يتبع :
أمّا الأمريكي، فهو المفكر والباحث القانوني والأستاذ الجامعي والدبلوماسي الدكتور الفريد ليلينثال (1915 ـ 2008)، وهو يهودي من مدينة نيويورك، حصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا الشهيرة، وحارب في صفوف الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، وأعلن عداءه للصهيونية وإقامة دولة إسرائيل خوفاً من أن يتسبّب ذلك في ازدواجية الولاء لدى اليهود الأمريكان، وخوفاً من مشاعر العداء في الشرق الأوسط ضد الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا كثرت كتبه ومقالاته ضد الصهيونية، وإسرائيل قبل إنشائها وبعده، مثل 'إسرائيل، أي ثمن؟'، و 'الرابط الصهيوني' . وما يهمنا هنا كتابه 'اليهود ليسوا عرقاً'(13) الذي برهن فيه ـ استناداً إلى مراسلات ثبتتْ صحتها جرت بين سنتي 936 و 950 بين خاقان يوسف من مملكة الخزر وبين اليهودي الأندلسي هسداي بن شبروت الذي كان يعمل في قرطبة مساعداً في الشؤون الخارجية لخليفة الأندلس عبد الرحمان الثالث ( 277 ـ 350 هـ، وحكم من 912 ـ 961م) على أنَّ ملك الخزر المسمى بولان اعتنق اليهودية حوالي سنة 740م، ثمَّ تبعه بعد ذلك نبلاء البلاد ثم الشعب الخزري. ويستدلُّ الدكتور ليلنثال من ذلك ومن أدلة تاريخية أخرى، أنَّ اليهودية هي ديانة اعتنقتها جماعاتٌ مختلفةٌ في أصلها وعرقها.
وكان الدكتور أحمد نسيم سوسة قد أثبتَ كذلك، اعتماداً على المؤرِّخين العرب وعلى الوثائق اليهودية، أنَّ الدين اليهودي انتشر بعد النبي موسى بين الأُمم والأجناس، وإنْ ظلَّتْ محتفظة بلغاتها، وبقيتْ تعيشُ في أوطانها، وواصلتْ ممارسة عاداتها وتقاليدها، وأنَّ التبشير بالدين اليهودي، بدأ بعد كتابة التوراة في بابل، فانتشرت اليهودية في الحبشة والجزيرة العربية وبلاد القوقاز، وبلاد المغرب وغيرها، حتى قرَّر أحبارُ اليهود غلقَ باب التبشير في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. ويستند في ذلك كذلك على المؤرخين العرب ومنهم ياقوت الحموي الذي ذكر في كتابه 'معجم البلدان 'أن بني قريظة وبني النظير كانوا من القبائل العربية التي اعتنقت اليهودية في جزيرة العرب، وهم ليسوا من قوم موسى في مصر.
وقد أوردنا هذه الإشارات إلى هؤلاء الباحثين لنثبت فيما بعد كيف يختلف الدكتور أحمد شحلان عنهم في منهجيّته المتعلِّقة بتفنيد الأساطير الصهيونية؛ فهو يستخدم التوراة ذاتها في دحض تلك الأساطير.
الدكتور أحمد شحلان والأساطير الصهيونية:
يفنّد الدكتور أحمد شحلان، في كتابه 'التوراة والشرعية الفلسطينية'، الأساطير الصهيونية، وأهمّها:
إنَّ أرض فلسطين هي مهبط الديانة اليهودية.
إنَّ الربَّ وعد اليهود بأن تكون أرض فلسطين لهم.
إنَّ جميع اليهود ينتمون إلى تربة فلسطين قبل أن يجليهم منها الملك البابلي نبوخذ نصر. ولهذا فإن لكل يهودي الحقّ في العودة اليوم إلى موطنه الأصلي فلسطين، طبقاً لـ 'قانون العودة الإسرائيلي'.
