صيحة في سبيل العربية
الباحثة: فرح الشويخ
تمهيد:
توالت الصيحات المدافعةُ عن اللغة العربية تباعا منذ عصور الانحطاط، والمنددةُ بما تعرضت له لغتنا من إهمال وتهميش من طرف أبناء جلدتها، والداعيةُ إلى نهضة العربية وثقافتها، وكان الشعر إلى جانب النثر في خدمة هذه الدعوة، فهذا حافظ إبراهيم يصيح بلسان العربية في قصيدته «اللغة العربية تَنعى حظها بين أهلها» والتي نشرت سنة 1903م، قائلا:
رَجَعْتُ لنفْسِي فَاتَّهَمْتُ حَصَاتِي وَنَادَيْتُ قَوْمِي فَاحْتَسَبْتُ حَياتِي
رَمَوْنِي بِعُقْمٍ فِي الشَّبَابِ وَلَيْتَنِي عَقِمْتُ فَلَمْ أَجْزَعْ لِقَوْلِ عُدَاتِي
وَلَدْتُ وَلَمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسِي رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتـِي
إلى أن يقول:
وأَسْمَعُ للكُتَّابِ في مِصْرَ ضَجَّة فأعلَمُ أنَّ الصَّائِحِينَ نُعَاتِي
أَيَهْجُرُنِي قَومِي - عَفَا اللهُ عَنْهُمُ- إلى لُغَة لَم تَتَّصِل بِرُوَاةِ؟
سَرَتْ لُوثَةُ الإفْرَنْج فِيهَا كَمَا سَرَى لُعَابُ الأَفَاعِي فِي مَسِيلِ فُرَاتِ(1)
وهذا شوقي يحض على صيانة اللغة باعتبارها من أبرز مظاهر الهوية فيقول:
وصُنْ لغةً يحِقُّ لها الصِّيانُ فخيرُ مظاهِرِ الأُمَمِ البَيَانُ
وكان الشعبُ ليس له لِسانٌ غريباً في مواطِنِهِ مَضِيمَا
* * *
أَلم تَرَها تُنَالُ بكل ضَيْرِ وكان الخيرُ إذ كانت بخيرِ
أَيَنطقُ في المشارقِ كُلُّ طيرِ ويَبقى أَهلُها رَخَماً وَبُومَا(2)
وهذا علال الفاسي يصيح في المغرب الأقصى دفاعا عن العربية فيقول في قصيدته «اضطهاد لغة القرآن»:
إِلَى مَتَى لُغَة القُرآنِ تُضْطَهَدُ وَيَسْتَبِيحُ حِمَاهَا الأَهْلُ والوَلَدُ
أَمَا يَرَونَ انَّهَا فِي الدَّهْر عُدَّتُهمْ ومَالَهم دُونَهَا فِي الكَوْنِ مُلْتَحَدُ
وَلَنْ تَقُومَ لَهُم فِي النَّاسِ قَائِمَةٌ أَو يَسْتَقِيم لَهُم فِي العَيْشِ مَا نَشَدُوا
فما أحوجنا إلى مثل هذه الصيحات في عصرنا الحديث !!!
والكلام المنثور في هذا الباب كثير ولا سبيل إلى حصره، وسنقصر الكلام في هذا السياق على كتاب «صيحة في سبيل العربية مقالات من أجل نهضة العربية وثقافتها»، يقول محرر الكتاب:" وإحدى أهم خلاصات هذا الكتاب: التنبيه إلى أن مصيبتنا في لغتنا تتضاءل دونها كل مصيبة [...] وهذه الصيحة موجهة، بصورة أولية، إلى أصحاب القرار والتخطيط والتوجيه والتنفيذ في مجالات التعليم والإعلام والتشريع.." (3).
مؤلف الكتاب:
ولادته:
وُلِد العلامة محمود محمد الطناحي – رحمه الله- عام 1935م، بمحافظة المنوفية بمصر.
حياته العلمية ومصنفاته:
جَلَس الطناحي في حياته العلمية إلى كبار المحققين للتراث العربي وتتلمذ على يديهم واغترف من بحر علمهم مثل الشيخ عبد السلام محمد هارون ومحمود شاكر وقد " كان الطناحي من أحب تلاميذه ومريديه إليه، وأكثرهم ملازمة له، ومعرفة بعلمه، وإحاطة بمناهجه"(4)، إضافة إلى عبد الفتاح الحلو ومحمد محيي الدين عبد الحميد وفؤاد سيد، مما مكنه من اكتساب خبرة واسعة بتحقيق النصوص التراثية، وكذا بالخطوط العربية وتاريخها، فكان خير خلف لخير سلف كما يقال.
