الاشتقاق الكبير والقلب
أ.د صَلاح الدين الزعبلاوي
أجرينا الكلام في آخر عدد من المجلة حول الاشتقاق عامة، فعرضنا للاشتقاق الصغير وما تفرع عليه من المسائل على وجه المخصوص.
فالاشتقاق عامة، كما يقول الميداني، هو أن تجد بين اللفظين تناسباً في أصل المعنى فترد أحدهما إلى الآخر، فالمردود مشتق والمردود إليه مشتق منه.
والاشتقاق الصغير خاصة نزعك لفظاً من لفظ، ولو مجازاً، بشرط أن يكون بين اللفظين اتفاق في الحروف الأصول وترتيبها، وتناسب في المعنى، كاشتقاقك الضارب من الضرب. وقد عنوا بقولهم (ولو مجازاً) أحد أمرين: الأول أن تنزع المشتق من المشتق منه، وهو منطوٍ على معناه المجازي، كاستعمالك المثقف (اسم المفعول) بمعنى المؤدب والمعلم، اشتقاقاً من التثقيف بمعنى التأديب والتعليم، وعلى المجاز. والثاني أن تطلق (الضارب) مثلاً على من لم يضرب لأنه سيضرب، وهو في الحقيقة لمباشر الضرب، أو على من ضرب وهو لا يضرب الآن، كما ذهب إليه بعضهم.
وإذا بني الاشتقاق الصغير على اتفاق الحروف الأصول وترتيبها، فملاك الأمر في الاشتقاق الكبير أن يكون اتفاق بين الحروب دون تريبها، ومثاله: كمل وملك ولكم.. وهو يخالف الاشتقاق الأكبر الذي حدّه أن تتفق في اللفظين بعض الحروف وتتقارب في الباقي نحو جبل وجبر، وحلف وحرف، وهمس وهمش. وأما القلب فلا يعني اصطلاحاً غير تغيير مواضع الأحرف في اللفظ مع التزام معناه نحو يئس وأيس وسنبسط القول فيما تقدم على هذا النحو:
1-الكلام على الاشتقاق الكبير.
2-مرجع القول بالاشتقاق الكبير، وشأنه في المد اللغوي.
3-ما الفرق بين الاشتقاق الكبير والقلب.
4-ما الذي أراده الأئمة بالقلب اصطلاحاً.
5-نصوص الأئمة وكلام الباحثين في القلب.
6-المقلوب وما جاء على هيئته.
7-كيف يستدل على صحة القلب.
8-أيقع القلب اصطلاحاً في الثنائي المضاعف.
9-العلاقة بين دلالة اللفظ ومقلوبه هل هي علاقة تضاد؟
10-ما دلالة المقلوب في الثنائي المضاعف.
11-هل يقع الترادف في الثنائي بين المقلوب والمقلوب عنه؟
12-ما موقع دلالة الثلاثي من مقلوبه؟
1-الكلام على الاشتقاق الكبير
يعرف الاشتقاق الكبير، كما تقدم، بتعويله على ائتلاف الحروف في المادة دون ترتيبها، وهو يلزمك أبداً أن تتلمس للحروف الأصلية المؤتلفة هذه، أصلاً مشتركاً من المعنى، على أي صورة شكلت. وإذا كان ابن فارس قد تذرع في (المقاييس) بالاشتقاق الصغير ليرد مفردات المادة الواحدة إلى أصل من المعنى، فقد تذرع ابن جني، وأستاذه أبو علي حينا، بالاشتقاق الكبير، لينشد في تقاليب المادة كيف ركبت، جنساً من المعنى.
ولم يدّع ابن فارس أنه حقق منحاه في (الاشتقاق الصغير) فيرد المفردات إلى أصل واحد في كل مادة، كما لم يبلغ ابن جني شأوه في رد تقاليب كل مادة إلى جنس من المعنى، بل لم يستوف التقاليب في المادة الواحدة، كل حين.
قال ابن جني في الخصائص (1\525-ط\1913) وقد أسمى الاشتقاق الصغير بالأصغر، والكبير بالأكبر: (هذا موضع لم يسمِّه أحد من أصحابنا. غير أن أبا علي، رحمه الله، كان يستعين به ويخلد إليه، مع إعواز الاشتقاق الأصغر – أي الصغير. لكنه مع هذا لم يسمه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن، وستراه فتعلم أنه لقب مستحسن. ذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين، كبير وصغير، فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم. كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتقرأه فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه. ذلك كتركيب، من س ل م، فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفاته نحو سلم ويسلم وسالم وسلمى والسلامة.. وأما الاشتقاق الأكبر – أي الكبير – فهو أن تأخذ أصلاًً من الأصول الثلاثة فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها، عليه، وإن تباعد شيء من ذلك زدّ بلطف الصنعة والتأويل إليه. كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد. وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب، من الاشتقاق، في أول هذا الكتاب، عند ذكر أصل الكلام والقول، وما يجيء من تقليب تراكيبها نحو: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، ل م ك، وكذلك في ق و ل، و ق ل،.و. وهذا أغوص مذهباً وأحزن مضطرباً، وذلك أنا عقدنا تقاليب الكلام الستة، على القوة والشدة، وتقاليب القول الستة، على الإسراع والخفة..) وختم كلامه بقوله: (واعلم أنَّا لا ندّعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، كما لا ندّعي للاشتقاق الأصغر – أي صغير – أنه في جميع اللغة. بل إذا كان ذلك الذي هو في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذراً صعباً، كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهباً وأعز ملتمساً 530..)
وقد تكلف الأئمة من الجهد، في تقليب الأصل الواحد على وجوهه كيف شُكلت، ما ألجأهم إلى مضايق ومآزق لا مخرج منها ولا محيض. قال ابن جني في الخصائص (1\11): (على أن هذا وإن لم يطَّرد وينقد في كل أصل، فالعذر على كل حال فيه، أبين منه في الأصل الواحد، من غير تقليب لشيء من حروفه. فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضية الاشتقاق، كان فيما تقلبت أصوله، فاؤه وعينه ولامه، أسهل، والمعذرة فيه أوضح).
وقال السيوطي في مزهره (1\202- ط. المكتبة الأزهرية): (ولا ينكر مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها. ولكن التحيل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلب لعنقاء مغرب)1.
وهكذا تراءى لابن جني في تقاليب (ك ل م) القوة والشدة، وتقاليب (ق و ل) الإسراع والخفة. كما تصور في تقاليب (ج ب) القوة والشدة أيضاً. واستدراك فقال: (وإن تباعد شيء من ذلك رُد بلطف الصنعة والتأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد) وأشار إلى أن في تركيب (جبر العظم) قوة، وفي (جبر الملك) قوته، وأنه إذا (جربت) المرءَ أمور اشتدت بها شكيمته، و(الجراب) للحفظ، وفي الحفظ قوة.. وهكذا (البرج) ففيه قوة، و(الرجبة) ما تستند إليه النخلة، وفي الدعم والإسناد قوة. لكنه ذكر (البجرة) وقال إنها (السرة)، وفي السرّة نتوء وغلظة فأين ملمح القوة فيهما، أتراه في قولهم (هذا أمر بجريّ) أي عظيم، والجمع البجاري وهي الدواهي العظام؟ وهو لم يعرض (للجرب) وهو داء الجلد.
فقد جاء في الصحاح: (أجرب الرجل جربت إبله.. وأرض جرباء مقحوطة) فأين ملحظ القوة في هذا؟
قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه دراسات في فقه اللغة\ 219 (ترى ألم يكن ممكناً أن يسلك ابن جني تقليب – ج ر ب- في باب التضاد الذي هو ضر ب من المشترك فيكون في الرجل المجرّب معنى القوة، وفي الرجل الأجرب معنى الضعف!).
أقول لسنا نأبى في هذا تأويلاً، وباب التأويل متسع ومذاهب الاحتيال لا تضيق، ولكن إذا جاز أن تتسع في تلمس المعنى المشترك الذي يتأدى إلى ضم دلالات هذه التقاليب حتى نستسيغ أن نؤلف بين المعنى وضده، فأي تلطف هذا الذي نتذرع به ليؤول الأمر به إلى عكس مآله. أوليس صنيعنا هذا أشبه أن يكون تلعُّباً لا يثمر ولا الظن، أو تحيلاً لا يقذف إلا بالغيب ولا يضرب إلا في شعاب الرجم.
أما ما ذهب إليه الدكتور الصالح من أن باب التضاد يعد ضرباً من المشترك، فيمكن أن يصدق هاهنا إذا ابتغينا لصور المادة جنساً آخر من المعنى يحتمل الجمع بين القوة والضعف كالجلل حين يقدّر أنه موضوع للغاية في الشيء فيوصف به العظيم والحقير.
هذا وقد حمل التكلف أو التعسر في التأويل الإمام السيوطي إلى أن يقول في مزهره حول الاشتقاق الكبير (1\208): (وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح وكان شيخه الفارسي يأنس به يسيراً، وليس معتمداً في اللغة ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب). ومن ثم كان لا بد في التماس الدلالات لمختلف صور المادة أن يحتاط مما يروم منه الباحث مراماً قصياً يضيق عنه طوقه ويفوت ذرعه فتقصر عنه كل همة. ولم يقف الأئمة في الاشتقاق الكبير عند تقليب الثلاثي بل تصوروا احتمال التقليب فيما فوقه. وقد بحث هذا الاشتقاق العلامة الحاتمي وتلميذه السكاكي في مفتاح العلوم بما رواه عنه، وابن الأثير في المثل السائر. قال السكاكي في المفتاح(7): (وإن تجاوزت إلى ما احتملته من معنى أعم من ذلك كيفما انتظمت، مثل الصور الست للحروف الثلاثية المختلفة من حيث النظم، والأربع والعشرين للأربعة، والمائة والعشرين للخمسة، سمِّي الاشتقاق الكبير). ولا شك أن هذا تصور عقلي يعوزه التطبيق والاستقراء كما يقول الشيخ العلايلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب\ 206).
ولم يفت ابن جني أن ينبِّه على ذلك حين قال (الخصائص – 1\62-ط1913: (ألا ترى أنك لا تجد شيئاً من نحو سفرجل، قالوا فيه: سرفجل، ولا نحو ذلك. مع أن تقليبه يبلغ به مائة وعشرين أصلاً. ثم لم يستعمل من جميع ذلك إلا سفرجل واحده).
***
2-مرجع القول بالاشتقاق الكبير وشأنه في المد اللغوي
بحث العلماء احتمال أن يكون الخليل قد أوحى في معجمه (العين) بهذا الضرب من الاشتقاق، فبعث على التفكير فيه حين عمد إلى تقليب المادة الواحدة على صورها، والكشف عن دلالة كل صورة، فعمل ابن جني على المعارضة بين دلالاتها والتماس ما يوائم بين مناحيها ليضمها في نطاق ويردها إلى أصل مشترك.
قال الأستاذ عبد الله العلايلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب\ 205):
(لم يكن عمل الطبقة الثانية إلا شرحاً لما بدأه الخليل. فهو أول من تبين الوحدة بين المقاليب وتناولها بالدرس. وزاد بأن حصر ما في العربية من الثلاثي على ضوئها بعد تحققه أن للكلمة الثلاثية ستة مقاليب، فيها المهمل والمستعمل. ومن ثم كان عمله خطيراً جداً. ولا يفهم من هذا أنه قصد الاستفادة من المهملات بعد عمل نظامي، وإنما كان جهده فيها عملاً تحقيقاً فقط).
أقول قد أشار إلى هذا بعضهم ونفاه آخرون. وعندي أنه لا يبعد أن يكون قد اتفق لابن جني أن تعهد ما جاء في معجم (العين) بنظره وترصده بفكره فعل يستقري أطواره ويتعرف أحواله حتى خلص إلى ما أستنه في (الاشتقاق الكبير). ذلك أن الخليل قد أتى باللفظ وما ينشأ عنه بالقلب في الموضع الواحد. فذكر (الضرم) مثلاً في حرف الضاد. وأتبعه ذكر (الضمر فالرضم فالمضر فالرمض فالمرض). فإن أهمل شيئاً من وجوه التقليب أشار إليه. وقد جعل كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة.
وأخذ بنهج الخليل هذا الأزهري في تهذيبه وابن سيده في محكمه. وعاب ابن منظور هذه الطريقة في معجمه لسان العرب فقال: (ولم أجد في كتب اللغة أجل من تهذيب اللغة.. وأكمل من المحكم.. فإنهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق.. وما عداهما بالنسبة إليهما بنيَّات الطريق. غير أن كلاً منهما مطلب عسر الدرك ومنهل وعر المسلك).
وقد عقب الشيخ طاهر الجزائري على ذلك في حاشيته على خطبة الكافي فقال: (واعلم أن طريقة الخليل لها موقع عند الذين يرون أن الكلمات التي تشترك في الحروف، وإن اختلفت في الترتيب، لا بد أن يكون لها معنى مشترك هو جنس لأنواع موضوعاتها).
وقال ابن الأثير في المثل السائر (294): (وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحداً يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها) وإن تباعد شيء من ذلك عنها رُد بلطف الصنعة والتأويل إليها)، وأردف: (ولنضرب لذلك مثلاً فنقول: إن لفظة – قمر – من الثلاثي لها ستة تراكيب وهي: قمر، قرم - رمق، رقم- مقر، مرق – فهذه التراكيب الستة يجمعها معنى واحد هو القوة والشدة).
وقد لحظ الشيخ العلايلي في مقدمته أن ابن الأثير قد تفرد، من جميع باحثي الاشتقاق الكبير بهذا الترتيب الذي رعى فيه فاء التقليب. فكأنه رمى بذلك إلى غاية نشوئية حاصلها أنا لو فرضنا مادة كذا أصلاً، فالمادة التي يكون فاؤها فاء الأصل تكون قد أعقبتها اشتقاقاً، فجاء (قمر) ثم (قرم) وهكذا. والذي يعنينا من ذلك هل رام ابن الأثير هذا حقاً؟
أقول قد استدرك العلايلي فاستبعد هذا إذ لا دليل عليه، لكنه مضى يتخيل أن العربية قد استنت للتزيد اللغوي سنة جرت عليها، بعد أن أصبح الثلاثة وحدة الكلم. ذلك أنها قلَّبت حروف الثلاثي بحيث يكون لكل أصل منه ست صور لها جامع معنوي. وقد روعي في توليدها نهج خاص بني على ترتيب حروف الهجاء. فأقدم ما تألف من الكاف واللام والميم، على ما تصوره العلايلي، هو (كلم) بسبق الكاف تليها اللام فالميم، كما تتوالى بترتيبها في حروف الهجاء، فتولد من (كلم) لمك ثم تولد من هذا مكل فكمل فملك فلمك. ونبه العلايلي على أن ما تفرع على كل أصل ثلاثي لا يشترط أن يبلغ هذا العدد، كما نبه ابن جني أن هذه التقاليب لا تطرد. فإن (لمك) كما قال، لم تأت في ثبت (الخصائص 1\12).
وقد أتى العلايلي بأصل آخر أوضح فيه ما تصوره في تتابع الاشتقاق فقال إن (ز ف ن) أقدم صور هذا الثلاثي لأنها الأوفق للترتيب الهجائي ثم تولد منه (فنز) فـ (نزف) ثم (ز ن ف) وهو الأصل الثاني، وقد تشعب منه: (ن ف ز) فـ (ف ز ن).
وبحث العلايلي أمر الاشتراك المعنوي في تقاليب المادة ووجه الاختلاف بين دلالاتها، فقال: (فقد تقرر بما لا يحمل ريباً أن بين مواد الثلاثي الست جامعاً معنوياً، وإنما وجه الخلاف في الخصوصية) وأردف: (وعليه يمكن انتزاع الجامع المعنوي منه، أي من الأصل الثلاثي، وتعيين الخصوصية بمساعدة الثنائي الذي لا نظن في أمره مناقشة). وقد رام العلايلي بذلك أن ينبه على ما كان للاشتقاق الكبير من شأن في المد اللغوي. في مراحل تكامل اللغة وتناميها. أما قوله: (وتعين الخصوصية بمساعدة الثنائي) فهو ينم على أن لكل مادة من مواد الثلاثي الست ثنائياً خاصاً يميز معناه، ولا تشركه في هذا الثنائي مادة أخرى من هذه المواد. ولو صحّ أن يتحد (ثنائي) بين مادة وأخرى من ثلاثي، لاقتضى ذلك تقارب دلالتيهما، وهما مختلفتان. ويحد الثنائي في المادة حرفاه وترتيبهما، وموقعه من الحرف المزيد. ولا بد من إيضاح ذلك في نواحٍ ثلاث:
الأولى: أن الجامع المعنوي للتقاليب لم يمنع من اختلاف دلالة كل تقليب عن دلالة سواه، وأن هذا الاختلاف مرهون باختلاف مواقع الحروف بعضها من بعض، أي باختلاف الثنائي وموقعه من الحرف المزيد.
الثانية: إذا صحّ أن الثلاثي إنما ينظر في دلالته، أصلاً، إلى المعاني الأولى لحروفه، وأنه أضحى مؤلفاً حرفياً موحد الدلالة مفرداً في مفهومه بعد أن كان مؤلفاً من وحدات لكل منها دلالة (أو من وحدتين: الثنائي والحرف المزيد) فإن وحدة المعنى في كل تقليب لم تبن على معاني حروفه وحسب، وإنما أُسست على ترتيب معين لهذه الحروف. حتى إذا اختلف الترتيب صير إلى تقليب آخر بدلالة مغايرة، ولو متَّت هذه الدلالات إلى جنس من المعنى.
الثالثة: إذا استقر أن الثلاثي إنما ينظر بدلالته إلى معاني حروفه، فإن الثنائي يهدي بمعناه الموحد إلى فحوى الثلاثي الذي يبنى عليه فيكون دليلاً له. والثنائي إنما يعتمد في معناه كذلك على حرفيه الهجائيين فينم على دلالتيهما الأوليين مفردين، لكنه يتأثر، على كل حال، بموقع كل حرف من صاحبه. وتمس الحاجة بعد هذا إلى تعرف جنس المعنى لكل حرف من الجدول الهجائي يتتبع النصوص الدالة عليه واستقراء معاني الكلم. وهو ما يعقد عن تقصيه جهد فرد من الأفراد.
قال العلايلي (ومن هذا أصبح من الضروري أن نتكلم على تحديد معاني حروف الجدول بما تسمح به النصوص المحفوظة. فحرف الهمزة يدل على الجوفية وعلى ما هو وعاء للمعنى، ويدل على الصفة تصير طبعاً. والباء يدل على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تاماً، 000\210). ولكن هل تشف معاني الكلم عن هذه الدلالات حقاً؟ هذا ما لا مناص من محاولة الاهتداء إليه باستقراء لا يدخر عنه جهد، ولا تستوطأ فيه راحة.