من أعلام اللغة المعاصرين
يستضيء هذا الرِّواقُ بأحد أعلام العربية المعاصرين وعلمائها الشاهدين على تاريخها، نجتني من سيرته رُطبًا جنيًّا، ونقتطف من محاورته أفكارًا ورؤًى تنير دروب السالكين مهادَ العربيةِ، وتضيء آفاق الباحثين عن لآلئها بين الأصداف، وتقدم جزءًا من حق هؤلاء العلماء علينا، وتُزْخِرُ المكتبة العربية بإشراقات من حياة هؤلاء السادة وآثارهم الساطعة وسِيَرِهم الناصعة، فهم الذين جَلَوا بكلامهم الأبصارَ الكَليلةَ، وشَحَذوا بمنطقهم الأذهانَ العَليلة، فنبَّهوا القلوبَ مِنْ رَقْدتها، ونقلوها مِن سوء عادتها، فداوَوها من العيِّ الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح.
(16) أ.د عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
أستاذ اللغويات وعضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
وعضو المجمع
[IMG]
[/IMG]
تتلألأ نجومُ اللغة في سماء العربية فتشِعُّ ضياءً وتتوهَّجُ إشراقًا فتُظهر لك كل جديد، والدكتور عبد الرزاق الصاعدي نجم في سماء العربية لغة وأدبًا، دائمًا يهديك جديده في خِلْعة من البهاء، ويأخذ بيديك إلى نظرته الوليدة في سلاسة وعذوبة وحجة ناصعة وبيان دامغ، حتى تصدر طريقته ونبغ فيها، وصارت سيرته مثلًا للعالم الرئيس الرَّيِّضِ في علمه وبابته، فأحببنا أن نأخذ منها بقبس نستضيء به في حوالك الليالي ، ونتلمس منها الهدى في بلوغ المعالي.
*تخرجه العلمي ومسيرته العملية:
هو عبدالرزاق بن فراج بن دخيل الصاعدي ولد في مكة المكرمة عام 1380هـ ، وتلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي بمدينة جدة، حصل على البكالوريوس عام 1408 هـ من كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، ثم انتقل إلى المدينة المنورة عام 1409هـ والتحق بالجامعة الإسلامية فحصل على درجة الماجستير بموضوع شهاب الدين الخفاجي وجهوده في اللغة ثم حصل على درجة الدكتوراه عام 1414هـ من الجامعة نفسها وكان موضوع الرسالة تداخل
الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم العربي.
تتلمذ خلال دراسته الجامعية على عدد من الأساتذة منهم..الدكتور عبدالفتاح بحيري الذي أشرف عليه في الماجستير والدكتور محمد يعقوب تركستاني الذي أشرف عليه في الدكتوراه وآخرين.
* المناصب والوظائف:
عُيِّنَ معيدًا بقسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية عام 1409هـ ، فمحاضرًا عام 1412هـ ، فأستاذًا مساعـدًا عام 18/9/1416هـ، فأستاذًا مشاركًا عام 22/11/1420هـ، فأســــــــــــتاذًا عام 4/12/1424هـ، وعُيِّنَ عميدًا للدراسات العليا من 1423 إلى 1428، فعميدًا لكلية اللغة العربية من 1428هـ.
يشغل حالياً عضوية هيئة التدريس في قسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية.
- كُلف سنة برئاسة قسم النشر في مركز البحث العلمي التابع للمجلس العلمي بالجامعة .
-شارك في عضوية عدد من اللجان العلمية والتنظيمية والإدارة في الجامعة .
-يترأس مجمع اللغة العربية الافتراضي وهو مجمع لغوي تفاعلي للغة العربية.
-عضو عامل بمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية.
*الكتب و البحوث العلمية المنشورة :
نشر له عدد من المؤلفات والأبحاث في اللغة والآداب والتاريخ ومنها:
1ـ شهاب الدين الخفاجي وجهوده في اللغة ( رسالة ماجستير 9/4/1412هـ )
2ـ تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم العربي ) رسالة دكتوراه 22/10/1414هـ )
3ـ أصول علم العربية في المدينة ، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة .
4ـ المنهل المأهول بالبناء للمجهول ، لابن ظهيرة ، تحقيقا ودراسة مجلة الجامعة الإسلامية .
5ـ تعميم الدلالة في ألفاظ الإبل ، مجلة الدارة .
6ـ موت الألفاظ في العربية ، مجلة الجامعة الإسلامية .
