صور خلاف مقتضى الظاهر في القرآن الكريم
الأستاذ علي النجدي ناصف
1 - ضمير المفرد بمكان ضمير الجمع
(أ) قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴾ [الواقعة: 51 - 55][1].
شجر الزقوم كما يفهم من الآيات شجر يطعَمه الآثمون يوم القيامة جزاء بما كانوا يكسبون، ويختلف العلماء في تفسير الزقوم، فمِن قائل: إنه اسم يطلقه أهل اليمن على كل ما يتقيأ به، فهو - على هذا - لا يدل على نوع معين من الشجر، ولكنه يشمل كل ما تَقلِسُ له النفس، ويهيج منه البطن، فيقذف بما عسى أن يكون فيه، ويكون عقاب الآثمين بالأكل منه - أنهم يُحملون على أكله، وإنهم ليعلمون ما هو صانع بهم من التهوُّع وإثارة الجوف، ومِن قائل: إنَّه شجرة باليمن ليس لها ورق، وفروعها تشبه رؤوس الحيَّات، فيكون عقاب الآثمين بأكلها، إنهم يُحمَلون عليه مع ما يرون من بشاعة منظرها، وتقزز النفس منها، وسوء ما تخيله لهم حين يأكلونَها، حتَّى ليحسبون أنهم لا يأكلون من شجر؛ بل من رؤوس حيات.
ويفسِّر أبو جهل الزقوم في سخرية واستهزاء حين ذكر له، فيقول: إن هذه كلمة لم تكن من لغة قريش، وإن رجلاً أخبره أن أهل يثرب يقولون: تزقَّمت: إذا أكلت التمر بالزبد، فالزقوم في تفسيره مأخوذ من هذا الأصل، والأكل منه إذًا نعمة ورضا، لا نقمة وغضب[2].
ويذكر القرآن الكريم شجرة الزقوم، إذ يقول: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الصافات: 62 - 65]، ويذكرها ثانية، فيقول: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴾ [الدخان: 43 - 46][3]، ويصفها باللعن ولا يسميها، فيقول: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 60].
ونخلص من وصف القرآن لها بأنها شجرة لا كشجر الدنيا هيئة وطبيعة، فهي تنبت في قرار جهنم، وتنمو على السعير، خبيثة المطعم، كريهة المنظر، تعافها النفس، وتزور عنها العين، تضرم العطش في جوف طاعمها، فلا يجد غير الحميم، فيشرب منه، ليزيد ما يتأجج في جوفه من حر الظمأ؛ إذ لا معدى له عنه، ولا حيلة له في اتقاء شره.
نعود بعد ذلك إلى الآيات الَّتي ذكرناها أولاً، لننظر ماذا فيها من تخالف في تصريف الضمير، نرى أن شجر الزقوم قد عاد عليه ضميران: أولهما هو الضمير المتصل بمِن في قوله: ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴾ [الصافات: 66]، والآخر هو المتصل بعَلَى في قوله: ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ ﴾ [الواقعة: 54]، والأول - كما لا يخفى- ضمير لمؤنث، فهو مطابق لمعنى الشجر، وهو مرجع الضمير، والآخر ضمير لمذكر وهو مطابق للفظ مرجعه، وهو الشجر.
وما كان الضمير ليجيء في تصريفه على هذه الصورة: مرة على وفاق مرجعه معنى، ومرة على وفاقه لفظًا - إلا لحكمة أريد لها.
ويقول أبو حيان: (فمالئون منها)، الضمير في (منها) عائد على (شجر)، إذ هو اسم جنس، يؤنث ويذكر، (فشاربون عليه) قال الزمخشري: ذُكِرَ على لفظ الشجر، كما أنِّثَ على المعنى في (منها).. وقال ابن عطية: الضمير في (عليه) عائد على المأكول أو الأكل[4]
ولا خلاف أن اسم الجنس يجوز تذكير ضميره مراعاة لتذكير لفظه، ويجوز تأنيثه مراعاة لتعدده في معناه، لكن هذا لا يجيب عن سؤال مَن قد يسأل: لِمَ هذا التخالف بين الضميرين مع تقارب موقعيهما على صورة تشبه التعاقب والاتصال، ثم ما وجه تقديم المقدم وتأخير المؤخر دون العكس؟ وما قول ابن عطية بأفضل من قول صاحبيه، ولا أقرب منه إلى القبول، لأنه يجعل لكل من الضميرين مرجعًا، فضمير (منها) للشجر، وهو الوجه؛ لأنهما متجاوران والمعنى عليه، وضمير (عليه) للمأكول أو الأكل الذي تشير إليه كلمة (لآكلون)، وهي مذكورة قبل الشجر، وإذًا يكون على ضمير (عليه) أن يتخطى (الشجر) وضميرها، لكي يعود إلى مرجعه؛ أي: إنَّ الضمير الأول يعود إلى المرجع الآخر، والضمير الآخر يعود إلى المرجع الأول، ولا يخفى ما في هذا من مباعدة وتفريق لغير حكمة ظاهرة، ولا ضرورة ملجئة.
ويبدو - والله أعلم - أن هذا التخالف في صورته الآنفة - يراد به تصوير حال الآثمين حين يأكلون من شجر الزقوم، وإذ يقر ما يأكلون منه في بطونهم، فهم حين الأكل لا يأكلون من شجرة واحدة؛ بل من عدَّة من شَجَرِهِ، كأن لكل شجرة مذاقًا غير المذاق، وعملاً خلاف العمل، فبعض الشجر أخبث من بعض وأشد تعذيبًا، وفي تعدد ما يأكلون منه إذًا تنويع في العذاب ومزيد منه، والضمير الذي يصلح لذلك ويمثل معناه هو ضمير الجمع، لا ضمير المفرد.
وهم إذ تمتلئ بطونهم مما يأكلون، وإذ تستقر فيها أنواعه المتعددة - لا تظل على حالها الأولى من التمايز والتنوع، ولكن يمتزج بعضها ببعض حتى تصير في رأي العين شيئًا واحدًا، على نحو ما يصير إليه طعام الأحياء في الدنيا، حين يكون مؤلفًا من أصناف متعددة، بعد أن تعمل المعدة عملها فيه، والضمير الذي يصلح لذلك ويمثل معناه هو ضمير المفرد لا ضمير الجمع.
ولا يلبث الطاعمون من الزقوم أن يجدوا من حَر العطش ما لا يُطيقون صبرًا عليه، فلا يكون لهم مما يشربون إلا الحميم، فيشربون منه ضارين به كما يشرب الهيم، وهو على شدة حره، واستبشاع مذاقه، أهون عليهم مما يذيقهم العطش من هول العذاب.
(ب) ومما ذكر فيه ضمير المفرد بمكان ضمير الجمع قول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ﴾ [الأنعام: 138] [5]، وقوله في سورة النحل: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ﴾ [6] [النحل: 5 - 7].
يذكر الله تعالى الأنعام في كتابه الكريم ثمانيًا وعشرين مرة في مواطن متعددة، لدواعٍ مقتضية، وقد عوملت فيها كلها لغة معاملة جمع ما لا يعقل، إشارة إليها، أو إعادة للضمير عليها، أو إسنادًا إليها، كما في هاتين الآيتين.
وذكرت مرتين اثنتين لمقصد واحد، فجعلت في إحدى المرتين مؤنثة، وعاد عليها ضمير المؤنث، وجعلت في الأخرى مذكرة وعاد عليها ضمير المذكر، فأما الآية الأولى فقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [المؤمنون: 21]، وأما الأخرى فقوله عز من قائل في سورة النحل: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ [النحل: 66][7].
ونلاحظ أن المعنى الذي تقصد الآيتان إليه واحد، وهو التنبيه إلى نعمة جليلة من نِعَم الله على عباده، وآية بينة من آيات قدرته في خلقه، إذ يخرج لهم شرابًا طهورًا سائغًا للشاربين من حيث لا يخطر ببال أو يقع في ظن أن يمكن خروجه منه، إنه يتحلَّب من بين الفرث والدم، والفرث نِفايَة نجسة مستقذرة، ينفر منها الطبع، وينبو عنها البصر، والدم خبيث مستكره، يزور الناس عنه، وتشمئز نفوسهم منه، فهم لا يرونه سائلاً إلا نزفًا من قتيل أو ذبيح أو طعين.
ذلك مبلغ الآيتين من الوفاق في المعنى، ويوشك الوفاق بينهما في العبارة أن يكون واحدًا أيضًا، فالمفردات واحدة، ونظم الأسلوب واحد، وكل ما بينهما من فرق أن الآية الأولى تسمي الشراب، وتحدد مسيله من البطن، وتصفه بالنقاء وطيب المذاق، أما الآية الثانية فقد اكتفت بذكره إجمالاً، وتركت للآية الأولى وصفه وتفصيل أمره، ثم إنها أنثت ضمير الأنعام كما أنثته سائر الآيات إلا الآية الأولى، فهي وحدها الَّتي أعادت عليها ضميرها مفردًا مذكرًا، وهو خلاف يسترعي الانتباه، ويدعو إلى التدبر والمساءلة.
وقد عُنِي السلف من علمائنا بالنظر في تذكير ضمير الأنعام في الآية الثانية دون سائر الآيات، فقالوا فيها أقوالاً، وذهبوا مذاهب؛ فقال سيبويه في باب ما لا ينصرف: "وأما (أفعَال) فقد يقع للواحد، ومن العرب من يقول: هو الأنعَام، وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾"[8]، ويريد سيبويه أن ما جاء من جموع التكسير على وزن "أفعال" يصرف؛ لأنه يقع على المفرد عند بعض العرب، ثم عاد فقال في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة من غير الفعل: "وليس في الكلام أفعِيل.. ولا أفعال إلا أن تكسر عليه اسمًا للجمع"[9]، ويدل هذان النصان على أن وزن أفعال جمع عند سيبويه، وأن الإفراد لغة فيه.
وقال الفراء: "وأما قوله: ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ [النحل: 66]، ولم يقل: في بطونها، فإنه قيل والله أعلم: إن النعم والأنعام شيء واحد، وهما جمعان، فرجع التذكير إلى معنى النعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام.. وقال الكسائي: ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ [النحل: 66]: بطون ما ذكرنا، وهو صواب، وأنشدني بعضهم:
مِثْلَ الْفِرَاخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهْ [10]
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "يَجوزُ أن يُقال في (الأنعَام) وجهان: أحدُهُما أن يكون تكسير (نَعْم)، كأحبال في حبل، وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع، فإذا ذكر فكما ذكر (نَعْم) في قوله:
فِي كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ♦♦♦ يُلْقِحُه قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ[11]
وإذا أنِّث ففيه وجهان: أنه تكسير نَعْم، وأنه في معنى الجمع"[12].
قال أبو حيان: "أعاد الضمير مذكرًا مراعاة للجنس؛ لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه - جاز عَودُه عليه مذكرًا.. وقيل: جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ومعاملة الجمع، فيعود الضمير عليه مفردًا"[13].
وما أريد أن أذكر أكثر مما ذكرت من الآراء الَّتي رآها علماؤنا الأعلام، توجيهًا لتذكير الضمير العائد على الأنعام، خلافًا لمقتضى الظاهر، ففيما ذكرت منها كفاية وغناء، وإنما الذي أريد أن أزيده أن هذه الآراء قد دلَّت بكثرة عددها، وتعارض دلالتها - على الحيرة والاضطراب، فالحقائق البيِّنة لا تكاد تختلف فيها الآراء مثل هذا الاختلاف.
وعندي أن هذا الذي قالوه - على نفاسته وجلالة قدره - لا ينقع من غلة، ولا يهدي من حيرة، فليست المشكلة في صميمها من اللُّغة، وليس الذي نشتد في طلبه أن نجد وجهًا من الرأي يقنع بأن تذكير الضمير الراجع إلى الأنعام جارٍ على سنن العربيَّة واقعًا، وإن كان جاريًا على خلافها ظاهرًا، ولكن الحقيقة الَّتي نطلبها، ونرتجي الاهتداء إليها هو السر الذي ينطوي عليه تذكير ضمير الأنعام في سورة النحل خاصَّة، مع تأنيثه في جميع الآيات الَّتي ذكرت فيها، ولا سيما آية "المؤمنون"، على ما بينهما من تشابه كبير، يكاد يجعل منهما آية واحدة وردت في موضعين مختلِفين.
لنرجع إذًا إلى جملة الآيات الَّتي ذكرت في أثنائها الآيتان اللتان يدور حولهما الحديث، ولننظر هناك نظر تدبر وأناة، لعلنا نهتدي إلى ما نريد؛ فأما آيات النحل فهي: ﴿ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ [النحل: 65 - 69][14].
وأما آيات "المؤمنون" فهي: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ [المؤمنون: 18 - 22].
ونلاحظ أن الآيات في السورتين تُذكِّر أول ما تُذكر بنعمة الماء وفضله على الحياة والأحياء، وأن آيات النحل بعد هذا تسمي ثلاثة أشربة، وهي اللبن، والسكر، والعسل؛ أما آيات "المؤمنون" فلا تسمي من الأشربة غير اللبن، وأما الدهن الذي تَنبُت به شجرة طور سيناء فليس بشراب، ولكنه صبغ[15] للآكلين، كما يقول القرآن الكريم.
والأنعام والنحل تلتقيان على وفاق وسواء، فكلتاهما تحيا حياة ذات روح، وكلتاهما يخرج من بطونها شراب فيه للناس غذاء، أو غداء وشفاء، والبحث إذًا يدور على الأنعام ولبنها، والنحل وعسلها؛ فأما الأنعام فآحادها سواء فيما تدر به من اللبن، ليس بَينَها فيه خلاف أو تكاد، هو من هذه مثله من تلك، لونًا، ورائحة، ومذاقًا، وأثرًا في الشاربين؛ فالأنعام من هذا الجانب جمع عددًا، وواحد فيما يخرج منها من اللبن، وعود الضمير عليها مفردًا مذكرًا يشير من طرف خفي إلى هذه اللطيفة من لطائف التعبير: أنه شراب لا خلاف بينه، ولا تنويع فيه، والإبل فيه سواء.
وأما النحل فعلى خلاف ذلك فيما يخرج منها من العسل؛ لأن عسلها كما جاء في الآية، وكما يرى في الواقع: ﴿ شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ [النحل: 69]، منه الصافي النَّقي الذي نَصِفه بالأبيض، ومنه الأصفر والأدكَن والأسود، وهو كذلك مختلف مذاقًا ورائحة، تبعًا لاختلاف ما تأكله من الثمرات، وعود الضمير عليها مؤنثًا خلافًا لضمير الأنعام، مع ما بينهما من أسباب الوفاق، يشير كذلك إلى اللطيفة البلاغيَّة الَّتي أشار إلى مثلها ضمير الأنعام: إنه شراب فيه تنوع وبينه خلاف، وكأن النحل فيه طوائف وأنواع.
بقي أن ضمير الثمرات جاء مفردًا مذكرًا، وهي جمع لمؤنث، فلم يتطابق الضمير ومرجعه، والواقع أن مرجع الضمير ليس هو الثمرات؛ لأن السكر لا يتخذ منها مباشرة، ولكن من الرحيق الذي يعصر منها، وإنما مرجعه محذوف قبل الثمرات، وتأويل الآية إذًا: ومن عصير ثمرات النخيل تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
2 - ضمير الجمع بمكان ضمير المفرد
(أ) يحل ضمير الجمع محل ضمير المفرد في قوله سبحانه: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾ [محمد: 16].
في هذه الآية الكريمة ضميران يرجعان إلى مرجع واحد، وهو (مَن) الموصولة، أحدهما مستتر يستكن في الفعل (يستمع)، والآخر بارز يتصل بالفعل (خرجوا)، فقد جاء ضمير الجمع في (خرجوا) مكان ضمير المفرد في (يستمع)، وظاهر النظم يقتضي أن يكون الضميران مفردين، لأن أولهما مفرد.
غير أن الآية بتخالف الضميرين فيها على هذا النحو تُصوِّر حالاً من أحوال النفاق، فيما يصطنع من أساليب الرياء والخداع، فهؤلاء جماعة من المنافقين يحضرون مجلس الرسول - عليه السلام - أشتاتًا، فيجلسون إليه، ويستمعون له في سكينة واطمئنان، شاخصة أبصارهم انجذابًا إليه، وتعلقًا به، لا تفاوت بينهم في هذا ولا خلاف، تكاد ترى جمعهم في أحدهم، وضمير الواحد إذًا أشبه بهم، وأدل على حالهم، فكان لذلك - والله أعلم - (يستمع) بمكان يستمعون.