القبائل الستّ والتقعيد النحوي
د. خليل أحمد عمايره(*)
لعل مما لا يحتاج إلى إطالة البحث والتنقيب الحديث عن النشأة الأولى للنحو العربي، فقد أطال الحديث فيه بعد التنقيب نفر من الباحثين الجادين في القديم والحديث، وجمعوا كثيراً من القصص التي تناثرت في بطون كتب التراث بعد أن راج سماعها وكثر تناقلها بين العامة والخاصة في القرون المتوالية (1) من القرن الثاني للهجرة إلى يوم الناس هذا؛ فقد استقر الأمر عندهم، أو عند جُلّهم، على أن اللحن قد انتشر في ألسنة المتكلمين بالعربية بعد أن كثر اختلاط العرب بغير العرب أو بالعرب الذين كان لهم اختلاط بالأعاجم على أطراف شبه الجزيرة العربية من فرس أو روم أو أحباش أو أقباط ...إلخ، وبعد أن أصبحت للعرب دولة يحرصون على لغتها وبخاصة أن تلك اللغة هي لغة فكرهم ودستورهم في الحياة، فكانوا حُرّاصاً عليها حرصهم على فكرهم، وحرصهم على فكرهم هو حرصهم على وجودهم، فعليهم أن يدافعوا عنه فإن قُتلوا دونه ودونها كانت لهم الجنة، وإن أهملوه وأهملوها كان لهم الهوان وعليهم اللعنة.
أدرك الحرّاص من العلماء أنّ عليهم أن يضعوا الدواء لعلاج اللحن الذي دخل البيوت العربية، وأخذ يهاجم ملكة اللسان، فخشوا أن ينغلق القرآن والحديث على المفهوم فأخذوا يضعون ما أسماه ابن خلدون ((صناعة العربية))، يقول ابن خلدون(2): ((إن اللغة هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغتنا، فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين، والسمع أبو الملكات، وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأساً، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة )). فكانت صناعة العربية على يد الخليل بن أحمد- رحمه الله- بوضع القواعد التي تمكّن من (( انتحاء سمت كلام العرب)) (3) فكانت المادة اللغوية موضع الدرس هي المادة التي أخذت من القبائل العربية عن طريق السّماع، ومن ثمّ القياس عليها؛ لاستنباط قواعد العربية.
ولست معنياً هنا برصد القصص الكثيرة التي قيلت في النشأة الأولى للدرس النحوي؛ أهي ما وضعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أم هي جهود أبي الأسود الدؤلي، أم ما كان من عيسى بن عمر، أم قبل ذلك أو بعده، ولكن الذي يهمنا هنا أن نقول: إن الجهود التي قدّمها الخليل ورصدها سيبويه في الكتاب تُعد الحلقة الأولى في سلسلة المعرفة للدرس النحوي المعروف، وقد قامت تلك الجهود على تفكير الخليل في وضع علل النحو وعامله، يقول4) ((إن العرب قد نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها وقامت في عقولها علله، واعتللت أنا بما عندي… فإن سنحت لغيري علة لما علمته من النحو هي أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها))، فقد وضع الخليل مجموعة من القواعد والقوانين في ضوء نظرية العامل، وضعها للأجيال لتتعلّم العربية، ولكنه لم يغلق الباب لتكون علله وحدها السبيل، أو السبيل الوحيد، لتعلم العربية وقوانين النطق بها، فترك لغيره أن يعلل بما يراه وأن يستنبط قواعده وقوانينه التي يمكن أن يعلل بها الظواهر اللغوية في العربية معبِّراً عن ذلك بتواضع العالم وثقته التي ليس من اليسير أن تجدها في غيره منذ يومه إلى يومنا هذا.
يسود بين الباحثين منذ زمن بعيد أن الخليل بن أحمد قد اعتمد لتقعيد العربية لهجات عدد من القبائل العربية التي كان يرى أن لهجاتها كانت تخلو من اللحن؛ لبعدها عن الاحتكاك بغير العرب، أو بالعرب الذين كانوا يجاورون مَنْ لسانهم غير عربي، سواء أكان ذلك في الحياة اليومية، أم في العبادة كما كان يفعل سكان نجران الذين هم نصارى يتعبدون بالسريانية، فترد عدّة قوائم تعدد القبائل التي تجتمع فيها الصفات التي يجب أن تتوفر في مَنْ تؤخذ عنهم عربية التقعيد والقياس، أشهر هذه القوائم وأكثرها انتشاراً، بل أكثرها وأقواها اعتماداً تحصرها عدّاً في القبائل: أسد وتميم وقيس وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، مع الدفاع عن كلّ قبيلة وسبب اختيارها في هذه القائمة دفاعاً يعتمد على المكان الذي كانت تعيش فيه، وسنناقش هذا فيما بعد، ولكنّا لم نعثر على أي نص قديم يحقق هذا الزعم، فمن المعلوم أن الخليل بن أحمد تكلم العربية سليقة، ورحل في بوادي العرب مستزيداً متعلماً من العرب الأقحاح، وناقلاً بوعي العالم ما سمع منهم، ولكنه لم يقل مطلقا إنه قد وضع تحديداً مكانياً لأخذ اللغة في مرحلة التقعيد، ولم يرو عنه أنه وضع تحديداً مكانياً لأخذ اللغة في مرحلة التقعيد، ولم يرو عنه أنه قد وضع معايير مكانية تحدد القبائل التي يؤخذ بلسانها، فقد قامت علل النحو في عقله، وصنفها بطريقته الخاصة بعد أن كان قد طاف في الجزيرة العربية ورحل إلى بوادي الحجاز ونجد يستمع ويروي ويفكر ويصنّف.
لعل أقدم نصّ يتحدث فيه صاحبه عن التحديد المكاني، فينسب وضع القواعد إلى لهجات قبائل بعينها هو ذاك النصّ المنسوب إلى أبي نصر الفارابي، وهذا النصّ، في حقيقة الأمر نصان: أحدهما وهو الشائع الذي يأخذ به الباحثون وهو الذي جاء في ما أورده السيوطي في (المزهر)و(الاقتراح) نقلاً عن الفارابي في كتابه المسمّى: (بالألفاظ والحروف)، كما يقول السيوطي. والآخر هو النصّ الوارد في كتاب ( الحروف) للفارابي، وسنبدأ بالأصل الذي يفترض أن السيوطي قد أخذ عنه، يقول الفارابي (5): ((.. وأنت تتبين ذلك متى تأملت أمر العرب في هذه الأشياء؛ فإن فيهم سكان البراري، وفيهم سكان الأمصار، وأكثر ما تشاغلوا بذلك من سنة تسعين إلى سنة مائتين، وكان الذي تولّى ذلك من بين أمصارهم أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق، وتعلموا لغتهم والفصيح منها من سكان البراري منهم دون أهل الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم ومن أشدّهم توحشاً وجفاءً، وأبعدهم إذعاناً وانقياداً. وهم قيس وتميم وأسد وطيء ثم هذيل فإن هؤلاء هم معظم من نُقل عنه لسان العرب، والباقون، فلم يؤخذ عنهم شيء لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطبقة بهم من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر)).
ولسنا هنا بصدد تحقيق القول بأن هذا النص هو ذاته النصّ الذي أورده السيوطي، أم أن السيوطي قد اعتمد كتاباً آخر غير هذا الكتاب للفارابي، أم أن خلطاً قد وقع في تسمية الكتاب، فهذا كتاب الحروف وهناك كتاب آخر وسمه الفارابي ب ((الألفاظ))، وهو كتاب صغير نافع في المنطق، وقد حققه الدكتور محسن مهدي ، أيضاً، محقق كتاب (الحروف)(6).
وسنورد هنا نصّ السيوطي لنرى الفرق في هذا الموضوع، يقول السيوطي (8): (( وقال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمّى (الألفاظ والحروف): ((كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعاً، وأبينها إبانة عمّا في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتُدي، وعنهم أُخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمه، وعليهم اتُّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة لم يؤخذ عن حضريّ قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام؛ لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد؛ لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر؛ لمجاورتهم للقبط والفرس،ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف؛ لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم... والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب وصيّرها علماً وصناعة هم أهل الكوفة والبصرة فقط من بين أمصار العرب)).
فإذا ما أمعنا النظر في هذين النصّين خرجنا بعدد من النقاط:
1- إن النصّ الذي أورده السيوطي يشير في مجمله إلى ما أوجزه الفارابي في النص الوارد عنه، مما يرجح أن السيوطي كان يحيل إلى هذا النصّ بعينه، فإما أن تكون الذاكرة قد ندّت عن بنود في النصّ الأصل، أو أنه قد فصّل فزاد ما كانت قناعته قد وصلت إليه.
2- إن ما أورده السيوطي في مقدّمة نصّه عن قريش لم يرد ما يقابله في نصّ الفارابي، هذا فضلاً عن أنّ الصفات الرفيعة التي ذكرها في قريش وفي لهجتها تحتّم أن تكون هذه اللهجة من النقاء والسمو البياني في مقدمة اللهجات التي يُعتمد عليها، فقد جاء وصفها بألفاظ (أفعل) للمفاضلة المطلقة(8)،(أجود العرب،وأسهلها، وأحسنها، وأبينها) أبعد هذه الصفات يمكن أن تكون مواصفات للاعتماد، فكيف يكون الأمر إن قلنا: أبعد هذه الصفات تستثنى هذه اللهجة من لهجات التقعيد ؟!!!.
فهل يكون السيوطي قد اطلع على نصّ آخر لعالم آخر يمجّد فيه لهجة قريش فاختلط الأمر عليه فأورد مضمون نصين في نصّ واحد منسوب إلى عالم واحد، أم أنّ قناعة السيوطي بلهجة قريش كانت رفيعة قوية، فأدرج لهجتها في صدر النصّ الذي شاع عن الفارابي متحدثاً فيه عن قبائل الاعتماد اللغوي في الغريب وفي الإعراب والتصريف.
3- إن القبائل المعتمدة عند الفارابي هي: قيس وأسد وطيء ثم هذيل.أما المعتمدة في نص السيوطي فهي: قيس وتميم وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، فزاد السيوطي بعض كنانة واعتمد بعض طيّء التي اعتمدها الفارابي كلها.
4- اشترط النصّان في الإشارة إلى أن الذين شُغلوا باللغة واللسان العربي وجعلوها علماً وصناعة هم أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق فقط، من أمصار العرب.
5- فصّل السيوطي في النصّ الذي أورده ذاكراً مجموعة هائلة من القبائل التي كانت على أطراف الجزيرة العربية أو في داخلها مختلطين بغيرهم مجاورين لهم، في حين عبّر الفارابي عن ذلك بإيجاز وتعميم، فقال: ((... والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء؛ لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطبقة بهم من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر)).
6-لعلّ من أهم ما يلفت انتباه الدارس في النصين أنّ الحديث فيهما لا يشير بوضوح -ولا حتى بالتلميح- إلى اعتماد القبائل في تقعيد النحو العربي، وإنّما الحديث فيهما بوضوح عن اللغة وغريبها وفصيحها، وأكثرها إبانة وسلاسة، أو توحشاً وجفاءً، وعلى ذلك يمكن أن تحمل إشارة السيوطي بقوله:((... وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف)).
7- ولعلّ من أهم ما يلفت الانتباه أيضاً في النّصّين، أنهما يفترضان العزلة وقلة الاختلاط قاعدة للفصاحة والبيان، بل للاعتماد اللغوي، ولكن هذه القاعدة منقوضة تماماً بما جاء في مقدمة نصّ السيوطي،وبنصوص أُخر سنذكرها بعد قليل، فقريش كانت موضوع اختلاط دائم؛ اختلاط تجاري، واختلاط ديني، واختلاط اجتماعي مستمر في الجاهلية والإسلام، وهذا ما يؤكده كثير من العلماء القدماء، يقول الفراء فيما يرويه السيوطي أيضاً (9) : ((كانت العرب تحضر الموسم في كلّ عام وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات جميع العرب، فما استحسنوه من لغات تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ)).ويؤكد هذا ما جاء عن أبي العباس ثعلب (10): ((ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوزان، وتضجع قيس، وعجرفية ضبّه…)) ثم جاء هذا المضمون مفصلاً مرتبطاً بإجماع علماء العربية في ما يروى عن أحمد بن فارس، يقول(11):(أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشاً أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة؛ وذلك أن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فجعل قريشاً قطّان حرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج يتحاكمون إلى قريش في دارهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها؛ إذا أتتهم الوفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيّروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب، ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا كسر أسد وقيس)).