7ـ المثنى التغليبي وتراث العربية فيه ، مجلة الدراسات اللغوية .
8ـ أبو تراب اللغوي وكتابه الاعتقاب : جمعا وتريبا ودراسة ، مجلة الجامعة الإسلامية
9ـ الرباعي المضاعف في العربية ، مجلة الدراسات اللغوية
10ـ خلل الأصول في الجمهرة لابن دريد ، مجلة جامعة أم القرى .
11ـ معجم الروحة ، للجرباذقاني المتوفى بعد 374هـ تحقيق ودراسة ( الجزء الأول ) والبقية في الطريق إن شاء الله)
12ـ فك التضعيف بالإبدال ، مجلة الدراسات اللغوية
13ـ ألفاظ الجن في العربية، المكتبة العصرية بجدة ، 1425هـ
14ـ ( سر الزجاجة ( مقالات في الأدب واللغة ) نشرت في مجلة المنهل .
15ـ كشف الغمة والبرحاء بما صح من الضبط في بئر حاء ،لأبي الخير الشماخي ، تحقيق ودراسة ( رسالة صغيرة (ملحق التراث بجريدة المدينة ، ثم مجلة العرب)
16 ـ الثبوت في ضبط ألفاظ القنوت (ملحق التراث بجريدة المدينة )
17 ـ الجوهر الفرد في الكلام على (أما بعد) للدمليجي ( ملحق التراث بجريدة المدينة )
18 ـ الذكر المخلد في بيان اللفظ المولد للنهالي ( حرف الهمزة منه ) ( ملحق التراث بجريدة المدينة )
19 ـ التركيب الغريب والترتيب العجيب للتفتازاني ( ملحق التراث بجريدة المدينة )
20 ـ معجم اللغويين والنحاة في المملكة العربية السعودية ( مخطوط لم يكتمل بعد)
21 ـ القبائل الحجازية وعلاقتها بطريق الحج ( مخطوط لم ينشر بعد )
22 ـ مجموعة من المقالات اللغوية والأدبية في عدد من الصحف والمجلات السعودية.
23-معجم ما ألف عن المدينة المنورة قديماً وحديثاً 1417هـ.
*مجمعُ اللغةِ العربيةِ الافتراضيُّ:
هو مجمع افتراضي مفتوح للغة العربية مقره في السعودية، تقوم رسالة المجمع على خدمة اللغة العربية وأساليبها ولهجاتها، يشرف عليه الأستاذ الدكتور عبدالرزاق بن فراج الصاعدي، وتنص أهداف المجمع اللغوي الافتراضي للغة العربية على الآتي:
-نشر الوعي اللغوي، وتربية ذائقة سليمة.
-تقريب الفصحى، ومحاربة التلوث اللغوي.
-خدمة النصوص اللغوية وتحليل نماذج منها.
-جمع اللهجات العربية المعاصرة وتقريبها من الفصحى.
-دراسة مراحل نمو المفردة الأصلية الجذور وما طرأ عليها حتى وصلت إلى حالتها الراهنة.
-ربط اللهجات المعاصرة للشعوب العربية كلها بالموروث اللغوي القديم والكشف عما طرأ عليها من تغييرات فرضتها البيئات الحديثة أو الاحتكاك بالأمم والشعوب الأخرى.
-البحث في أصول الكلمات الدخيلة على اللهجات العربية الحديثة وعوامل إدراجها.
-محاولة تعريب ما لم يعرب من المصطلحات الحديثة وخصوصًا ما شاع بين الأجيال المتأخرة من وسائل التقنية الحديثة.
-تقديم استشارات لغوية وصرفية ونحوية وعروضية.
-اقتراح موضوعات لطلاب الدراسات العليا.
*رأيه في دراسة اللهجات المعاصرة:
إن لهجاتنا لم تنزل من السماء، ولم تأتِ إلينا من وراء البحار ولكنها نبعت من أصول الفصحى وسارت في ركابها سنين متطاولة.
إن مصطلح اللهجات المعاصرة مصطلح مخادع نوعا ما، فمعاصرتها لا تنتفي عنها العراقة والصلة بالفصحى، لأن لهجات القبائل والمناطق في الجزيرة ماهي إلا امتداد للهجات القبائل القديمة، فلهجة سُليم المعاصرة امتداد للهجتها القديمة وكذلك جهينة وهذيل وتميم والأزد وهوازن وقحطان وباقي القبائل وهي كثيرة، وكذلك لهجات أقاليم الحجاز ونجد واليمن وعمان.
إن لهجاتنا لم تنزل من السماء، ولم تأتِ إلينا من وراء البحار ولكنها نبعت من أصول الفصحى وسارت في ركابها سنين متطاولة، وقد اعتراها ما اعتراها بفعل الزمن ومتغيرات الحياة ، فهي معاصرة ولكنها قديمة، ولا ريب في أن ثمة تغييرا وتطورا صوتيا ودلاليا وصرفيا ونحويا أصابها، لكنها لم تزل محافظة على أصولها، وبخاصة في الألفاظ ودلالاتها، ويستطيع الباحث اللغوي الحصيف أن ينفض عنها غبار السنين ويميز الفصيح منها من العامي الملحون، وعلماؤنا القدامى حينما جمعوا اللغة ولهجات القبائل فاتهم الكثير، وقد اعترفوا بذلك صراحة، حتى قال الكسائي: درس من كلام العرب كثيرٌ، ولذا فإن في تلك اللهجات ما يمكن له أن يمد المعاجم ويكمل نقصها، ومن المؤكد أننا سنجد كثيرا من فوائت المعاجم القديمة مختبئا متنكرا في لهجاتنا، لا يعرفه إلا لغويّ حصيف.. وأن في اللهجات المعاصرة من الألفاظ ما قد يَهدي إلى فهم نص من القرآن أو الحديث، أو تبيان قاعدة لغوية أو نحوية أو ترجيح خلاف أو حسم نزاع، أو قبول رأي شاذ أو رده، وفيها ما يعين على فهم أشعار العرب القديمة ويصحح بعض الشروح التي لم يفهم أصحابها قول شاعرٍ على وجهه لخفاء كلمة لم تدونها المعاجم أو لم تدون معناها في لغة الشاعر، وفي شعر هذيل القديم كثير من ذلك مما نراه في شرح السكري لأشعار الهذليين..
ويضاف إلى كل ما سبق أن هذه اللهجات المعاصرة هي لغتنا اليومية لا ننفكّ منها في حياتنا اليومية، فمن العجز أن نترك لغتنا دون أن نتدخل ونحاول أن نصلح من حالها ونقربها من الفصحى، فحين ندرس ألفاظها فنحن نكشف عن حالها فما هو فصيح منها قبلناه وزودنا المعاجم العربية به، وما هو عاميّ ملحون نبذناه وحذرنا المتكلمين منه، فنحن نسعى لتنقية اللغة وتهذيبها وتقريبها من الفصحى، ولا يكون ذلك إلا بدراسة اللهجات لأنها لغة الناس، والناس تعشق لغتها وتأنس بها، وتجاهلها ليس حسنا، وحسبنا أن نقتدي بعلمائنا القدامى الذين درسوا لحن العامة ووصفوه وهذبوه وبينوا حاله وتركوا لنا أكثر من مئة كتاب فيه، منها رسالة للحنبلي عنوانها ( بحر العوّام فيما أصاب فيه العوام) فلماذا لا نقتدي بهم ونجمع ما تبقّى من لهجاتنا ونبين ما فيها من فصيح وفوائت معجمية وما فيها من لحن؟ إلى متى نكتفي بترديد أقوال القدماء عجزا أو جهلا بدورنا اللغوي؟.. كفانا ترديدا واستهلاكا لأقوال علمائنا القدامى دون أن نشاركهم بدرس لغتنا المعاصرة المتمثلة في لهجاتنا وتهذيبها من التلوث اللغوي الذي أصابها، فنحن مسؤولون أمام أنفسنا والأجيال القادمة عما نقدمه للغتنا.
*رأيه في أهمية وسائل التواصل في خدمة العربية:
تقدمُ مواقع التواصل الاجتماعيِّ فرصةً سانحةً لخدمة اللغةِ العربية لما فيها من خصائص التفاعل اللحظي الحيّ وعناصر الجذب والتشويق، مع إمكانية التواقت الزمني التامّ، وإتاحة الفرصة للجميعِ.. فظهرت عدةُ محاولاتٍ فرديةٍ لخدمةِ اللغةِ العربية، من خلالِ حساباتٍ متنوعةٍ في مواقعِ التواصل الاجتماعي، وبخاصةٍ تويتر والفيس بك، يقودُها متخصّصون معروفون أو محبّون للغة.. وفي هذه المواقعِ خيرٌ كثير، وهي - في الجملة - تعملُ على تقريب الفصحى لعامّة الناس، وتيسيرِها، وخدمةِ اللهجات وتهذيبِها وتفصيحِها، والترجمة وتعريب المصطلحات، وفي بعض تلك الحسابات والمواقع عمقٌ علميٌّ واضح، فنشاهدُ حواراتٍ علميةً قويةً في حساباتٍ لغويةٍ معينة، أفاد منها كثير من المتابعين من غير المتخصصين، وأضحتْ تشكّل نواةً لمدرسةٍ لغويةٍ معاصرةٍ تُعنى بالرواية اللغوية والتأصيل والتحليل، للهجاتٍ عريقةٍ في المملكةِ العربيةِ السعودية، ومحاولة تأصيلِها وتحليلِها.
ومن أبرزِ خصائصِ تلك المواقع:
1- الانتشارُ السريع، وتقبّلُ الناس لها، لسهولتِها ويسرها، ويبدو أنها ستأتي على البقيةِ الباقيةِ من حظوظِ الكتاب.
2- أنّ تلك المواقعَ التفاعليةَ تحولتْ إلى ما يشبهُ الصالونات العلميةَ والأدبيةَ والفكريةَ الحيّةَ والدائمةَ على مدار الساعة.
3- أنّ لدى تلك الحسابات من الخصائص الفنية ما يساعدُ على ممارسة رواية اللغة بمفهومِها المصطلحيِّ القديم، ويمكِنُ لها جمعُ اللهجات والألفاظِ والدلالات بطريقةٍ عصريةٍ ميسورةٍ مصحوبةٍ بالنقاش.
4- أنها تمتلكُ عناصرَ الجذب لعموم الناس، من متخصّصينَ وغير متخصصين، ومن الجنسين.
5- أنها أسهمتْ في تهذيب اللهجات وربطِها بالفصحى، ولفتتْ أنظارَ عامّة الناس إلى ما تحتَ أيديهم من كنوزٍ تبدو ملطخةً بوحلِ العاميّات.
6- أنها أزالتِ الفكرةَ المتأصلةَ في عقولِ الناس، المتمثّلةَ في الزعم أنّ دراسةَ العربية صعبةٌ، فأرتهم بطريقةٍ تطبيقيةٍ أن الدرسَ اللغويَّ قريبُ المتناول، وليس بمعزلٍ عنهم، ممّا يسهمُ في حلّ معضلةِ القصور العامِّ في دراسة النحو ويكسرُ حاجزَه النفسي.
7- أنها فعّلتِ التواصلَ العلميَّ بين المدارس اللغوية وأسهمتْ بشكلٍ كبيرٍ في تعارف المتخصصين، وتناقل المعرفة بينَهم، وقد تكونُ وسيلةً رائدةً للترابطِ الأكاديميِّ والتعاونِ المباشرِ مع المؤسسات التعليميةِ.
العوائقُ والمشكلات:
ثمةَ عقباتٌ ومشكلاتٌ إدارية ومالية وفنية وتنظيمية وأدبيات متفرقة وعوائقُ تواجهُ تلك الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، أجملُها في النُّقاطِ الآتية:
1- العشوائيةُ والافتقارُ إلى التنظيم وعدمُ وضوح الرسالة وضبابيةُ الرؤية لأغلب الحسابات الشخصية، فهي اجتهاداتٌ فرديةٌ ذاتيةٌ انطباعية.
2- الافتقارُ إلى العمل المؤسسيِّ الجماعيِّ المنظم، فالغالبيةُ العظمى من تلك الحساباتِ هي حساباتٌ شخصيةٌ فردية، تفتقرُ إلى التنظيم، مما يتطلبُ متابعةً مستمرةً وجهدًا كبيرًا، ليس في طاقة الأفراد.
3- عدمُ التفرغ لتلك الحسابات، وهي مأخوذةٌ على سبيلِ الهوايةِ وليس الاحتراف، وهذا شأنُ الأكثرية.
4- عزوفُ الأكاديميينَ المتخصصين في اللغةِ عن هذه المواقعِ وانغلاقُهم في قاعاتِ الدرس.. ويعتمد نجاح المواقع اللغويةِ غالبًا على التفاعل والمتابعة الدائمة، وأهلُ الاختصاصِ الذين ولجوا إلى هذا المجال لديهم من الالتزامات العلميةِ والأشغال ما يحولُ دونَ ذلك.
5- تفشي الأسماءِ المستعارة لدى المتابعين مما يحدُّ من مصداقيتِها، ويسلبُها شيئًا من الإحساس بالمسؤولة.