التّصغير في اللغة العربية نظرة في: الدلالة والتحليل الصوتي
د. "محمد أمين" الروابدة
جامعة مؤتة/ كلّية الآداب
قسم اللغة العربية وآدابها
ملخص
يتناول هذا البحث جانبين من جوانب التصغير، هما: الدلالة والتحليل الصوتي.
في الجانب الدلالي، يحاول استجلاء المعاني السياقية لصيغ التصغير من خلال: القرآن الكريم، وعيّنة من الشعر والنثر العربي القديمين، ويكشف أن التحقير الذي توسع في استعماله العلماء للدلالة على معنى التصغير، وورد كمعنى أساسي عندهم، لم يكن بالشيوع الذي ذهبوا إليه، وإنما ورد في سياقات لغوية معينة، قصد إليها الشاعر، أو الناثر قصداً.
ويبين البحث في جانبه الآخر، أنّ العوامل الصوتيّة لها أثر في تشكيل البنية الصوتية لأبنية التصغير، وأنّ كثيراً من التغييرات في أبنية التصغير يسهم في تحديدها التخلّص من الحركات غير المتجانسة، والمرفوضة لغويّا، وتكوّن مقطع صوتيّ مرفوض أيضاً.
مدخل: التصغير، لغة واصطلاحاً
لغة:
مصدر صغّرته تصغيراً: إذا قللته، وفلانة تُصغّر سِنّها، أي: تُنقصه وتُقلله. وصغّرته وأصغرته: جعلته صغيراً. وصَغَره يَصغُرُه صَغراً: كانت سنّه أقلّ من سِنّه. وصَغُرَ يَصغُر: قلّ حجمه، أو سِنّه، فهو صغير(1).
وجاء في القاموس المحيط أنّ الصِّغَر خلاف العِظم. وصَغَره وأصغَرَه: جعله صغيراً( 2).
أمّا في الاصطلاح، فقيل: (المُصغّر ما زِيد فيه شيء حتى يدلّ على تقليل)( 3) وكذا قيّده السهيلي، فقال: (التصغير عبارة عن تغيير الاسم ليدلّ على صِغَر المسمّى، وقلّة أجزائه)(4 ). بينما أطلقه الجرجاني، فقال، بأنه: (تغيير صيغة الاسم لأجل تغيير المعنـى، تحقيراً، أو تقليلاً، أو تقريبـاً، أو تكريماً، أو تعظيماً)( 5).
وهذا التغيير مخصوص يطرأ على بنية الاسم المعرب، بحيث يأتي على وزن خاص من أوزان التصغير الثلاثة: فُعَيل، وفُعَيعِل، وفُعَيعيل.
وهو من الظواهر اللغوية المتعدّدة التي تحكمها أبنية مستقلّة، ذات دلالة خاصّة، تأتي ضمن تحوير في بناء الاسم القابل للتصغير، على جهة مخصوصة.
وهو نظام خاص تلعب فيه المُصوّتات الدور الأساس، فهي التي تمنحه هذه الخاصّية، وهذه الدلالة للتعبير عنها عند الحاجة.
وكان إدخال المصوّتات في الأصل الاشتقاقي له قد اتّخذ طابعاً تمييزياً، كحال غيره من المشتقّات.
والتصغير يجمع بين وسيلتين من وسائل التعبير في اللغة، هما: اللصق، والصيغة، فهو يوجب زيادة ياء ساكنة في حشو الكلمة، كما يُغَيّر في أصواتها، بضمّ الأول، وفتح الثاني، وهو بهذا يكون مرتبطاً بالناحية الصوتيّة، أكثر من ارتباطه بالناحية الشكلية، وإن كانا مهمّين في تكوينه.
معنى التصغير:
حملت صيغة التصغير معاني متعددة(6 ) متضادّة – أحيانا -، لم تحملها صيغة صرفية أخرى، منها:
تقليل ذات الشيء، مثل: جُبَيل، في: جبل.
تقليل كمّيّته، مثل: دُرَيهمات في: دراهم.
تقريب الزمان، مثل: قُبَيل العصر في: قبل.
تقريب منزلته، مثل: صُدَيّقي، في: صديقي. يقول ابن عصفور: (أُخَي وصُدَيّقي، إنّما تريد تقريب منزلة أخيك، وصديقك في نفسك)( 7).
إظهار الشفقة، مثل: ذلك عُجَيّز يستحقّ العون( 8).
التمليح، كقول الشاعر( 9):
يا ما أُمَيلح غزلاناً شَدَنّ لنا من هؤليّاكنّ الضّال والسُّمُر
الترحّم، مثل: مُسَيكين في: مسكين( 10).
التعظيم والتحبّب، كقوله (صلّى الله عليه وسلّم) (أُصَيحابي أُصَيحابي)( 11) وقوله: (خذوا نصف دينكم عن هذه الحُمَيراء)(12 ) ويقصد السيدة عائشة، أمّ المؤمنين (رضي الله عنها).
الاختصار اللفظي، مثل: وُليد، فقد أغنت عن القول: ولد صغير( 13).
الذمّ، مثل: يا فُوَيسق، في: فاسق( 14).
ويرد معنيان آخران متضادان تماماً، من معاني التصغير، غير ما ذكر، وهما:
التحقير، والتعظيم، وربما يكونان من أكثر المعاني التي أفاض فيها العلماء،
1- التحقير:
استعمل الخليل، وسيبويه، والمبرد، وابن جني، وابن السراج، والأنباري، وابن عصفور، وابن يعيش التحقير للدلالة على التصغير، ويبدو لي أن لفظة "التحقير" جاءت في مصنفات العلماء السابقين أكثر من ورود لفظة "التصغير" وذهب بعضهم أكثر من ذلك حين عنون مبحث التصغير بالتحقير.
يقول الخليل: (وتحقير الكلمة تصغيرها)( 15) واستعمل سيبويه لفظة التحقير للدلالة على التصغير مرات عديدة، منها قوله: (اعلم أن تحقير ذلك كتحقير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته ألف التأنيث)(16 ).
ويقول المبرد: (وتقول العرب في تحقير شفة: شفيهة)(17 ).
ولدى مقارنة ابن جني جمع التكسير بالتصغير قال: (إنّما صار هذا التحقير يجري مجرى هذا الجمع)(18 ) وقال:(وإنّما حُمِل التحقير في هذا على التكسير)( 19).
واستعمله كمصطلح فقال في تصغير: كساء وقضاء (ألا تراك تقول في التحقير: كسي وقضي)(20) وقوله: (سألت مرة أبا علي - رحمه الله - عن رد سيبويه كثيراً من أحكام التحقير إلى أحكام التكسير)( 21) وقال: (ألا ترى أن كل واحد من مثالي التحقير والتكسير عارضان للواحد)(22 ) أما ابن السراج فسمى باب التصغير "باب التحقير"( 23).
وذهب ابن عصفور أبعد من ذلك حين جعل التحقير المعنى الأساسي للتصغير فقال: (لا يتناول التصغير إلا حقيراً)( 24).
وإلى مثل ذلك ذهب الأنباري( 25)، وجعل ابن يعيش الأمر كذلك حين ربط بين التصغير والتحقير، وجعلهما وكأنهما من المترادفات، فقال: (اعلم أنّ التصغير والتحقير واحد) وأضاف بعد أن قدم ثلاثة معانٍ للتصغير وهي: (تصغير ما يتوهم أنّه عظيم كقولك: رُجيل، وتقليل ما يجوز أن يتوهم أنّه كثير، كقولك: دُريهمات، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنّه بعيد كقولهم: "بُعيد العصر) ثم قال: (وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير" قال: "وهو خلاف التكبير والتعظيم")(26 ).
وفي دراسة حديثة لمعاني التصغير في بعض اللغات السامية ذكر الباحث أنّ التحقير معنى أساسي للتصغير (فهو فيها كما هو الحال في العربية الشمالية، تحقير من شأن المُصَغّر تتفرع منه معان ثانوية هي في حقيقتها تمثل تضييقاً له) وبعد أن أورد معاني التصغير، وهي كما ذكر (تقليل من ذات الشيء، أو حجمه، أو كميته، أو عدده، أو سنه، أو هو تقريب للمكان، أو الزمان، أو هو تلميح، أو تلطف، أو ترحم) أعقب ذلك بقوله: (وفي النظر إلى تصغير المكان والزمان الذي يفيد التقريب كما قال سيبويه ونرى أن أصله التحقير أيضاً)، لا بل إنّ الباحث ذهب -أيضاً- أبعد من ذلك حين ذكر أنّ (معنى التدليل أو التمليح أو التلطف، هو متفرع عن معنى التحقير أيضاً) وانتهى إلى القول بأنّ "التصغير يحمل معنى واحداً أساسياً في اللغات السامية، وهو التحقير، وتتفرع عن هذا المعنى الأساسي معان أخرى ذات صلة وثيقة به"( 27).
بينما ذهب عباس حسن إلى إمكان إرجاع كثير من الأغراض المتصلة بالتصغير إلى غرضين أساسيين هما: التحقير أو التقليل.( 28).
التعظيم:
استدلّ من قال بأنّ التصغير يأتي للدلالة على معنى التعظيم، كما يأتي للتحقير، بجملة من الشواهد الشعرية والنثرية، دلّ السياق فيها على أنّ التصغير لا يأتي فيها إلا لهذا المعنى كما يرى، منها:
الشواهد الشعرية:
قول أوس بن حجر(29 ):
فُوَيق جُبَيل شاهق الرأس لم تكن
لِتبلغه حتى تكلا وتعملا
(قال: جُبَيل، ثمّ قال: شاهق، وهو العالي، فدلّ على أنّه أراد تفخيم شأنه، وتعظيمه)(30 ).
وجاء في شرح الشافية (وقيل: يجيء التصغير للتعظيم، فيكون من باب الكناية، يكنّى بالصغر عن بلوغ الغاية في العِظم؛ لأنّ الشيء إذا جاوز حدّه جانس ضدّه، وقريب منه قول الشاعر(31 ):
داهية قد صَغُـرت من الكِبَر
صِلّ صفا ما تنطوي من القِصَر
واستدلّ بمجيء التصغير للإشارة إلى معنى التعظيم بقوله( 32):
وكلُّ أناس سوف تدخل بينهم
دُوَيهيّة تصفـرُّ منهـا الأنامـل
قال ابن الأنباري عن قوله: (دُوَيهيّة) (يُريد: الموت، ولا داهية أعظم من الموت)( 33) وإلى مثل ذلك أشار الصبّان، فقال: (فتصغيرها للتعظيم، بقرينة وصفها بالجملة بعدها التي هي كناية عن الموت)( 34).
ويمكننا أن نستأنس بما قاله العلماء عن قول المتنبّي:
أحـاد أم سداس في أحـاد
لُيَيلتنـا المنوطـة بالتنـاد
في مجيء التصغير للتعظيم، فقد جاء في الوساطة بين المتنبّي وخصومه: (قال الخصم: صغّر الليلة، ثمّ استطالها، فقال: لُيَيلتنا المنوطة بالتناد، قال أبو الطيّب: هذا تصغير التعظيم، والعرب تفعله كثيراً)(35 ).
الشواهد النثرية:
جاء في لسان العرب: (والتصغير يجيء بمعانٍ شتّى، منها ما يجيء على التعظيم، وهو معنى قوله: فأصابتها سُنيّة حمراء... ومنه الحديث: أتتكم الدُّهَيماء، يعني: الفتنة، فصغّرها، تهويلاً لها)(36).
وكقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في عبدالله بن مسعود: (كُنَيّف مُلِئ علماً، فقد شبّه عمرُ ابنَ مسعود هنا بالجامع الذي حفظ كلّ ما فيه.)( 37).
وجاء عن الحبّاب بن المنذر يوم السقيفة (أنا جُديّلها المُحكك وعُذَيقها المُرَجَّب)(38 ) (وإنّما كان التصغير في ذلك للتعظيم؛ لأنّ المقام المدح)(39 ).
ومجيء التصغير للتعظيم رأي كوفي( 40)، ومنعه البصريّون، متأوّلين ما جاء من أدلّة عند الكوفيين، فقد أنكر المبرد مجيء التصغير للتعظيم، وتأوّل ما جاء على هذا المعنى، فقال عن تصغير (دُوَيهيّة) في البيت السابق: (أراد خفاءها في الدخول، فصغّرها لهذا الوجه، وهو ضدّ التعظيم المذكور)(41).
ونرى أنّ اختزال معنى التصغير بالتحقير دون النظر إلى المعاني الأخرى التي تفيدها، وأخصّ بالذكر معنى التعظيم؛ لقوّة الأدلّة الشعرية والنثرية التي وردت، فيه نوع من التجاوّز، وبُعدٌ عن الواقع.
وإنّ قولهم: إنّ المعنى الأساسي للتصغير هو التحقير( 42)على الإطلاق، وما جيء من معانٍ أخر يمكن تأويلها؛ لتنسجم مع دلالة التحقير، فيه تجاوز أيضاً.
ونرى أنّ دلالة التحقير التي ركّز عليها بعض العلماء، واستعملت في مصنّفاتهم، وكأنّها المصطلح البديل للتصغير؛ جاءت لتشير إلى دلالة التصغير معجميّاً، وما تحمله من إذلال، ومهانة، دون النظر إلى السياقات اللغوية المختلفة التي ورد فيها التصغير، والمقام الذي قيل فيه.
ونرى – أيضا – أنّ صيغ التصغير لا تؤدّي دلالة التحقير إلا إذا كان القائل يقصد بها التحقير قصداً، ودليلي على ذلك ما يلي: