المثل والتعبير الاصطلاحي في التراث العربي
د. علاء الحمزاوي
يهدف هذا البحث إلى الإجابة عن سؤالين:
هل عرف تراثنا اللغوي العربي مصطلح التعبير الاصطلاحي؟
ما الفرق المثل والتعبير الاصطلاحي؟ وأيهما أشمل من الآخر؟
المثل مفهومه وسماته وأنواعه
مفهوم المثل:
أفاض العلماء فى الحديث عن المثل1 ، ومن ثم فلسنا بحاجة أن نردد ما قيل، إنما حسبنا أن نشير إلى ما يمكن به أن نعقد موازنة بين المثل والتعبير الاصطلاحى؛ لنقف على أوجه الوفاق والخلاف بينهما.
أولا : فى الفرنسية2 :
تشير المعاجم إلى أن المثل proverbe هو جملة خيالية ذائعة الاستخدام ، تدل على صدق التجربة أو النصيحة أو الحكمة ، يرجع إليها المتكلم . وقديما عرفوا المثل بأنه حكمة شعبية قصيرة تتداول على الألسنة ، أو هو جملة غالبا ما تكون قصيرة ، تعبر عن حدث ذى مدلول خاص ، لكن يبقى على المستمع تخمينه .
والمؤرخون للمثل يرجعون كلمة proverbe إلى نهاية القرن الثانى عشر، وهى مستعارة من اللغة اللاتينية proverbium وكان معناها لغزا أو مقارنة.
ويذكر المهتمون بالأدب أن المثل جملة لها محتوى، تعبر عن حقيقة عامة، ثم ساقوا بيتا شعريا للشاعر فولتير Voltaire: من يخدم بلده ليس بحاجة إلى أجداد Qui sera bien son pays n’a pas besoin d’aieux وعدوه مثلا. ويقولون: (سفر الأمثال le livre des proverbes ) و(أمثال سليمان les proverbes de Saloman ) ويعنون به أحد أسفار الكتاب المقدس bible ، يتضمن مجموعة من الحكم الأخلاقية التى وردت فى الكتب السماوية . ويتردد على اللسان كثيرا عبارة (comme dit le prover)3 .
هذا .. وذكروا أن من مرادفات الـ proverbe : adage , maxime , diction وهى مصطلحات تعبر الحكمة والعبرة والموعظة . وذكروا أن ثمة أشخاصا تُذكر الأمثال بأسمائهم personages proverbiaum 4.
ثانيا: فى العربية:
يدل الأصل الثلاثى (م ث ل) على معنى الشبه والنظير، يقول الزمخشرى: "..والمثل فى أصل كلامهم بمعنى المثل والنظير.." 5، وذكر أحد الباحثين أن كلمة "المثل من المماثلة وهو الشئ المثيل لشئ يشابهه ، والشئ الذى يضرب لشئ مثلا ، فيجعل مثله ، والأصل فيه التشبيه، ويقابله فى العبرانية mashal وفى اليونانية parable ومعناهما المماثلة والمشابهة"6 .
وينقل زلهايم عن أبى عبيد القاسم بن سلام قوله فى مقدمة أمثاله: "..هذا كتاب الأمثال وهى حكمة العرب فى الجاهلية والإسلام ، وبها كانت تعارض كلامها، فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها فى المنطق بكناية غير تصريح ، فيجتمع لها بذلك ثلاث خصال: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه"7 .
ويقول المرزوقى: "المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها، أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول وتشتهر بالتداول، فتنقل عما وردت فيه إلى كل ما يصح قصده بها من غير تغيير يلحقها فى لفظها، وعما يوجبه الظاهر إلى أشباهه من المعانى، فلذلك تضرب، وإن جهلت أسبابها التى خرجت عليها"8 .
