التغيرات الطارئة على اللغة العربية "الفصحى"
من كتاب علم اللغة مقدمة للقارئ العربي للدكتور محمود السعران
ونحن في حاجة إلى أن نتقبل أن اللغة العربية "الفصحى" في حياتها الطويلة الخصبة، مع محافظتها البالغة بوجه عام، قد طرأت عليها تغيرات في هذا الجانب أو ذاك، وأيا كان كنه هذه التغيرات، فهي في نظر العلم "تغيرات" يجب أن تدرس دراسة موضوعية منزهة من الأهواء.
والغريب في الأمر أننا ندرس "الدخيل" و"المولد" ونتحدث عن "غريب" القرآن الكريم والحديث الشريف، وعما فيها من كلمات أجنبية الأصل، وعن "تحضر" الكلام العربي، و"رقته" في بعض العصور، وعن "أساليب" عفى عليها الزمن فلم نعد نستعلمها، ونتحدث في تاريخ الأدب العربي عن الأطوار التي مر بها "أسلوب" الشعر، وعن تلك التي مر بها "أسلوب" النثر، ولكنا مع ذلك كله نحجم عن أن نقرر ذلك الحكم العام، وهو حكم بديهي صادق، رضينا أو لم نرض، ألا وهو أن اللغة العربية قد أصابها منذ نزول القرآن الكريم، حتى أيامنا هذه، تغيرات في هذا الجانب من جوانبها أو في ذاك. ونرى أن في هذا خطرا على لغتنا التي يجب علينا أن نصونها صونا للقرآن الكريم.
ولغة القرآن الكريم مغايرة منذ نزولها للغة العرب، لم تكن كلغة الشعر الجاهلي، ولم تكن شبيهة بكلام خطباء العرب وكهانهم ولم يشبهها فيما بعد ذلك من زمان كلام من الكلام.
إن "التغيرات" التي أصابت الكلام العربي الفصيح لم تصب أصول التركيب اللغوي في كثير، فلن يضر رصدها وتسجيلها المحافظة على كتاب الله العلي القدير، ولا على آثارنا الأدبية والفكرية. بل إن رصدها فضلا عن كونه واجبا علميا، سيوسع آفاق فهمنا للغتنا وتاريخها. وإن الفهم الصحيح للغة وتاريخها، من أولى الخطوات اللازمة عند النظر في "صونها" أو "الارتقاء" بها، أو "تطويعها" لتجاري مقتضيات العصر الحديث وحضارته.
إن الملاحظة الصوتية لنقل الكلام العربي الفصيح كما يتمثل في الأقطار العربية المختلفة لحاكمة بأن نطقه في مصر يختلف عن نطقه في العراق، ونطقه في العراق يغاير نطقه في ليبيا أو تونس أو الجزائر أو المغرب.
إن دراسة وجوه الخلاف في نطق الكلام العربي الفصيح في الأقطار العربية المختلفة ليس يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى تفتيت "الوحدة العربية" أو إلى إضعافها. وأعجب ما في الأمر أنا لا نتخذ ما بين العرب من خلافات في هيئات الجسوم وسمات الوجوه، ولا نتخذ ما بين بلداتهم من خلافات في الأجواء والأنهار والأرضين، ولا ما بينهم من خلافات في الأزياء والمآكل والمشارب والزينات، نحن لا نتخذ ذلك كله أو شيئا منه مبررًا للحكم على من يجهر به بأنه "رجعي" أو "استعماري" أو "ضيق الأفق"!. ولكن أكثرنا لا يقبل التصريح بظاهرة يسيرة صادقة فيما يتعلق بكلام العرب! ويتصور أن هذه الملاحظة وأشباهها "ستقضي" على العربية شر قضاء، أو ستصيبها بجرح بليغ، ولا يدري أنه بذلك يحكم على نفسه بأنه يجهل كيف تحيا اللغات وتتطور.
ولو قال قائل: إن أوجه الخلاف بين الكلام العربي الفصيح في الأقطار العربية المختلفة لا تقتصر على خلافات في النطق "من حيث مخارج بعض الأصوات، ومواضع "الارتكاز" و"النبر" إلخ.." بل تتسع حتى تشمل المفردات والعبارات، لكان ما يواجه به من هجوم أقسى مرات ومرات مما يواجه به صاحب القول الأول ونسي هؤلاء أن معرفة هذه الأوجه الخلافية خطوة أولى في سبيل التعريف بها تيسيرا على أبناء العربية في مختلف أقطارها، وقد يؤدي هذا التعريف إلى التقريب أو التوحيد.