من موقع جريدة الوحدة :
الكاتب المترجم محمد مولود فاقي :
العدد:
7085
التاريخ:
الثلاثاء, 14 تموز, 2009
الكاتب:
حاوره : بسام نوفل هيفا
محمد مولود فاقي كاتب ومترجم أثبت جدارته ولملم نفسه عبر تماوجات الأصداء المتعاقبة , أصداء وانعكاسات للأصوات والأنوار على مدى سني حياته .. ففي هذه الأيام تنام السكينة بين جنبيه لتأخذ طريقها نحو السحب , أقلامه صارت وسادته والصفحات البيضاء فراشة تمدد عليها عبر , خيالاته الجامحة وأفكاره
النيرة .. حقن نفسه بالحروف والكلمات , ليصير مانعاً للاحباط والإنهيار , زغرد قلمه .. بكى تارة وضحك أخرى , مداداً من الكلمات والجمل صاغها أشعاراً وأفكاراً مزركشة بألوان الطيف وعبق رائحة الحنة الممتزجة بالتراب على يد أمه , عجن الحياة مع الحب .. أنضجها على تنور الوطن وجعل إدامها أطباقاً من الأمل والانشراح ...
ترجم ثلاثين كتاباً من الأدب التركي ونشر الكثير من القصائد الشعرية والقصص القصيرة على صفحات الجرائد والمجلات , عضو اتحاد الكتاب العرب .. نتوقف في الحوار التالي مع الأديب محمد مولود فاقي يحدثنا عن بعض مشاريعه المستقبلية وقضايا تتعلق بموضوع الترجمة :
- بداية اسمح لي أن أسألك عن آخر عمل أدبي صدر لك وعن بعض مشاريعك القادمة ?
- قبل شهر تقريباً , صدر لي الكتاب الأول بعنوان ( شهقة الحرمان - نفحات انسانية ) ليس بشعر ولا بنثر , إنّه مزيج رائع من الأحداث والأفكار الحقيقية .. إنَّها مدرسة كتابية جديدة , وأعتقد أنها تجربة فريدة من نوعها , الكتاب هو الأول من مجموع الكتب الثلاثة التي ستصدر قريباً جداً تحت عنوان :( مولد الشمس والقمر - أصداء حالمة - الأجيال المتعاقبة ) ثلاثية على نمط واحد من الأحداث والذكريات والحنين ...
أمَّا بالنسبة للأدب التركي فقد جهزت كتاباً رائعاً بكل معنى الكلمة أسميته " زهور برية من الحقول الأدبية التركية " هو عبارة عن مختارات خاصة من الأدب التركي الذي لانعرف عنه إلاَّ الشيء القليل جّداً .
- هل تريد أن تقول : إنَّك بعد الترجمة , اتجهت نحو الأدب الشخصي أو الفردي ? وهل يجب أن يكون المترجم كاتباً برأيك ?
- الذي أريد أن أقوله : إنَّ أفضل المترجمين كانوا كتاباً , أدخلوا ترجماتهم في أعمالهم , لأنَّ الترجمة العادية عملية تشبه القراءة فقط , أمَّا إذا كان المترجم كاتباً .. هنا يقودنا الحديث عن الإبداع , وأن الترجمة عملية إبداعية بكل ما للكلمة من معنى , لأنَّ , دور المترجم يتمثل في خلق نص أدبي أنطلاقاً من نص أدبي اخر , في هذه الحالة يكون المترجم مؤلفاً أيضاً له صوت خاصُّ به .
- ماأهمية الترجمة والحاجة إليها في حياة الشعوب ?
-الإنسان دائماً يبحث عن الحقيقة أينما وجدت , ويحب التواصل في المجهول .. لأنَّ حبَّ الفضول موجودة فيه بالفطرة .. هنا تكمن أهمية الترجمة , ومعرفة الشيء الذي لانعرفه , عن طريق الترجمة فقط استطاع الإنسان الطيران عبر أروقة الزمان والمكان والتاريخ والمعرفة .. لولا الترجمة لما استطعنا معرفة الأساطير الإغريقية واليونانية القديمة ولا استطعنا معرفة وقراءة رواية / ذهب مع الريح / والحرب الأمريكية الأهلية وغير ذلك .
هل تعلم ياصديقي .. وقفت محتاراً ومدهوشاً لدى قراءتي لتقرير الأمم المتحدة الصادر قبل عدة سنوات , والذي يقول فيه : إنَّ الأمة العربية كلها قد قامت بترجمة مائة وخمسون ألف كتاب , من عهد الأمويين وحتى عصرنا هذا , أمَّا إسبانيا وحدها , تقوم في كل عام بترجمة مايقارب ذلك من كتب ودوريات وأثر أدبي وعلمي من بقية اللغات العالمية الحيَّة منها والميتة ,يعني غير المشهورة .
أمَّا نحن لا نزال نتخبط في هذا المجال , وذلك لسبب وأخر وتحت وطأة عقبة كأداء تقف أمام المترجمين والكتاب وفي كل زمان ومكان .
من لايعرف الكاتب التركي الساخرعزيز نسين في العالم كله ? كتبه ترجمت إلى جميع لغات العالم تقريباً .. في الوقت الذي نراها ممنوعة منعاً باتاً في بعض الدول العربية .. فكيف سنرتقي بالمعرفة والثقافة , ونخطو بخطواتنا نحو الأمام مع الأمم الأخرى ? وذلك لمعرفة المزيد من ثقافة الاخرين وتعريف وتوزيع ثقافتنا لديهم .
- هل الترجمة نقل أم إعادة صياغة أم عمل علمي ?
- النص الأدبي عموماً يحمل شحنة جمالية تضاف إلى مضمونه وأحياناً بلغة معقدة يصعب على المترجم أن يتعامل معها , عند ذلك تتطلب ترجمة مثل هكذا نص كفاءةً وحسّاً أدبياً وفنياً .. يعني نستطيع أن نقول : إنَّ الترجمة الأدبية عملية تعاون عاطفي , فلا يكفي أن يلم المترجم بلغتين حتى يقوم بعملية الترجمة بينهما , بل يحتاج إلى موهبة الفنان المبدع , فالترجمة فنُّ أصعب من الكتابة ذاتها , الترجمة الأدبية إبداع حقيقي , لأنَّ المترجم بحاجة إلى معرفة اللغة التي يترجم إليها معرفة عميقة وإلى خيال خصب , فالإبداع إلى حدِّ كبير يعني القدرة على الخيال وعلى الحلم , وعلى معرفة الكاتب أو المؤلف معرفة كاملة يعيش ضمن مشاعره وأحاسيسه ويحسُّ بألمه وفرحه , وعندما يكون الانسجام تامّاً بين المؤلف والمترجم , تأتي الترجمة بمرتبة الأصل , وأروع من ذلك أحياناً , يعني ذلك أن يكون مترجم النص الأدبي قبل كل شيء كاتباً , وأن يحلَّ محل الكاتب الذي يترجم له , لا كلماته فحسب , وإنما إحساسه وردود أفعاله أيضاً . وأخيراً نستطيع القول : إنَّ الترجمة عملية نقل وإعادة صياغة وعمل علمي بكل معنى الكلمة .
هل استطاعت الترجمة أن تحقق ذاتها قياساً بالأجناس الأدبية الأخرى ? وما المشكلات التي تواجهها ?
- أرى أن الترجمة لم تحقق ذاتها عندنا بأي شكل من الأشكال , لأسباب عديدة وكثيرة ..
منها الرقابة وقلة المترجمين عن بقية لغات العالم غير الانكليزية والفرنسية والألمانية , أمَّا عدا ذلك فلا نعرف شيئاً عن بقية الآدب العالمية الأخرى وخاصة الدول المجاورة لنا والإسلامية منها كتركيا وإيران وباكستان وأفغانستان .. وأيضاً ثقافات الأمم الأخرى .. كالصينية واليابانية والكورية ...
وحصل في بعض الأحيان أن دعا البعض إلى ترجمة بعض الكتب عبر لغة ثالثة وسيطة ويرى البعض أنَّ هذا النوع من الترجمة مشروع ويمكن القيام به وبكل راحة , ويرى البعض الاخر أنَّ فكرة الترجمة عن طريق نص وسيط تتنافى تماماً مع الأدب , لكن عندما قرأت ديوان الشاعر الباكستاني محمد إقبال بعنوان ( أجنحة جبرائيل )الذي ترجمه الأديب عبد المعين الملوحي عن الفرنسية , وجد أنَّ من الممكن للمترجم أن يقدَّم لنا نصاً رائعاً ومتكاملاً نحسّ به وكأنَّنا نقرأ نصاً مؤلفاً لامترجماً حتى ولوتمت الترجمة عن لغة وسيطة
- أين تكمن قدرة المترجم ودوره لجسر الهوّة في عملية الترجمة ?
- كما قلت آنفاً إنَّ الترجمة الأدبية عملية تعاون عاطفي , المترجم بحاجة إلى أن يكون الفنان المبدع , لأن الترجمة فن أصعب من الكتابة ذاتها , وإن الترجمة الأدبية إبداع حقيقي .
فعلى المترجم أن يكون كاتباً وشاعراً وقاصاً .. وأن يملك من المشاعر والأحاسيس كي يستطيع الدخول إلى أعماق المؤلف ويفهم مايدور في خلده وأحاسيسه ومشاعره .
أنا شخصياً أرى وأوافق على بعض التغييرات في النص المترجم , فالترجمة الحرفية للنصّ الأدبي لاتصل به سلمياً إلى الضفة الأخرى , أمّا في النصوص العلمية فتتراجع الإعتبارات الجمالية للرغبة في مزيد من الوضوح والدقة , لأنَّه نصَّ تعليمي في الدرجة الأولى , ولكن في بعض الأحيان فإنَّ المترجم يرتبط بالترجمة الحرفية للأمانة في الترجمة وعدم الدخول في متاهات .
برأيي أنَّ المبدأ الوحيد عند النقل الأدبي يتمثل في فهم النص وخواصه , ولذلك أرفض الترجمة الحرفية التي تنقل ظواهر اللغة , هذه الترجمة تعتبر ترجمة لغوية , لا ترجمة أدبية .