علم النحو والدفاع عن فصاحة القرآن
أبو أنس أشرف بن يوسف بن حسن
منذ أن أنزل الله تعالى القرآن، وبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقامت أمة الإسلام، منذ ذلك الحين، والكفار يحترقون - على اختلاف أنواع كفرهم وعقائدهم النجسة - كمدًا وغيظًا على هذا الدين، فيحاربونه بالسلاح تارة، وبالصد عنه طريق الطعن فيه، وفي كتابه تارة أخرى، وقد وصف الله تعالى في كتابه هذه الحرب المستمرة، وهذا الحسد المستعر أتم الوصف وأبلغه، فقال سبحانه: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾. وقال عز وجل: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾. ويساند هؤلاء الكفرة المشركين طائفة - وللأسف الشديد - من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، باعوا دينهم وآخرتهم بعرض من الدنيا قليل، هم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم، وسار على منوالهم قذفوه فيها.
فأصبح كتاب الله سبحانه هدفًا لأصحاب القلوب والأقلام النجسة من المستشرقين، ومن بطانتهم وأذيالهم ممن ينتسبون إلى أمة الإسلام، والإسلام منهم بريء.
وقامت حملة شرسة، يقودها مجموعة من المغفلين والحمقى والسفلة، فزعموا - و "زعموا" مطية الكذب - أن في قرآننا العظيم أخطاء لغوية، وأن فيه لحنًا.
ولن أجد كلامًا أصف به هذه الفرية الشنيعة أبلغ من قوله تعالى: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾.
وما افترى هؤلاء الفجرة مثل هذه الفرية، وما اخترعوا هذه الأكذوبة إلا لما رأوه من انصراف عامة المسلمين - بل أقول: عامة طلاب العلم - عن تعلم قواعد هذه اللغة الكريمة، والاستفاضة في دراستها[1]، التي بتعلمها يمكن درء هذه الفتنة، ودحض هذه الشبهة، وإلقام هؤلاء الزنادقة في أفواههم أحجارًا، تردهم خائبين خاسرين.
ولذلك فأنا لم أذكر هذه الفرية هنا؛ لقوتها، أو لأنها ذات شأن[2]، ولكن ذكرتها من أجل شحذ الهمم لسد هذه الثغرة، وغلق هذا البا، فالهدف من وراء ذكرى لها أن يقوم جيل من طلبة العلم، ويهبوا أعمارهم لله، فيفنوها في تعلم قواعد هذه اللغة الكريمة، حتى إذا ما حاول أحد الأقزام الاقتراب من حياض القرآن وجد أن هناك حراسًا أسدًا ينافحون ويدافعون عن كتابهم دفاع رجال علماء، فيرتد على عقبه خائبًا ذليلًا كسيرًا.
فيا طالب العلم، كيف يطيب لك قرار، ويغمض لك جفن، وكتاب ربك هدف لسهام الحاقدين، ألا تهب للذب عنه، وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، عن أسماء بنت يزيد، وصححه الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار".
هذا فيمن يذب ويدافع عن عرض أخيه المسلم، فما بالك بمن نصب نفسه، ووهب عمره للدفاع عن كتاب ربه سبحانه.
ولتعلم - أخي الكريم - أن كل قائم على ثغرة من ثغرات هذا الدين، أنه في عمق المعركة، ويا عار وهزيمة فرد أُتيت الأمة من ثغرة يقوم على حراستها.
فلينطلق كل امرئ حسب طاقته ♦♦♦ يسد ثغرته سرًا وإعلانًا
ولتعلم - أخي طالب العلم - أن أشرف الأعمال قاطبة أن تموت خادمًا لهذا الدين.
فانشد العلياء وادفع مهرها ♦♦♦ طالب الحسناء لا يخشى الثمن
ولتعلم - أخي الكريم، وفقني الله وإياك - أن ما يقوم به هؤلاء الكفرة وأذنابهم ما هو إلا صرير باب، وطنين ذباب، وحيلة عاجز، وحجة عجائز.
وإنا لتقول لهم: ألا خبتم، لو ضربتم الجبل بالزجاج ألف ضربة ما انكسر، ولو سترتم الصبح بكل شيء ما انستر. ومن العجائب، والعجائب جمة، أن تسخر القرعاء بالفرعاء.
