صريح الرأي في النحو العربي..داؤهُ ودَواؤه
أ.د عباس حسن
... ومن آفات « نحونا » القديم ما يسمونه: « عدم التجميع وسوء التعوزيع » يريدون بذلك أمرين معاً:
« أ » أحدهما أنك لا تجد ـ للخاصة المتفرغة ـ كتاباً جامعاً يشمل أبواب النحو كلها ومسائله المختلفة بحيث يكون « موسوعة » نحوية وافية لا يند عنها شيء يرجعون إليها متى شاءوا؛ فيجدون المادة كلها بين أيديهم مركزة مجمعة، لا شتات فيها ولا نقص. يأخذون منها ما أرادوا ويقفون عندها ما طاب لهم الوقوف لا يبذلون جهدهم ووقتهم في تصيدها من مظانها المتعددة، والجرى وراءها هنا وهناك، وما أكثر ما يخفقون، إما لتعدد المراجع، وكثرة المظان، وإما لعسر الوصول إلى بعضها، وإمّا لجهل الباحث بالمرجع أو بمكان بوجوده... وتلك صعوبات مرهقة تحد نشاط الباحثين، وقد تفسد عليهم نتائج بحثهم بما فاتهم من مراجع لو اهتدوا إليها لتغيرت أحكامهم، ولكان لهم رأي غير الذي ارتأوا. ولهذا أثره العمليّ الواضح في اللغة قولا وكتابة؛ كالذي نشهده اليوم في الصحف، والمجلات، والمجالس الأدبية، والأندية العلمية؛ من تحطئة كلمة أو تركيب، واستنكار تعبير، واستكراه آخر، من غير أن يكون لذلك سبب ـ في أكثر الأحيان ـ إلا خلو المراجع القريبة الميسرة مما يؤيده ويسانده. ولا يلبث أن يتصدى باحث آخر لتصويب الخطأ، وإدخال المستنكر المستكره في عداد المستحسن الحبيب؛ مستنداً في ذلك إلى مراجع نحوية أخرى لم تتهيأ للأول، ولم تساعفه؛ ومن ثم تقع البلبلة والاضطراب بين الأدباء والمتعلمين، بل العلماء المتخصصين، في الحكم على الألفاظ والتراكيب من حيث صحة مبناها ومعناها، ومن حيث التفاوت في بلاغتها وسمو أدائها. ومن العجب أنك قد ترى مسائل نحوية جليلة، مفرقة في كتب التفسير؛ كالذي نراه في تفسير الزمخشري والفخر الرازي، والبيضاوي؛ ففيهما بعض اللطائف والدقائق التي لا وجود لها في كتب النحو أحياناً (1) او التي يغر الاهتداء اليها في كتب النحو الخاصة أحيانا أخرى وترى مسائل اخرى لكهذه في كتب البلاغة؛ كالذي نشهده في حواشي السيد او في كتب اللغة وخصائصها، كالتحف والطرائف الجليلة المنثورة في كتاب المخصص لابن سيده والتي تجمع كثير منها في اجزائه الاخيرة، وكالذي في معاحم اللغة كتب الاصول وغيرها … وقد يكون السبب في ذلك ان مؤلفي هذه الكتب لم يكونوا ائمة متخصصين في الفرع الذي الفوا فيه كتبهم وحده وإنما كانوا ائمة فيه وفي النحو معاً؛ فهذا الزمخشري امام، مفسر لغوي، نحوي، بلاغي، لا يكاد يتخلف في فرع من هذه، او يقصر؛ فكفايته
ــــــــــ
(1) هذا كثير يصادف الباحث ويفاجئه في فترات مختلفة. من ذلك ما قرأته في تفسير البيضاوي لقوله تعالى: « لهم فيها أزواج مطهرة» حيث قال: قرى مطهرات، وهما لغتان فصيحتان، يقال: النساء فعلت وفعلن، وهن فاعلة، وفواعل قال الشاعر:
وإذا العذاري بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت
ثم جاء في حاشية الشهاب على البيضاوي ما نصه:
(قوله: وهما لغتان فصيحتان) يعني أن صفة جمع المؤنث السالم والضمير العائد إليه مع الفعل يجوز أن يكون مفرداً مؤنثاً ومجموعاً مؤنثاً فنقول: النساء فعلت والنساء فعلن ونساء قانتات وقانتة... اهـ.
هذا مع ان الشائع في مطولات النحو أنها توجب مطابقة النعت الحقيقي لمنعوته في الجمع إلا إن كان المنعوت جمعاً لما لا يعقل فيجوز في النعت المطابقة ويجوز أن يكون مفرداً مؤنثاً نحو... أيام معدودات أو معدودة.
