mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (49): من كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري

كُتب : [ 08-24-2017 - 06:20 AM ]


معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ
من كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري


إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، وتنوّق له كرائم اللفظ، واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت فى شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال فأمسك؛ فإنّ الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شىء بعد شىء، فتجد حاجتك من الرّى، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلّ عنك غناؤها.
وينبغى أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلّقت بذيله، وتحذّر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت فى تتبّعه، ونصبت فى تطلّبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب؛ وقد قال الشاعر:
إذا ضيّعت أول كل أمر ... أبت أعجازه إلّا التواء
وقالوا: ينبغى لصانع الكلام ألّا يتقدّم الكلام تقدما، ولا يتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا؛ فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه. وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه فى محاسنه.
ولكنه يجرى معه فلا تندّ عنه نادّة معجبة سمنا إلّا كبحها، ولا تتخلّف عنه مثقلة هزيلة إلّا أرهقها. فطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناول اللفظ من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره. فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره أبيّا، ولا يدفع أتيا.
وقال بشر بن المعتمر : خذ من نفسك ساعة لنشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها لك؛ فإنّ قلبك فى تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرق حسنا، وأحسن فى الأسماع، وأحلى فى الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم، ومعنى بديع.
واعلم أنّ ذلك أجدى عليك ممّا يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطالبة والمجاهدة والتكلّف والمعاودة؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا؛ وكما خرج عن ينبوعه، ونجم من معدنه.
وإياك والتوعّر؛ فإن التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ويفسدهما ويهجنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وترتهن نفسك فى ملابستهما، فكن فى ثلاث منازل:
فأوّل الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا. فإن كانت هذه لا تواتيك، ولا تسنح لك عند أوّل خاطر، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتّصل بسلكها، وكانت قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب
الأماكن، والنزول فى غير أوطانها؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد، وإن تكلّفته ولم تكن حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقلّ عيبا منه، وزرى عليك من هو دونك.
فإن ابتليت بتكلّف القول، وتعاطى الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة فى أوّل وهلة، وتعصّى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل، ودعه سحابة يومك ولا تضجر، وأمهلة سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق؛ وهى- المنزلة الثانية.
فإن تمنّع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر، وطول الإمهال، فالمنزلة «3» الثالثة أن تتحوّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك؛ فإنك لم تشتهها إلّا وبينكما نسب، والشىء لا يحنّ إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون فى طبقات؛ فإنّ النفوس لا تجود بمكنونها، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الرّغبة والمحبّة.
وينبغى أن تعرف أقدار المعانى، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات؛ فتجعل لكلّ طبقة كلاما، ولكلّ حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعانى على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات.
واعلم أنّ المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكلّ مقام من المقال؛ فإن كنت متكلّما، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخطّ ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف والجوهر، فإنّ ذلك هجنة.
وخطب بعضهم فقال: إنّ الله أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّنهم ثم لا شاهم، فضحكوا منه؛ وقال بعض المتأخرين:
نور تبين فيه لاهوتيه ... فيكاد يعلم علم ما لن يعلما
فأتى من الهجنة بما لا كفاء له، وكذلك كن أيضا إذا كنت كاتبا.
الرسائل والخطب
واعلم أنّ الرسائل والخطب متشاكلتان فى أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظ الخطباء تشبه ألفاظ الكتّاب فى السهولة والعذوبة؛ وكذلك فواصل الخطب، مثل فواصل الرسائل؛ ولا فرق بينهما إلّا أنّ الخطبة يشافه بها، والرسالة يكتب بها؛ والرسالة تجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة، فى أيسر كلفة؛ ولا يتهيّأ مثل ذلك فى الشعر من سرعة قلبه وإحالته إلى الرسائل إلّا بكلفة؛ وكذلك الرسالة والخطبة لا يجعلان شعرا إلا بمشقّة.
ومما يعرف أيضا من الخطابة والكتابة أنّهما مختصّتان بأمر الدين والسلطان، وعليهما مدار الدّار، وليس للشّعر بهما اختصاص.
أمّا الكتابة فعليها مدار السلطان.
والخطابة لها الحظّ الأوفر من أمر الدّين؛ لأنّ الخطبة شطر الصلاة التى هى عماد الدّين فى الأعياد والجمعات والجماعات، وتشتمل على ذكر المواعظ التى يجب أن يتعهّد بها الإمام رعيّته لئلّا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله عزّ وجلّ من ذلك فى كتابه، إلى غير ذلك من منافع الخطب.
الشعر
ولا يقع الشّعر فى شىء من هذه الأشياء موقعا، ولكنّ له مواضع لا ينجع فيها غيره من الخطب والرسائل وغيرها، وإن كان أكثره قد بنى على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ الكاذبة؛ من قذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان؛ لا سيما الشعر الجاهلىّ الذى هو أقوى الشعر وأفحله؛ وليس يراد منه إلّا حسن اللفظ، وجودة المعنى؛ هذا هو الذى سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه.
وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب فى شعره؛ فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصّدق يراد من الأنبياء.
فمن مراتبه العالية التى لا يلحقه فيها شىء من الكلام النظم الذى به زنة الألفاظ، وتمام حسنها؛ وليس شىء من أصناف المنظومات يبلغ فى قوة اللفظ منزلة الشعر.
ميزات الشعر على غيره
ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرّواة، وامتداد الزمان الطويل به؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض؛ وهذه خاصة له فى كلّ لغة، وعند كلّ أمة؛ وطول مدة الشىء من أشرف فضائله.
ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته فى الناس وبعد سيره فى الآفاق؛ وليس شىء أسير من الشعر الجيّد، وهو فى ذلك نظير الأمثال.
وقد قيل: لا شىء أسبق إلى الأسماع، وأوقع فى القلوب، وأبقى على الليالى والأيام من مثل سائر، وشعر نادر.
ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثّر فى الأعراض والأنساب تأثير الشعر فى الحمد والذم شىء من الكلام؛ فكم من شريف وضع، وخامل دنىء رفع؛ وهذه فضيلة غير معروفة فى الرسائل والخطب.
ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شىء يقوم مقامه فى المجالس الحافلة، والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رءوس الأشهاد، ولا يفوز أحد من مؤلّفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة، والعوارف السنيّة، ولا يهتزّ ملك، ولا رئيس لشىء من الكلام كما يهتزّ له، ويرتاح لاستماعه؛ وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شىء من الكلام.
ومنه أنّ مجالس الظّرفاء والأدباء لا تطيب، ولا تؤنس إلّا بإنشاد الأشعار، ومذاكرة الأخبار؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان فى أثنائها أشعار؛ وهذا شىء مفقود فى غير الشعر.
ومما يفضل به الشعر أن الألحان- التى هى أهنى اللّذات- إذا سمعها ذوو القرائح الصافية، والأنفس اللطيفة، لا تتهيّأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر؛ فهو لها بمنزلة المادّة القابلة لصورها الشريفة؛ إلّا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطّط فيه الألفاظ؛ فالألحان منظومة، والألفاظ منثورة.
ومن أفضل فضائل الشّعر أنّ ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها، وفحلها وغريبها من الشعر؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبيّن النقص فى صناعته.
ومن ذلك أيضا أنّ الشواهد تنزع من الشّعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول صلّى الله عليه وسلّم شاهد.
وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيّامها ووقائعها إلّا من جملة أشعارها؛ فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكلّ متأدّب بلغة العرب أو ناظر فى علومها إليه ماسّة وفاقته إلى روايته شديدة.
وأمّا النقص الذى يلحق الشّعر من الجهات التى ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه والزّهادة فيه، واستثناء الله عزّ وجلّ فى أمر الشعراء يدلّ على أنّ المذموم من الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف والعدل إلى الظلم والجور.
وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم، ولو كان الذمّ لازما له لكونه شعرا لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال. ومع ذلك فإنّ من أكمل الصفات صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتمّ صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا. والذى قصّر بالشعر كثرته وتعاطى كلّ أحد له حتى العامة والسفلة؛ فلحقه من النقص ما لحق العود والشّطرنج حين تعاطاهما كلّ أحد.
ومن صفات الشعر الذى يختصّ بها دون غيره أنّ الإنسان إذا أراد مدبح نفسه فأنشأ رسالة فى ذلك أو عمل خطبة فيه جاء فى غاية القباحة، وإن عمل فى ذلك أبياتا من الشعر احتمل.
ومن ذلك أنّ صاحب الرياسة والأبّهة لو خطب بذكر عشيق له، ووصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته فى حبّه، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك، وتنقّص به فيه؛ ولو قال فى ذلك شعرا لكان حسنا.
كيف تعمل للشعر
وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما تتمكّن من نظمه فى قافية ولا تتمكّن منه فى أخرى، أو تكون فى هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا.
فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها؛ بإلقاء ماغثّ من أبياتها، ورثّ ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها.
فقد أنشدنا أبو أحمد رحمه الله قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد:
طرقتك عزّة من مزار نازح ... يا حسن زائرة وبعد مزار
ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو لتضمّنه الطّباق.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان، قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله :
تصطكّ إلحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها
حتى بلغت إلى قوله:
تجرّ بالأهون من دعائها ... جزّ العجوز الثّنى من كسائها
فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.
فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها» . وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:
«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.
وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال :
لعمر الغوانى يوم صحراء أربد ... لقد هيّجت وجدا على ذى توجّد
ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.
وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك :
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.
وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.
وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:
أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
أشارت بأطراف البنان المخضّب ... وضنّت بما تحت النقاب المكتّب
وعضّت على تفاحة فى يمينها ... بذى أشر عذب المذاقة أشنب
وأومت بها نحوى فقمت مبادرا ... إليها فقالت: هل سمعت بأشعب
فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.
وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-24-2017 - 06:26 AM ]


أطرافه، ولا تتنافر أطراره ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.
ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب:
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك داء عضالا
إذا نبّها ليث عرّيسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت فقالت:
نفوسا ومالا.
وقال الآخر:
وفى أربع منّى حلت منك أربع ... فما أنا دار أيّها هاج لى كربى
أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمى ... أم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى
وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:
ألا إنّما الدنيا متاع غرور
فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت:
وإن عظمت فى أنفس وصدور
فقال: هذا هو الجيّد المختار.
وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدّثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة
ثم قال لبعضهم: أجز، فقال:
فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو
فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر:
فيالك مغدى مرة ورواحا
فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال:
وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
فقال: الآن تمّ البيت.
ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة :
ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة، لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.
وهكذا قول الأعشى :
وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
قوله: «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.
وهكذا قول عنترة :
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع
إنّ الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا
ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه.
وقول السموءل :
فنحن كماء المزن ما فى نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل
ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام» . من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.
وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس :
كأنّى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن وأدخل فى استواء النّسج؛ فكان يروى:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.
قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة :
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة، فيقال:
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحانا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
[ويقال]:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.
ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس :
محمد إنّ الحاسدين حشود ... وإنّ مصاب المزن حيث تريد
ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شىء.
وقريب من ذلك قول الطالبى:
قوم هدى الله العباد بجدّهم ... والمؤثرون الضيف بالأزواد
ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم:
إنّ الأعادى لن تنال قديمنا ... حتّى تنال كواكب الجوزاء
كم فى لجيم من أغرّ كأنّه ... صبح يشقّ طيالس الظّلماء
ومجرّب خضل السنان إذا التقى ... زحف بخاطرة الصدور ظلماء
وكقول القطامى :
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات والحصى رمض ... والريح ساكنة والظلّ معتدل
إلّا أنّ هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن؛ فهو كالشى الموضوع فى غير موضعه.
وينبغى أن تتجنّب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطيّر منها ويستشنع سماعها، مثل قول أبى نواس :
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغادى
وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله:
لقد أمسى صلاح أبى علىّ ... لأهل الأرض كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالى الموت حيث غدا وراحا
فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد أحسن القائل:
ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنه ... شهاب حريق واقد ثم خامد
ستألف فقدان الّذى قد فقدته ... كإلفك وجدان الّذى أنت واجد
فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة، حين أنشد عبد الملك:
رأيت الدهر يأكل كلّ حىّ ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنيّة حين تغدو ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى ... توفى نذرها بأبى الوليد
وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه، ومازال يرى كراهة شعره فى وجهه حتى مات.
وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق، وتتحرّى الحقّ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له.
وينبغى أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها، وتركب قافية تطيعك فى استيفائك له، كما فعل النابغة فى قوله :
واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد
يحفّه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد
فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب، وأصعب ما رامه شاعر منه؛ لأنه عمد إلى حساب دقيق، فأورده مشروحا ملخّصا، وحكاه حكاية صادقة. ولمّا احتاج إلى أن يذكر العدد والزيادة والثّمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه طريقه، واطّرد سبيله.
ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها»
:
هاج الخيال لنا ذكرى إذا طافا ... وافى يخادعنا والصبح قد وافى
وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف، والإسعاف، والأضعاف، والإسراف، وترك الاقتصار على الأنصاف؛ فجعل القصيدة فائية؛ فاستوى له مراده وقرب عليه مرامه، وهو قوله :
قضيت عنى ابن بسطام صنيعته ... عندى وضاعفت ما أولاه أضعافا
وكان معروفه قصدا إلىّ وما ... جازيته عنه تبذيرا وإسرافا
مئون عينا تولّيت الثّواب بها ... حتى انثنت لأبى العباس آلافا
قد كان يكفيه ممّا قدّمت يده ... ربّا يزيد على الآحاد أنصافا
ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا.
أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه، قال، قال خلف الأحمر: قال شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت أن الشاعر قال: «أنبت قيصوما وجثجاثا» فاحتمل، وقلت أنا: أنبت إجّاصا وتفاحا- فلم يحتمل.
والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شىء من كلام العامة وألفاظ الحشويّة، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال؛ ألا ترى إلى قول المتنبى :
أين البطاريق والحلف الّذى حلفوا ... بمفرق الملك والزّعم الّذى زعموا
هذا قبيح جدّا، وإنما سمع قول العامّة حلف برأسه، فأراد أن يقول مثله؛ فلم يستوله، فقال: بمفرق الملك، ولو جاز هذا لجاز أن يقول: حلف بيافوخ أبيه، وبقمحدوة سيّده.
وقبح هذا يدلّ على أنّ أمثاله غير جائز فى جميع المواضع، وهذا النوع فى شعر المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام.
ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيّة وخماسيّه دون ثلاثيّه، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فينبغى ألّا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرّك أن أصولها مستعملة؛ فالخروج عن الطريقة المشهورة والنّهج المسلوك ردىء على كل حال. ألا ترى أنّ الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل هذه الكلمة وهو ثلاثىّ، والثلاثىّ أكثر استعمالا، لما كان مقبولا ولا حسنا مرضيا؛ فقس على هذا.
ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة، مثل قول بعضهم:
لمّا التقينا صاح بين بيننا ... يدنى من القرب البعاد لحاقا
فقوله: «صاح بين بيننا» متكلّف جدا. فلو قال: «البين» كان أقرب؛ على أنّ البيت كلّه ردىء، ليس من وصف البلغاء.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-24-2017 - 06:30 AM ]


وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها، وهو كقول الشاعر:
له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
فلم يشبع.
وقول الآخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد
فقال: «ألم يأتيك» ، فلم يجزم.
وقال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
فحرّك حرف العلة.
وقال قعنب بن أمّ صاحب :
مهّلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
فأظهر التضعيف.
ومثله قول العجاج :
تشكو الوجى من أظلل وأظلل
وقال جميل :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدّهر منّى ومن جمل
وقال :
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين
فقطع ألف الوصل.
وقال غيره :
من الثّعالى ووخز من أرانيها
إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال.
وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السّناد والإقواء والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.
وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.
فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم:
يضحك منها كلّ عضو لها ... من بهجة العيش وحسن القوام
ترفل فى الدّار لها وفرة ... كوفرة الملط الخليع الغلام
كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا:
«بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.
وقول ابن طباطبا:
وعجلة تشدو بألحانها ... وكانت الكيّسة الخادمه
لو قال: «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.
وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة:
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
فقال له الملك : أفسدتها ببوزع.
وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنّى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر، فردّ شهادته، ولم يسأل عنه.
وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.
وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فردّه، وقال:
أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.
وهذه جملة كافية إذا تدبّرت، وبالله التوفيق.
ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن حميد: ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان- وإن كان مقصّرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك.
فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.
وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا، ويتجنّب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-24-2017 - 10:13 AM ]


من موقع االمكتبة الوقفيّة :
عنوان الكتاب: كتاب الصناعتين الكتابة والشعر
المؤلف: أبو هلال العسكري
المحقق: علي محمد البجاوي - محمد أبو الفضل إبراهيم
حالة الفهرسة: غير مفهرس
الناشر: عيسى البابي الحلبي
سنة النشر: 1371 - 1952
عدد المجلدات: 1
رقم الطبعة: 1
عدد الصفحات: 465
الحجم (بالميجا): 87
تاريخ إضافته: 01 / 11 / 2014

رابط التحميل من موقع Archive https://archive.org/details/ktsnktsh
التحميل المباشر:
الكتاب https://archive.org/download/ktsnktsh/ktsnktsh.pdf
مقدمة https://archive.org/download/ktsnktsh/ktsnktshp.pdf
ــــــــــــــــــ
من موقع الشاملة :
العسكري، أبو هلال
اسم المصنف أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري
تاريخ الوفاة نحو 395
ترجمة المصنف العسكري، أبو هلال ( ؟ - 395هـ، ؟ - 1005م).

أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد ابن يحي بن مهران اللغوي العسكري. عالم لغوي رائد، له جهد محفوظ في مجالات البلاغة والنقد والأدب، تتلمذ على يد خاله أبي أحمد العسكري صاحب شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف. وكثيرًا ما اختلطت أخبارهما، ونسب إلى أحدهما ما للآخر من أقوال أو مؤلفات. والمعلومات عن سيرته قليلة، سوى ما يذكرونه عن اشتغاله تاجرًا في الأقمشة احترازًا من الطمع والدناءة والتبذل، وقوله الشعر، واهتمامه بالأدب والنقد واللغة، وأخذ أبو سعد السمان الحافظ بالرّي عنه، وكذلك أبو الغنائم بن حماد المقرئ.
والغالب على مؤلفاته الأدب وما يتصل به. فله كتاب جمهرة الأمثال، ديوان المعالي ومعاني الأدب، وكتاب في شرح الحماسة، وكتاب أعلام المعاني في معاني الشعر وله ديوان شعر؛ وكتاب الصناعتين الشعر والنثر.
وفي هذا الكتاب الأخير اعتمد العسكري على التراث النقدي للمتقدّمين؛ فاستفاد منه في تقديم عدد من الوصايا لإعداد نص شعري أو نثري، وبيان ما هو مشترك بينهما كالأشكال البلاغية، فجعل كتابه في عشرة أبواب، الأول للبلاغة وحدودها، والثاني لتمييز جيد الكلام من رديئه، والثالث في معرفة صفة الكلام وترتيب الألفاظ، والباب الرابع في حسن النظم وجودة الرصف، وخصص الباب الخامس للإيجاز والإطناب، والباب السادس للسرقات الشعرية، وعقد السابع للتشبيه، والثامن للسجع، وعرض لفنون البديع في التاسع، أما العاشر فوقف فيه عند حسن المبادئ والمقاطع وجودة القوافي وحسن التخلص من غرض إلى غرض.
وبذلك قدم تصوّرًا لكيفية إنجاز نص شعري أو نثري وأبرز تلك الأشكال المشتركة بين الشعر والنثر، وإن لاحظ اختصاص بعض القضايا بأحد الفنين دون الآخر.
وإلى هذا الكتاب تعود شهرته في تاريخ النقد والبلاغة العربيين. وله كتب أخرى ذات صفة لغوية مثل: التلخيص؛ المعجم في بقية الأشياء؛ الفروق اللغوية؛ ما تلحن فيه العامة؛ نوادر الواحد والجمع.

نقلا عن
الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net
كتب المصنف بالموقع
معجم الفروق اللغوية = الفروق اللغوية بترتيب وزيادة
الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه
جمهرة الأمثال
ديوان المعاني
الفروق اللغوية للعسكري
الأوائل للعسكري
الصناعتين: الكتابة والشعر
التلخيص في معرفة أسماء الأشياء
الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري - معتزلي


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (120): من كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة لأبي علي التنوخي مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 11-13-2018 02:44 PM
سطور في كتاب (65): من كتاب الأحرف السبعة للقرآن لأبي عمرو الداني مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 10-21-2017 10:12 AM


الساعة الآن 11:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by