النحو والتفسير :ظاهرة إحلال الصفة محل الموصوف وأثرها في التفسير
د. مفرح سعفان
لقد نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين.ويشيع في لغتنا العربية ظواهر نحوية لا حصر لها،
يمكن أن يؤدي عدم العلم بها إلى الانزلاق في خطأ التفسير لبعض آيات الكتاب الكريم.
ومن هذه الظواهر النحوية الشائعة في العربية ظاهرة إحلال الصفة محل الموصوف وإقامتها مقامه.ولكي تتضح لنا هذه الظاهرة نذكر هذه الأمثلة الأربعة التي تبين لنا الأنماط المختلفة لهذه
الظاهرة :
۱- جاءنا زيد الكريم.
٢ - جاءنا الكريم زيد.
٣- جاءنا الكريم.
٤- جاءنا الكرم.
فالجملة الأولى ( جاءنا زيد الكريم)
تعبر عن النمط الأصلي للتركيب الوصفي في اللغة العربية. حيث يذكر الموصوف ( زيد) ثم تذكر الصفة ( الكريم) تابعة له. فالصفة هنا عنصر فضلة يمكن الاستغناء عنها،ولذلك فهي كالحليةللموصوف يمكن أن تزول عنه في وقت ما.
وفي الجملة الثانية ( جاءنا الكريم زيد)تم إحلال الصفة محل الموصوف، لتستحوذ على
ماكان يتمتع به الموصوف من مكان ومكانة. حيث تحولت من كونها مجرد عنصر تابع للموصوف في
خصائصه النحوية والصرفية في النمط السابق ووقعت موقع الفاعل العمدة الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الجملة. لتكون بذلك هي محور الاهتمام، للفت نظر المتلقي إليها.
ثم ذكر الموصوف متأخرا عنها وتابعا لها في الإعراب على أنه بدل منها، فيما يمكن أن نطلق عليه ( التبعية المقلوبة).وهذه الجملة تمثل النمط الأول لظاهرة إحلال الصفة محل الموصوف في العربية..
ومنه قوله سبحانه:
" الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها...... ".فالأصل: الله نزل كتابا أحسن حديث.
وقوله تعالى :" أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين . الله ربكم ورب آبائكم الأولين ".
فالأصل: وتذرون الله أحسن الخالقين.وفي الجملة الثالثة ( جاءنا الكريم) وقع إحلال للصفة محل الموصوف كما حدث في الجملة السابقة، ولكن مع حذف الموصوف تماما.
لتكون الصفة وحدها هي محور الاهتمام، وهي وحدها الغاية من سياق الكلام.
وكأن الموصوف في هذه الحالة قد اشتهر بهذه الصفة لدرجة الكمال فلا ينازعه فيها أحد، حتى صارت الصفة كأنها علم دال على الموصوف، فأغنت عن ذكره معها، فيصير ذكر الموصوف في هذه الحالة كأنه حشو لا فائدة منه. وهذه الجملة تمثل النمط الثاني لهذه الظاهرة
في العربية. ومنه في القرآن الكريم قوله سبحانه :
" وكان أبوهما صالحا ".فالأصل: وكان أبوهما رجلا صالحا . وقوله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة.أي : رجل ذو عسرة .وفي الجملة الرابعة ( جاءنا الكرم)
حدث ما حدث في الجملة السابقة من إحلال للصفة وحذف للموصوف، ولكن مع التعبير عن الصفة بصيغة المصدر للمبالغة. وهذه الجملة تمثل النمط الثالث والأخير لهذه
الظاهرة في العربية.
والتعبير بالمصدر عن الصفة أسلوب شائع في العربية، وهو أسلوب بليغ راق جميل، يدل على أن الموصوف ليس مجرد شيء يتصف بصفة، بل صار هو الصفة ذاتها، أو هو الصفة بعينها.
فنحن نقول مثلا : هذا شاهد عدل.
فكأنه ليس شاهدا موصوفا بصفة العدل، بل هو العدل ذاته. ومنه قوله سبحانه: وجاءوا على قميصه بدم كذب. فهذا الدم الذي وضعه إخوة يوسف على قميصه ليس دما كاذبا، بل هو الكذب بعينه. وهذا جمال ما بعده جمال في تأكيد الصفة.وعليه فإن هذا النمط الثالث والأخير هو نمط فريد
يجتمع فيه الكمال مع الجمال. إذ يجتمع فيه الكمال الناتج عن إحلال الصفة محل الموصوف، والجمال الناتج عن التعبير بالمصدر عن الصفة.
ولذلك كان هذا النمط هو القمة في هرم الارتقاء
بقيمة الصفة. ومن هذا النمط قوله سبحانه واصفا كتابه الكريم :
" والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ".
فالأصل فيه : ( والذي جاء بالكتاب الصادق) فحذف الموصوف ( الكتاب) وأحل الصفة محله،
ثم عبر بالمصدر ( الصدق) عن الصفة. ليدل على أن هذا الكتاب الكريم الذي جاء به النبي
الكريم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ليس مجرد كتاب يتصف بصفة الصدق، بل هو
الصدق عينه، وليس على ظهر الأرض ماهو أصدق منه.ومنه أيضا قوله عز شأنه :
" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". فالأصل فيه :واعبد ربك حتى يأتيك الأمر اليقين.
والأمر اليقين هو الموت. فحذف الموصوف ( الأمر) وأحل الصفة محله،وعبر بالمصدر عنها،
ليشعر بذلك أن الموت ليس مجرد أمر موصوف بصفة اليقين، بل هو اليقين عينه .
حيث لا توجد حقيقة في هذا الوجود أقوى يقينا من حقيقة الموت. ولأن المؤمن مكلف بالعبادة حتى لحظة موته.والذي لا يعي هذا الأصل النحوي في تفسير معنى اليقين هنا، ويفسر الآية على ظاهرها، فإنه يقع في خطأ جسيم، فيظن أن الإنسان يجوز له أن يعبد الله بدون يقين.
أو يتوهم أن ثمة تعارضا وتناقضا بين هذه الآيةالكريمةمن جهة والآيات التي توجب اليقين بكل
أسس العقيدة الإسلامية من جهة أخرى، مثل قوله سبحانه: " وبالآخرة هم يوقنون ".
وقوله: " هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ". وغيرهما.
و ممايؤكد لنا أيضا أن اليقين هنا بمعنى الموت قوله سبحانه - على لسان أهل النار والعياذ بالله -
في موضع آخر :" وكنا نكذب بيوم الدين . حتى أتانا اليقين ".
أي: أتانا الموت . لأنه لا تكذيب بيوم الدين بعد الموت.
هذا وبالله التوفيق..