فى هذا التعريف توضيح لحقيقة المثل ، فهو يضرب فى حالات مشابهة لمورده الأصلى، كما يظل مثلا يضرب ، وإن جهل أصله ، ولايغير لفظه فى أية حالة من حالة استعماله9 .
فإذا ما انتقلنا للمحدثين الذين اهتموا بدراسة المثل نجدهم لايكادون يختلفون مع القدماء فى مفهوم المثل فمثلا يقول أميل يعقوب :" المثل هو عبارة موجزة بليغة شائعة الاستعمال، يتوارثها الخلف عن السلف ، تمتاز بالإيجاز وصحة المعنى وسهولة اللغة وجمال جرسها" 10.
ويصف باحث آخر المثل بأنه" قول موجز سائر ، صائب المعنى تشبه به حالة حادثة بحالة سالفة" 11..
ومن خلال هذا العرض يمكن أن نقدم تعريفا للمثل ، يخلص فى أنه " هو تركيب ثابت شائع موجز ، يستخدم مجازيا صائب المعنى ، يعتمد كثيرا على التشبيه " . وبناء على ذلك فهو يتسم بهذه السمات :
ـ الإيجاز البليغ ـ الاستعمال الشائع .
ـ التشبيه ـ جمال اللغة .
ـ الثبات ـ الاستعمال المجازى .
ـ جودة الكناية
هذا .. وأضاف البروفسيرجوزيف ديشى صفات أخرى للمثل منها 12:
ـ أن المثل من المسكوكات ( الثبات فى بنيته ) .
ـ وأنه قابل للاستخدام فى سياقات مختلفة ، إلا أن علاقته بتلك السياقات خاضعة لقواعد دلالية خاصة .
ـ وأنه كذلك يتسم ببلاغته (قوة التعبير) .
ويحاول الباحث أن يفصح عن هذه السمات بالمناقشة والتحليل على النحو التالى:
ـ الإيجاز :
هو أبرز سمات الأمثال وأخص خصائصها، وبه تمتاز على ما عداها من فنون الأدب، يقول البكرى: "والأمثال مبنية على الإيجاز والاختصار والحذف والاقتصار"، ويقول فى موضع آخر: "والأمثال موضع إيجاز واختصار، وقد ورد فيها من الحذف والتوسع ما لم يجئ فى أشعارهم"13 .
والإيجاز يعمل على إشباع المعنى وهذا ما نلمسه فى قول الزمخشرى "..أوجزت اللفظ فأشبعت المعنى وقصرت العبارة فأطالت المغزى، ولوحت فأغرقت فى التصريح، وكنت فأغنت عن الإيضاح"14 .
ويقول القلقشندى :".. وأما الأمثال الواردة نثرا، فإنها كلمات مختصرة، تورد للدلالة على أمور كلية مبسوطة .. وليس فى كلامهم أوجز منها ، ولما كانت الأمثال كالرموز والإشارة التى يلوح بها على المعانى تلويحا صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارا" 15.
وقد تبين للباحث حقا أن الإيجاز سمة أصيلة فى الأمثال من خلال الدراسة التركيبية فى هذه الدراسة ؛ حيث خصص عدة أنماط من الأنماط النحوية تدل بجلاء على وسم الأمثال بالإيجاز ، ولم يحصر الباحث كل الأمثال الموجزة ، بل اختار مجموعة كنماذج ، وتتمثل هذه الأنماط فىكل الأنماط التى تحتوى على عنصرى الجملة النواة phrase noyau ، خالية من العناصر التوسيعية extensions ، إضافة إلى الأنماط التى تحتوى على أحد العنصرين والآخر محذوف ، وكذلك الأنماط التى تحتوى على عنصر توسيعى مع تقدير الجملة النواة.
إصابة المعنى :
تعد الأمثال من الأشكال الأدبية التى تعبر عن الواقع بشكل يقترب من الصدق ؛ لأنها تعد نتاج فكر وأحداث وتجارب للحياة اليومية ـ لم يوافق البروفسير ديشى على هذا ـ وهذا يعنى أنها تصيب المعنى ، وحاولنا أن نلتمس دليلا لتعضيد هذا الرأى ، فالتمسناه فى بعض الجوانب التركيبية للأمثال ، فى صيغة الجملة الاسمية التى تفيد العموم والتى تدل على الثبات لاسيما صيغة أفعل ، والجملة الشرطية التى ترتب شيئا على شئ ، وجملة الأمر والنهى التى تحث على خير وتزجر شرا ، أو تسدى موعظة ونصيحة ، قد تكون عامة وقد تكون خاصة بالمخاطب16 .
حسن التشبيه :
من سمات المثل التشبيه ، بل إن المادة (م ث ل) تدل على المشابهة ، ومن ثم جعل بعض العلماء التشبيه سمة أساسية فى المثل ـ عرضنا لذلك حينما تحدثنا عن مفهوم المثل ـ ويرى البروفسير جويف ديشى أن هذه السمة صالحة لعددمن الأمثال ، وليس شرطا توافرها فى كل الأمثال 17.
بيد أن هذا لايمنع أن نتحدث عن هذه السمة بإيجاز ، فللتشبيه مكانته فىكلام العرب ، يقول قدامة : "وأما التشبيه فهو من أشرف كلام العرب، وبه تكون الفطنة والبراعة عندهم" 18. ويشرح عبد القاهر وظيفة التشبيه فى قوله: ".. وهل تشك فى أنه يعمل عمل السحر فى تأليف المتباينين حتى يختصر ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق ، وهو يريك للمعانى الممثلة بالأوهام شبها فى الأشخاص الماثلة ، والأشباح القائمة ، ينطق لك الأخرس ، ويعطيك البيان من الأعجم ، ويريك الحياة فى الجماد ، ويريك التئام عين الأضداد ، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين"19 .
وإذا كان التشبيه بجميع صوره وأشكاله من أساليب البيان المتفق على بلاغتها، فإنه فى الأمثال يبلغ قمة البلاغة ، ويحتل ذروتها ، ذلك أن مضارب الأمثال تكون عادة من المعانى المعقولة التى قد يصعب تصورها واستكناه حقيقتها ، ومن ثم يلجأ الناس إلى ضرب الأمثال لها بأمور حسية ، وأحداث واقعية ، فلا تلبث هذه المعانى المعقولة أن تبرز من الخفاء حتى تكون فى متناول الحواس الظاهرة .
وتوضيحا لسمة التشبيه فى الأمثال نسوق هذا المثل (قبل الرماء تملأ الكنائن) ؛ إذ هو يضرب فى الاستعداد للأمر قبل حلوله ، وهو معنى معقول شبه بحالة حسية ، هى حالة الرجل يستعد للرمى قبل أوانه ، فيملأ جعبته سهاما . فالمضرب هنا وهو المراد أمر معقول لايدرك إلا بالفكر والنظر ، وهذا يعنى أن العرب لجأوا إلى صورة حسية منتزعة من البيئة ، فشبهوا بها تلك المعانى المعقولة وأخرجوها بهذا التشبيه من الخفاء والإبهام إلى الوضوح والجلاء .
الكناية والتعريض :
إن أسلوب المثل يتسم بجودة الكناية والتعريض ؛ لأن المتمثل به لايصرح بالمعنى الذى يريده وهو مضرب المثل ولايعبر عنه بالألفاظ الموضوعة له فى اللغة ، إنما يخفى هذا المعنى ويعبر عنه بألفاظ أخرى هى ألفاظ المثل وهذا هو معنى الكناية والتعريض لغويا ، يقول ابن منظور :".. والكناية أن تتكلم بشئ وتريد غيره وكنى عن الأمر بغيره يكنى كناية ، يعنى أن تتكلم بغيره مما يستدل به عليه .. وكنى الرؤيا هى الأمثال التى يضربها ملك الرؤيا، يكنى بها عن أعيان الأمور"، ويقول فى موضع آخر: "والتعريض خلاف التصريح والمعاريض التورية بالشئ عن الشئ والتعريض قد يكون مضرب الأمثال ، وذكر الألغاز فى جملة المقال"20 .
وقيل : الكناية أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعانى فلا يذكره باللفظ الموضوع له فى اللغة ولكن يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه فى الوجود فيومئ به إليه ، ويجعله دليلا عليه مثل (طويل النجاد) أى طويل القامة21 .
وتوضيحا لمفهوم الكناية نسوق هذا المثل (بلغ السيل الزبى) ، فهذا المثل يراد به الأمر يبلغ غايته فى الشدة والصعوبة ، لكن المتكلم أخفى هذا المعنى ، ولم يستخدم الألفاظ التى وضعت له فى اللغة ، وكنى عنه بالألفاظ التى جاء عليها المثل .
ويذكر أحد الباحثين أن كل الأمثال هكذا لايصرح بالمعانى المرادة ، وهى مضاربها ، وإنما يكنى عنها بعبارات أو ألفاظ تفيد معانى أخرى ، وتكتسب المعانى المرادة من الأمثال بهذه الكناية وضوحا وإشراقا ، وتكتسى حللا زاهية من الجمال والبهاء22 .
الذيوع والانتشار :
لعل السمات التى يتسم بها المثل من الإيجاز والوضوح وإصابة المعنى وقمة البلاغة وغيرها .. أضفت عليه صفة الذيوع والسيرورة، وقد لفت هذا أذهان العرب، فشبهوا بالمثل كل شئ يشيع وينتشر فقالوا: (أسيرمن مثل) ، وقال الشاعر23 :
ما أنت إلا مثل سائر يعرفه الجاهل والخابر
هذا .. وقد نوه مدونوالأمثال إلى هذه السمة ، فمثلا يقول الزمخشرى: "ولأمر ما سبقت أراعيل الرياح وتركتها كالراسنة فى القيود ، بتدارك سيرها فى البلاد ، مصعدة ومصوبة، واختراقها الآفاق، مشرقة ومغربة حتى شبهوا بها كل سائر أمعنوا فى وصفه وشارد لم يألوا فى نعته"24 .
ووصف ابن عبد ربه الأمثال بأنها " وشى الكلام ، وجوهر اللفظ ، وحلى المعانى تخيرتها العرب وقدمتها العجم ، ونطق بها فى كل زمان ، وعلى كل لسان ، فهى أبقى من الشعر ، وأشرف من الخطابة ، لم يسر شئ سيرها ، ولا عم عمومها"25 .
الثبـات :
من سمات المثل الثبات ـ يرى د.ديشى أنه ثبات نسبى ـ فى التركيب والدلالة؛ إذ يقال كما ورد ؛ لأن القاعدة فى الأمثال ألا تغير، بل تجرى كما جاءت ، وقد جاء الكلام بالمثل وأخذ به وإن كان ملحونا، لأن العرب تجرى الأمثال على ما جاءت، وقد تستعمل فيها الإعراب ، والأمثال قد تخرج عن القياس ، فتحكى كما سمعت، ولايطرد فيها القياس ، فتخرج عن طريقة الأمثال؛ لأن من شرط المثل ألا يغير عما يقع فى الأصل عليه26 .
ويؤكد المرزوقى ما سبق بقوله: "من شرط المثل ألا يغير عما يقع فى الأصل عليه، ألا ترى أن قولهم (أعط القوس باريها) تسكن ياؤه ، وإن كان التحريك هو الأصل؛ لوقوع المثل فى الأصل على ذلك ، وكذلك قولهم (الصيف ضيعت اللبن) لما وقع فى الأصل للمؤنث لم يغير من بعد ، وإن ضرب للمذكر" 27. ويعلق التبريزى على المثل الأخير بقوله : "..نقول :الصيف ضيعت اللبن مكسورة التاء ، إذا خوطب بها المذكر والمؤنث والاثنان والجمع ؛ لأن أصل المثل خوطبت به امرأة ، وكذلك قولهم (أطرى فإنك ناعلة ) يضرب للمذكر والمؤنث والاثنين والجمع على لفظ التأنيث" 28.
