الوزن والقافية بين الصرف والمعجم
بيَّنتُ في مقال سابق أنَّ الأدلَّة الإرشادية غير واضحة ولا تسير على سنن واحد في نشاط "كلمات متشابهة الوزن والقافية"، وأَنتج هذا الخلْطُ، وعدم الوضوح الناشئ من مخالفة طبيعة اللغة - أنِ انتشرَت مثل هذه اللَّوحات في مجموعات القرائيَّة، وتداوَلَها المهتمُّون من دون أن يَعوا أنَّ ذلك غير صحيح.
أنا أتحدَّث عن الوزن والقافية، وأُورِدُ لوحتَين عن المعاني المتعدِّدة؟! فما العلاقة بين المسألتين؟
بيَّنتُ هذه العلاقة في مقالي (إستراتيجية "المعاني المتعددة" والوزن والقافية)، فذكرتُ أنَّ المعاني المتعددة تدور حول كلمة واحدة؛ لذا يكون من المسلَّم به اتِّحاد الوزن والقافية.
فهل اقتصَر الأمرُ على مسألة المعاني المتعددة تطبيقًا؟
لا.
كيف؟
في اللَّوحة الآتية نجِد نشاط "الوزن أو الوزن والقافية"، ونجد به خَللًا في أكثر من كلمةٍ، مَنشؤه عدم التفطُّن إلى اختلاف الوزن؛ لاختلاف نوع الكلمة من اسمٍ وفعل، أو لاختلاف الحركات، أو لعدَم العلمِ بمعنى انعِقاد علاقة بين كلمتين أو أكثر في الوزن، فما معنى تلك العلاقة؟
حتى تَنعقد علاقة بين كلمتين أو أكثر في الوزن، لا بدَّ من الاتِّحاد في عدد الحروف، وطبيعة الحركات؛ فإن كانت الأولى من ثلاثة أحرُف، فلا بدَّ أن تكون البقيَّة كذلك، وإن كان الحرف الأول من الكلمة الأولى مفتوحًا والثاني مكسورًا والثالث مفتوحًا، فلا مفرَّ من وجود ذلك في البقية.
فإن أضيفَت القافية اشتُرط اتِّحاد الحرف الأخير مع الشرطين السابقين.
بهذه الشروط يَنعقد الاتِّحادُ في "الوزن أو في الوزن والقافية"، فهل هذا ما هو موجود في كلمات هذه اللوحة؟
لا.
كيف؟
في كلمات المربع الثَّالث في سطره الثالث نجد "حزن - ذهب - شهد"،
فماذا فيها؟
لو عددناها أفعالًا لكان الضَّبط كالآتي: (حَزِنَ، وفيها فتحُ الزاي - ذَهَبَ - شَهِدَ)، ولكان الوزن غير متَّحد في الثلاثة، ولو عددناها أسماءً لكان الضبط كالآتي: (حُزْنٌ – ذَهَبٌ - شَهْدٌ)، ولكان الوزن غير متَّحد في الثلاثة أيضًا.
وفي كلمات المربع الرَّابع في السطر الثالث أيضًا نجد "وصل - كسل - دخل"،
فماذا فيها؟
لو عددناها أفعالًا لكان الضبط كالآتي: (وَصَلَ - كَسِلَ - دَخَلَ)، غير متَّحد في الثلاثة، ولو عددناها أسماءً لكان الضبط كالآتي: (وَصْلٌ - كَسَلٌ - دَخَلٌ؛ لو كان مصدرًا للفعل "دَخِلَ"، وليس "دَخَلَ" مفتوح العين؛ فمصدره دخول)، ولكان الوزن غير متَّحد في الثلاثة أيضًا.
فلِمَ هذا الخلْطُ وعدم الوضوح؟
لتجاهل باب الأبنية في الصَّرف؛ فهذا الباب هو أصل هذه المسألة وأساسها.
فبمَ يختصُّ هذا الباب؟
إنَّه يختصُّ بأبنية الاسم والفعل فقط.
لمَ؟
لأنَّ موضوع عِلم الصَّرف كما بيَّنتُ في مقالي: (إستراتيجية "عائلة الكلمة".. المثال واللامثال للفعل الماضي والمضارع) - هو الاسم المتمكن والفعل المتصرِّف فقط.
(2)
فماذا يُقال عن هذه الأبنية؟
سأحرِص على أن أنقل هذا الجزءَ من مصادر اللغة توثيقًا، وتعريفًا بطريقة أجدادنا العلماء في التأليف اللغوي، وإغناءً للمعلِّمين والمعلمات بالأوزان مع الأمثلة والمعاني.
كيف؟
سرَدَ جلالُ الدين السيوطي في كتابه "
المزهر في علوم اللغة وأنواعها
" الأقوالَ في تعداد الأبنية، فقال:
"قال أبو القاسم علي بن جعفر السعدي اللغوي المعروف بابن القطاع في كتاب الأبنية: قد صنَّف العلماء في أبنية الأسماء والأفعال، وأكثَروا منها، وما منهم مَن استَوْعَبَهَا؛ وأوَّل مَن ذكرها سيبويه في كتابه، فأورد للأسماء ثلاثمائة مثال وثمانية أمثلة، وعنده أنَّه أتى به، وكذلك أبو بكر بن السراج ذكر منها ما ذَكره سيبويه، وزاد عليه اثنين وعشرين مثالًا، وزاد أبو عمر الجَرْمي أمثلةً يسيرة، وزاد ابنُ خالويه أمثلةً يسيرة، وما منهم إلَّا مَن ترك أضعافَ ما ذكر، والذي انتهى إليه وُسْعُنا، وبلغ جُهدنا، بعد البحث والاجتِهاد، وجمْع ما تفرَّق في تآليف الأئمَّة: ألفُ مثال ومائتا مثال وعشرةُ أمثلة".
وعلَّل اختلافَ الأبنية وتعددها في كتابه "همع الهوامع في شرح جمع الجوامع"، فقال:
"الكتاب السادس: في الأبنية للأسماء والأفعال: قال ابن الحاجب: وهي إمَّا للحاجة المعنويَّة، بأن يتوقَّف عليها فهم المعنى؛ كالماضي والمضارع، والأمر والمصدر، وأسماء الزمان والمكان والآلة، والفاعل والمفعول، والصفة المشبهة وأفعل التفضيل، والتأنيث والجمع، والمصغَّر والمنسوب، أو اللفظيَّة بأن توقف عليها التلفُّظ باللفظ؛ وذلك كالابتداء والوقف، أو للتوسُّع؛ كالمقصور والممدود، أو لمجانسة؛ كالإمالة".
ثم ذكر فلسفة الأبنية للاسم والفعل في الكتاب ذاته، فقال:
"ولم يأتِ الاسم المجرَّد على ستَّة؛ لئلَّا يوهِم التركيب، ونقَص عنه الفعلُ حرفًا؛ لثقله بما يَستدعيه من الفاعل والمفعول وغيرهما، وما يدلُّ عليه من الحدَث والزَّمان، ولم يأتِ واحدٌ منهما على أقل من ثلاثة؛ لأنَّها أقل ما يمكن اعتِباره؛ إذ مِن عوارض الكلمة الابتِداءُ بها والوقف عليها، ولا ابتِداء بساكنٍ ولا وقف على متحرِّك؛ فوجب ألَّا يكون حرفًا واحدًا، وإلَّا لكان مستحقًّا للسكون والحركة معًا، وهو مُحال؛ فبقي أن يكون على حرفين: حرف محرِّك للابتداء، وحرف ساكِن للوقف، لكنَّهم يَكرهون اجتماعَ المتضادَّين، ففصلوا بينهما بحرف، وعن الكوفيين: أنَّ أقلَّ ما يكون عليه الاسم حرفان، (وما عدا ذلك) المذكور ممَّا جاء بخلافه (شاذ)...".
(3)
ثمَّ سرَد الأوزانَ، وبدأ بأوزان الأسماء، فقال:
"وبدأتُ بأوزان أبنية الاسم وبالمجرَّد منها؛ لأنَّ كلًّا منهما أصلٌ بخِلاف مقابله، وبالثُّلاثي؛ لأنَّه أكثر لخفَّته؛ ولذا كثرَت أبنيته، فقلت:
(الاسم المجرَّد) من الزوائد (إمَّا ثلاثي)؛ وله عشرة أبنية، ومقتضى القِسمة اثنا عشر؛ لأنَّه إمَّا مَفتوح الأول أو مكسوره أو مضمومه، مع سكون الثَّاني وفتحه وكسره وضمه، وثلاثةٌ في أربعة باثني عشر، وذلك (كفِلْس) في الاسم، و(صَعْب) و(بَرٍّ) في الصِّفة، (وفَرَس) وحَسَن ويَقَق (وكَتِف)، ودَرِد؛ للذي سقطَت أسنانه، وحَذِر، (وعضُد) وحَدَث (وحَبْر) وحب (وعِنَب)، قال سيبويه: ولم يجئ منه في الصِّفة إلَّا قوم عِدًى، واستدرك عليه ï´؟
دِينًا قِيَمًا
ï´¾ [الأنعام: 161]، ولحم زِيَم؛ أي: متفرِّق...
(أو رباعي)؛ وله أوزانٌ: باتفاق خمسة، وباختِلاف أكثر، ومقتضى القسمة أن يكون ثمانية وأربعين؛ بضَرب اثني عشر في أربعة، وهي أحوال اللام الأولى، لكن لم يأتِ منها إلَّا ما يُذكر؛ إمَّا للاحتِراز عن التِقاء الساكنين، أو لدفعِ الثقل، أو توالي أربع حركات؛ فالمتَّفَق عليه من أوزانه: فَعْلَل بفتح الفاء واللام الأولى وسكون العين (كجَعْفَر)؛ وهو النَّهر الصَّغير، (و) فِعْلِل بكسرهما نحو (زِبْرِج) بالزاي والموحَّدة والراء والجيم؛ وهو الزِّينة، (و) فُعْلُل بضمِّهما نحو (بُرْثُن) بالموحَّدة والراء والمثلثة والنون؛ وهو مخلب الأسد، (و) فِعْلَل بالكسر والسكون والفتح نحو (دِرْهَم) وهِجْرَع للمفرط الطول، قال الأصمعي: ولا ثالث لهما، واستدرك عليه زئبر، وقِلْعَم لجبل وللشيخ المسن، وهبلع لِمن لا يُعرف أبواه أو أحدهما، (و) فِعَلّ بالكسر والفتح وسكون اللام الأولى نحو (قِمَطْر) بالقاف؛ وهو وعاء الكتب، (قال الكوفية والأخفش وابن مالك): (و) فُعْلَل بالضمِّ والسكون وفتح اللام الأولى؛ نحو (جحدب) بالجيم والحاء المهملة والموحدة؛ وهو نوع من الجراد، وسيبويه رواه بضمِّ الدال فهو من باب بُرْثُن...
(أو خماسي)، وله أوزانٌ: بالاتِّفاق أربعة، وزِيدَ عليها ما نذكر، ومقتضى القسمة أن تكون مائةً واثنين وتسعين؛ بضرب ثمانية وأربعين في الأحوال الأربعة للام الثانية، ولم يرِد سوى ما ذُكر؛ لِما تقدَّم؛ فالمتَّفَق عليه من أوزانه: فَعَلَّل بفتحات مع سكون اللام الأولى (كسفرجل)، وفِعْلَلّ بالكسر والسكون وفتح اللام الأولى وسكون الثانية؛ نحو (قرطعب) بالقاف؛ وهو الشيء الحقير، (و) فَعْلَلِل بالفتح والسكون وفتح اللام الأولى وكسر الثانية نحو (جحمرش) بالحاء والجيم آخره معجمة؛ وهو العجوز الكبيرة، وقيل: الأفعى، (و) فُعَلِّل بالضم والفتح وسكون اللام الأولى وكسر الثانية (قُذَعْمِل) بالقاف المعجمة؛ وهو الأسد، قال أبو حيان: وفِعِلِّل بكسرات وسكون اللام الأولى نحو (عِقِرْطِل) للفِيَلة، (و) فُعُلُّل بضمات وسكون اللام الأولى نحو (قرطعب)، وفِعَلَّل بالكسر والفتح وسكون اللام الأولى وفتح الثانية نحو سِبَطْرٌ للضخم؛ كذا ذكرها مزيدة على التسهيل في شرحه جازمًا بها".
(4)
هذا عن أبنية الاسم، فماذا عن أبنية الفعل؟
بدأ السيوطي في "همع الهوامع في شرح جمع الجوامع" بالرُّباعي المجرَّد والمزيد، على خلاف كُتب الصَّرف التي تَبدأ بالثلاثي، فقال:
"(مسألة: للماضي الرباعي) المجرَّد (فَعْلَل) لا غير؛ كدَحْرَج، وبدأتُ به خلافَ بدء الناس بالثلاثي؛ لأنَّ الكلام في ذلك يَطول فأخَّرتُه، وإنَّما لم يجئ على غير هذا الوزن؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ الأول لا يكون مضمومًا في البناء للفاعل، ولا مكسورًا للثقل؛ فتعيَّن الفتح، ولا يكون ساكنًا، والماضي لا يكون آخره إلَّا مفتوحًا؛ لوضعه مبنيًّا عليه، ولا يكون ما بينهما متحركًا كله؛ لئلَّا يتوالى أربع حركات، ولا مسكنًا كله؛ لئلَّا يلتقي ساكِنان، ولا الثالث؛ لعروض سكون الرَّابع عند الإسناد إلى الضَّمير، فتعيَّن أن يسكن الثاني.
(ولمزيده) ثلاثة أوزان: (تفعلل) كتدحرج، (وافْعَنْلَل) كاحرنجم، والأصل حَرْجم، (وافعلَلّ) كاقشعر، والأصل: قَشْعَر.
(وأنكره قوم)، وقالوا: هو ملحق باحرنجم لا بناء مقتضبًا؛ بدليل مجيء مصدره كمصدره.
(وزيد: افعلَّل) بتشديد اللام الأولى نحو اخْرَمَّس واجْرَمَّز، قال أبو حيان: ويَظهر لي أنَّه من مزيد الثلاثي غير الملحق وغير المماثل".
(5)
ثمَّ بدأ الفعل الثلاثي ذاكرًا أبوابَه ومعانيها، فقال:
"(وللثلاثي) المجرَّد (فَعل مثلث العين)؛ أي: مفتوحها ومكسورها ومضمومها مع فَتح الفاء:
(فالمفتوح للغلبة)؛ أي: غلبَة المقابل؛ نحو كارَمَني فكَرَمْتُه، أو الغلبة مطلقًا؛ نحو قهر وقسر، (والنيابة عن فَعُل) المضموم (في المضاعف)؛ نحو جَلَلْت فأنت جليل، (و) في (اليائي العين)؛ نحو طاب فهو طيب، وأصله أن يكون على فَعُل، (وللجمع)؛ كحشر وحشد، ويتَّصل به ما دلَّ على وصْل؛ كمرج ومشج، (والإعطاء)؛ كمنح ونحل، (والاستقرار)؛ كسكن وقطن، (وضدها)؛ أي: الثلاثة، وهو التفريق؛ كفصَل وقسَم، ويتَّصل به ما دلَّ على قطعٍ؛ كقصَم، أو كسرٍ؛ كقصَف، أو خرقٍ؛ كنقَب، والمنع؛ كحظل وحظر، والتحول؛ كرحل، والسير؛ كرمل وذمل، (والإيذاء)؛ كلسع ولدغ، (والاصطلام)؛ كنسج وردن، (والتصويت)؛ كصرخ وصهل، ويلحق به ما دلَّ على قولٍ؛ كنطق ووعظ، (وغير ذلك) كالدفع؛ نحو درأ وردع، والتحويل؛ كقلَب وصرَف، والستر؛ كخبأ وحجب، والتجريد؛ كسلَخ وقشر، والرمي؛ كقذَف وحذَف.
(والمكسور للعلل)؛ كمرِض، (والأحزان)؛ كحزِن، (وضدها)؛ كبرِئ ونشِط وفرِح، (والألوان)؛ كسَوِدَ وشهِب، (والعيوب)؛ كعَوِر وعَوِج، (والحلي)؛ كجَبِه وعَيِن، (والإغناء عن فَعُل) المضموم (في يائي اللام)؛ كحَيِي ووعى، (ولمطاوعة فَعَل)؛ كجدَعه فجُدِع، وثلَمه فثُلم، وثرَمه فثُرم، (ولزومه أكثر) مِن تعدِّيه؛ فإنَّ أكثر الأفعال التي جاءت على فعِل لازمةٌ استقراءً.
(والمضموم للغرائز غالبًا)؛ ككرُم ولؤم، وشعُر وفقُه، ومن غير الغالب؛ كجنُب ونجُس، (ولم يرِد يائي العين)؛ استغناءً عنه بفعِل لاستثقال الضمَّة على الياء؛ نحو طاب يطيب، بخلاف الواو قالوا: طال أصله طوِل (إلا هيؤ) الشيء؛ بمعنى: حسُنَت هيئتُه، فإنَّه جاء مضمومًا وهو يائي العين شذوذًا، (ولا) يائي (اللام إلا نَهُو) الرجل؛ من النُّهية، وهي العقل؛ فإنَّ أصله نَهُي؛ قلبَت الياء واوًا لانضمام ما قبلها، وذلك أيضًا شاذٌّ، ووَرَد واوي اللام؛ نحو سرُو الرجل".