بلاغة القرآن وفقه الدعوة
د. أحمد درويش
قال تعالى : ﴿وَالَّذينَ يُمَسِّكونَ بِالكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ المُصلِحينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]
في الآية خمسة أسئلة :
الأول : ما حكمة التعبير بالمضارع ( يمسكون ) ؟
الثاني : ما حكمة التعبير بالماضي ( أقاموا) ؟
الثالث : لم جاء بالاسم الصريح ( أجر المصلحين ) لا بالضمير ( أجرهم ) ؟
الرابع : لم وردت الآية في سياق الحديث عن بني إسرائيل ؟ ...
الخامس : لم قال ( المصلحين ) لا ( الصالحين) ؟
أما المضارع ( يمسكون) الدال على التجدد والاستمرار فكأنه يقول للداعية : سوف تتجدد أحداث وأحداث جسام ، فلا تتخذ إلا الكتاب طريقا ففيه الهداية والأمان من كل عواصف الضعف والخنوع والتبعية ، فهو ( كتاب) واحد منهجه واحد لا كتب شتى فعض عليه بالنواجذ ولا تتبع السبل فتفرق بكم عن سبيله ...
ثم يأتي الفعل الماضي ( أقاموا) الدال على الثبات والتحقق ، وكأن صفة المصلحين هي المحافظة على ما حافظ الله عليه ( حافظوا على الصلوات) فإذا تمت محافظتك على الصلاة فالله حافظك ...
ثم يتأتى السؤال الثالث : ( أجر المصلحين ) لا ( أجرهم ) ...إيماءة إلى أن الأجر يعم كل مصلح في كل زمان ومكان ، فليس الأجر مقصورا على هذي الطائفة فقط ، وإنما الأجر لكل مصلح مسّك بالكتاب وأقام الصلاة ...
ثم تتأمل هذي الآية فتجد أنها وردت في أعطاف الكلام عن بني إسرائيل الذين يتخذون الكتاب لهوا ولعبا ، وهذا فيه تعريض بهم ، وإلهاب وتهييج لهؤلاء الثلة ، حتى تتمسك بالهدي وتعمل بمقتضاه ...
ثم تجد اسم الفاعل ( المصلح) لا ( الصالح) ، واقعا للتعبير عن أن هؤلاء لا يهتمون بصلاحهم فقط ، وإنما يتجاوزون ذلك إلى مرحلة أعلى وهي نشر ثقافة الخير في مجتمعهم ... فهم ( مصلحون ) لا ( صالحون ) فقط ... أمتهم همهم ... يذكرونها قياما وقعودا وعلى جنوبهم ...
وفي الآية كلام كثير ... نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء المُمٙسِّكين المقيمين الصالحين المصلحين ...