تستند الادعاءات الصهيونية إلى العهد القديم. ويتكوّن العهد القديم من 'التوراة' التي لا تشكّل إلا ثلثه، ومن 'التلمود' الذي كتبه أحبار اليهود في بابل أثناء نفيهم في القرن السادس قبل الميلاد، وما بعده. وهذا التلمود هو مرتكز العقيدة اليهودية اليوم، ولكنه موضع خلاف بين اليهود أنفسهم، إذ انقسم اليهود إلى ربيِّين وسامريّين. فالربّيون يؤمنون بالعهد القديم كلّه بقسميه: التوراة والتلمود؛ في حين يرفض السامريّون والمتنورون من اليهود مثل الفيلسوف اليهودي سبينوزا الأخذ بالتلمود، ويميزون بين العقيدة اليهودية الصرف وبين التلمود الذي يعدّونه تاريخاً كتبه البشر، وهو كأي تاريخ آخر يصيب ويخطئ.
ومع أن العهد القديم في معظمه من وضع أحبار اليهود وليس نصّاً مقدَّساً، فإنَّ الدكتور أحمد شحلان يستخدمه في تفنيد أساطير الصهيونية التي استندت إليه، على الوجه التالي:
أولاً، إنَّ فلسطين ليست مهبط الديانة اليهودية. فاليهودية بدأت مع النبي موسى (ع) عندما تجلّى له الربُّ، طبقاً للتوراة نفسها. فقد ورد في سفر الخروج 3 /1ـ2:
'أمّا موسى فكان يرعى غنم حميه يثرون كاهن مدين. فقاد الغنم إلى ما وراء الطرف الأقصى من الصحراء، حتى جاء إلى حوريب، جبل الله. وهنا تجلّى له ملاك الربّ بلهيب نار وسط عليقة.'
ومدين ليست في فلسطين، وإنَّما في صحراء سيناء، كما هو واضح من النصّ أعلاه. وقد توفّي موسى ولم يدخل أرض فلسطين مطلقاً، كما هو واضح من سفر التثنية، الإصحاح 34 / 4 ـ 5:
'وقال له الربّ: هذه الأرض التي أقسمتُ لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إنني سأهبها لذريتهم، قد جعلتك تراها بعينيك، ولكنّكَ إليها لن تعبر. فمات موسى عبد الرب في أرض مؤآب...'
ثانياً، إن الربّ لم يعِد اليهود بأرض فلسطين، وإنما طبقاً لتوراتهم، وعد إبراهيم ونسله كذلك. والوعد طبقاً للتوراة لا يشمل فلسطين فقط، وإنما أرضاً أوسعَ منها بكثير، فقد ورد في سفر التكوين، الإصحاح 15 / 18:
'سأعطي نسلكَ هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير نهر الفرات..'
ومعروفٌ أنَّ لإبراهيم ولدَيْن هما: إسماعيل وإسحاق، ويتكوَّن نسله ممن خلَّفه ولداه، كما هو واضحٌ من سفر التكوين، الإصحاح 15 / 3 ـ 4:
'وقال إبرام أَيضاً: إنك لم تعطني نسلاً. وها هو عبدٌ مولودٌ في بيتي يكون وارثي. فأجابه الربّ: لن يكون هذا وريثاً، بل الذي يخرج من صلبك يكون وريثك.'
وإسماعيل هو من صلب إبراهيم، فهو من نسله ووريثه كذلك.
ثالثاً، إنَّ القول بأن جميع اليهود ينتسبون في الأصل إلى أرض فلسطين، مخالفةٌ صارخةٌ لكل الوقائع التاريخية، سواء تلك التي وردت في التاريخ العام أو في العهد القديم ذاته. فالعبرانيون ـ وهم من قبيلة سامية (عروبية) عبرت نهر الفرات، بعد أن غادر جدّهم إبراهيم بن عابر بلده أور البابلية التي ولد فيها، واتّجه إلى مصر، واستقر في جاسان التي تقع في دلتا النيل شمالي مصر ـ هم الذين اُطلق عليهم فيما بعد اسم اليهود السفردين.
أمّا اليهود الأشكيناز، وهم المسيطرون على الأمور في إسرائيل اليوم، فهم ليسوا من هؤلاء العبرانيين، وإنّما في الأصل من الخزر الذين سكنوا بلاد القوقاز بين بحر قزوين والبحر الأسود، جنوبي روسيا الحالية. وقد تهوّدوا في القرن الثامن الميلادي. فهم لا علاقة تاريخية لهم تربطهم بفلسطين مطلقاً.