ويفصح الزمخشرى عن السر فى المحافظة على ألفاظ المثل وحمايته من التغيير، بأنه متمثل فى نفاسة المثل وغرابته ، حيث يقول :"..ولم يضربوا مثلا ، ولا رأوه أهلا للتسيير ، ولا جديرا بالتداول والقبول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه ، ومن ثم حوفظ عليه ، وحمى من التغيير" 29.
ومن السر أيضا أن الأمثال من قبيل الحكاية ، يفصح عن هذا العسكرى بقوله: "ويقولون :الأمثال تحكى ، يعنون بذلك أنها تضرب على ما جاء عن العرب ، ولاتغير صيغتها ، فتقول (الصيف ضيعت اللبن) ، فتكسر التاء ؛ لأنها حكاية" 30.
مما سبق يمكن القول بأن من حق المثل أن تحمى صيغته وألفاظه من التغيير وأن يبقى على ما جاء عليه مهما اختلفت المضارب والأحوال ؛ لأن المساس به يخل بمدلوله، ويخرجه من باب الاستعارة وجودة الكناية من ناحية، ومن ناحية أخرى تفقد الأمثال كثيرا من قيمتها الأدبية واللغوية والتاريخية، إذا تعرضت للتغيير، ومن ثم أجازت العرب لضارب المثل الخروج فيه على قواعد اللغة بدعوى الضرورة كالشعر، لأنه قد يصدر شعرا أو سجعا، وقد يصدر عن أفواه أناس لا يبالون بالقواعد31 ؛ ذلك لأنه لا تغير صورته مهما كان مخالفا لقواعد اللغة؛ حفاظا على سمة الثبات.
أنواع المثل :
يقسم زلهايم المادة التى احتشدت بها كتب الأمثال إلى عدة أنماط ، واضعا لكل نمط مصطلحا يدل عليه ـ من وجهة نظره ـ على النحو التالى :
المثل proverbe 32:
هو ما يتحقق معناه ومفهومه فى إحدى خبرات الحياة التى تحدث كثيرا فى أجيال متكررة، ممثلة لكل الحالات الأخرى ، فالمثل ليس تعبيرا لغويا فى شكل جملة تجريدية مصيبة تنصب على كل حالة على سواء لأن هذه الصياغة الفكرية تخرج عن القدرة التجريدية للشعب البدائى ، فالتفكير الواضح للشعب يفوق فى التأثير النفسى طريقة التعبير التجريدية بكثير . ومن أمثلة ذلك :
عشب ولابعير ، استنسر البغاث ، أبى الحقين العذرة ، قد بين الصبح لذى عينين، التمرة إلى التمرة تمر .
التعبير المثلى expression proverbiale33 :
يفرق زلهايم التعبير المثلى عن المثل بأنه لا يعرض أخبارا معينة عن طريق حالة بعينها ، لكنه يبرز أحوال الحياة المتكررة والعلاقات الإنسانية فى صورة يمكن أن تكون جزءا من جملة. والتعبيرات المثلية عبارات قائمة بذاتها تثرى التعبير وتوضحه؛ بسبب ما فيها من بيان عظيم، وهى مشهورة متداولة على العموم، كقولهم: سواسية كأسنان المشط ، فلان لايعوى ولاينبح، سكت ألفا ونطق خلفا، إنباض بغير توتير.