والشمس لا تخفى محاسنها ♦♦♦ وإن غطى عليها برقع الأنوار
لكن أنى يرى الشمس خفاش يلاحظها ♦♦♦ والشمس تبهر أبصار الخفافيش
اسمعوا يا معشر الكفرة والملحدين، يا أيها الرعاع:
هاشم جدنا فإن كنت غضبى ♦♦♦ فاملئي وجهك القيح خدوشًا
موتوا بغيظكم، واخسأوا اعداء الله، فلن تعدوا قدركم، ولا تنسوا أيها الحمقى المغفلون أن قرآننا هو أشرف الكتب، فهو باق، وإن كاد به الكائدون، ومكر به الماكرون، قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾.
لقد ملأ الحقد قلوبهم، والغل صدورهم: حسدًا على نعمة الإسلام، التي أنعم الله بها على المسلمين، وقد قال الشاعر:
يا كعب ما إن ترى من بيت مكرمة ♦♦♦ إلا له من بيوت الشر حسادًا
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ♦♦♦ فهي الشهادة لي بأني كامل
وما أنتم إلا:
كناطع صخرة يومًا ليوهنها ♦♦♦ فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فانتبهوا:
يا ناطح الجبل العالي ليوهنه ♦♦♦ أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
وتيقنوا أن قرآننا العظيم سيظل قائمًا ثابتا بإذن الله تعالى[3]، مهما حاول الأوباش أمثالكم الطعن فيه والإيقاع به، وسيبقى طودًا شامخًا وحصنًا منيعًا، لا تصل إليه سهام أعداء الله، بل ستعود هذه السهام إلى صدور أصحابها خاسئة ذليلة، وتلك سنة الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾.
وأخيرًا أقول لكم يا أبناء البغايا والفراش المشترك:
اعلموا أنه لا يضر السحاب نبح الكلاب
أو كلما طن الذباب اروعه
إن الذباب إذا علي كريم
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا
أبشر بطول سلامة يا مربع
وماذا يصنع نقيق الضفادع
على شاطئ بحر زاخر خضم
ما يضير البحر أمسى زاخرًا
أن رمى فيه غلام بحجر
وما ضر الورود وما عليها
إذا المزكوم لم يطعم شذاها
فلن يضير القرآن أن يطعن فيه أمثالكم من الكفرة والملاحدة، ومن أذيالكم من أبناء جلدتنا، وقد عرف فصاحته وبلاغته ذوو الفضل والرأي، وإنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه.
وقد أجاب أهل العلم من النحاة على هذه الشبهة، وردوا عليها ردًا قاطعًا قويًا جعلها عرجاء، بل شلاء، لا تتحرك، بل ميتة لا روح فيها، وكان ردهم عليها على قسمين: رد مجمل. ورد مفصل على كل شبهة على حدة، ونحن في هذه المقدمة لا يتسع المقام إلا لذكر طرف يسير من الرد المجمل، على أن نؤجل ذكر الرد المجمل بأكمله في مقدمتنا على شرح ألفية ابن مالك رحمه الله تعالى، ثم يتوالى الرد المفصل على كل شبهة من شبههم في آيات الكتاب، عند ذكر هذه الآيات، أو ذكر القاعدة التي هي شاهد عليها، وذلك في شروحنا المقبلة على القطر والأزهرية والملحة والشذور والألفية والتسهيل، إن شاء الله تعالى.
ومن الرد المجمل الذي أجاب به أهل العلم على هذه الشبهة:
1– أن محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أُنزل عليه القرآن كان عربيًا قحا[4]، يتحدث العربية بسليقته وطبيعته، من غير تكلف، فهي لغته التي تربى عليها في صغره، ونشأ متحدثًا بها صلى الله عليه وسلم، فلو كان في القرآن لحن، كما يزعمون - وحاشاه وكلا - لعدله صلى الله عليه وسلم بعربيته الخالصة هذه.
ولذلك لما جاء ابن الراوندي الزنديق الفاجر، وقال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب رحمه الله، هل اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى: ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾. الآية، قال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس! هب أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ما كان نبيًا، أما كان عربيًا؟.