فيها سواء وبراعته كاملة. وكذلك الرازي، ومثلهما السعد وإن غلبت عليه الشهرة البلاغية. وكذلك أبو حيان، وابن مضاء، وابن جنى والرضّى، والبيضاوى والشهاب... ومن هنا كانت الحاجة مُلحّة في جمع هذا الشتات كله، ثم غربلته بتؤدة، وأناة ومهارة، ثم وضعه مواضعه الأصلية من أبواب النحو وفصوله ثم إخراج موسوعة نحوية حديثة لو أنها تنتظم فوق ما تنتظمه من مجموعة هذا التراث ـ بعد تصفيته وتنقيته ـ الفهارس الحديثة المختلفة، والطباعة المونقة، المُجَمَّلة بحسن التنسيق، وبراعة الترقيم ـ لجاءت موسوعة، طريفة، نافعة، تشجع المتخصصين فيما هم بسبيله، وتدنى إليهم ثمار ما يبتغون وتخفف عنهم بعض الذي منه يضجون. أما من يقوم بالعلاج، ويتقدم لحمل العبء؛ أهم الأفراد من ذوى الثقافة النحوية المتخصصة، أم الهيئات العلمية الرسمية؛ كالجامعات، ووزارة التربية ومجامع اللغة ـ أم غير الرسمية ـ فذلك بحث آخر ؟.
« ب » وثانيهما ـ وهو متصل بالأول اتصالا وثيقاً ـ أن مسائل الباب الواحد لا تندرج تحت ذلك الباب، ولا تتجمع فيه تجمعاً شاملا بحيث تنحصر في داخله، لا تُفْلت واحدة، ولا تندّ: فلست أعرف كتابا نحويّا يحوى الباب منه أو الفصل جميع مسائله وقواعده بحيث تقرأ هذا الباب أو الفصل فتجد فيه غنية عن كل كتاب آخر. فإذا كان العيب الأول يتلخص في أنك لا تجد كتابا واحداً في النحو يجمع أبوابه وقواعد كل باب جمعا لا قصور فيه ولا تقصير، فإن العيب الثاني أنك لا تجد في النحو كتابا يحوى مسائل كل باب مع فروعها احتواء شاملا يحصرها في دقة وتوفية بحيث يغنيك عن الرجوع إلى غيره. وهذا العيب عام في كتب النحو كلها. أليس من المفارقات أن تجد كتابا كالأشموني وحاشيته يعرض لباب مثل ظن وأخواتها، فلا يوفي أحكام التعليق والإلغاء حقها، ثم يعرض لسرد ما نقص منها في أبواب أخرى لمناسبات عارضة كباب: « كم وكأي وكذا » وقد يتعرض للمعلِّقات فلا يذكر منها « إذاً » مع كثرة دورانها في التعليق وإنما يذكرها الصبان (1) لا في ذلك الباب (باب ظن وأخواتها). ولكن عند الكلام على « كم » الخبرية وأنها من المعلقات قائلا: إن كل ماله الصدارة يعّلق، فمن أين اللباحث الذي يقرأ أحكام التعليق في موطنها الطبيعي أن يعرف أن لها بقية لم تذكر في هذا الموطن الأصلي وإنما ذكرت في موطن آخر لم تسبق إليه إشارة. ولم يتقدم عليه ما يوجه إليه الأنظار، أو أنها ذكرت في ركن من أركان الحاشية عرضاً عند الكلام على أداة أخرى بمناسبة طارئة ؟
ومثل ذلك ما ورد في حاشية الصبان في باب التصغير حيث قال ما نصه:
(قال في التسهيل: يحذف لها أي لأجل تلك الياء (ياء التصغير) أول ياءين َليِتَاها فيقال في تصغير « عليّ » عُلْى بحذف أولى الياءين اللتين وليتاها... اهـ.
فالنص صريح هنا في باب التصغير أن أول ياءين بعدها يحذف. على حين لو رجعت إلى الأشموني باب المنادي المضاف لياء المتكلم لوجدت تنبيهات، الثاني منها خاص بالكلام على: بنَيَّ وأن ياءه الأخيرة مفتوحة أو مكسورة وكلاماً هناك يدل على جواز أن الياء المحذوفة ليست هي التي تلي ياء التصغير بل يجوز أن تكون هي أو أن تكون ياء المتكلم. وآثاره التي تخالف آثار الآخر. فلم تجزأ القاعدة في كتاب مطول كهذا، ولا تذكر كاملة وافية في هذا الباب أو ذاك أو فيهما معاً وهو الأحسن ؟
وهذا العيب كسابقه في أسبابه ونتائجه ووسائل علاجه.
* * *
بقيت مشكلة أخيرة؛ هي: اللغة التي صيغ بها النحو، والطريقة التي ألّف بها؛ فليس من شك أنهما لا يناسبان ناشئة اليوم، ولا من قطعوا في تعليمهم العصري مراحل أو فرغوا منه؛ فهم جميعا سواء أمام لغة الكتب النحوية القديمة المعقدة، وطريقتها الملتوية هم عاجزون أمامها وإن تفاوتت الكتب
ــــــــــ
(1) الصبان، التنبيه الثاني عند الكلام على: لعل.
في سلاسة لغتها، ووضوح مرادها، واستقامة خطتها؛ فكان ـ في هذه المزايا ـ بعضها (كشرح ابن عقيل والمفصل)، أوفر نصيباً، من بعض آخر (ككتاب سيبويه وشروح الكافية).
وما ظنك بلغة علمية تقوم ـ في أكثر حالاتها ـ على مجافاة الأسلوب الأدبي العذب وينسى أصحابها أن لغة « العلوم » ـ وإن تفردت بخصائص تناسبها وتميزها من لغة الآداب الخالصة ـ لم تقطع صلتها بالنواحي الأدبية ولم يقم بين الاثنين حجاز قويّ يحول بين لغة العلم القاسية المرهقة والاستفادة من أختها الأدبية المحببة بالقدر الذي لا يطغى فيه الأدب على العلم فيخفى بعض حقائقه، أو يشوهها أو يحرمها نصيبها من الدقة الصارمة، والتمحيص الأكمل.
ومن أجل ذلك اشتهر النحاة بلغتهم المتميزة التي تدل عليهم ويعرفها أهل البصر بالآداب. ومن ثم كان لابد للمتن من شرح يفك رموزه، ويوضح ابهامه، ويفصل مجمله، ويزيده بعض مسائل. وللشرح حاشية تزيل غموضه، وتتناول بالتصويب أو التخطئة بعض ما فيه، وتكمل بعض قواعده. وللحاشية « تقرير » هو بمثابة حاشية للحاشية.
نعم من خصائص اللغة النحوية الإيجاز والاختصار الذي يبلغ مبلغ الأحاجي والرموز فيما يسمونه المتون. ولا سيما المنظوم منها. ومن الإنصاف أن نعترف بما لتلك المتون من مزايا جليلة. ولكن تلك المزايا تتحقق في عصور خاصة غير عصرنا القائم. كانت تتحقق يوم كان المتعلمون فارغون لها، منقطعون لحفظها، ودرسها وفك طلاسمها بملازمة أستاذيهم وعلمائهم، والرجوع إليهم وإلى الشروح والتقارير، يوم كانت الحياة هادئة، ومطالب العيش محدودة، والقناعة غالبة، وسنُّ الطلاب كبيرة، وتقربهم إلى الله بإتقان هذه العلوم واحتمال متاعبها قوياً.
أما اليوم فلا شيء من ذلك كله، فالحاجة إلى النحو ليست في المرتبة الأولى لكثير من الناس وطلاب الدراسات العالية (الطب والهندسة...) وإنما هي حاجة المستكمل الذي تدفعه روح العصر إلى التجمل بألوان من الثقافة العامة لا يليق بالمتحضر أن يجهلها ولا أن يجرد نفسه من قدر منها. فهو ـ في تعلمها ـ غير أصيل، وحظّه منها يسير. ومثل هذا يحتاج إلى ترغيب، ومن خير وسائل الترغيب: اللغة التي تكتب بها تلك العلوم والطريقة التي تعرض بها.
وإذا كانت اللغة الموجزة الكزّة (لغة المتون وأشباهها) معيبة، فشبيه بها اللغة المضغوطة المزدحمة بالدلالات والإشارات والأحكام النحوية الدسمة ـ فهي معيبة كذلك؛ وخير مثال لها كتاب سيبويه الذي يمثل في كثير من نواحيه لغة الفارسي المستعرب، في إيجازها وازدحامها بالمعاني والأغراض ازدحاماً قد يبلغ حد التخمة، مع التواء حيناً، وعجز قد يبلغ حد اللكنة أحياناً. استمع إليه في أول عنوان يفتتح به كتابه فيبين أقسام الكلمة قائلا: « هذا باب علم ما الكلم من العربية ».
واقرأ ما جاء في الهامش (1) عن هذا العنوان. واستمع إليه حين يقرر القاعدة النحوية المشهورة وهي: أن الخبر مرفوع بالمبتدأ فيقول(2):
« فأما الذي بنى عليه شيء هو هو فإن المبنى عليه يرتفع به كما ارتفع
ــــــــــ
(1) جاء في هامشه المختار (من تقريرات وزبد السيرافي وغيره) ما نصه
(قوله: هذا باب علم ما الكلم من العربية) « أشار رحمه الله إلى ما في نفسه من العلم الحاضر، أو أشار إلى منتظر قد عرف قربه، هذا الشتاء مقبل، وهذه جهنم التي يكذب بها المجرمون. والثالث: وضع كلمة الإشارة ليشير بها عند الفراغ مما يشير إليه؛ هذا ما شهد عليه الشهود. وقوله: « ما الكلم »، لم يقل الكلام؛ لأنه للكثير، و « الكلم »: جمع كلمة، ولم يقل « الكلمات » لأن « الكلم » أخف، ولأن « الكلم » اسم الذات و « الكلام » المصدر. وأدخل « من » لوجهين؛ أحدهما: تبيين الجنس، والثاني انه قصد إلى الاسم والفعل والحرف، وليس هو كل العربية. ولذلك قال: هذا باب، ولم يقل هذا كتاب، وفي الترجمة خمسة عشر لفظاً !!! ».
(2) راجع الأشموني باب المبتدا والخبر حيث تجد شرحه وتوضيحه.
هو بالابتداء » فأي كلام هذا ؟ وما ترجمته(1) ؟ فقد تعب أرباب الشروح والحواشي في إبانته وتوصيل مراده إلى الأذهان، فهل تتسع عقول الطلاب وأوقاتهم في عصرنا الحاضر لفهمه وفهم نظائره وإدراك مراجع الضمائر المتعددة فيه وفي أشباهه(2)؟ وإذا احتملوا هذه فكم قاعدة من نظائرها يحتملونها ؟ وهل تسمح لهم مطالب الحياة الحديثة بذلك وبالرجوع في الفهم إلى الشروح والحواشي وغيرها ؟ وليس سيبويه في هذا بالمتفرد فما أكثر من يشاركونه فيا أخذناه عليه(3).
نعم إن اللغة الكزة معيبة كلغة المتون، وكذلك اللغة الملتوية والمضغوطة كلغة سيبويه. وهناك اللغة الفضفاضة بغيضة كذلك؛ كلغة صاحب المفصل في أبواب متفرقة.
ــــــــــ
(1) جاء في كتاب الإمتاع والمؤانسة ج 2 ص 139 ما نصه:
وقف أعرابي على مجلس الأخفش، فسمع كلام أهله في النحو، وما يدخل معه؛ فحار وعجب، وأطرق وسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا. وقال أعرابي آخر:
ما زال أخذهم في النحو يعجنبي حتى سمعت كلام الزنج والروم
(2) بل إن بعض المتعلمين في العصور القديمة التي ظهرت فيها تلك الكتب لم يفهموها ولم بقدروا على تذليل صعوبتها. فقد نقل الجاحظ في كتابه الحيوان (ج 1 ص 45) أن معترضاً قال لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو؛ فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها ؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها ؟ وما لك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم ؟
فقال: أنا رجل لم أضع كتبي ابتغاء وجه الله، ولا زلفي إليه؛ فليست من كتب الدين. ولو وضعتها على الوجه الذي تريدونه لقلت حاجة الناس إلى؛ للسؤال عما لا يفهمونه منها. وأنا غايتي الكسب؛ فوضعت بعضها مفهوماً؛ لتدعوهم حلاوة ما فهموه إلى التماس فهم ما لم يفهموا. وإنما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى الكسب ذهبت... وهذا سبب آخر عجيب من أسباب صعويه هذه الكتب النحوية.
وهناك سبب آخر لا يقل عن هذا إثارة للعجب والدهش فقد نقل ابن يعيش في الصفحة الأولى من مقدمة كتابه شرح المفضل ما بأتي: (قال الخليل بن أحمد من الأبواب ما لو شئنا أن نشرحه حتى يستوي فيه القوى والضعيف لفعلنا ولكن يجب أن يكون للعالم مزية يعدنا!!).
(3) انظر ما نقله الأشموني عن ابن السراج عند الكلام على واو المعية... ج 3 ص 231 باب إعراب الفعل. وغيره وغيره...
----------------------
وليس العيب مقصوراً على الاختصار المخل، أو على الالتواء، أو على الاطالة؛ وإنما يمتدّ إلى نواح أخرى بلاغية تتعلق باختيار الألفاظ، وتركيب الجمل وبناء الأساليب، فللنحاة في هذا كله منهج يتوارثونه ويلتزمونه ويحتفظون به. قد يكون ملائماً لعصورهم السالفة، بعيداً كل البعد من عصرنا ـ كما أسلفنا ـ فمن البدائه أن لكل عصر لغته، وللغة كل عصر مقوماتها ! ولا سيما اللغة العلية التي تستخدم في إيضاح حقائق العلوم وأسرارها؛ تلك الحقائق التي قد تخلد ولا تتغير. ولكن اللغة التي تترجمها وتعبر عنها لا تثبت على حال، أو لا ينبغي أن تثبت على حال، بل يجب أن تساير الأزمان، وتتشكل بما يناسبها وتعرض في أجمل الطرائق فعجيب ـ إذاً ـ أن يكون للنحاة المحترفين لغتهم المتميزة التي تجافي لغة الأدباء، ولسانهم الذي يفصح عنهم، ويعلن أنهم نحاة وإن لم يصرحوا. وليس عجيباً أن يخشى النحاة المحترفون اليوم فساد ملكتهم الأدبية إن هم أهملوها، ولم يديموا تغذيتها بالزاد الأدبي المتجدد.
وما يقال عن لغة النحو القديم يقال كذلك عن طريقة تأليفه؛ فقد جد اليوم الكثير من طرائق التأليف التي تيسر على القارئ فهم ما يقرأ، وتحبب إليه المعاودة والاستزادة، وتحتفظ له بنشاطه العقلي والجسمي يستخدمها فيما يشاء، وما هذا بالقليل. وكم رأينا مقبلا على النحو زهد فيه بسبب اللغة، وطريقة التأليف. وطالباً كبيراً شكا إلى الله ما يلقى منهما، ونحن ـ معشر المعلمين ـ ندرك من صدق هذا ونشهد من آثاره في الطلاب وفينا ـ ما يجعلنا نقطع بضرورة هذا الإصلاح والمبادرة به، ويحملنا على إطراء من بذلوا جهداً ولو ضئيلا في إخراج كتب نحوية جديدة، في لغة وطريقة جديدة كذلك.
نعم إنها كتب صغيرة ولكنها محاولات فتحوا بها الباب. فعسى أن يتبعهم القادرون فيتممون ويكملون. وقديماً قالوا: أول الغيث قطر ثم ينهمر.
* * *
أما بعد. فهذه عيوب النحو كما أراها ـ برغم فائدته وجليل نفعه وفضل أهله وعظيم عملهم ـ ولا سبيل لتيسيره وتهذيبه إلا بعد القضاء عليها ويومئذ يمكن اختصاره بحذف الفضول من أبوابه ومسائله وإدماج بعض آخر ثم الاقتصار على بعض منها للشادين إن أردنا، ثم عرض ما بقي عرضا شائقا جذابا؛ فيجد الناشئه والراغبون في النحو ما يجدونه في العلوم الأخرى التي تجذبهم، وتستهوي ألبابهم، فتزيد الرغبة، وتعم الفائدة، ويتحقق الغرض من دراسة هذا العلم الأساسي الجليل. والقول بغير هذا الكلام لا غناء فيه.
أما من قوم بهذا العبء ويتقدم لحمل الراية، فأولئك الفدائيون الذين وهبوا أنفسهم لخدمة العلوم العربية، والسهر عليها، واحتمال أفدح الأعباء في سبيلها، وكانوا قدوة كريمة الباحثين من حملة مشاعل العلم، ومصابيح العرفان. ولم يخل منهم عصر مضى، ولن يخلو منهم عصر آت. وفي مقدمة هؤلاء علماء الجامعات، ومن يمتون إليها بأقوى الأسباب. فعسى الله أن يمدهم بروح من عنده، ويلهمهم السداد فيما نحن بسبيله، ويهديهم سواء الصراط.
ولا يسعني وأنا أختم هذا البحث الطويل إلا أن أزجى الشكر الأسمى لمجلة « رسالة الإسلام » وللقوامين عليها والمشرفين على شئونها. فقد رأيت من الرجاحة، وحسن القبول، وكريم الاهتمام، ما يقوى العزيمة إن وَهَنت، ويوقظ الهمة إن خمدت، ويشيع في النفس الرغبة والنشاط ويدفع إلى تكرار الشكر، وطيب الثناء، وجميل التقدير.