صدمة جديدة على اللغة العربية
محمد رشيد رضا
كان من مقتضى ناموس الارتقاء أن تبلغ اللغة العربية الشأو الأعلى من التقدم
بعد ظهور الإسلام، لكن هذه اللغة لم تخط مع تقدم الإسلام إلا بعض خطوات، حتى
اعتورتها العثرات، وانتابتها الصدمات، ولولا أن الله تعالى قيَّض لها قومًا من
الأخيار تداركوا الخرق قبل اتساعه لمحيت رسومها، وطمست حدودها، ولم يبق
منها إلا ما بقي من بعض لغات الأمم البائدة - كالكلدانيين والآشوريين -، ولكن
علماء المسلمين مع عنايتهم الكبرى في علوم اللغة، واشتغالهم بها عن علوم كثيرة
كانوا في حاجة إلى التوسع فيها لم يتنبهوا في أكثر عصورهم للطريقة المثلى في
التعليم التي تحفظ ملكتها في الألسنة، وتجري في ميدانها فرسان الأقلام، فخرجوا
بالعلوم العربية عن الغرض منها، وسلكوا في قواعدها ومسائلها مسلك العلوم
النظرية من: التعليل والتدقيق، حتى صار تحصيل ملكة هذه العلوم غير تحصيل
ملكة اللغة في القول والكتابة، ثم اعتاصت الكتب المؤلفة فيها على الأفهام؛ لدقتها
التي أشرنا إليها، والإيجاز المخل في متونها، والخلط في شروحها وحواشيها بين
الفنون وكثرة الآراء التي ليست من الفن في شيء. فآل الأمر إلى قلة الطالبين لها،
ثم إلى قلة من يحصل ملكة الفن من هؤلاء الطالبين، بل صار قصارى ما يصل إليه
الطالب أن يحصل ملكة الفهم في كتبها، وعند ذلك يسمونه عالمًا أو علاَّمة في
العربية (صاحب كرّاس) ، وإذا اتفق لأحد تحصيل ملكة الفن فإن ذلك لا يفيده في
تقويم لسانه بالكلام العربي الفصيح، ولا يقتدر معه على الكتابة العربية البليغة؛ لأن
ملكة هذه الفنون لابد في الحصول عليها من سلوك طريق آخر كما ألمعنا. ولقد تنبه
جماعة من عقلاء هذا العصر وفضلائه إلى إحياء اللغة التي يئس الجماهير من
إحيائها، وذلك بإصلاح كتب الفنون وطريقة التعليم (اللتين صارتا عقبة في طريق
العربية) ، وبالتنبيه على الطريقة التي تطبع ملكة اللغة في النفوس بحيث تقتدر
على الإتيان بالكلام العربي الصحيح من غير روية ولا تكلف. لكن الدهماء من
أبناء أهل هذا اللسان لم يلتفتوا إلى هذا الإصلاح، بل منهم من يستنكره ذهابًا مع
العادة أو ترفعًا واستنكافًا من الاستفادة. والساعون في إماتة هذه اللغة الشريفة
مجدون في سيرهم، ثابتون في جهادهم، يقيمون العقبات، ويوالون الصدمات،
والصدمة الجديدة التي أشرنا إليها في عنوان هذه المقالة هي: إحياء اللغة العامية
المصرية، بجعلها لغة كتابة، لكن أتدري بماذا تكتب؟ تكتب بحروف إفرنجية
اخترعت لها، والهمة مبذولة في نشر ذلك وتعليمه للمصريين.
لهفي على اللغة العربية المقدسة. ألم يكفها تحقيرًا وامتهانًا أن المصريين
ينشؤون الجرائد باللغة العامية؟ كان في الأمل أن كثرة الجرائد باللغة الصحيحة
تكون من أنجح وسائل إحيائها، فقامت جريدة (الحمارة) و (اللجام) و (الغزالة)
و (الشيطان) تعارض الإسلام، والمقتطف والهلال والمؤيد والأهرام والمنار، بل
سقطت مجلة البيان الفصيحة، ونهضت الحمارة باللجام (واخجلتاه) ، ألم يكفها هذا
حتى قام جماعة يسعون لتعميم تعليم اللغة العامية بحروف إفرنجية يقربون بها
المصريين إلى تناول لغاتهم من حيث يبتعدون عن لغة علومهم ودينهم التي فيها
عزهم وشرفهم.
ومما يضحك الثكلى ويبكي المسْتَيْئِس الذي جاءته البشرى: قول صاحب
الكراسة في بيان فوائد هذه الحروف: (والذين يرتئون استعمال هذه الحروف
الجديدة لكتابة اللغة المصرية العامة التي يتكلمها سكان مصر على اختلاف طبقاتهم
يحسبون أن نتيجة ذلك ستكون خيرًا عظيمًا على القطر المصري) . وقوله بعد
بيانها: ونتيجة ذلك كله جعل الأمة المصرية أمة متعلمة عزيزة الجانب متحدة الكلمة.
فليت شعري ما هي العلوم والآداب المودعة في هذه اللغة العامة التي ينتج حفظها
في الكتابة الإفرنجية هذه العزة والمنعة، ويمنحها هذا الاتحاد في الكلمة، ومع من
يكون هذا الاتحاد، هل هو مع سائر إخوان المصريين في اللغة من الحجازين
والسوريين والمغاربة والعراقيين أم مع غيرهم؟ ؟
مَن أعطى هذه الخلابة بعض حقها من النظر تجلى له أن أهل هذا الاختلاب
يعتقدون فينا الجنون والاختبال، وأننا فقدنا الإدراك والشعور بوجوه المنافع
والمضار، فلا نفرق بين الخير والشر، ولا نميز بين الإصلاح والإفساد؛ فإن
الغوائل التي أبرزها صاحب الكراسة في صورة الفوائد لا يمكن أن ينخدع بها عاقل
مهما كانت مموهة الظاهر، وهي أربع، أشير إليها هنا إجمالاً، ثم أفصل الكلام في
المناقشة عليها تفصيلاً في العدد التالي إن شاء الله تعالى، وهي:
(1) تسهيل التجارة.
(2) تعميم التعليم.
(3) حفظ اللغة العربية (العامية) ، ولم يخجل مؤلف الكراسة عند ذكر
هذه الفائدة من بيان أن اللغة العربية الصحيحة آخذة في الاضمحلال بتعلم اللغة
الإنكليزية واللغة الفرنساوية، وأنه ينبغي الاعتياض عنها بلغة العامة.
(4) قلة نفقات الطبع وتوحيد اللسان بين الوطنيين والأجانب، وأن ذلك مما
يقوي الوطنية (انتهت الفوائد) .
وأنت ترى أنه ألحق بالفائدة الرابعة فائدة أخرى أهم منها، ولعله إنما عدهما
فائدة واحدة، وجعل توحيد اللسان وقوة الوطنية تابعًا لقلة نفقات الطبع مع عدم
المناسبة بينهما؛ لشدة ظهور الخلابة والخديعة في دعواه " قوة الوطنية بتوحيد
اللسان العامي بين الأوربي والمصري ". وأي شيء يكون أوضح من بطلان دعوى
من يدَّعي أن الشمس مظلمة، والطاعون الجارف نعمة، والعسل قوي المرارة،
والحنظل شديد الحلاوة.
وهَبْني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
وإذا صح هذا التعليل فإننا نشكر لحضرة المخترع اعتقاده أنه ربما يوجد عند
البعض منا قليل من الفهم والتمييز يفطن به لخلابته هذه فأوردها في عرض القول
وأخريات الكلام.
