتقديم النصائح لما ينبغي أن يفعلوه لمقاومة حركات البعث الإسلامي .
رابعاُ : الهدف العلـمي الخالص :
بعضهم اتجه إلى البحث والتمحيص لمعرفة الحقيقة ، وقد وصل بعض هؤلاء إلى قناعة بالإسلام ودخل فيه ، نذكر منهم :
1ـ توماس أرنولد الذي أنصف المسلمين في كتابه الدعوة إلى الإسلام .
2ـ المستشرق الفرنسي رينيه فقد أسلم وعاش في الجزائر وله كتاب أشعة خاصة بنور الإسلام مات في فرنسا .
الجذور الفكرية والعقائدية
كان الدافع الأساسي هو الجانب اللاهوتي النصراني بغية تحطيم الإسلام من داخله بالدس والكيد والتشويه ، واستطاع المستشرقون أن يتسللوا إلى المجامع العلمية وقد عين عدد كبير منهم أعضاء في هذه المجامع في سوريا ومصر ، كما استطاعوا أن يؤثروا على الدراسات العربية والإسلامية في العالم الإسلامي من خلال وضع المناهج الدراسية سواء في مراحل التعليم الأولية أو المتقدمة ، وكذلك كانت لهم بصمات في وضع الدساتير لبعض الدول عند الاستقلال من الاستعمار .
والخلاصة التي نخرج بها هي : أن الاستشراق تيار فكري يتجه صوب الشرق ، لدراسة حضارته وأديانه وثقافته ولغته وآدابه ، من خلال أفكار اتسم معظمها بالتعصب ، والرغبة في خدمة الاستعمار ، وتنصير المسلمين ، وجعلهم مسخاً مشوها للثقافة الغربية ، وذلك ببث الدونية فيهم ، وبيان أن دينهم مزيج من اليهودية والنصرانية ، وشريعتهم هي القوانين الرومانية مكتوبة بأحرف عربية ، والنيل من لغتهم ، وتشويه عقيدتهم وقيمهم ، ولكن بعضهم رأى نور الحقيقة فأسلم وخدم العقيدة الإسلامية ، وأثر في محدثيهم ، فبدأت كتاباتهم تجنح نحو العلمية ، وتنحو نهو العمق بدلا من السطحية ، وربما صدر ذلك عن رغبة من بعضهم في استقطاب القوى الإسلامية وتوظيفها لخدمة أهدافهم الاستشراقية ، وهذا يقتضي الحذر عند التعامل مع الفكر الاستشراقي .
بعض شبه المستشرقين
الشبهة الأولى : مراجعة ابن عباس لأهل الكتاب بمعنى أن ابن عباس كان يرجع إلى بعض أهل الكتاب ليأخذ منهم تفسير لبعض المعاني القرآنية بحسب ما ورد لها من معان في الكتب السابقة .
وأما المستشرقون فقد ذهبوا في ذلك مذاهب بعيدة، بالغوا فيها إلى حدٍ ترفضه شريعة النقد والتمحيص. يقول المستشرق إجنتس جولد تسهير: وترى الرواية الإسلامية أن ابن عباس تلقى بنفسه ـ في اتصاله الوثيق بالرسول ـ وجوه التفسير التي يوثق بها وحدها. وقد أغفلت هذه الرواية بسهولة ـ كما في أحوال أخرى مشابهة ـ أن ابن عباس عند وفاة الرسول كان أقصى ما بلغ من السن ( 13سنة).
وكثيراً ما ذُكر أنه كان يرجع ـ كتابةً ـ في تفسير معاني الألفاظ إلى مَن يُدعى (أبا الجلد) والظاهر أنه (غيلان بن فروة الأزدي) الذي كان يُثنى عليه بأنه قرأ الكتب, هذه هي عبارة (جولد تسيهر) البادي عليها غلوه المفرط بشأن مُسلمة اليهود الأمر الذي لا يكاد يصدق في أجواء كانت الملكة العلمية للصحابة تفوق كل تصور .
الرد على الشبهة : والجواب علي هذه الشبهة أنه :
كانت مراجعة ابن عباس رضي الله عنه لأهل الكتاب في دائرة ضيقة النطاق، في أمور لم يتعرض لها القرآن، ولا جاءت في بيان النبي ، حيث لم تَعُد حاجة ملحة إلى معرفتها، ولا فائدة كبيرة في العلم بها كعدد أصحاب الكهف، والبعض الذي ضرب به موسى من البقرة، ومقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، واسم الغلام الذي قتله الخضر، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، ونحو ذلك مما لا طريق إلى معرفة الصحيح منه. فهذا يجوز أخذه من أهل الكتاب، والتحدث عنهم ولا حرج، كما ورد : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"(1) .
قال ابن تيمية: وفي بعض الأحيان يُنقل عنهم (عن بعض الصحابة مثل ابن مسعود وابن عباس وكثير من التابعين) ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله حيث قال: " بلغوا عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، و هذه الأحاديث الإسرائيلية إنما تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها من الأمور المسكوت عنها، ولم نعلم صدقها ولا كذبها مما بأيدينا، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، وقد أبهمه الله في القرآن، ووافقه على هذا الرأي الأستاذ الذهبي، قال: كان ابن عباس يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل، في كثير من المواضع التي أُجملت في القرآن وفُصلت في كتب العهدين. ولكن في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد له. أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن ولا يتفق مع الشريعة، فكان لا يقبله ولا يأخذ به.
قال: فابن عباس وغيره من الصحابة، كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام فيما لا يمس العقيدة أو يتصل بأصول الدين وفروعه، كبعض القصص والأخبار الماضية.
قال: وبهذا المسلك يكون الصحابة قد جمعوا بين قوله صلى الله عليه وسلم: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وقوله أيضاً: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"(2). فإن الأول محمول على ما وقع فيهم من الحوادث والأخبار، لما فيها من العظة والاعتبار، بدليل قوله بعد ذلك: ((فإن فيهم أعاجيب)). والثاني محمول على ما إذا كان المخبر به من قبلهم كان المخبر به من قبلهم محتملاً، ولم يقم دليل على صدقه ولا على كذبه. قال: كما أفاده ابن حجر، ونبه عليه الشافعي.
إن ابن عباس كان يستطرق أبواب العلماء من الصحابة بغية العثور على أطراف العلم الموروث من الرسول الأكرم ، وقد سئل: أنى أدركت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول وقلب عقول.
وإليك من تصريحات ابن عباس نفسه، يحذر مراجعة أهل الكتاب بالذات، فكيف يا ترى، ينهى عن شيء ثم يرتكبه؟!
أخرج البخاري بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، قال:"يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أُنزل على نبيه أحدث الأخبار بالله تقرأونه لم يشب (أي لم يخلطه شيء من غير القرآن)، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم"(3).
وأخرج عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إليكم".
وأخرج عبد الرزاق من طريق حريث بن ظهير، قال: قال عبد الله بن عباس: " لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل"(4).
وهذا الحديث وضح من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في عدم تصديقهم ولا تكذيبهم، لأنهم كانوا يخلطون الحق بالباطل، فلا يمكن تصديقهم، لأنه ربما كان تصديقاً لباطل، ولا تكذيبهم، لأنه ربما كان تكذيباً لحق، فالمعنى: أن لا يُعتبر من كلامهم شيء ولا يترتب على ما يقولونه شيء. فلا حجية لكلامهم ولا اعتبار لأقوالهم على الإطلاق، إذن فلا ينبغي مراجعتهم ولا الأخذ عنهم في وجه من الوجوه.
والصحيح: أن ابن عباس كان في غنى عن مراجعة أهل الكتاب، وعنده الرصيد الأوفى بالعلوم والمعارف والتاريخ واللغة .
هذه حقيقة موقف ابن عباس من اليهود كما ترى، وهو إذ كان يدعو إلى تجنب الرجوع إلى أهل الكتاب، لما يدخل بسبب ذلك من فساد على العقول وتشويه على العامة، فكيف يرجع إليهم رغم نهيه وتحذيره! وهل لم يطرق سمعه، وهو الحافظ لكلام الله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾[ الصف:2-3] , فحاشا ابن عباس أن يُراجع أهل الكتاب، وحاشاه حاشاه!!
الشبهة الثانية : التدوين وأثره في صحة الحديث :
هذه دعوى اخترعها بعض غلاة المستشرقين من قديم ، وأقام بناءها على وهم فاسد.
يقول هذا الزعم : إن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب ،ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث ، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث ، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم : سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن لما ظهرت الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على حق .
وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جداً ، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح أو هذا الحديث موضوع .
تفـنيد الشبهة :
يعلم الجميع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتمتعون بحوافظ قوية ، وقلوب واعية ، وذكاء مفرط ، مما أعانهم على حفظ السنة وتبليغها كما سمعوها ، مستجيبين في ذلك لحث نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لهم بقوله : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"(5), فتم ما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - من حفظ السنة وتبليغها ، ويكون بذلك - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ دين الله عز وجل كاملاً ولم ينقص منه شيئاً .
1- إن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وشمل قسماً كبيراً من الحديث ، بالأدلة القاطعة ، وننبه هنا إلى ما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جداً تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة ، حتى لقد يقع في ظن الباحث أن الحديث قد دُوِّن جميعُه منذ عهده المبكر .
2- إن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة كثيراً في كتابة الحديث ، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير ، بل إنه قد تم في أوائل القرن الثاني ، بين سنة 120 ـ 130 هـ . بدليل الواقع الذي يحدثنا عن ذلك ، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية ، مثل جامع معمر بن راشد (154) وجامع سفيان الثوري (161) وهشام بن حسان (148) وابن جريج (150) وغيرها كثير .
وقد وجد العلماء بعض هذه الجوامع ، ويجري الآن تحقيق جامع معمر بن راشد في الهند ، ليكون إخراجه شاهد حق ودليل صدق على ما بيناه في هذه المسألة .
3- إن علماء الحديث وضعوا شروطاً لقبول الحديث تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط ، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله صلى الله عليه وسلم . من شروط الراوي التي توفر فيه غاية الصدق لما اجتمع فيه من الدوافع الدينية والاجتماعية والنفسية ، مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية ، كما أنها توفر فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معاً مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه ، وكما أوضحه العلماء من شروط الصحيح والحسن التي تكفل ثقة الرواة ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية . ثم بما بينوه من دقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد دليل على صحته ، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضادٍّ له .