وقد خدم التراث العربي والثقافة الإسلامية خير خدمة، يقول ابنه محمد الطناحي:" لقد كان – رحمه الله تعالى- عالما من جلة العلماء الباحثين المتعمقين في التراث الإسلامي، تحقيقا وتدريسا له وتعريفا به وانقطاعا إليه واستغراقا وبحثا فيه، خدم الثقافة الإسلامية خير خدمة من خلال موقعه العلمي المتميز أستاذا مبرزا في أعرق الجامعات العربية، وعضوا ومستشارا وخبيرا في أكبر الهيئات والمؤسسات الثقافية العربية، وكاتبا مدققا في أقدم المجلات الثقافية العربية وأشهرها، كما خدم – رحمه الله- الثقافة الإسلامية أيضا من خلال ما قدم إلى المكتبة العربية من مؤلفات وتحقيقات تبرز علما غزيرا واطلاعا وسيعا وثقافة متبحرة ومعرفة متنوعة، قَلَّ أن تجد لذلك كله نظيرا أو شبيها"(5).
وكان إلى ذلك من المنافحين عن حياض العربية بإخلاص ومعرفة واسعة(6)، فقد " تمركزت حياته – رحمه الله- على محور اللغة ... وهذا من منطلق إيمانه بأن اللغة هي وعاء الحضارة وكون الاهتمام باللغة – في كل مجال- بداية النهضة الحقيقية للأمة، وأس بنيانها كله"(7).
ولما كان الطناحي – رحمه الله- ذا خبرة واسعة بالمخطوطات العربية فقد تمكن من تحقيق مجموعة من عيون التراث العربي ونشرها وهي كالآتي:
1- « النهاية في غريب الحديث والأثر»، لمجد الدين ابن الأثير بالاشتراك مع الشيخ طاهر أحمد الزاوي، نشر سنة1963م.
2- «طبقات الشافعية الكبرى»، لابن السبكي، بالاشتراك مع الدكتور عبد الفتاح الحلو، ونشر سنة 1964م.
3- « العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» لتقي الدين محمد بن أحمد الحسنيّ الفاسي المكيّ [الجزء الثامن]، نشر سنة 1986م.
4- « كتاب الغريبين – غريبي القرآن والحديث -» لأبي عبيد الهروي [الجزء الأول] سنة 1970م.
5-«الفصول الخمسون»، لزين الدين أبي الحسن يحيى بن عبد المعطي، المشهور بابن معطي، وأصل الكتاب رسالة لنيل شهادة الماجستير، سنة 1976م، أشرف عليها الأستاذ عبد السلام هارون.
6- « تاج العروس من جواهر القاموس» للمرتضى الزبيدي، [الجزآن السادس عشر والثامن والعشرون].
7- « منال الطالب في شرح طوال الغرائب» لمجد الدين ابن الأثير، سنة 1983م.
8- « أرجوزة قديمة في النحو» لليشكري، نشر ضمن كتاب «دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أبي فهر محمود محمد شاكر بمناسبة بلوغه السبعين» سنة 1982م.
9- «كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب»، لأبي علي الفارسي، نشر سنة 1988م في جزأين.
10- « أمالي ابن الشجري» سنة 1992م في ثلاثة أجزاء.
11-« ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات»، لأبي عبد الرحمن السلمي سنة 1993م.
12-« أعمار الأعيان» لابن الجوزي سنة 1994م.
إلى جانب الكتب التي ألفها ومنها:
- «من أسرار اللغة في الكتاب والسنة: معجم لغوي ثقافي».
- «مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي» مع محاضرة عن التصحيف والتحريف.
- «الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم».
وكذلك الكتب التي قام بفهرستها ومن المأثور عنه أنه كان يقول: «الكتب بلا فهارس كنز بلا مفتاح» ومن بين هذه الكتب:
- « فهارس كتاب الأصول في النحو لابن السراج».
- « فهارس كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام».
وبعد وفاته جمعت مقالاته وأبحاثه في أربعة مجلدات كبرى، بعنوانين مختلفين:
- «في اللغة والأدب: دراسات وبحوث» في مجلدين، منشورات دار الغرب الإسلامي سنة 2002م.
- « مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي، صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب» في مجلدين أيضا، منشورات دار البشائر الإسلامية سنة 2002م.
وفاته:
توفي يوم الثلاثاء السادس من ذي الحجة عام 1419هـ، الموافق للثالث والعشرين من شهر مارس عام 1999م.
أصل الكتاب:
أصل هذا الكتاب كما ذكر محرره خمس مقالات وبحثان للدكتور محمود الطناحي؛ فالكتاب ليس من تأليف هذا الأخير وإنما هو من عمل المحرر أحمد عبد الرحيم الذي ارتأى جمعَ هذه المقالات وهذين البحثين في مؤلف واحد تحت عنوان «صيحة في سبيل العربية»، لكونها تدور في فلك واحد كما سيظهر عند الحديث عن مضمون الكتاب، وهو السبيل إلى النهوض بالعربية من خلال رصد مظاهر ضعف الأجيال المتأخرة في علوم العربية خاصة ما يتعلق بقواعد علم النحو، مع كشف الأسباب المؤدية إلى ذلك واقتراح حلول ناجعة وكفيلة بحل هذه الأزمة أو هذه المصيبة كما يحلو للبعض أن يسميها، وقمينة بترسيخ العربية في نفوس الناشئة وألسنتها.
يقول المحرر بعد حديثه عن المواد التي جمعها في الكتاب:" إن هذين البحثين وهذه المقالات الخمس أو السبع تفصيلا جديرة بنشرها في رسالة مستقلة، لتطبع وتعمم على جامعاتنا وأهل الإعلام والصحافة وعموم المثقفين، لعلها تسهم بما فيها من رؤية صائبة، وتحليل رصين، وخطوات عملية منهجية في علاج هذا الانحدار المرعب الذي تهوي إليه ثقافتنا وآدابنا عبر الإعلام.. ومكتوبا، ومرئيا، ومسموعا"(8).
عنوانه:
ذكرنا سابقا أن أصل هذا الكتاب مجموعة من المقالات والبحوث التي كتبها الطناحي – رحمه الله - في جرائدَ ومجلاتٍ ولم يجمعها في كتاب معين، وإنما هذا العمل من صنع المحرر الأستاذ أحمد عبد الرحيم.
وقد جعل المحرر عنوان الكتاب مقسما إلى قسمين، عنوان رئيسي وهو « صيحة في سبيل العربية»، وعنوان فرعي يظهر على الغلاف بخط أصغر من خط العنوان الرئيسي الذي كتب بخط كبير وهو «مقالات من أجل نهضة العربية وثقافتها»، والعنوان الرئيسي قريب من عنوان أولى هذه المقالات المختارة، وخيرا فَعَل المحرر لأن عنوان هذه المقالة دال على ما في الكتاب كلِّه كما سيتبين عند الحديث عن مضمون الكتاب.
وتدل مادة "صيح" في «لسان العرب» على ما يلي:" صيح: الصِّياحُ: الصوتُ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: صوتُ كُلِّ شَيْءٍ إِذا اشْتَدَّ. صاحَ يَصِيحُ صَيْحة وصِياحاً وصُياحاً، بِالضَّمِّ، وصَيْحاً وصَيَحاناً، بِالتَّحْرِيكِ، وصَيَّحَ: صَوَّتَ بأَقصى طَاقَتِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ"(9).
وما أحسب الطناحي –رحمه الله - إلا أراد هذا المعنى؛ أي أن يُصَوِّتَ بأقصى طاقته دفاعا عن اللغة العربية، ومن أجل النهوض بها وبعلومها وبثقافتها، وأن ينبه الأجيال القادمة إلى مسؤوليتهم إزاء لغة القرآن الكريم، فهل هناك من مجيب؟؟!!!
مضمونه:
ينقسم هذا الكتاب إلى خمس مقالات وبحثين وهي كالآتي:
المقالة الأولى: صيحة من أجل اللغة العربية [ هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلسمات]:
أشار الطناحي في بداية هذه المقالة إلى التدني الذي وصل إليه خريجو أقسام اللغة العربية في جامعاتنا في العقود الأخيرة وتأثيراته في اللغة العربية، وفي تراثنا العربي، فضلا عن الأخطاء اللغوية والنحوية وآثار كل ذلك في تلاوة القرآن العزيز؛ لأن القضية كما قال:" قد صارت دينا يُغْتَال وشريعة تُنْتَهَك"(10).
وقد أرجع الطناحي أسباب هذا الخلل إلى ما يتلقاه طلبة العربية في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات من أمشاج من قواعد النحو والصرف، وكذا إلى هجر الكتاب القديم وهو وعاء العلم ومستودع التراث ورَدُّ ذلك إلى التيسير والتسهيل، يقول:" وكان من أخطر الأمور رد ذلك إلى التيسير والتسهيل والتخفيف على الناشئة، ولقد مضينا في التيسير والتسهيل خطوات وخطوات حتى انتهينا إلى هذا الذي نشكو منه ونضيق به، ونسأل الله السلامة منه!" (11).
ويعرض المؤلف في هذا السياق نماذج من كتب المتقدمين من مختصرات ورسائل موجزة في النحو والصرف تثبت أن فكرة التيسير على الناشئة كانت ظاهرة بينة في فكر النحاة الأوائل ليدفع بذلك تهمة صعوبة وغموض الكتب القديمة أو ما شابه ذلك.
ومن أخطر ما سجله الطناحي في هذا الموضوع اقتران تعليم النحو من خلال المذكرات والمختصرات بالطعن على أئمة النحاة والإزراء بتصانيفهم، وغياب المنهجية في تآليفهم، ومحاكمتهم إلى مناهج غربية ظهرت بعدهم بقرون.
كما يعرض في هذه المقالة المسيرة الضخمة التي كان يقطعها الطلبة في جيله وقبله وبعده بقليل في تعلم النحو من خلال الكتاب القديم، يقول:" فهؤلاء جميعا قد تعلموا النحو من خلال الكتاب القديم، على هذا السياق، وبذلك الترتيب: التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية – تنقيح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري- قطر الندى وبل الصدى- شذور الذهب في معرفة كلام العرب كلاهما لابن هشام- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك- أوضح المسالك على ألفية ابن مالك لابن هشام، شرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان عليه.
وبهذه المسيرة الأصيلة الضخمة استطاع أساتذتنا وزملاؤنا أن يفقهوا النحو ويبرعوا فيه، ثم يكتبوا مذكراتهم ومختصراتهم، وأيضا نقدهم للفكر النحوي. ولو أنهم تربوا من أول أمرهم على المذكرات، وتعلموا من المختصرات؛ لما فقهوا، ولما برعوا، ولما كتبوا نحوهم « الكافي» و« الشافي» و« الصافي» و«الوافي»!"(12).
ونبه أيضا على أنه لا ينبغي أن يلتفت إلى ما يقال من أن هذا عيث في اللغة العربىة أن تعتمد على الحفظ الأصم الأعمى لأن هذا أمر معروف في سائر اللغات، يقول:" وما دخل علينا البلاء، واستبد بنا الضعف، إلا يوم أن هجرنا هذه الضوابط الكلية، ونفرنا من الحفظ، واجتوينا النصوص .. ثم غرقنا في البحث النظري، الذي أسلمنا إلى التجريد والمطلق!" (13)، ويقترح الطناحي – رحمه الله- العودة إلى جيل المتون فيقول:" ولا سبيل لنا إذا أردنا صلاح الحال وإصلاح الألسنة ، إلا إحياء جيل المتون والحفظة، وذلك لن يكون إلا بالعودة في تدريس النحو إلى الكتاب القديم والنص التراثي، فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها"(14).
المقالة الثانية: الحفظ وأثره في ضبط قوانين العربية:
تحدث الطناحي – رحمه الله- في هذه المقالة عن المستوى المتدني من علوم العربية قراءة وكتابة وعن الفجوة الواسعة بين النظرية والتطبيق أو بين المحفوظ والملفوظ سواء في القرآن أو الحديث، ومثال ذلك عنده النحوي الذي يضبط قواعد النحو " فإذا أخَذَ في كلام أو أَدَارَ قلمه على بيان، خلَّط واعتسفَ وأخطَأ"(15).