2– أن العرب مسلمهم وكافرهم قد اتفقوا على أن القرآن الكريم قد بلغ الذروة في البلاغة والفصاحة، وأنه قد سلم من كل لحن، أو خروج عن اللسان العربي الفصيح.
وهذه - أخي الكريم - تأملات في كتاب الله تبارك وتعالى، أردت أن أوضح من ورائها بعض ما ينطوي عليه هذا الكتاب المعجز من روعة البيان، والذي قصدت إليه هو أن أنال رشفة من بحر هذا البيان الإلهي، أمتع بذلك الخاطر والنفس، وأسعد الفكر والخيال، وحسبي وحسب القارئ أن نقف من وراء ذلك وقفة المتأمل الخاشع عند شاطئ هذا اليم العظيم، نمتع البصر، ونرهف السمع لهذا الذي سجد لبيانه البيان، وفي هذا الرد الكافي، والجواب البليغ، على هؤلاء المجرمين من أعداء الدين.
فقد حكى القاسم بن سلام أبو عبيد رحمه الله، أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾. فما كان من الأعرابي إلا أن سجد، وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام.
وقال أيضًا أبو عبيد: سمع رجل من المشركين رجلًا من المسلمين يقرأ: ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ فقال السامع: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على هذا الكلام.
وفي حديث إسلام أبي ذر رضي الله عنه، قال يصف أخاه أنيسًا: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، لقد ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية، أنا أحدهم، وإنه انطلق إلى مكة، وجاءني. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. ثم قال: لقد سمعت ما قال الكهنة، فما هو قولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر[5]، فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر، وإنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
وورد في الصحيحين، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله علهي وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴾. كاد قلبي أن يطير للإسلام.
وحُكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا هو برجل قائم على رأسه. يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم، ممن يحسن كلام العرب وغيرهم، وأنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من القرآن، يقول: فتأملتها، فإذا هي قد جمع الله فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة، وهي: قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ﴾ الآية.
وهذا الوليد بن المغيرة - عدو الإسلام والقرآن، والحق ما شهدت به الأعداء - يقول عن هذا الكتاب المنير لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: والله قد لقد سمعت منه كلامًا، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر.
وروى أن عتبة كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من خلاف قومه، فتلا عليه: ﴿ حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ ﴾. إلى قوله: ﴿ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾. فأمسك عتبة بيده على فيه، وناشده الرحم أن يكف. وفي رواية: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، وعتبة مصغ، ملق بيديه خلف ظهره، معتمدًا عليهما، حتى انتهى إلى السجدة، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقام عتبة لا يدري بما يراجعه، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه، فاعتذر لهم، وقال: والله لقد كلمني بكلام ما سمعت أذناي بمثله قط. فما دريت ما أقول له.
وانظر إلى قوله تعالى في وصف كل من الليل والصبح: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾. ألا تشم رائحة المعنى واضحًا من كل من هاتين الكلمتين "عسعس، وتنفس"؟.
ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسًا مجسمًا دون حاجة للرجوع إلى قواميس اللغة؟.
وهل في مقدورك أن تصور إقبال الليل، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق وأدل من "عسعس"؟.
وهل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبأ الليل وسجنه بكلمة أروع من "تنفس"؟.
فلا ريب - أخي طالب العلم - أن القرآن في فصاحته قد قرع القلوب ببديع نظمه: وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه، فهو حجة الله الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلا تهافت تهافت الفراش في الشهاب، وذل ذل النقد[6] حول الليوث الغضاب، وقد حُكي عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك.
كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزال - بتخفيف الزاي، وقد تشدد - وكان بليغ الأندلس في زمانه، أنه قد رام شيئًا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج بزعمه على منوالها، فاعترته خشية ورقة، حملته على التوبة والإنابة.
وحكي أيضًا أن ابن المقفع - وكان أفصح أهل وقته - طلب معارضة القرآن، وشرع فيه، فنظم كلامًا، وجعله مفصلًا، وسماه سورًا، فاجتاز يومًا بصبي يقرأ: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾. فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر.