mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي القبائل الستّ والتقعيد النحوي

كُتب : [ 03-18-2017 - 08:16 AM ]


القبائل الستّ والتقعيد النحوي
د. خليل أحمد عمايره(*)

لعل مما لا يحتاج إلى إطالة البحث والتنقيب الحديث عن النشأة الأولى للنحو العربي، فقد أطال الحديث فيه بعد التنقيب نفر من الباحثين الجادين في القديم والحديث، وجمعوا كثيراً من القصص التي تناثرت في بطون كتب التراث بعد أن راج سماعها وكثر تناقلها بين العامة والخاصة في القرون المتوالية (1) من القرن الثاني للهجرة إلى يوم الناس هذا؛ فقد استقر الأمر عندهم، أو عند جُلّهم، على أن اللحن قد انتشر في ألسنة المتكلمين بالعربية بعد أن كثر اختلاط العرب بغير العرب أو بالعرب الذين كان لهم اختلاط بالأعاجم على أطراف شبه الجزيرة العربية من فرس أو روم أو أحباش أو أقباط ...إلخ، وبعد أن أصبحت للعرب دولة يحرصون على لغتها وبخاصة أن تلك اللغة هي لغة فكرهم ودستورهم في الحياة، فكانوا حُرّاصاً عليها حرصهم على فكرهم، وحرصهم على فكرهم هو حرصهم على وجودهم، فعليهم أن يدافعوا عنه فإن قُتلوا دونه ودونها كانت لهم الجنة، وإن أهملوه وأهملوها كان لهم الهوان وعليهم اللعنة.
أدرك الحرّاص من العلماء أنّ عليهم أن يضعوا الدواء لعلاج اللحن الذي دخل البيوت العربية، وأخذ يهاجم ملكة اللسان، فخشوا أن ينغلق القرآن والحديث على المفهوم فأخذوا يضعون ما أسماه ابن خلدون ((صناعة العربية))، يقول ابن خلدون(2): ((إن اللغة هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الأول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغتنا، فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين، والسمع أبو الملكات، وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأساً، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة )). فكانت صناعة العربية على يد الخليل بن أحمد- رحمه الله- بوضع القواعد التي تمكّن من (( انتحاء سمت كلام العرب)) (3) فكانت المادة اللغوية موضع الدرس هي المادة التي أخذت من القبائل العربية عن طريق السّماع، ومن ثمّ القياس عليها؛ لاستنباط قواعد العربية.
ولست معنياً هنا برصد القصص الكثيرة التي قيلت في النشأة الأولى للدرس النحوي؛ أهي ما وضعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أم هي جهود أبي الأسود الدؤلي، أم ما كان من عيسى بن عمر، أم قبل ذلك أو بعده، ولكن الذي يهمنا هنا أن نقول: إن الجهود التي قدّمها الخليل ورصدها سيبويه في الكتاب تُعد الحلقة الأولى في سلسلة المعرفة للدرس النحوي المعروف، وقد قامت تلك الجهود على تفكير الخليل في وضع علل النحو وعامله، يقول4) ((إن العرب قد نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها وقامت في عقولها علله، واعتللت أنا بما عندي… فإن سنحت لغيري علة لما علمته من النحو هي أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها))، فقد وضع الخليل مجموعة من القواعد والقوانين في ضوء نظرية العامل، وضعها للأجيال لتتعلّم العربية، ولكنه لم يغلق الباب لتكون علله وحدها السبيل، أو السبيل الوحيد، لتعلم العربية وقوانين النطق بها، فترك لغيره أن يعلل بما يراه وأن يستنبط قواعده وقوانينه التي يمكن أن يعلل بها الظواهر اللغوية في العربية معبِّراً عن ذلك بتواضع العالم وثقته التي ليس من اليسير أن تجدها في غيره منذ يومه إلى يومنا هذا.
يسود بين الباحثين منذ زمن بعيد أن الخليل بن أحمد قد اعتمد لتقعيد العربية لهجات عدد من القبائل العربية التي كان يرى أن لهجاتها كانت تخلو من اللحن؛ لبعدها عن الاحتكاك بغير العرب، أو بالعرب الذين كانوا يجاورون مَنْ لسانهم غير عربي، سواء أكان ذلك في الحياة اليومية، أم في العبادة كما كان يفعل سكان نجران الذين هم نصارى يتعبدون بالسريانية، فترد عدّة قوائم تعدد القبائل التي تجتمع فيها الصفات التي يجب أن تتوفر في مَنْ تؤخذ عنهم عربية التقعيد والقياس، أشهر هذه القوائم وأكثرها انتشاراً، بل أكثرها وأقواها اعتماداً تحصرها عدّاً في القبائل: أسد وتميم وقيس وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، مع الدفاع عن كلّ قبيلة وسبب اختيارها في هذه القائمة دفاعاً يعتمد على المكان الذي كانت تعيش فيه، وسنناقش هذا فيما بعد، ولكنّا لم نعثر على أي نص قديم يحقق هذا الزعم، فمن المعلوم أن الخليل بن أحمد تكلم العربية سليقة، ورحل في بوادي العرب مستزيداً متعلماً من العرب الأقحاح، وناقلاً بوعي العالم ما سمع منهم، ولكنه لم يقل مطلقا إنه قد وضع تحديداً مكانياً لأخذ اللغة في مرحلة التقعيد، ولم يرو عنه أنه وضع تحديداً مكانياً لأخذ اللغة في مرحلة التقعيد، ولم يرو عنه أنه قد وضع معايير مكانية تحدد القبائل التي يؤخذ بلسانها، فقد قامت علل النحو في عقله، وصنفها بطريقته الخاصة بعد أن كان قد طاف في الجزيرة العربية ورحل إلى بوادي الحجاز ونجد يستمع ويروي ويفكر ويصنّف.
لعل أقدم نصّ يتحدث فيه صاحبه عن التحديد المكاني، فينسب وضع القواعد إلى لهجات قبائل بعينها هو ذاك النصّ المنسوب إلى أبي نصر الفارابي، وهذا النصّ، في حقيقة الأمر نصان: أحدهما وهو الشائع الذي يأخذ به الباحثون وهو الذي جاء في ما أورده السيوطي في (المزهر)و(الاقتراح) نقلاً عن الفارابي في كتابه المسمّى: (بالألفاظ والحروف)، كما يقول السيوطي. والآخر هو النصّ الوارد في كتاب ( الحروف) للفارابي، وسنبدأ بالأصل الذي يفترض أن السيوطي قد أخذ عنه، يقول الفارابي (5): ((.. وأنت تتبين ذلك متى تأملت أمر العرب في هذه الأشياء؛ فإن فيهم سكان البراري، وفيهم سكان الأمصار، وأكثر ما تشاغلوا بذلك من سنة تسعين إلى سنة مائتين، وكان الذي تولّى ذلك من بين أمصارهم أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق، وتعلموا لغتهم والفصيح منها من سكان البراري منهم دون أهل الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم ومن أشدّهم توحشاً وجفاءً، وأبعدهم إذعاناً وانقياداً. وهم قيس وتميم وأسد وطيء ثم هذيل فإن هؤلاء هم معظم من نُقل عنه لسان العرب، والباقون، فلم يؤخذ عنهم شيء لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطبقة بهم من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر)).
ولسنا هنا بصدد تحقيق القول بأن هذا النص هو ذاته النصّ الذي أورده السيوطي، أم أن السيوطي قد اعتمد كتاباً آخر غير هذا الكتاب للفارابي، أم أن خلطاً قد وقع في تسمية الكتاب، فهذا كتاب الحروف وهناك كتاب آخر وسمه الفارابي ب ((الألفاظ))، وهو كتاب صغير نافع في المنطق، وقد حققه الدكتور محسن مهدي ، أيضاً، محقق كتاب (الحروف)(6).
وسنورد هنا نصّ السيوطي لنرى الفرق في هذا الموضوع، يقول السيوطي (8): (( وقال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمّى (الألفاظ والحروف): ((كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعاً، وأبينها إبانة عمّا في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتُدي، وعنهم أُخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخذ ومعظمه، وعليهم اتُّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة لم يؤخذ عن حضريّ قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم، ولا من جذام؛ لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد؛ لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر؛ لمجاورتهم للقبط والفرس،ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف؛ لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم... والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب وصيّرها علماً وصناعة هم أهل الكوفة والبصرة فقط من بين أمصار العرب)).
فإذا ما أمعنا النظر في هذين النصّين خرجنا بعدد من النقاط:
1- إن النصّ الذي أورده السيوطي يشير في مجمله إلى ما أوجزه الفارابي في النص الوارد عنه، مما يرجح أن السيوطي كان يحيل إلى هذا النصّ بعينه، فإما أن تكون الذاكرة قد ندّت عن بنود في النصّ الأصل، أو أنه قد فصّل فزاد ما كانت قناعته قد وصلت إليه.
2- إن ما أورده السيوطي في مقدّمة نصّه عن قريش لم يرد ما يقابله في نصّ الفارابي، هذا فضلاً عن أنّ الصفات الرفيعة التي ذكرها في قريش وفي لهجتها تحتّم أن تكون هذه اللهجة من النقاء والسمو البياني في مقدمة اللهجات التي يُعتمد عليها، فقد جاء وصفها بألفاظ (أفعل) للمفاضلة المطلقة(8)،(أجود العرب،وأسهلها، وأحسنها، وأبينها) أبعد هذه الصفات يمكن أن تكون مواصفات للاعتماد، فكيف يكون الأمر إن قلنا: أبعد هذه الصفات تستثنى هذه اللهجة من لهجات التقعيد ؟!!!.
فهل يكون السيوطي قد اطلع على نصّ آخر لعالم آخر يمجّد فيه لهجة قريش فاختلط الأمر عليه فأورد مضمون نصين في نصّ واحد منسوب إلى عالم واحد، أم أنّ قناعة السيوطي بلهجة قريش كانت رفيعة قوية، فأدرج لهجتها في صدر النصّ الذي شاع عن الفارابي متحدثاً فيه عن قبائل الاعتماد اللغوي في الغريب وفي الإعراب والتصريف.
3- إن القبائل المعتمدة عند الفارابي هي: قيس وأسد وطيء ثم هذيل.أما المعتمدة في نص السيوطي فهي: قيس وتميم وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، فزاد السيوطي بعض كنانة واعتمد بعض طيّء التي اعتمدها الفارابي كلها.
4- اشترط النصّان في الإشارة إلى أن الذين شُغلوا باللغة واللسان العربي وجعلوها علماً وصناعة هم أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق فقط، من أمصار العرب.
5- فصّل السيوطي في النصّ الذي أورده ذاكراً مجموعة هائلة من القبائل التي كانت على أطراف الجزيرة العربية أو في داخلها مختلطين بغيرهم مجاورين لهم، في حين عبّر الفارابي عن ذلك بإيجاز وتعميم، فقال: ((... والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء؛ لأنهم كانوا في أطراف بلادهم مخالطين لغيرهم من الأمم مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطبقة بهم من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر)).
6-لعلّ من أهم ما يلفت انتباه الدارس في النصين أنّ الحديث فيهما لا يشير بوضوح -ولا حتى بالتلميح- إلى اعتماد القبائل في تقعيد النحو العربي، وإنّما الحديث فيهما بوضوح عن اللغة وغريبها وفصيحها، وأكثرها إبانة وسلاسة، أو توحشاً وجفاءً، وعلى ذلك يمكن أن تحمل إشارة السيوطي بقوله:((... وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف)).
7- ولعلّ من أهم ما يلفت الانتباه أيضاً في النّصّين، أنهما يفترضان العزلة وقلة الاختلاط قاعدة للفصاحة والبيان، بل للاعتماد اللغوي، ولكن هذه القاعدة منقوضة تماماً بما جاء في مقدمة نصّ السيوطي،وبنصوص أُخر سنذكرها بعد قليل، فقريش كانت موضوع اختلاط دائم؛ اختلاط تجاري، واختلاط ديني، واختلاط اجتماعي مستمر في الجاهلية والإسلام، وهذا ما يؤكده كثير من العلماء القدماء، يقول الفراء فيما يرويه السيوطي أيضاً (9) : ((كانت العرب تحضر الموسم في كلّ عام وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات جميع العرب، فما استحسنوه من لغات تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ)).ويؤكد هذا ما جاء عن أبي العباس ثعلب (10): ((ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوزان، وتضجع قيس، وعجرفية ضبّه…)) ثم جاء هذا المضمون مفصلاً مرتبطاً بإجماع علماء العربية في ما يروى عن أحمد بن فارس، يقول(11):(أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشاً أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة؛ وذلك أن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فجعل قريشاً قطّان حرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج يتحاكمون إلى قريش في دارهم، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها؛ إذا أتتهم الوفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيّروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب، ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا كسر أسد وقيس)).

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-18-2017 - 08:17 AM ]


فانظر تجد أن قريشاً كانت أفصح العرب كافة، ومن ثمّ هي أفصح من القبائل التي كانت موضع الاعتماد اللغوي سابقة الذكر، فإن كانت تميم فصيحة فقريش أفصح منها لما في تلك من عنعنة وهي أفصح من قيس وكذلك أسد وهذه هي القبائل الرئيسة الثلاث الواردة قمّة للفصاحة في نصيّ الفارابي والسيوطي سالفي الذكر، وتجد أيضاً أن سبب فصاحة قريش في هذا النصّ هو الاختلاط بالوفود العربية التي كانت تفد إلى قريش في ديارها، وهذا ما أجمع عليه العلماء بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم، ولعل هذا السبب الذي من أجله أجمع هؤلاء على فصاحة قريش ( وهو الاختلاط) هو السبب في ما أخذه ابن فارس على القبائل الثلاث: أسد وقيس وتميم، فإن الإجماع في النصوص على أنها كانت تسكن في أماكن يصعب أن يتم فيها اختلاط، فضلاً عن أن الحاجة للذهاب إلى مضارب هذه القبائل لم تكن قائمة.
يقول عمر فروخ(12) في بيان علاقة سكان الحجاز (وهي مضارب قريش) بغيرهم (( منذ أواسط القرن السادس للميلاد بدأ مجرى التاريخ في بلاد العرب يتحول من نجد إلى الحجاز فاكتسب الحجاز بذلك مكانة اقتصادية تجارية، فمن العوامل التي أدت إلى ذلك تحوّل طريق التجارة من البرّ إلى البحر الأحمر... ثم إنّ مكة في الحجاز كانت مركزاً دينياً قديماً... وقد اقتضى الحج إلى مكة ( بل الإسلام) أن يقوم فيها وحولها وعلى الطرق المختلفة المتجهة إليها أسواق دائمة أو مؤقتة في فترات متفاوتة، وقد كانت هذه الأسواق للبيع والشراء وإنشاد الشعر وإلقاء الخطب، وللبحث عن الغرماء وللمفاخرة وغير ذلك. وكذلك كثرت الجوالي من الشعوب المختلفة في ذلك الحين في الحجاز فحدثت فيه نهضة عمرانية واقتصادية)).
بقي أن نشير في هذا البند إلى قضيتين هامتين:
الأولى: أن هناك عدداً من القوائم التي أشار فيها أصحابها إلى أفصح القبائل وأجودها لغة، ومن هذه القوائم ما جاء في نصّ ابن خلدون، يقول (13): ((كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها؛ لبعدها عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني سعد وبني تميم، وأما مَنْ بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية)).
في نصّ ابن خلدون هذا ثلاث نقاط رئيسة:
1- إنه جعل قريشاً أساس الفصاحة ورأس قبائلها، وهي صاحبة اللغة النقية، وعلل ذلك ببعدها عن بلاد العجم، أي أنها لم تكن لتحتك بلغات غير العرب مع أنها كانت موطن صراع اللهجات العربية المختلفة، ومن قريش انطلق ابن خلدون ليقيس فصاحة القبائل مِنْ حولها؛ فمن كان قريباً منها كان يتمتع بالفصاحة؛ لقربه منها، ومن بعدت مضاربه عنها قلّت فصاحته. فبذا أصبحت قريش مقياساً لسلامة اللغة ونقائها، والفصاحة فيها لبعدها عن الاختلاط.
2- اختار ابن خلدون مجموعة من القبائل يشهد لها بدرجة من الفصاحة بحسب قربها من قريش تالية لها في ترتيب الفصاحة وفيها مما جاء في نصّي الفارابي والسيوطي سالفي الذكر وفيه نقص أو زيادة عليهما، فالقبائل هي: ثقيف وهذيل وخزاعة وكنانة وغطفان وبنو سعد وبنو تميم، فزاد: ثقيفاً وغطفان وبني سعد فضلاً عن قريش وحذف قيساً وطيء.
3- إن مقياس الفصاحة عنده هو القرب أو البعد من قريش وليس العزلة المكانية والعيش في الوبر كما ذهب الفارابي والسيوطي، فقريش كانت تسكن مكة، وكانت مكة المعلم الحضاري البارز في شبه جزيرة العرب. وربما كان ما ذهب إليه ابن خلدون هنا أقرب إلى ما يمكن أن يؤخذ به، إذ ليس العزلة عنده هي العزلة المكانية بل هي العزلة عن الاختلاط بالأعاجم وليس العرب، فإن هذا( أي الاختلاط بالعرب) يولد قوة لغوية ولا يسفر عن ضعف في الملكة اللسانية، وتكاد تكون هذه النقطة العنصر المشترك بين معظم النصوص، فهي تكاد تجمع على عدم الأخذ عن القبائل التي كانت تجاور الأعاجم من فرس وروم وأحباش وأقباط... إلخ.
وهناك قائمة أخرى بأفصح العرب، جاء عن أبي عبيد عن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قوله(14): (( نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوزان وهم الذين لهم عليا هوزان وهن خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف، قال أبو عبيد: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر وذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش وأني نشأت في بني سعد بن بكر))، وكان مسترضعاً فيهم وهم الذين قال أبو عمر العلاء أفصح العرب عليا هوزان وسفلى تميم)).
ولعل نظرة فاحصة إلى خريطة توزيع هذه القبائل تؤكد أنهم لم يكونوا في عزلة مكانية، يرشد إلى ذلك نسبهم، فبنو سعد بن بكر هم سعد بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة من قيس عيلان (15) فهم من هوزان، وهوزان لا تعد في أية قائمة من قبائل الاحتجاج والعزلة، وأما ثقيف، وهي إحدى قبائل عليا هوزان فكانت تسكن الطائف وكان لهم فيها صنم يسمى اللات مبنياً على صخرة، كانوا يحرمون من واديه ، ويكسونه، هدمه خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة (16) ، أما نسبهم فهم: بنو منبه بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهم ثقيف (17) وكانت سوق عكاظ في أرضهم تفد إليها وفود العرب وشعراؤها يتفاخرون ويتبارزون أمام لجان التحكيم من مختلف القبائل حيث لا مجال للعزلة المكانية.
وتلتقي تميم في النسب مع هاتين القبيلتين، فهم تميم بن عامر بن أُد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (18)؛ أبناء عمومة يلتقون مع بني سعد بن بكر ومع ثقيف، فلا بد أن صلة ما كانت قائمة بينهم بحكم القربى وبحكم سوق عكاظ التي كانت تجمع قبائل العرب.
والقضية الثانية التي لا بد من الإشارة إليها هي أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش في ما اطرد عند كثير من الباحثين: القدماء والمحدثين، وهو أمر لا يؤخذ من غير مناقشة، ولكنا لا نرى أن إطالة القول فيه مما يحتاجه هذا البحث، ويكفي أن ننظر في اللغات واللهجات الواردة في القرآن الكريم لنعرف أن نسبة نزوله بلهجة قريش كانت على الأغلب كما جاء في ما يروي السيوطي من رد ابن عبد البر(19) في التمهيد على قول من قال نزل القرآن بلغة قريش، فيقول: (( معناه عندي على الأغلب لأن غير لغة قريش موجودة في جميع القراءات)).
فبعد أن تبين أنّ العزلة المكانية لم تكن حقاً هي مقياس الفصاحة في القبائل العربية، وبعد أن أوضحنا أنّ الفصاحة قد وُضع لقبائلها عدد من القوائم، يدافع صاحب كلّ قائمة عن أسباب الفصاحة في قبائل قائمته، وبعد أن ناقشنا بالتفصيل الخلط والاضطراب القائم في نصّي الفارابي والسيوطي، بقي أن نشير ثانية إلى أننا لم نعثر على أي نصّ عن الخليل بن أحمد يشير إلى أنه اعتمد لهجات بعينها لتقعيد القواعد النحوية، ولعل ما أصبح يتوارثه الباحثون والطلاب من أنّ النحو قام على لهجات القبائل الست: أسد وتميم وقيس وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، وهو ضرب من الوهم العلمي مرده إلى نصي الفارابي والسيوطي المتقدمين، فكيف إن علمنا أنّ الفارابي متوفى سنة 329 من الهجرة تقريباً والسيوطي متوفى سنة 911 من الهجرة وأما الخليل بن أحمد واضع علم النحو فقد توفي سنة 170 من الهجرة تقريباً.
ولنقطع الشّك باليقين في أن هذه القبائل قد افترى عليها الباحثون، وأن منهج الخليل أيضاً كان موضع افتراء، فإنّ علينا أن نقف مع كتاب سيبويه نهتدي منه إلى منهج الخليل ونرد به التهم أو الافتراء الذي أسند إلى الخليل، وستكون وقفتنا مع الكتاب لرد هذا الادعاء باستقراء منهج الخليل في شواهد الكتاب من الجوانب التالية:
أولاً: الشواهد التي لم تُنسب إلى قائل، ولسنا هنا بالمعنيين بتحقيق القول في عدد هذه الشواهد، أهي خمسون أم تزيد أم تنقص، فقد كان هذا موضوع بحث أشار إليه عدد من الباحثين. ولكنا نود القول إن من هذه الشواهد ما استُعمل لبناء قاعدة نحوية وهو غير منسوب إلى قائل، فمن ثَمَّ يمكن القول بأنه ليس لأحد من قبائل قائمتي الفارابي والسيوطي، إذ إنّ ما جاز أن يُحمل على وجه شائع فقد سقط الاحتجاج به، كما يقول الأصوليون (20) وفي قولهم: الشيء إذا جاز أن يكون حجة في النظير جاز أن يكون حجة في النقيض(21)، ويقولون أيضاً: (( يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره (22))) والقواعد الأصولية في هذا كثيرة.
ورد في كتاب سيبويه (23)؛ قال الشاعر:
أستغفر الله ذنباً لستُ محصيه
ربّ العباد إليه الوجهُ والعملُ
أي من ذنب، وهذا من باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعولين، وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولاً واحداً، فعلى هذا البيت قامت قاعدة باب المنصوب على نزع الخافض، وهو مجهول القائل فمن باب أولى أن لا يكون لأحد شعراء القبائل الخمس أو الست.
ومثل ذلك ما جاء في كتاب سيبوبه في إقامة قاعدة نحوية تتعلق بالحال مقدّماً على صاحبه النكرة بعد أن كان صفة متأخرة(24) ، قال الشاعر:
وبالجسم منّي بيناً لو علمتِهِ
شحوب وأن تستشهدي العين تشهدِ أي : شحوبٌ بيّنٌ.
وقال الشاعر (25):
عَلِمَ القبائل من مَعدَّ وغيرها
أنّ الجواد محمّدُ بن عطارِدِ
فمنع صرف (معد) حملاً على القبيلة، والأكثر صرفه حملاً له على الحي المعروف.
وقال الشاعر(26):
لا أب وابناً مِثل مروان وابنِهِ
إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا
فعطف (ابن) مع تنوينه على اسم لا، لأن المعطوف لا يجعل وما بعده بمنزلة اسم واحد، لأنهما مع حرف العطف ثلاثة أشياء، والثلاثة لا تجعل اسماً واحداً.
وقال الشاعر(27):
يالعنة اللهِ والأقوام كلّهمُ
والصالحين على سمعان من جار
فحذف المدعو لدلالة حرف النداء عليه، والمعنى يا قوم أو يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان... لذا رفع (لعنة) بالابتداء ولو أوقع النداء عليها لنصبها.
ومن الشواهد الخمسين ما أورد سيبويه شطره الثاني فقط غير منسوب وعليه وحده أقام سيبويه قاعدة نحوية، أكمله النحاة بعده كما جاء عند ابن يعيش بأنه منسوب إلى الأشجعي، قال سيبويه: قال الشاعر:
مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وتمام البيت :
وعدت وكان الخلف منك سجية مواعيد عرقوب أخاه بيثرب(28)
وجاء عن سيبويه أيضاً ما أقام به قاعدة نحوية على قول لبعض العرب غفلاً من غير نسبة، يقول "في باب ما يتقدم فيه المستثنى: (( وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون : مالي إلا أبوك أحد، فيجعلون أحداً بدلاً. كما قالوا: ما مررت بمثله أحد، فجعلوه بدلاً))، وفي هذا بناء قاعدة على قول إحدى القبائل العربية لعلها من غير القبائل الست. ويستطيع البحث بيُسر أن يجمع القواعد كلّها التي أقيمت على شواهد غير منسوبة إلى شاعر.
ثانياً: شواهد لشعراء معروفين يقيم عليها سيبويه قاعدة نحوية سواء أكان الشاعر المعروف من القبائل الست أم من غيرها، ثم يعضد هذه القاعدة أو الشاهد بشاهد لشاعر مجهول والعكس صحيح؛ ومن ذلك مثلاً، أنه أقام قاعدة نحوية جاءت في شعر شاعر مجهول أعمل فيها صيغة المبالغة (ضروب) في معمولها المتقدم عليها، مؤيداً ما جاء في قول العرب: أما العسل فأنا شّرابٌ، وقال الشاعر (29):
بكيتُ أخا لأواء يُحمدُ يومُهُ
كريمٌ رؤوس الدارعين ضروب
فأقام قاعدة إعمال صيغة المبالغة في متقدم.ومنه قول ذي الرمة (30):
هجوم عليها نفسه غير أنّه
متى يرومَ في عينيه بالشبّح ينهض.
ومن ذلك أيضاً قول أبي ذؤيب الهذلي (31):
قلى دينه واهتاج للشوق إنّها
على الشوق إخوانَ العزاء هيوجُ
وكذلك قول القلاخ (32):
أخا الحرب لبّاساً إليها جلالها
وليس بولاج الخوالف أعقلا
فنجد أن القاعدة قد بنيت على بيت ذي الرمّة ثم عضّدها ببيتين لكلّ من أبي ذؤيب والقلاخ، ومن ثم أردف ببيت غير منسوب وقول جرت عليه العرب، وهو قول أيضاً غير منسوب، يقول (( سمعنا من يقول)) وهذه صيغة لا تشير من قريب أو بعيد إلى أيّ من القبائل التي أشار إليها الفارابي أو السيوطي.
ومن ذلك أيضاً أن سيبويه قد أقام قاعدة نحوية على قول شاعر مجهول، ثم أتبعه بقول شعراء معروفين ولكنهم ليسوا من القبائل الست، فقد استشهد بقول الشاعر(32):
(( يا سارق الليلةِ أهلَ الدار))
فقد جعل ( الليلة) أي المفعول الأول مجرورة بالإضافة، ونصب المفعول الثاني، وأقام عليه قاعدة، وهي أنه يجوز في الاسم الذي يتعدى فعله إلى مفعولين ولم ينوّن أن يُجر الأول وينصب الثاني وليس العكس، كما جاء في القرآن الكريم (( فلا تحسبنّ الله مخلف وعدهِ رسلَه))(33)، ثم أورد سيبويه قول الشماخ(34):
ربّ ابن عمّ لسليمى مُشْمعلْ
طباخِ ساعات الكرى زاد الكسل.
وقول الأخطل (35):
وكرّارِ خلف المُحْجرين جواده
إذا لم يحام دون أنثى حليلها
والشماخ هو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني، وأما الأخطل فهو غيات بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو من بني تغلب، فهما لا ينتميان إلى القبائل الست.
ومنه أيضاً ما أقيمت فيه قاعدة على شعر أحد شعراء القبائل السّت ثم أتى بشواهد من شعر شعراء آخرين ليسوا من شعراء هذه القبائل.
قال قيس بن الخطيم، وهو ثابت بن عدي بن سواد بن ظفر وهو كعب من مازن بن الأزد وهو من غير القبائل، يقول:
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راضٍ والرأي مختلف (36)
استشهد به سيبويه لما جاز من حذف المفعول الذي هو فضلة؛ لأن حذف خبر المبتدإ وهو عمدة أشد من حذف الفضلة. وللقاعدة ذاتها استشهد بشعر الفرزدق التميمي وهو من شعراء القبائل، يقول:
إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى
وأبي فكان وكنتُ غير غدور (37)
ومنه الاستشهاد بقول كلٍّ من جرير التميمي وزهير بن أبي سلمى وهو من غير القبائل الست، يقول جرير: (38)
ألا أضحت حبالكم رماما
وأضحت منك شاسعةً أُماما
بترخيم (أماما) في غير النداء، وترك الميم على لفظها مفتوحة وهي في موضوع رفع. ويقول زهير:
خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا
أواصرنا والرحْمُ بالغيب تذكرُ.
بترخيم (عكرمة) وتركه على لفظه، ويتحمل أن تقدر إعرابه على أنه علم لمؤنث ممنوع من الصرف، باعتبار القبيلة.
ومنه قول عقيبة الأسدي (39) وهو من قبائل الاحتجاج، وقول لبيد بن أبي ربيعة وهو ليس كذلك، يقول لبيد:
فإن لم تجد من دون عدنان والداً
ودون معدٍّ فلَتزَعْكَ العواذل
ويقول عقيبة:
معاوي إننا بشر فاسجح
فلسنا بالجبال ولا الحديد
في باب ما يجري على الموضوع لا على الاسم الذي قبله، ومثل ذلك في الكتاب كثير.
ثالثاً: شواهد الشعراء من غير القبائل الست أقام عليها سيبويه قاعدة نحوية، ثم أتبع هذه الشواهد بشعر شعراء مجهولين، ومن ذلك مثلاً:
يقول أمرؤ القيس (36):
أحار أُريك برقاً هب وهناً
كنارِ مجوسَ تستعر استعارا
فمنع (مجوس) من الصرف على معنى القبيلة، ثم عضد هذه القاعدة بشاهد لرجل من الأنصار(40) :
أولئك أولى من يهودَ بمدحة
إذا أنت قلتها ولم تؤنّبِ.
فما كان اسماً لقبيلة أو حي لا يصرف على الأصل، فالبيت الثاني لرجل من الأنصار، والأنصار ليس قبيلة، وربما كان الأنصاري من قريش أو من غير قريش، وقال الأصوليون(41): (( ما تسرب إليه الاحتمال خرج من دائرة الاستدلال)).

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-18-2017 - 08:19 AM ]


ومنه(في الضرورة)قول عامر بن جوين الطائي: (48)
فلم أرَ مثلها حُبّاسةَ واحدٍ
ونهنهت نفسي بعدها كدت أفعله
فحملوه على (أنْ) لأن الشعراء قد يستعملون (أنْ) مضمرين كثيراً فنصب الشاعر (أفعله) بتقدير أن قبله.
ومنه قول أبي زبيد الطائي :(49)
أقام وأقوى ذات يومٍ وخيبةٌ
لأوّلِ مَنْ يلقى وشرٌ ميسّرُ
فرفع بعض الشعراء المنصوب على المصدرية فجعلوه مبتدأ وجعلوا ما بعده مبنياً عليه، وفي هذا البيت رفع ( خيبة) بالابتداء لما فيه من معنى النصب على المصدر المستعمل في الدعاء.
خامساً : شواهد تنسب إلى قبائل نصّ السيوطي على أنها لم يؤخذ منها لأن ألسنتها قد فسدت لمجاورتها من ليسوا بعرب، ومن ذلك ما استشهد به سيبويه من شعر غيات بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو من تغلب(50)، وتغلب قال فيها السيوطي ((... ولا من تغلب واليمن فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين اليونان))(51) ومنه أيضاً ما استشهد به سيبويه من شعر طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد البكري الوائلي(52) وبكر من القبائل التي رفض السيوطي الأخذ عنها ((... ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس)).
وإنّ من يدرس كتاب سيبويه يجد أنّه قد بُني بمنهجية لم تكن في نية بانيه أن يعتمد في التقعيد لهجة معينة، أو أنْ يفضل لهجة على لهجة، فضلا أن يكون قد اعتمد عدداً محدداً ومعيناً من اللهجات كما جاء في ما نصّ الفارابي وتأثر به كلّ من جاء بعده، فإن علمنا أن الفرق الزمني بين الخليل بن أحمد، صاحب الفكرة الرئيسية في التقعيد النحوي، وصاحب الأفكار والآراء التي اعتمد عليها سيبويه في كتابه الكتاب، هو الفرق بين سنة 170 من الهجرة تقريباً حيث توفي الخليل بن أحمد، وسنة 329 من الهجرة حيث توفي الفارابي صاحب النصّ الذي تأثر به الدارسون من القرن الرابع الهجري إلى يومنا هذا مع أنّ مضمونه بلا وجود حقيقي في كتاب سيبويه أو منهج الخليل في التقعيد النحوي، فمما هو واضح أنّ الخليل قد أخذ النصّ الفصيح عن العرب الأقحاح بصرف النظر عن القبيلة التي كانوا ينتمون إليها، فالغاية عنده كانت الفصاحة والاتساق مع ما كانت عليه العربية آنذاك، والخليل بذلك طبٌّ خبير، فضلا عن أنه كان من أصحاب السليقة اللغوية، ويحفظ الشعر، ويقرضه، وخبير بكتاب الله ولغته، حريص عليه وعليها، وعلى استقامة ألسنة الناس عند النطق بها أو القراءة به.
أخذ الخليل النصّ الفصيح وإن كان قائله ليس بالمعروف، وبنى قواعد النحو التي تمكّن المتكلم أو المتعلّم من انتحاء سمت العرب في كلامهم، وتمكّن القارئ لكتاب الله من القراءة السليمة، وما ورد من كلام العرب مخالفاً لهذه القواعد فإنّه قد حُكم عليه بالشذوذ، والشاذ صحيح ولكنه لا يتفق مع القاعدة التي قُعِّدت ، لذا فإنه يُحفظ ولا يقاس عليه، فإن المقعِّد مهما اتسعت قاعدة الاستقرار عنده فلن يتمكن من جمع اللغة كلّها وإن كانت صغيرة، فكيف إن كانت اللغة التي كان الخليل يقعِّد القواعد لها هي العربية المعروفة باتساعها وتعدد لهجات المتحدثين بها.
ألا ترى بعد ذلك أن القبائل الخمس أو الست هي من القبائل المفترى عليها إن لم تكن هي المفترى عليها، وكذلك، ألا ترى أن تعدد قوائم الفصاحة عند العلماء - على الرغم من أنّه يؤدي إلى الشّك في صحة أيِّ منها- يحتاج إلى إعادة النظر فيها لمعرفة الأسباب القبليّة أو غيرها التي تقف خلف اختيار بعضها ورفض الأخرى في التقعيد اللغوي.


الهوامش
انظر مثلاً الخصائص لابن جني 2/10، الإيضاح للزجاجي ت مازن المبارك ص 89 مقدمة ابن خلدون ص 546، البيان والتبيين 2/205-222،504.
المقدمة ص 546
ابن جني، الخصائص 1/35
الزجاجي، الإيضاح في علل النحو ص 66.
الفارابي-كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق ط2،ص147.
انظر مناقشة هذا في مقدمة محسن مهدي لتحقيق كتاب الحروف.
الاقتراح ص 44، المزهر 1/211.
وسنتحدث عن عدد آخر من قوائم اللهجات المعتمدة في التقعيد تتصل بهذه النقطة في نصّ السيوطي هذا.
الاقتراح: ص127.
مجالس ثعلب، تحقيق عبد السلام هارون- دار المعارف-ص80-81.
ابن فارس، الصاحبي ص33-34 والسيوطي، المزهر 1/210.
عمر فروخ: تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية، دار العلم للملايين، بيروت 1970 ص 45.
مقدمة ابن خلدون: المكتبة التجارية، مكة المكرمة، 2/258-259.
السيوطي ، المزهر 1/210،211.
أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، دار الكتب العلمية،بيروت،1982م ص265.
السابق 182.
السابق 491.
السابق 207.
السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن، المكتبة التجارية الكبرى، دار الفكر، بيروت 1/136.
وانظر الإنصاف في مسائل الخلاف مسألة 8
وانظر السابق مسألة 1
السابق مسألة 23.
الكتاب 1/37.
الكتاب 2/123.
الكتاب 3/250.
الكتاب 3/285.
الكتاب 2/219.
الكتاب 1/272. - * الكتاب 2/337.
الكتاب 1/111.
الكتاب 1/110 وديوان ذي الرمة 324.
الكتاب 1/111.
الكتاب 1/175.
ابراهيم 47.
الكتاب 1/177.
الكتاب 1/177.
الكتاب 1/75.
الكتاب 2/270-271،1/76.
الكتاب 2/270-271.
الكتاب 1/67-68.
الكتاب 3/254.
الإنصاف مسألة 104،2/726.
المرزباني ، معجم الشعراء ص55.
الكتاب 3/43.
المرزباني ، معجم الشعراء ص204، وانظر الكتاب 3/46.
انظر مثلاً الكتاب 1/386 فيه شاهد لعبد الرحمن بن حسان الخزرجي والكتاب 1/68 فيه شاهد لكعب بن جعيل التغلبي. والكتاب 1/280 فيه شاهد لذي الرمة وهو مضـري والكتاب 3/118 وفيه شاهد لزيد بن عمرو بن صعصعة والكتاب3/78 فيه شاهد لطرفة بن العبد وهو من بكر بن وائل والكتاب 2/70 فيه شاهد لعروة بن الورد وهو من غطفان والكتاب 2/20 فيه شاهد لابن ميّادة المرىّ وهو منسوب إلى غطفان والكتاب 1/424 فيه شاهد لامرئ القيس وهو من كندة والكتاب 3/72 فيه شاهد للأعشى وهو من بكر بن وائل والكتاب 2/246 وفيه شاهد لعنترة بن شداد وهو من عبس والكتاب 1/256 وفيه شاهد لإبراهيم بن هرمة وهو من الشعراء المولدين
الكتاب 1/279.
الكتاب 1/279.
الكتاب 1/307.
الكتاب 1/313.
الكتاب 1/177.
الاقتراح ص44.
جمهرة أنساب العرب ص320.

قائمة المصادر والمراجع

(1)- الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ،تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، 1961م.
(2) ثعلب، أبو العباس، مجالس ثعلب، تحقيق عبد السلام هارون، دار المعارف، مصر ط3.
(3) الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، مؤسسة الخانجي، القاهرة.
(4) ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتاب العربي، بيروت.
(5) ابن حزم، أبو محمد بن أحمد الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت 1982م.
(6) ابن خلدون، المقدّمة، المكتبة التجارية، مكة المكرمة1994م.
(7) ذو الرمة، ديوان ذي الرمة، تحقيق د. عبد القدوس أبو صالح، مؤسسة الإيمان، بيروت 1982م.
(8) الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن المبارك، دار النفائس، بيروت 1979م.
(9) سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة، طبعة بولاق.
(10) السيوطي، جلال الدين، الاقتراح، تحقيق أحمد محمد قاسم، جروس برس، 1988م.
(11) السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغات وأنواعها، تحقيق محمد أبو الفضل وآخرين، عيسى البابي الحلبي، ودار الجيل ودار الفكر، المكتبة العصرية.
(12) السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، المكتبة التجارية الكبرى، دار الفكر، بيروت.
(13) فروخ،د. عمر، تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية، دار العلم للملايين، بيروت 1970م.
(14) الفارابي كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، الطبعة الثانية1990م.
(15) الفارابي، كتاب الألفاظ، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق.
(16) ابن فارس، أحمد، الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق مصطفى الشويمي، بيروت 1964م.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
النحو العربي عند ابن مالك بين التيسير والتقعيد شمس البحوث و المقالات 1 03-24-2019 03:01 PM
ألفاظ وأساليب السبّ والدعاء بالشر في القرءان. سعيد صويني لطائف لغوية 0 04-15-2018 11:39 AM
من جديد الدراسات اللسانية:العربية بين السليقة والتقعيد دراسة لسانية مصطفى شعبان مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 1 12-01-2016 11:14 AM
الفتوى (703) : أي القبائل العربية تنطق الميم باءً؟ وما سبب موت سيبويه؟ عبدالله جابر أنت تسأل والمجمع يجيب 2 03-01-2016 10:42 AM
من ادوات التعريف في لهجات القبائل العربية في شبه جزيرة العرب *^* شريفة *^* لهجات القبائل العربية 2 05-12-2013 05:52 PM


الساعة الآن 01:37 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by