ظواهر لهجية لا لهجات
د.عبد الإله نبهان
لا تخطئ عين الناظر في المعجم العربي وكتب النحو وكتب شروح الشعر القديم أو الكتب المبسوطة في القراءات القرآنية مثلَ هذه العبارات:وهي لغة تميم.. وهذه لغة الأزد.. وتنسب إلى أزد شنوءة وهذه "ما" الحجازية... فإذا أحبّ أن يتقصى الأمر إلى حدوده البعيدة قدّمت له كتب "فقه اللغة العربية" المصنّفة حديثاً ثبتاً لما كتب من دراسات مستقلّة في كل لهجة من اللهجات القديمة، فهذان كتابان في لهجة تميم(1)، وتلك أطروحة جامعية في لهجة طيء(2)، وذاك كتاب كبير في "اللهجات العربية في التراث"(3)، وهذا فصل من كتاب في لهجة تميم(4).
ثم يبرز أمامه معجم حديث نخل المعجمات القديمة واستخرج مافيها من الألفاظ المنسوبة إلى قبائل بأعيانها، فتجد فيه جميع مانصّت عليه المعجمات القديمة بأنه من لغة جرهم أو تميم أو الأزد أو أهل اليمن أو كنانة أو الأشعريين أوهذيل أوثقيف أو قريش(5).. وهكذا.. فهل يوحي هذا -أي تلك الدراسات وهذا المعجم- بأن اللهجات العربية القديمة قد جمعت ودرست وبُيّنت خصائص كل لهجة على حدة؟
إنَّ الجواب حسب المعطيات الظاهرة يجب أن يكون بالإيجاب، وذلك لأنك عندما ترى بحثاً مطبوعاً بعنوان "لهجة تميم" مثلاً، تتصوّر وجود مادةٍ تامّة ودراسة مكتملة قام بها الباحث صاحب الكتاب ليقدم معلوماتٍ مؤكدة وصورةً واضحةً عن اللهجة التي هي موضوع البحث.. لكنك ما إن تفحص هذه الدراسات التي تناولت اللهجات القديمة، وتنظر إليها بعين النقد، وتجيل فكرك في معطياتها وتناقش طريقة معالجتها للمادة اللغوية، حتّى تُحسَّ أن لَبْساً ما في هذه الدراسات.. وانّ مايقدّم إليك إنما هو ظواهر لهجية وليس لهجة، ويمكن أن أبيّن صحة هذا الادّعاء فيمايلي من البحث.
أطلق قدماؤنا على اللهجة مصطلح "اللغة"(6) فإذا قالوا: لغة تميم أو عُمان أو الأزد فإنما يعنون بذلك لهجة تميم أو عُمان أو... غير أن استعمال المصطلح تحدّد في عصرنا فأصبحت العلاقة بين اللغة واللهجة هي علاقة العام بالخاص، فاللهجة خاصة واللغة عامة، وبناءً عليه فإن عدداً من اللهجات يمكن أن ينتمي إلى لغة واحدة، ويمكن أن تعرّف اللهجة بأنّها "مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة"(7) ولن نلتفت هنا إلى رأي بعض اللغويين الذين اتجهوا إلى إنكار اللهجات(8)، لأننا نرى في إنكار وجود اللهجات ضرباً من المغالطة والمكابرة، لأن الواقع اللغوي التاريخي والواقع اللغوي الحالي الذي هو امتداد على نحوٍ ما للتاريخي يؤكد وجود الظواهر اللهجية في العربية وفي غيرها من اللغات أيضاً(9)، وقد أيّد ذلك أنطوان ماييه بقوله:"من حقنا أن نتكلم عن وجود لهجات، كلّما رأينا عدداً من الخطوط التي تفصل بين الخصائص ينطبق بعضها على بعض ولو بشكل تقريبيّ، فهناك لهجة محددة في كل منطقة يلاحظ فيها وجود خصائص مشتركة، وحتى عندما لا يمكن رسم خطوط دقيقة للفصل بين منطقتين متجاورتين، فإنه يبقى أن كلاًّ منهما تتميز في مجموعها ببعض السمات العامة التي لا توجد في الأخرى"(10) .أما العلاقة بين اللهجة واللغة فهي علاقة الخاص بالعام كما أشرنا "لأن بيئة اللهجة هي جزء من بيئةٍ أوسع وأشمل تضّم عدة لهجات، لكلٍ منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعاً في مجموعة الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض وفهم ماقد يدور بينهم من حديث فهماً يتوقف على قدْر الرابطة التي تربط بين هذه اللغات "اللهجات" وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها باللغة، فاللغة تشتمل عادةً على عدة لهجات لكل منها مايميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات"(11).
وتشير كتب "فقه اللغة" عندما تبحث في اللهجات القديمة إلى لهجة قبيلة ما أو منطقةٍ ما، وأعتقد أن الأمر أضيق من ذلك، بمعنى أن ما يسمونه "لغة أهل الحجاز" أو "لغة يمانيةأو" لغة تميمية" ربما كان لهجة جانب من اليمن أو ناحية من نواحي الحجاز، أو بعض قبائل من "تميم"، فكما أنه لا يجوز علمياً أن نقول لهجة سورية أو مصرية فإني أتصور أنه لا يجوز أن نقول لهجة الحجاز ولا لهجة اليمن.. لأن في سورية عدداً كبيراً من اللهجات، فكل مدينة لها لهجتها، ثم هناك لهجات القرى ولهجات البدو.. ومن هنا يظهر اخفاق المحاولات التي جرت للتقعيد لما سمّي بالعامية السورية(12) مثلاً وذلك نظراً لعدم وجود مايسمّى بالعامية السورية.. وقياساً للغائب على الشاهد نقول إنه لا يمكن أن يكون للحجاز لغة " لهجة" واحدة نظراً لاتساعه، ولا يمكن أن يكون التميميون في العصر الذي جمعت فيه اللغة على لهجة واحدة نظراً لانتشار تميم في أصقاع متباعدة وسكناها في مدن مختلفة واختلاطها بشتى القبائل العربية وغيرها(13).. هذه بعض الموانع على المستوى النظري تجعلنا نرى فيما يطلق عليه "لغة الحجاز" أو "لغة الأزد" أو ماشابه ذلك تعميماً لايمكن إقراره علمياً.
نعود الآن إلى الطريقة التي جمعت فيها موادّ هذه اللهجات وسجلت ظواهرها فنقول: إن اللهجات القديمة لم تُجمع إذ لم يقصد أحد لجمعها، فنحن نعرف مثلاً أن أبا سعيد السكري(14) جمع ديوان هذيل وفسّره، لكنّ السكري لم يجمع لهجة هذيل في مدوّنة ولا كان يقصد إلى ذلك.. كلّ ما في الأمر أن الشعر الذي جمعه السكريّ ورواه وردت فيه ظواهر لغوية نسبت إلى هذيل.. فهل يجوز أن نستند إلى هذه الظواهر المحددة لنطلق عليها لهجة هذيل مع العلم أن الشعر المجموع قد ورد بالعربية الفصحى..؟ !
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي(15) قد صنف كتاب العين، ونصّ فيه على المهمل والمستعمل في لغة العرب، وأورد فيه شواهد كثيرة من كلام العرب وأمثالهم وشعرهم وعلى مثاله سار المعجميون من بعده، سواء اتبعوا طريقته في الترتيب أو خالفوا ذلك.. المهم في الأمر أن محاولة الجمع والاستيعاب للغة مع مراعاة ترتيب مااشتملت على ذكرٍ للهجات التي كانت تسمّى "لغات" لكنّ هذه اللهجات كانت تُذكر عَرَضاً بمناسبة ورود شاهد أو ذكر مثل أو قراءة قرآنية، ومع كثرة المعجمات العربية القديمة واتساعها فإننا لا نعرف معجماً خصص للهجةٍ من اللهجات، بل إن ماذكر في المعجمات المتقدمة من اللهجات أخذ يتكرر في المعجمات اللاحقة من غير ما إضافةٍ ذات فائدة وكذلك الأمر في كتب النحو ومطولاته وكتب تفسير القرآن الكريم، بمعنى أن الشاهد الذي ينتهي للهجةٍ معينة يتعاوره النحاة ويدور في كتبهم، فنحن مثلاً نجد البيت:
فقلت ادعُ أخرى و ارفع الصوت جهرةً * لعلّ أبي المغوار منك قريب(16)
في معظم كتب النحو واللغة شاهداً على الجر بـ"لعل" في لهجة عُقيل، كذلك نجدهم يوردون بيت الفرزدق:
كم عمةً لك ياجرير وخالةً * فدعاء قد حلبت عليّ عشاري(17)
وذلك بنصب تمييزكم الخبرية على مقتضى اللهجة التميمية، ويقولون إن طيئاً تقول:"حَوْثُ" (18) في حيث، وإن بعض العرب يورد الظرف المبنيّ "حيث" معرباً. وهنا يوردون قراءة مَنْ قرأ (من حَيْثِ لا يعلمون)(19) وهذه الشواهد تتكرر، وقد يوهم تكرُرها كثرتَها، لكنها في حقيقة الأمر محدودة محصورة بمواضع.
إن سبب محدودية ذكر اللهجات والاقتصاد في إيرادها يعود إلى أن اللغويين اتجهوا إلى جمع اللغة الفصحى، واتجه النحاة إلى التقعيد لها متمثلةً على نحوٍ خاص لديهم في عربية القرآن الكريم، وماكان لهم أن يلتفتوا عن ذلك إذ لاأسباب تدعو ولا موجبات توجب، فما الذي يدعوهم مثلاً لجمع مدوّنة لهجية لهذيل أوطيء؟! إنما تهمهم هذه الفصحى التي هي خلاصة نقيّة، وذروة لما انتهت إليه اللهجات المتعددة في تطورها الطويل(20)، لقد تجلّت في لغة واحدة هي أشد نصاعةً وصفاءً ودقّةً من اللهجات المتباينة، وبها تخاطبوا في محافلهم ودوّنوا علومهم.. لذلك نجد أنّ كل ماورد لدى اللغويين والنحاة مما له علاقة باللهجات إنما ورد عرضاً في سياقٍ يقتضيه، ولم يقصدوا إليها قصداً.. فإذا ما أراد احدهم تفسير كلمة(زقا) أورد قراءة ابن مسعود (إن كانت إلاّ زقيةً)(21) وهنا يقولون: الزقية هي الصيحة بلغة هذيل.. ولولا هذه القراءة لما نصّوا على معنى الزقية في لغة هذيل ولا التفتوا إليه.. وقل مثل ذلك عندما يمروّن بالآية(ماهذا بَشَراً)(22) برفع(بشر) ونصبها، فإنهم يتحدثون عن(ما) تميمية وأخرى حجازية...
إن الدراسة العلمية للهجةٍ من اللهجات إنما تعتمد المنهج اللغوي الوصفي التحليلي الذي يستهدف تسجيل أهم الظواهر اللغوية لهذه اللهجة وذلك من النواحي النحوية والصرفية والصوتية ومواضع النبر.. وتشرحها وتوضحها وتضع لها منظومة قاعدية مستنبطة منها مع دعم ذلك بالتعليلات الممكنة للظاهرة، ومثل هذه الدراسة تتطلب الملاحظة المباشرة مما يقتضي الاختلاط بالناطقين بهذه اللهجة في مجالسهم وأسواقهم ومشاهدهم واختيار الراوي أو بالأحرى الرواة الذين عنهم تُتلقى اللهجة وتسجّل في أشرطة التسجيل.. وإذا كان موضوع الدراسة لهجة عربية معاصرة فإنه يمكن مقارنة هذه اللهجة بالعربية الفصيحة من حيث الأصوات وتركيب الجملة والقلب والإتباع لينظر مدى التوافق والتقارب ومدى الاختلاف والتباين.. أو ليرى فيما إذا كانت هناك صفة عامة أوصفات في هذه اللهجة قد حفظ مايشابهها من اللهجات العربية القديمة في ظواهرها المحفوظة مما يدعو إلى القول حينئذٍ إن اللهجة المعاصرة ذات أصول تمتد إلى تلك اللهجة القديمة..