وقد شدد المؤلف أيضا على ضرورة الحفظ، إيمانا منه بأن موضع الضعف أو الخلل أو العجز ناشئ عن اطراح الحفظ وهجر النصوص وإهمال التطبيق، مقابل الإسراف في النظريات يقول:" إن الإسراف في النظريات والمناهج هو الذي أضعف إحساس أبنائنا بالعربية الأولى، وهو الذي أورثهم العجز الذي يأخذ بألسنتهم وأقلامهم ، فلا يستطيعون قولا ولا بيانا"(16).
كما أكد أن من الجوانب التي أهملت جانبَ النصوص أو الحفظ، يقول:" فإنه يشيع في أيامنا هذه كلام عجيب، يُبغِّض إلى طالب العربية « الحفظَ» ويزهده فيه، بل إن الأمر قد تعدى ذلك إلى تثبيت قاعدة تجعل « الحفظ» مقابل« الفهم»، وأن الطالب الذي يحفظ «صمام» وغير قادر على الفهم والاستيعاب"(17)، مشيرا إلى أن طبيعة تعلم العربية تقتضي حفظ كثير من النصوص لتثبيت القواعد والتمكين للأبنية والتراكيب في ذهن طالب العلم، على أن من فوائد الحفظ أنه مكن طائفة من عباقرة العربية العميان أن يسجلوا لنا هذا القدر الضخم من المعارف الإنسانية أمثال أبي العلاء المعري وابن سيده والإمام الترمذي والشاطبي المُقرئ إضافة إلى طه حسين في العصر الحديث.
وقد استشهد الطناحي في هذا السياق بما ذكره العلامة ابن خلدون في كتابي «العبر» و«المقدمة» عن ضرورة الحفظ وكثرته من أجل تحصيل ملكة الكلام العربي ويدخل في ذلك "حفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم، من القرآن والحديث وكلام السلف، ومخاطبات فحول الشعراء في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم.. حتى يتنزل، لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم"(18).
يرد الطناحي في الفصل الثاني من المقالة الثانية المعنون بـ " هل الحفظ مطلوب" على الذين يشترطون للحفظ الفهم لأن الإلحاح بالحفظ الدائم المستمر – في نظره- مما يمهد للفهم لا محالة، واستدل على أهمية الحفظ في العملية التعليمية بالمنظومات الكثيرة في اللغة والنحو والفرائض والقراءات لضبط القواعد وتثبيت الأحكام، وإلى جانب هذه المنظومات المطولة توجد كذلك مجموعة من الأبيات الشعرية لضبط القاعدة وترسيخها إلى جانب الضوابط النثرية، يقول الطناحي:" فالحفظ وسيلة ضبط وإتقان ينبغي أن تراعى من أول درجة من درجات سلم التعليم. ولا تشفقوا على الصغار والناشئة.. فإن فيهم خيرا كثيرا"(19).
وقد أكد أيضا أنه يجب أشد الوجوب أن نشد أبناءنا إلى القرآن الكريم باعتباره كتاب عربية وبيان وأن يكون اختيارنا لآياته في مقرر « القراءة والنصوص» قائما على تلك الآيات التي تنمي الحس اللغوي والنحوي عند التلاميذ؛ لأن النصوص التراثية وأعلاها كلام ربنا – عز وجل- وسيلة ضبط وإتقان إذا اعتنينا بها قراءة وحفظا.
المقالة الثالثة: الكتب الصفراء والحضارة العربية:
يرد الطناحي في هذه المقالة على الذين تهجموا على " الكتب الصفراء" وهو الوصف الذي ورد في كلام الأستاذ حجازي والدكتور العراقي في مقام الذم والسخرية بحيث صار استعمال هذا الوصف مرادفا للأدب الغث والفكر الهزيل المتخلف.
ويعرض الطناحي في هذا الصدد تاريخ " الورق الأصفر" مشيرا إلى أن تراثنا كله جاءنا في الورق الأصفر مثل تفاسير القرآن الكريم، ودواوين السنة المطهرة وغيرها من أمات الكتب العربية.
ومن مزايا الورق الصفر التي ذكرها الطناحي طبع كتاب أو كتابين بهامش الكتاب الأصلي أو بآخره إن كان له صلة بالكتاب الأصلي، فضلا عن ارتباط الورق الأصفر عند عارفي الكتب وجامعيها بجودة التصحيح وكمال الإخراج.
.