أمّا وجود ضريح إبراهيم الخليل في فلسطين، فسببه أنَّ الرجل استقرّ فيها في أواخر حياته بمفرده، إذ بقي حفيده يعقوب في جاسان المصرية مع ولده يوسف. ولم يكُن إبراهيم يهوديّاً، لأنَّ اليهودية بدأت مع النبي موسى الذي هو من نسل إبراهيم، كما بدأ الإسلام مع النبي محمد الذي هو من نسل إبراهيم كذلك.
رابعاً، إنَّ الادعاء بأنّ 'قانون العودة' في إسرائيل هو تصحيح لفعل الملك البابلي نبوخذ نصر الذي أجلى اليهود من فلسطين إلى بابل سنة 586 ق.م. ، فإنه ادعاء متهافت، لسببين، كما تذكر التوراة:
تشير التوراة إلى أن الملك الفارسي كورس (الذي احتل بابل سنة 539 ق.م.) قد سمح بعودة اليهود من بابل إلى فلسطين. وواضح أن جلاء اليهود من فلسطين آنذاك لم يشمل الأشكيناز، لأنهَّم لم يكونوا يهوداً ولم يكونوا في فلسطين آنذاك، وإنما كانوا في أوروـ آسيا، ولم يتهوّدوا حتى القرن الثامن الميلادي، كما ذكرنا.
وإذا قيل أن 'قانون العودة' هو تصحيح لفعل الأمبراطور الروماني طيطوس الذي حاصر القدس ودمَّر هيكل اليهود سنة 70م، فإن الخليفة عمر بن الخطاب عندما دخل القدس سنة 15هـ / 636م قد أعطى 'العهدة العمرية' للمسيحيين ضامناً لهم الحرية في ممارسة عقائدهم، وأعطى الأمان لليهود وسمح لمن أُبعِد منهم عن فلسطين بالعودة إليها (14).
بهذا المنطق السليم، المستند إلى العهد القديم نفسه، يفنّد الدكتور أحمد شحلان أساطير الصهيونية، دفاعاً عن الحق والحقيقة. وتُظهر لنا مؤلفاته القيمة جوهر الباحث الموضوعي وصلابة الوطني الغيور في آن واحد.
بقي أن نضيف إلى ذلك، أنَّ تحرّي الدكتور أحمد شحلان الصدقَ في بحوثه، والأمانة العلمية في نقله، دليلٌ على نبل أخلاقه وسموّها، وكرم نفسه ونقائها؛ فنحن نؤمن بالمبدأ الفلسفي القائل بوحدة الأخلاق. (*)
ــــــــــــــــــــــ
(*) دراسة قُدِّمت في ندوة 'الدكتور أحمد شحلان' التي أقامتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، لتكريمه، بوصفه أحد أساتذتها المبرّزين
الهوامش
أحمد شحلان، التوراة والشرعيّة الفلسطينية (الرباط: منشورات الزمن، 2003) ص 120ـ121
http:// www3yoonalbasrah.net/forums/showthread.php't=50459
وقد صرح بذلك الدكتور أحمد نسيم سوسة نفسه في مقابلة صحافية. وقبائل بني سواسة منتشرة في جزيرة العرب، والعراق، والشام (كفر سوس) ومصر، وتونس (سوسة)، والجزائر، والمغرب. وكثير من قبائل جزيرة العرب لها الانتشار ذاته، مثل قبائل الشاوية المنتشرة في جزيرة العرب والعراق ومصر والجزائر والمغرب، وغيرها.
علي القاسمي، معجم الاستشهادات الموسَّع (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008) ، انظر: المناظرة.
المرجع السابق، انظر: الوطن.
أحمد شحلان، اليهود المغاربة: من منبت الأصول إلى رياح الفرقة (الرباط: دار أبي رقراق، 2009)
المرجع السابق، ص 11.
لؤي عبد الإله، 'بابل بين الأسطورة والواقع 'في : www.quadeem.com/vb/showthread.php't=13810
اليهود المغاربة، مرجع سابق، ص 12.
المرجع السابق، ص 14.
Roger Garaudy, Les mythes fondateurs de la politique isra'lienne, lص'dition La Vieille Taupe, 1995. Et Libraire de Savoir, Paris, 1996>
.
Shlomo Sand, The Invention of the Jewish People, Verso Books, 2009.
.
Arthur Koestler, The Thirteenth Tribe: The Kazar Empire and its Heritage, 1976
.
Alfred M. Lilienthal, The Jews are not a Race , 1953
15 28.
علي القاسمي