ألمعنا في العدد السالف من جريدتنا إلى أن الساعين في محو اللغة العربية
الصحيحة من الوجود قد استنبطوا لهذه الغاية حروفًا لإحياء اللغة المصرية العامية،
حروفًا إفرنجية تقرب من يتعلمها من اللغات الإفرنجية، وتقصيه عن لغة كتابه
ودينه وأسلافه الذين يفتخر بهم، ويباهي بعلومهم وآدابهم، وتقطع النسبة بينه وبين
مشاركيه في الدين واللغة من أهل البلاد الحجازية المقدسة، وسائر البلاد العربية
التي تكتنف البلاد المصرية وترجو أن يلمع نور إحياء العربية من ربوع مصر
وأكنافها، فيستضيء به كل من ينطق بالضاد.
جاء في أول الكراسة التي ألفت في بيان فوائد هذا الاختراع أن الذي (استنبط
هذه الحروف (ولهلم سبتَّا) بك أمين الكتباخانة الخديوية، اللغوي الألماني المحقق،
الذي توفي سنة 1883، وهو في الثلاثين من عمره. وقد استعد لذلك بدرس
حروف الهجاء وأساليبها في كل لغات الأرض، ولا سيما تغييرات حروف الهجاء
اللاتينية المستعملة الآن في أوروبا وأمريكا) .
وجاء فيها أيضًا ما نصه: (وألف سبتا بك كتابًا ألمانيًّا في صرف هذه اللغة
العربية المصرية ونحوها، وهو الكتاب العلمي الوحيد الذي وضع للغة من اللغات
العربية العامة. وجمع كتابًا أيضًا في الأمثال العامة، وقصصًا في اللغة العربية
المصرية، وترجمها إلى اللغة الفرنسوية. وكان عارفًا تمام المعرفة باللغة المستعملة
في كل القطر المصري، ومحبًا للمصريين، وغيورًا على مصلحتهم ومهتماً بخيرهم
ونجاحهم) . اهـ.
أما هذه المحبة والغيرة فإن آثارها تشبه آثار العداوة والبغضاء. متى وجد
غربي يسعى في خير الشرق للشرق؟ أما إنه لم يوجد إلا أناس تظاهروا بأعمال
مفيدة لأهل الشرق، فساعدهم عليها أهل الشرق، لكنهم لم ينالوا منها إلا الحرمان،
واجتنى ثمارها دونهم العاملون (تأمل ترعة السويس وغيرها)
إنهم ليختلبون عقولنا بالقول المموه الظاهر الذي ينخدع به المعتقدون
عظمتهم، والمشاهدون صدقهم في بلادهم، ولبني أوطانهم، ولكن أصحاب البصائر
يعرفونهم في لحن القول، ويتنسمون أغراضهم في مطاوي الكلام، بل يتهمونهم في
كل ما يدعون، وإن لم يظهر فيه وجه للخديعة، عملاً بالقاعدة العامة التي
عرفوها بالاختبار، وهي أن الغربي لا يعمل عملاً إلا لمنفعة وطنه وأمته. على
أن بعض دعاويهم الكاذبة لإصلاح الشرقيين هي من الظهور بحيث يراها العميان،
ولا تخفى على الصبيان (نعم إنها تخفى على الخشب المسندة) ، كالمسألة التي نحن
فيها الآن. أما حجج صاحب الكراسة الأربع، فهي داحضة عند من يبصر
ويسمع، وإنَّا نشرح ذلك بالتفصيل الذي يسمح به المقام على ما وعدنا في العدد
السالف، فنقول:
قال مبين فوائد الاختراع ومؤلف الكراسة (ولا ندري مَنْ هو ولا سبب إخفاء
اسمه، ولعله للإخلاص في هذه الخدمة) : إن نتيجة ذلك ستكون خيرًا على القطر
المصري:
أولاً: أن استعمال هذه الحروف يفيد تجاريًّا؛ لأنه إذا قدر التجار الأجانب
والعملاء الذين يرسلونهم إلى القطر المصري أن يتعلموا اللسان المستعمل هنا
بحروف سهلة التعلم، فكثيرون منهم يتعلمون هذا اللسان فيصير التاجر المصري
قادرًا على المعاملة معهم بلسانه من غير أن يتعلم اللغة الإنكليزية أو اللغة
الفرنسوية، فتسهل المعاملة التجارية والاجتماعية على كل طبقات الناس.
