mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي النظر النحوي في النص الأدبي

كُتب : [ 03-22-2017 - 12:25 PM ]


النظر النحوي في النص الأدبي مفهومه وغاياته
د. مصطفي عراقي

المقدمة
يهدف هذا البحث إلي الإجابة عن السؤال التالي:
هل عرف التراث العربي نظرا نحويا يصلح للتعامل مع النص الأدبي !
ينطلق السؤال من تزايد إدراك حاجة النص الأدبي إلي نظر كاشف عن أسراره خباياه بصفته بناء لغويا مؤلفا علي نسق خاص يتسم بسمات تركيبية تجعل منه مستوى مميزا ، مهما تعددت أجناسه شعرا ونثرا .
وإذا كان الغموض الموحي ملمحا بارزا من ملامح النص الأدبي : فهل نجد في التراث النحوي وسائل تعين على الوصول إلى غرض المبدع من خلال تحليل النص بهدف توصيله إلى المتلقي !
إن محاولة الوصول إلي إجابة موضوعية تقتضي مراجعةً للتراث النحوي للوقوف على مفهوم النظر النحوي وغايته للتحقق من مدى صلاحيته لتحليل النصوص الأدبية .
وقد اخترت أن يكون البحث عن مفهوم النظر النحوي في النص الأدبي وغايته سبيلا إلى الإجابة ؛ لأنني أرى أن في هذا النظر منطقة التقاء النحو بالنص للوقوف على عناصره وكيفية انتظامها في نسق خاص .
وقد حاولت التنقيب عن الإشارات التراثية الكاشفة عن مشروعية النظر النحوي ، وأهميته فلاحظت أن النظر النحوي يضرب بجذوره في أعمـاق التراث ، كما ترى في قول " الزركشى " : " على الناظر في كتاب الله الكاشف عن أسراره ، النظر في هيئة الكلمة وصيغتها ومحلها : ككونها مبتدأ أو خبرا ، أو فاعلة أو مفعولة ، أو في مبادئ الكلام أو في جواب .. إلي غير ذلك " (1)
فهذا نظر نحوي يتدرج من الكلمة ووظيفتها في الجملة إلى النص بفقراته ؛لأن المبادئ والجواب ، لا تكون في جملة واحدة.
من أجل هذا اعتمد كثير من المفسرين والشراح للنصوص الأدبية المعرفة النحوية سبيلا إلى تحقيق غايتهم المنشودة وهي الوقوف على أسرار النصـوص . يقول " الزمخشري " : " وذلك أنهم لا يجدون علما من العلوم الإسلامية : فقهها وكلامها وعلميّ تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بيِّنٌ لا يدفع ، ومكشوف لا يتقنع ، ويرون الكلام في معظم أو أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيا على علم الإعراب ، والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه ، والأخفش ، والكسائي ، والفرّاء ، وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم والتشبث بأهداب تفسيرهم وتأويلهم "(2).
إن أخذ معاني النصوص متوقف على خبرات النحاة ونظراتهم التفسيرية الكاشفة فهل نجد صدى إدراك قيمة النحو لدى النحاة أنفسهم ؟
هل أدرك النحاة طبيعة النص فتعاملوا معه بما يتسق مع طبيعته كما أشار رولان بارت ( 1915 هـ ـ 1985 م ) قائلا :
" يبدو أن العلماء العرب حين يتحدّثون عن النص ، يستخدمون هذا التعبير الرائع " الجسد " أي جسد ؟
إن لدينا أجسادا عديدة ، فلدينا جسد لعلماء التشريح ، وجسد لعلماء وظائف الأعضاء ، وإن هذا الجسد الذي يراه العلم ويتكلم عنه لهو نص النحاة والنقاد والمفسرين وفقهاء اللغة . (3)
إن عناية الحضارة الإسلامية بالنص معروفة حتى قال بعض الدارسين : " إن الحضارة اليونانية هي حضارة ( العقل ) أما الحضارة العربية الإسلامية فهي حضارة (النص) " (4)
ولكن الناظر في الحضارة الإسلامية يرى أنها عرفت الصلة الوثيقة بينهما يقول " ابن رشده " : " أما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به ، فلذلك بين في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى ، مثل قوله : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) ( الحشر :2)
وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي ، أو العقلي والشرعي معا " (5)
كما ارتبطت الحضارة اليونانية بالنص حتى قال لسن ( lessing ) : " إن لكتاب أرسطو ( فن الشعر ) من العصمة ما لكتاب ( أصول الهندسة ) لأقليدس"(6) .
فلا تكاد تخلو حضارة من العناية بالنص من غير أن يعني ذلك إهمالها للجوانب الحضارية الأخرى .
فهل ترتب على عناية العرب بالنص وجود نحو للنصوص (7) أم بقي النحو حبيسا في حدود الجملة الواحدة لا يتجاوزها ؟
إن النص " تتابع مترابط من الجمل " (8) والمبدع لا يبدع بالكلمة المفردة ولا حتى بالجملة الواحدة ، وإنما يصل إلي غرضه بنص متكامل ، يستطيع بمجموع عناصره وأسلوب تأليفه بين هذه العناصر في بناء متسق أن يؤثر في المتلقي التأثير المطلوب . و" هذا - على ما يقول ابن جني - لا يكون مع الحرف ولا الكلمة الواحدة ، بل لا يكون مع الجملة الواحدة ، دون أن يتردد الكلام ، وتتكرر فيه الجملة ، فيبين ما ضُمِّنَهُ من العذوبة وما في أعطافه من النعمة واللدونة " (9)
وقد توجّهتُ إلى العناية بتحديد مفهوم النظر النحوي مفرقا بينه وبين التقعيد النحوي ، وقد رأيتُ أن التوصل إلى هذا المفهوم ينطلق من فهم النحو أولا ؛ لأنه " ينبغي للشارع في كل علم قبل الشروع فيه معرفة ماهيته وموضوعه ليكون على بصيرة ، والغرض منه لئلا يُعدَّ سعيه عبثا " (10).
إن النحاة حين عرفوا النحو ذكروا مصطلح الكلام ، فهل الكلام مرادف للجملة كما يرى بعض الباحثين ، أم أن له فهما آخر يتجاوز حدود الجملة الواحدة ، ويقترب من فهم المعاصرين للنص تأليفا وتأثيرا .
وهل يتسع مجال النظر النحوي لاستغراق البناء المركب للنص في مستوياته المتعددة . وما الشروط التي يجب أن تتحقق في القائم بمهارة النظر النحوي في النص ، حتى يستطيع توظيف وسائله التي تعين على تحقيق غاياته المرجوة .
وقد قمت بالبحث عن إجابات موضوعية عن هذه الأسئلة المطروحة من خلال المحاور التالية :
أولا : التعريف بالنظر النحوي .
ثانيا : مجالات النظر النحوي
ثالثا : شروط الناظر في النص الأدبي .
رابعا : غايات النظر النحوي
خامسا : وسائله .
أولا : التعريف بالنظر النحوي
النظر النحوي في النص الأدبي مهارة تعين من يكتسبها على الكشف عن أسرار التراكيب ودلالاتها وإغراضها في هذا النص
وقد كان النحاة على بصيرة بالفرق بين النظر النحوي والتقعيد كما يبدو لك من قول الشيخ الأمير مناقشا من قال : " لا مدخل للطبع في الأحكام النحوية لا ردا ولا قبولا " فقال :
" أما قوله لا مدخل للطبع فيه إن أراد لا مدخل في اختراع حكم وأصل إثباته فهذا لم ندَّعه ، وإن أراد لا مدخل له في ترجيح الاحتمالات فلا يسلم " (1) .
ففرَّق بين إنشاء الحكم النحوي ، وإثباته من جهة ، والترجيح النحوي من جهة أخرى .
إن الترجيح بين الاحتمالات ينتمي إلى منطقة النظر النحوي ، أما إنشاء الحكم فيخضع لدائرة التقعيد (1) .
يقول الشريف الجرجاني : " القانون أمر كلي منطبق على جميع جزئياته التي يتعرف أحكامها منه كقول النحاة : " الفاعل مرفوع " والقاعدة هي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها " (2) .
وليس كذلك النظر النحوي ، إذ يختلف باختلاف طبيعة النص ، وغرضه. فإذا كانت القاعدة تتسم بالثبات ؛ فإن النظر النحوي يتسم بالمرونة التي تتيح له التعامل مع النصوص وكشف أسرارها
النظر لغة :
يدل النظر في اللغة علي أمرين هما :
1. التفكُّر : كما في قوله تعالي : [ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ] ( الأعراف : 185)
2. التأمُّل : كما في قوله تعالي : [ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَتْ ] (الغاشية :17 )
والمقصود بالنظر عموما في اصطلاح العلماء : " ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم " (3) .
بهذا تكون ثمرة النظر النحوي الاستدلال على الدلالات الخفية من خلال ملاحظة التراكيب النحوية ، في النصوص ، وعناصرها المختلفة ، وعلامات هذه العناصر . يقول صاحب المستوفي : " النحو صناعة علمية ينظر لها أصحابها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم لتعرف النسبة بين صيغة النظم ، وصورة المعنى " (4)
يشير هذا النص إلي أمور ، منها :
1. أن النظر النحوي يتجه إلي التراكيب المؤتلفة من ألفاظ ، والوقوف على نسق التأليف .
2. أن الهدف من معرفة خصائص النظم الوصول إلى صورة المعنى ، لأن ثمَّ علاقة ترتب بين الأمرين .
3. إن علم النحو صناعة علمية منضبطة ؛ لأنه نظام وقانون ؛ لكنه إلى ذلك وسيلة من وسائل النظر في أساليب النظم ومعرفة صور المعاني.
أخلص من هذا إلى أن النظر النحوي هو تأمل أنساق التأليف للوصول إلى دلالاتها ، ومقاصدها .
ولما كان النظر النحو فرعا من فروع علم النحو منه ينطلق وعليه يعتمد رأيت أن نتعرف إلى مفهوم النحو العربي وغايته لدى نحاتنا الأوائل
مفهوم النحو وغايته
يصدر النظر النحوي في النص الأدبي عن مفهوم للنحو بعينه على النهوض بوظيفته المحددة ، من أجل هذا فإنه ينحاز إلى الاصطلاح الأوائل ، ذلك أن ثمّ اصطلاحين للنحو ، أولهما للأوائل يرتبط بالكلام ، والثاني للمتأخرين ينظر في شكل الحرف الأخير معنيا بالإعراب والبناء . فحين يعرِّف " الأشموني " النحو بأنه :
" هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها " .
يعلق الصبان قائلا :
" هذا اصطلاح القدماء واصطلاح المتأخرين تخصيصه بفنِّ الإعراب والبناء وجعله قسيم الصرف ، وعليه فيعرَّف بأنه : علم يُبحَثُ فيه عن أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء ، وموضوعه الكلِم العربية من حيثُ ما يعرض لها من الإعراب والبناء " (5)
ولكن بعض الباحثين يعممون نسبة هذا التعريف الأخير إلى النحاة كلهم ، كما صنع أحد الأساتذة تحت عنوان : " حدُّ النحو كما رسمه النحاة " ، فقـال :
" يقول النحاة في تحديد علم النحو : إنه علم يعرف به أحوال الكلم إعرابا وبناء فيقصرون بحثه على الحرف الأخير من الكلمة ؛ بل على خاصة من خواصه وهي الإعراب والبناء " (6) .
ثم يرتب على هذا التصور لمفهوم النحو لدى النحاة أن " غاية النحو بيان الإعراب وتفصيل أحكامه "(7)
وليس هذا المفهوم الذي ينسبه الأستاذ إبراهيم مصطفي هو مفهوم النحو لدى نحاتنا ، وليست هذه الغاية التي اختارها للنحو هي غايته الحقة لديهم.
إن مفهوم النحو في الثقافة العربية الإسلامية هو انتحاء سمت كلام العرب كما نصّ النحاة الأوائل ، أما غايته فهي الاستعانة به على فهم القرآن والحديث وكلام العرب شعرا ونثرا .
أما النحاة المتأخرون فربطوا الإعراب بالمعنى ، يقول " الفاكهي " :
• فحدُّه اصطلاحا : " علم بأصول : أي قواعد كلية منطبقة على جزئياتها منها :
• كل ما اشتمل على علم الفاعلية فهو مرفوع .
• وكل ما اشتمل على علم المفعولية فهو منصوب .
• وكل ما اشتمل على علم المضاف إليه فهو مجرور " (8)
ولكن الأستاذ إبراهيم مصطفي ينسب إلى نفسه هذا الاكتشاف فيقول :
" لقد اطلعت تتبُّع الكلام ، أبحث عن معاني لهذه العلامات الإعرابية ، ولقد هداني الله ، وله خالص الشكر والإخبات إلى شيء أراه قريبا واضحا وأبادر إليك بتلخيصه :
- إن الرفع علم الإسناد ودليل أن الكلمة يتحدث عنها .
- إن الجر علم الإضافة سواء أكانت بحرف أم بغير حرف.
- إن الفتحـة ليست بعلم على إعراب ، ولكنهـا الخفيفة المستحبة " .. (9)
فهل رأيتَ كيف أن النحاة قد اهتدوا قبله إلى معاني العلامات الإعرابية لكنه يلومهم بأنهم " رسموا للنحو طريقا لفظية فاهتموا ببيان الأحوال المختلفة للفظ من رفع أو نصب من غير فطنة لما يتبع هذه الأوجه من أثر في المعني "(9) .
بل إن النحاة جميعا كانوا أكثر إدراكا لحقّ ا لمعنى ؛ إذ عرفوا دلالة الفتحة التي أهدرها إهدارا .
أما الأحوال التي يعنيها النحاة فليست أحوال الإعراب كما فهم الأستاذ فالأحوال هنا هي أحوال التراكيب من تقديم وتأخير ، وتعريف وتنكير ، وإضمار وإظهار ، وتقييد وإطلاق ، وغيرها .. مما يدخل في قضية تنظيم الكلمات في الجملة وتأليف العبارة (10) .
وهذا دليل على عنايتهم بتأليف الكلام ومع هذا يتهمهم الأستاذ قائلا : "فالنحاة حين قصروا النحو على أواخر الكلمات وعلى تعرف أحكامها قد ضيقوا من حدوده الواسعة وسلكوا به طريقا منحرفة إلى غاية قاصرة وضيعوا كثيرا من أحكام نظم الكلام وأسرار تأليف العبارة "(11) .
ولو أنه رجع إلى " الفاكهي " مرة أخرى لرآه يعبر عن غاية أخرى غير الغاية التي ذكرها ليحاكم النحاة من خلالها ، ولعلم أن الغاية الحقة من النحو هي فهم النص والخطاب يقول " الفاكهي " :
" وغايته الاستعانة على فهم معاني الكتاب والسنة ومسائل الفقه ومخاطبة العرب بعضهم لبعض " (13) .
وقد عرف العلماء المعاصرون سعة مفهوم النحو ولم ينخدعوا بقصره على الإعراب ، يقول أستاذنا الدكتور كمال بشر :
" ومن المدهش أن يتمسك بعضهم بهذا التعريف الناقص ، حين يقومون هم أنفسهم - يعني النحاة - بدراسات عملية تطبيقية تتجاوز هذه الحدود الضيقة كما يظهر ذلك في مناقشاتهم لقواعد التقديم والتأخير والمطابقة " (13) .
إن النحو في حقيقته " نظر في كلام العرب " (14) ، وعلى هذا النظر تتوقف معرفة النصوص العربية على اختلافها يقول " الجاحظ " :
" فللعرب أمثالٌ ، واشتقاقات ، وأبنية ، وموضع كلام يدل عندهم على معانيها وإرادتهم ، ولتلك الألفاظ مواضع أخر ، ولها حينئذٍ دلالاتٌ أخر ؛ فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة ، والشاهد ، والمثل (15) .
فهذه طائفة من النصوص مختلفة ، تتطلب جميعا ، معرفة بكلام العرب ودلالاته في سياقاته المتعددة .
ولا ينحصر النحو العربي في كتب النحو المعروفة على أهميتها ووفائها فما أكثر النحو المفرق في كتب العربية المختلفة ، كما يقول الدكتور محمود الطناحى :
" إن مجاز كتب العربية مجاز الكتاب الواحد ففي كتب التفسير وعلوم القرآن نحو كثير، وفي معاجم اللغة وكتب الأدب والبلاغة نحو كثير ، بل إنك واجد من كتب أصول الفقه والسير والتاريخ والمعارف العامة من أصول النحو وفروعه ما لا تكاد تجده في كتب النحو المتداولة (16) .
أضف إلى هذا شروح الحديث النبوي وشروح الشعر والأمثال والمقامات لترى ثراء النظر النحوي وتنوعه .
النحو والكلام :
النحاة حين ربطوا النحو بسمت الكلام كما هو مشهور في تعريف " ابن جني " (17) ، دلوا على عنايتهم بمسألة التأليف كما دلوا على أنهم لا يقصرونه علي الجملة الواحدة لأن الكلام هو الجملة وزيادة .
يدل الكلام في اللغة على : " ما كان مكتفيا بنفسه وسُمي كذلك لالتئاطه بالقلوب فكأنه يكلمها بمعناه (18) ؛ لهذا يعرفه " ابن جني " بأنه :" عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها المستغنية عن غيرها وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجمل على اختلاف تركيبها " (19) .
ويتتبع " ابن جني " هذا المعنى في استعمال الشعراء فيرى أن الكلام إذا أُريد به التأثير في سامعة تأثرا حسنا ينبغي أن يكون مؤلفا من جمل كثيرة ، لتمتع المتلقي وتؤثر فيه ، فيقول :
" ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو ، ولا تحزن ، ولا تتملك قلب السامع إنما ذلك فيما طال من الكلام .. ؛ فالكلام إذن إنما يعني المفيد من هذه الألفاظ القائم برأسه المتجاوز لما لا يفيد ،ولا يقوم برأسه من جنسه ، ولا يكون إلا جملا كثيرة ، فضلا عن الجملة الواحدة " (20) .
إن الجملة الواحدة هي الحد الأدنى للنص الأدبي ( الكلام) ؛ " فكل كلام مفيد مستقل بنفسه ولو بلغ الإيجار غايته لم يكن له من بدّ من أن يعطيك تمامه وفائدته مع أنه لا بدّ فيه من تركيب الجملة ، فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب " ألا ترى إلى قوله :
" قلنا لها قفي فقالت قاف "
وأن هذا القدر من النطق لا يعذب ولا يجفو ولا يرق ولا ينبو ، وأنه إنما يكون استحسان القول واستقباحه فيما يحتمل ذينك ويؤديها إلى السمع ، وهو اقل ما يكون جمله مركبة " (21) .
إن مشاعر الشجو والحزن والرقة والجفاء ، وأسباب الاستحسان والاستعذاب متوقفة جميعا في الأغلب الأعم على تألف الكلام من جمل كثيرة مترابطة وربما تحققت بالجملة الواحدة ، كما في كثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأمثال العرب.
وذهب فريق من غير النحاة إلى عدم ربط الكلام بالفائدة " وقد بالغ " الخفاجي" في إنكار ذلك على النحاة : فقال في كتابة " سر الفصاحة " : " وليس يجوز أن يشترط في حد الكلام كونه مفيدا على ما يذهب إليه أهل النحو "(22) .


رد مع اقتباس
 


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
ملتقى قراءة النص 15 بنادي جدة الأدبي بعنوان: النتاج الأدبي لجيل الشباب في المملكة مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 08-09-2018 11:01 AM
سطور في كتاب (52): من كتاب البحث الأدبي بين النظر والتطبيق مصطفى شعبان مقالات مختارة 0 09-13-2017 06:15 AM
النظر النحوي في النص الأدبي مفهومه وغاياته مصطفى شعبان البحوث و المقالات 4 02-19-2017 03:27 PM


الساعة الآن 06:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by