معنى الحرف في اللغة العربية
الشيخ مسعد أحمد الشايب
• معاني الحرف [1]:
لو تأمَّلْنا في كتاب الله عز وجل، ولسان العرب (معاجم اللغة العربية) لوجدنا أن لمادة (ح ر ف) عدة محامل كالآتي:
1
) اللهجة اللغوية، ومنه قولنا: هذا حرف بني فلان؛ أي: لهجتهم.
2) جانب الشيء أو حده أو شفيره أو طرفه، ومنه قولنا: حرف الجبل، وحرف السيف، وحرف السفينة.
3) الشرط أو الشيء المرجو المتوقع، ومنه قول الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ [الحج: 11]، وقيل: المراد بالحرف في الآية: الشك، أو: على غير طمأنينة، وقيل: الوجه الواحد وهو السرَّاء، والطاعة والعبادة تجب لله على كل حال في السرَّاء والضرَّاء.
4) الناقة الضامرة (المهزولة) من شدة السير والمضي، وتلك علامة لنجابتها، تشبيهًا بحرف السيف، أو بحرف الهلال.
5) الناقة الصُّلبة الشديدة، تشبيهًا بحرف الجبل.
6) إحدى القراءات المتواترة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن القُرْآن أنزل على سبعة أحرفٍ، فاقرؤوا منه ما تيسر))[2].
7) معنى من المعاني، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم.
8) الانحراف عن الشيء، ومنه قولنا: فلان على حرف من هذا الأمر؛ أي: على انحراف عنه.
9) أحد حروف الهجاء الثمانية والعشرين المعروفة أو غيرها مطلقًا.
تلك معاني مادة (ح رف) في اللغة العربية لمن تأمل في معاجمها، والمعاني كثيرة، بعضها أتى عن طريق المجاز كما تقدم كوصف الناقة به، وبعضها عن طريق الاشتقاق، كالتحريف والتغيير للشيء عن وجهه، والمعنى الأخير هو المراد في دراستنا هذه.
• أقسام الحرف:
مِن المعنى الأخير لمعاني الحرف في اللغة ندرك أن الحرف ينقسم إلى قسمين:
1- حروف الهجاء (حروف المباني)[3]: الثمانية والعشرون حرفًا، وهي: "ء (الهمزة)[4]، ب، ت، ث، ج..."، وكل واحد منها رمز مجرد، لا يدل إلا على نفسه، ما دام مستقلًّا لا يتصل بحرف آخر.
فإذا اتصل بحرف أو أكثر، نشأ من هذا الاتصال ما يسمى: (الكلمة)، فاتصال الياء بالدال مثلًا يوجد كلمة: (يد)، واتصال الواو بالجيم فالهاء يوجد كلمة: (وجه)، واتصال الميم بالنون فالزاي فاللام يوجد كلمة: (منزل)... وهكذا تنشأ الكلمات الثنائية، والثلاثية، والرباعية، وغيرها[5]من انضمام بعض حروف الهجاء إلى بعض؛ فحروف الهجاء من بنية الكلمة بخلاف حروف المعاني فهي كلمات بذاتها.
وكلُّ كلمة من هذه الكلمات التي نشأت بالطريقة السالفة تدل على معنى، لكنه معنى جزئي (مفرد)؛ فكلمة (يد) حين نسمعها لا نفهم منها أكثر من أنها اسم للجارحة المعروفة، أما حصول أمر من ذلك، أو عدم حصوله، أو وصفها ببناء أو إعراب، أو دلالتها على زمان أو مكان، أو معنى آخر - فلا نفهمه من كلمة (يد) وحدها.
وكذلك الشأن في كلمة (وجه)، و(منزل) وغيرهما من باقي الكلمات المفردة، ولكن الأمر يتغير حين نسند لتلك الكلمة كلمة أخرى، سواء أكانت اسمًا أم حرفًا.
قلت: هنا يثار سؤال هام، وهو: هل يدخل النظم في حروف المباني؟ وهل يترتب على ذلك أي أثر؟
قلت: نعم، النظم يدخل في حروف المباني، وهذا هو الذي يبدو من كلام علماء التفسير وعلوم القُرْآن؛ فالقُرْآن معجز أيضًا بنغم ألفاظه، وأصوات الحروف المكونة لمفرداته، وصفاتها من حيث الرخاوة والشدة، والهمس والجهر... وما اشتملته تلك المفردات من المعاني المتسقة مع تلك الأصوات والنغمات؛ فكل حرف من حروف الكلمة القُرْآنية على نظام وترتيب بديع يعجِز عنه الخلق في الإتيان بمثله، فلو أخذنا كلمة من القُرْآن وحاولنا أن نأتي بمثلها من حيث نظم حروفها ما استطعنا، ولا استطاع أحد إلى ذلك سبيلًا.
وقد تقدم في المطلب الأول من المبحث الرابع من الفصل الأول الحديث عن (الملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصوت المعبر عنه) عند الكلام عن الخاصية الخامسة من الخصائص العامة للنظم القُرْآني، وتقدم أيضًا في المطلب الثاني من المبحث الرابع من الفصل الأول الحديث عن (التأليف الصوتي البديع للنظم القُرْآني) عند الكلام عن الخاصية الثالثة من الخصائص المتعلقة بلفظ النظم القُرْآني، ونقلت هناك كلام الأئمة والعلماء بما يغني عن إعادته هنا، ولكن أزيد هنا كلام دراز حيث يقول: (دعِ القارئ المجود يقرأ القُرْآن يرتله حق ترتيله، نازلًا بنفسه على هوى القُرْآن، وليس نازلًا بالقُرْآن على هوى نفسه، ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاته وسكناته، ومداته وغناته، واتصالاته وسكتاته، ثم ألقِ سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية، وقد جردت تجريدًا وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جُرِّد هذا التجريد، وجُوِّد هذا التجويد.
ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقا والشعر... بينما أنت من القُرْآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد، هذا الجمال التوقيعي في لغة القُرْآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القُرْآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب... إن أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القُرْآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس به آنًا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى"[6]؛ اهـ.
ويقول الزرقاني تحت عنوان (خصائص أسلوب القُرْآن): "الخاصة الأولى: مسحة القُرْآن اللفظية، فإنها مسحة خلابة عجيبة تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي، ونريد بنظام القُرْآن الصوتي اتساق القُرْآن وائتلافه في حركاته وسكناته ومداته وغناته واتصالاته وسكتاته اتساقًا عجيبًا وائتلافًا رائعًا يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور"[7]؛ اهـ.
قلت: هذا أثر من آثار نظم حروف المباني في القُرْآن الكريم، أضف إلى ذلك نظم الحروف المقطعة في القُرْآن، وكونها خاصية من الخصائص اللفظية للقُرْآن كما تقدم.
2- حروف المعاني: تسمى بحروف جرٍّ؛ لأنها توصل للأفعال عمل الجر (الخفض) فيما بعدها من الأسماء، وبعضها ملازم للجر، وبعضها غير ملازم له، وتسمى حروف صفات؛ لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات، وتسمى أيضًا حروف تقوية؛ لأنها توصل الفعل الضعيف إلى معموله، وتسمى أيضًا عناصر ارتباط؛ لِما سنرى من عملها إن شاء الله، وتسمى أيضًا حروف إضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها[8]، وهذا تعريفها؛ فهي من أكبر المقصود في دراستنا هذه.
• حروف المعاني في اصطلاح النَّحْويين:
عرف النَّحْويون حروف المعاني بتعريفات كثيرة متعددة، وكلها متقاربة، أختار منها الآتي:
عرفها سيبويه فقال: وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل[9]؛ اهـ.
وعرفها ابن السراج فقال: الحروف ما لا يجوز أن يخبر عنها، ولا يجوز أن تكون خبرًا، ولا يأتلف منه مع الحرف كلام[10]؛ اهـ.
وعرفها الزمخشري فقال: والحرف ما دل على معنى في غيره، ومن ثم لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه، إلا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل واقتصر على الحرف، فجرى مجرى النائب، نحو قولهم: نعم وبلى وإي[11]؛ اهـ.
وعرفها المرادي فقال: الحرف كلمة تدل على معنى في غيرها فقط[12]؛ اهـ.
وأدق تعريف لحروف المعاني من تعريفات النحاة هو تعريف الرضي الأستراباذى[13]، حيث قال: الحرف موجد لمعناه في لفظ غيره، فهو كلمة فارغة من المضمون، ثم قال: فالحرف وحده لا معنى له أصلًا؛ إذ هو كالعلَم المنصوب بجنب شيء ليدل على أن في ذلك الشيء فائدة، فإذا أفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالٍّ على معنى[14]؛ اهـ.
الخلاصة: أن حروف المعاني ألفاظ (كلمات) تدل على معنى في غيرها، تربط بين أطراف الجملة.