يفهم من كل ما تقدم أن الدراسة المنهجية للهجةٍ من اللهجات إنما تنصبّ على لهجةٍ حيّة تتكلمها مجموعة بشرية في زمن معين ومنطقة محددة، فكيف إذن تُقدَّم لنا الدراسات عن لهجات قبائل أصبح وجودها تاريخياً(23) ولم يبق من لهجاتها إلا ظواهر حظيت بالتسجيل غير الدقيق مصادفة من غير ما قصْد؟! أيمكن أن تكون تلك الدراسات في صميمها مطابقة لما يوضع من عناوين؟!
لبيان هذا الأمر يمكن ان نختار دراسةً من تلك الدراسات التاريخية للهجات وننظر فيها ثم نعرض لدراسة حديثة للهجة ما تزال قائمة لنرى الفرق بين الدراستين. وقد اخترت دراسة منشورة في كتاب هي "لهجة تميم وأثرها في العربية الموحدة"(24) لا لأعرضها وإنما لأقف لدن مفاصل منها معلقاً حيث يستحسن ذلك.
ذهب الدارس مستعيناً بمصادره محتجاً بها إلى أن القراءات القرآنية "كانت مصدراً أصيلاً من مصادر دراسة اللهجات العربية القديمة ذلك انها تكاد تكون المرآة العاكسة لما كان عليه الواقع اللغوي في الجزيرة العربية قبيل الإسلام وبُعيده"(25) ومع ان هذا الكلام ليس لصاحب الدراسة فإنه يتبناه على مافيه من تعميم وإنشائية وبُعْدٍ عن المنهجية التي تقتضي الاستقراء، وإني لأتساءل كيف يمكن أن تكون مرآة عاكسة في شبه قارّة فيها عشرات القبائل المتباعدة في المكان واللهجة.. إضافة إلى أن بعض هؤلاء القراء يقرؤون بقراءات لا علاقة لها بلهجة بيئتهم.. ومثّل الباحث لهذا الأمر بعبد الله بن كثير المكي(27) الذي كان يهمز في حين أن لهجة أهل مكة لا تعرف الهمز، ثم أورد قراءات لقراء مختلفين وردت على لهجة بني تميم منهم عبد الله ابن مسعود(28) أورد له في قراءته أربعة مواضع على لهجة تميم مع انه هذليّ، وأورد لعاصم بن بهدلة(29) خمس قراءات في خمسة مواضع.. ثم ذكر أحد عشر موضعاً لقراءٍ مختلفين على لهجة تميم.. واختار الباحث مجموعة من كتب القراءات والتفسير وقدم لنا إحصاءً عن المواضع التي ذكرت فيها لهجة تميم. فقد ذكرت ثلاث عشرة مرّة في كتاب "لغات القرآن" لابن حسنون(30) ومثلها في كتاب "ماورد في القرآن الكريم من لغات القبائل" للقاسم بن سلام(31)، وست مرات في" مختصر شواذ القرآن" لابن خالويه(32) وإحدى عشرة مرة في"المحتسب" لابن جني(33) وست مرات في الكشاف للزمخشري(34) وثلاثين مرّة في "زاد المسير" لابن الجوزي(35) وثماني وأربعين مرة في"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي(36).. فهل تكفي مثل هذه القراءات المنسوبة إلى لهجة تميم لتكون"مرآة عاكسة" ؟!!
وانتقل الباحث ليتحدث عن لهجة تميم في شعراء بني تميم، فوجد نفسه أمام شعر قيل بالعربية الفصحى فرأى أنه من الصعب تتبع اللهجة في شعر بني تميم "لأن هذا الشعر لم ينظم بلهجة بعينها وإنما بالعربية الأدبية، فإذا كان لابّد للشاعر أن يتأثر بلغة بيئته فإن ذلك التأثر يبقى محدوداً جداً، إضافةً إلى أنّ هذا الشعر جاء مكتوباً، وذلك يعني اختفاء كثير من الميول اللهجية فيه كالإمالة والحركات التي تميل إليها لهجة الشاعر"(37) وبناءً على ذلك "فإنه يكون من الصعب جداً البحث عن خصائص لهجة تميم في أشعار التميميين كعبدة بن الطبيب وعلقمة الفحل وجرير والفرزدق أو غيرهم من الشعراء لأنّ أشعار هؤلاء جميعاً نظمت بالعربية الأدبية.."(38) ورأى أن فن الرجز الذي هو أقرب إلى الأشعار الشعبية تظهر فيه بعض الخصائص اللهجية "ومن ثَمَّ أمكن القول إن أرجاز رؤبة والعجَّاج قد تكون ذات نصيبٍ حسن في الألفاظ التميمية غير أنّ من الصعوبة بمكان تحديد هذه الألفاظ، ذلك أنها وصلتنا بلا عزْو مما يعني أننا لا نستطيعُ الركونَ إليها في دراستنا... ويبدو أنَّ كلَّ ما نستطيع الركون إليه منها ذلك الذي ورد في كتب الأقدمين معزواً إلى لهجة تميم.."(39) وضرب بعذ ذلك سبعة أمثلة وردت فيها ألفاظ نُصَّ عليها على أنها تميمية كقول العجاج:
وأنزفَ العَبْرَةَ مَنْ لاقى العِبَرْ
قالوا: أنزف لغة تميم، وأهل الحجاز يقولون: نزف(40)
ثم ذكر أن بعض الشعراء من غير التميميين (استعملوا اللهجة التميمية في أشعارهم)(41) وضرب ثلاثة أمثلة وعلل هذه الظواهر بأنّ هذه الألفاظ التميمية صارت جزءاً من العربية الأدبية وذلك نظراً لانتشار التميمية وتأثر الشعراء النجديين وخلص إلى مايلي" وخلاصة القول أنه لايمكننا الركون إلى الشعر في دراسة اللهجات ومنها لهجة تميم، ذلك أنّ هذا الشعرلايمثّل لهجةٍ بعينها وإنما انتشرت فيه خصائص لهجات كثيرة، وإذا كان لنا أن نركن إليه فليس إلا للقليل منه الذي عزا القدماء ألفاظه إلى لهجات بعينها.."(42)
وفي الفصل الذي عقده عن الأصوات الصامتة في اللهجة التميمية وجد أنّ أهمّ ظواهر الأصوات الحلقية في هذه اللهجة هي تحقيق الهمز والمبالغة فيه، كذلك هناك ظاهرة "العنعنة" أي قلب الهمزة عيناً كما في قولهم: أعَنْ = أأن، وأشار إلى ظاهرة إبدال الهمزة من كلّ واوٍ مكسورة كقولهم في وسادة: إسادة، وفي وعاء: إعاء(44). ومن هذه الظواهر قلب السين صاداً في طائفة من الألفاظ: سراط = صراط. سيقل = صيقل. سخب = صخب(45).. وهذه الظاهرةالأخيرة لم تنسب إلى تميم على نحو عام وإنما نسبها بعضهم إلى بني العنبر من تميم وبعضهم إلى عمرو بن تميم... وطبيعي أنني لن أقف لدن كل عنوان في الدراسة ولكني سأخص الجيم والشين بشيء من الكلام: رأى الباحث أن الجيم "لم تتخذ في لهجة تميم وضعاً مستقراً فهي تارةً جيم عربية، وأخرى تنزع إلى أن تكون شيناً، وثالثة تكون فيها ياءً "(46) ويعلل الباحث عدم استقرار الجيم في لهجة تميم بقوله:"إنها ورثت ذلك من اللغات الساميّة" (47) وذكر أن قلب الجيم شيئاً وصل في شاهد واحد، أما قلب الياء جيماً فقد نسب إلى بني سعدمن تميم أو ناس من تميم، ولايتمّ هذا إلا بالوقف، ومثّل له بالأبيات المشهورة في كتب اللغة:
خالي عُويفٌ وأبو عَلِجِّ * المطعمان اللحم بالعشجِّ
وبالغداة فِلقَ البَرنِجِّ * يُقطع بالود والصَّيصجِّ (48)