1) في الفصحى: المنبتُ اللُّغويُّ لفعل السَّعيِ هو: المشيُ السّريعُ. وقدْ خصَّ الشّارعُ المشيَ بينَ الصّفا والمروةِ بهِ. ويُستعملُ السّعيُ "للجدّ في الأمر، خيرًا كانَ أو شرًّا"، فهوَ عامٌّ في جميعِ ضروبِ السّلوكِ، فــــ"كلُّ عَمَلٍ: سَعْيٌ". وبناءً على ذلكَ يَسوغُ الحكمُ بأنّ السّعيَ – لا السِّعايةَ ولا المساعاةَ- محايدٌ دلاليًّا على رغمِ وقوعهِ كثيرًا على أفعالٍ محمودةٍ مثلِ السّعيِ على الصّدقةِ.
2) وفي اللّهجةِ (الحسّانيَّةِ): أخذَتْ دلالتُهُ تَنْحو مَنْحًى إيجابيًّا حتّى استقرّتْ عندَ حقلٍ معجميٍّ عناصره اللّغويةُ: الفوزُ والرِّبحُ والغنيمةُ والظَّفَرُ. لا تَلْحَظُ ذلكَ في الأحاديثِ اليوميّةِ المعتادةِ، فقط؛ بلْ تُلْفيهِ في الكلامِ الْمَصُوغِ أمثالًا، كقولهم: "إِلِّ امْلِكْ فمُّ يَسْعَ" بمعنى: "مَنْ تَحَكَّمَ في مَنْطِقِهِ ظَفِرَ"؛ استحضارًا لسيْلِ الحِكمةِ الوارد في الحَجْرِ على اللِّسانِ.
3) وفي اللَّهجةِ المغربيَّةِ: انحدرَ الفعلُ إلى دلالةٍ سلبيّةٍ أصبحَ، معها، مكافئًا للفعلِ (تَسَوَّلَ). ومنَ اللَّطيفِ -في صلةٍ معَ ذلكَ- اختفاءُ اللَّفظِ الدَّالِّ على الرَّقمِ (9) منْ هذهِ اللَّهجةِ؛ لأنَّهُ أصبحَ يتماهى صوتيًّا ودلاليًّا معَ الفعلِ (سَعى) -بمعنى: تسوَّلَ- عندما يكونُ مُضارِعًا مُسندًا إلى المخاطَبِ؛ إذْ يُنطقُ كلاههما (تِسْعَ). وقدْ عَدَلَ القومُ -بحُكمِ حسِّهمُ الحضاريِّ- عنْ وصفْ مَنْ يخاطبونَ بالمتسوِّلِ جانحينَ إلى بديلٍ مُغْرٍ دلاليًّا وذوقيًّا، بديلٍ يُنيخُ بمضاربِ السَّعادةِ هو: (تِسْعُودْ)! ووَصَلَ بهمُ الأمرُ حَدَّ أنّكَ تسمعُ، في نشرة الأخبار: "وكانَ الوفدُ مؤلَّفًا منْ تسْعُودْ وعشرينَ عضوًا"!