يرى الباحث أن الفرق الملموس بين المثل والتعبير المثلى عند زلهايم أن الأول يعتمد على التشبيه، أى يصور موقفا ما، ثم يساق فى المواقف المماثلة، أما الثانى فليس شرطا أن يعتمد على التشبيه. وإذا ما نظرنا فى النماذج التى استشهد بها صاحبنا للنوعين، فلانكاد نلمس فرقا بينها، إذ لو وضعنا نماذج المثل تحت التعبير المثلى وكذلك الأخرى، فلا يغير ذلك من مفهوم المصطلح الذى أشار إليه زلهايم، فما الفرق بين قولهم (سواسية كأسنان المشط) و(عشب ولابعير)؟! كلاهما يحمل السمات ذاتها التى عرضنا لها من قبل.
وهذا الأمر يجيز للباحث الحكم على زلهايم بأنه اضطرب فى تحديد مفهوم المصطلح ، ويبدوله أن الفرق بين المثل والتعبير المثلى أن الثانى يعتمد على المجاز، وأنه أحد أنواع التعبير الاصطلاحى ، فى حين أن الأول قد يخلو منه مثل قولهم: (الجار قبل الدار)، فإن لم يخل منه فهو تعبير مثلى أو تعبير اصطلاحى.
الحكمة maxime 34 :
يذكر زلهايم أن الحكمة تجمع كل ما يتصل بالعادات والتقاليد والتدبير والأقوال السائرة والعبارات النادرة ، فهى تعبر عن خبرات الحياة مباشرة فى صيغة تجريدية. وإنه ليس من قبيل الصدفة أن تنسب أمثال هذا النوع إلى الحكماء والفلاسفة الذين وهبوا المقدرة على التعبير التجريدى ، وهى من الأمثال أو من التعبيرات المثلية التى لم يعرف قائلها، ولم يفعل هؤلاء الحكماء أكثر من أن يضفوا على المثل معنى مجردا، ويحوّروا محتواه باستعمال كلمات عامة فلسفية . ولهذه الأمثال مقابل حرفى فىكثير من الأحيان.
ويعرف أحد الباحثين الحكمة بأنها " تلك العبارة التجريدية التى تصيب المعنى الصحيح وتعبر عن تجربة من تجارب الحياة ، أو خبرة من خبراتها ، ويكون هدفها عادة الموعظة والنصيحة" 35.
ومن الحكم التى احتشدت بها كتب الأمثال وعدت أمثالا لذيوعها وإفشائها : (السر أمانة، العدة عطية، إن الكذوب قد يصدق، إياك أن يضرب لسانك عنقك، انصر أخاك ظالما أو مظلوما 36.
العبارة التقليدية louction figée 37 :
هى تلك العبارة التى توجد فى الدعاء واللعن وفى الخطاب والتحية وفى الصلاة، وما أشبه ذلك ، ويوجد من هذا النوع الكثبر فى كتب الأمثال ، وإن لم يكن فى الأصل من الأمثال . ويقدم لها عموما أبوعبيدة بقوله: "ومن دعائهم.."، وفى النادر بقوله: "ومن أمثالهم فى الدعاء" . ثم سلكت هذه العبارات مع الأمثال فى مسلك واحد، دون ملاحظة ما بينهما من فروق ... ومن أمثلة ذلك :"رماه بأقحاف رأسه ، بلغ الله به أكلأ العمر، على بدء الخير واليمن، بالرفاء والبنين".
ويذكر أحد الباحثين أن المثل أساسه التشبيه ، فإن استوفت العبارة السائرة هذا الشرط ـ بجانب شروط المثل الأخرى ـ كانت مثلا ، وإن فقدت شرط التشبيه، لم تكن مثلا، إنما تكون عبارة جارية مجرى الأمثال لاستحسانها وإيجازها وكثرة دورانها على الألسنة38 .
هذه هى الأنواع الأربعة التى احتشدت بها كتب الأمثال ؛ حيث عدها العلماء أمثالا، والباحث يوافق على ذلك إذا انطبق عليها جميعها المفهوم الذى قدمه آنفا للمثل39.