(المنار)
إن سهولة المعاملة التجارية على الأوربيين وتعميمها في القطر هي نكبة شديدة
على المصريين، بل جائحة تتلف عليهم ثمار أعمالهم، بل تنتزع منهم جميع ما
بأيديهم من مال وعقار، وجعلهم أجراء للسادات الذين يمتلكون بلادهم، بما لهم من
المهارة في الكسب والحذق في استعمار الأرض، ثم يعم بلادهم الفجور والخمور
التي تسلبهم ما ينقده لهم السادة المالكون من الأجور على أعمالهم اليومية، وتكون
فائدتهم أنهم خرجوا من كل شيء، وفقدوا كل شيء، وانقطع أملهم من كل شيء إلا
الحركة الدائمة في خدمة سادتهم العظام، كسائر الدواب والأنعام. والسعادة لمن يفوز
بدوام خدمتهم، فإنهم إذا تمكنوا في الأرض يستغنون بالآلات الصناعية عن العمال
والصناع إلا قليلاً منهم، ويضطر أهل البلاد الأصليون إلى المهاجرة والجلاء، إلا
من يلتصق بهم، ويتجنس بجنسيتهم، لغةً وديناً.
لا مبالغة في القول، فهذه طبيعة الوجود الإنساني، تنطق بكل لسان بأن العالم
يستخدم الجاهل، والقوي يستولي على الضعيف، ما وجد الأول للوصول إلى الآخر
سبيلاً، وليس بعد المشاهدة معاندة، ومع العيان لا يحتاج إلى برهان.
قال مختلق الفوائد: (ثانيًا) : إن لاستعمال هذه الحروف فائدة كبيرة في
التعليم؛ فإن عامة المصريين مثل عامة الشعوب الأخرى، لا يمكن تعليمهم ما لم
يتعلموا في المدارس اللغة التي يتكلمونها، ويتعلموها بواسطة حروف هجائية بسيطة
سهلة المأخذ ... إلخ.
(المنار)
إن الغرض من تعليم وتعلم القراءة والكتابة هو نشر العلوم والفنون، فأي علم
وضعت فيه المصنفات، وأي فن دونت فيه الدواوين باللغة العامية المصرية،
فيسهل تناوله من كثب، على من قرأ وكتب، يوجد في اللغة العربية الصحيحة
ألوف وألوف ألوف من كتب العلوم والفنون في اللغة وآدابها، وفي الدين من عقائد
وأخلاق وشريعة، وفي جميع الفنون القديمة والحديثة، فهل يكون صعود المصريين
في مراقي التعليم إلى قنة السعادة العليا بترك هذا كله، وتعلم اللغة العرفية في
المدارس بحروف إفرنجية؟ ! أظن أن الكتابة بالحروف الإفرنجية تكون عزاءً لهم
عما فقدوا، وعزًا وشرفًا فيما وجدوا؛ لأنها إفرنجية.
لعل الساعي بنشر هذا الاختراع يقول في تمويهه وخلابته: إن المصريين إذا
أقبلوا على تعلم هذا الخط، وعم أرجاء القطر، يتعلم الأجانب لغتهم، وإذا تعلموها
ومازجوا أهلها كمال الممازجة، يحملهم حب الإنسانية على تأليف كتب بها في جميع
الفنون، فيصبح القوم في جنة من المعارف عالية، قطوفها منهم دانية.
ويسهل علينا أن نقول في جوابه: