صِرتُ في زمان نشر مادة هذا الكتاب، إلى حال عجيبة، إما أن أصمت فيها، وإما أن أوجز إيجازا شديدا؛ فلم أجد أبينَ بيانًا عنها من صيحة العربي المسلم في شهر رمضان عند استغضاب كل مُستغضِب:
اللَّهُمَّ، إِنِّي صَائِمٌ!
فاتخذتها شعارا رسمته على إحدى صوري المتأخرة المعبرة، التزمتُها به هنا خلفية قريبة وبعيدة، من بعد أن كنت التزمتها به قبلئذ مئة مرة، قريبةً قرينةَ منشوراته التي توزَّعت على الفيسبوك والتويتر، ولم أخل من بعضها واجهة موقعي.
لَكأنها اطَّرحتْ عليَّ من آثار التزامها؛ فالتزمت في كل منشور أقرنها به، عبارة "عَجَبًا لِكَذَا..."، التي كنت أُوَجِّهُ فيها القارئ إلى شيء ينبغي لنا جميعا أن نعجب له، إما لأنه قبيح لا يُستقبح، وإما لأنه حسن لا يُستحسن.
ثم التزمت تحت تلك العبارة إحدى هاتين العبارتين:
- "وَكُلُّ أَمْرِهِ (أَمْرِهَا، أَمْرِي، أَمْرِهِمَا، أَمْرِنَا...) عَجَبٌ،
- عَجَبًا أَيَّ عَجَبٍ؛
فأما هذه الثانية فالتزمتها بما أحدُ وجوهه يستحق العجب، وأما الأولى فالتزمتها بما كُنْهُهُ يستحق العجب، أو وجوهُه كلُّها.
وبنيتُ كل عَجَبِيَّةٍ من هذه المنشورات -وهكذا صرتُ أُسميها نِسبةً إلى كلمةِ أَوَّلِها- على مفارقة (اشتمال معجوب له على تناقض ينكره العقل الواعي والقلب السليم والروح المطمئنة)، أتبعها المخرج منها؛ فلا أخلي المقام من دلالة على المسلك المرجو؛ عسى أن أسلكه أنا وغيري، فنخرج من حفرة التناقض فهما وعملا إلى روضة الائتلاف!
ولقد بلغ من أثر هذه السلسلة أن عُرِفْتُ بها وذُكِرْتُ وذُكِّرْتُ، وتُحُبِّبَ إليَّ بمثل: أَيُّ صِيَامٍ هَذَا!
فكنت أجيب: صِيَامُ الدَّهْرِ!
ثم وَقَعَتْ من متلقيها بالقبول موقعا حسنا؛ فدعيتُ إلى مثلها في بعض المجالات، وهيهات؛ فهي سلسلة ولكنها لا تتسلسل؛ بل تتفجر فجأة، وتتحلق حلقها، ثم تذهب عني تطلب من ينسلك فيها، وإذا لم أسرع إلى انتساخها بمثل هذا الكتاب لم أعثر عليها إلى يوم الحساب!
فَاللَّهُمَّ صِيَامًا إِلَّا عَنْ ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ،
اللَّهُمَّ صِيَامًا إِلَّا عَنْ عِلْمِ الْخَيْرِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا،
اللَّهُمَّ صِيَامًا إِلَّا عَنْ تَعْمِيرِ الْآخِرَةِ بِتَعْمِيرِ الْأُولَى،
اللَّهُمَّ صِيَامًا لَا إِفْطَارَ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَكَ، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، "وَحَسُنَ أُولِئَكَ رَفِيقًا"؛
صَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ!