استصحاب الحال وفق المنظور اللغوي الحديث
حاتم البوعناني
يُعرِّف "ابن الأنباري" استصحابَ الحال في النحو بقوله: (وأما استصحاب الحال، فإبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل؛ كقولك في فعل الأمر: إنما كان مبنيًّا؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، وإن ما يعرب منها لشبه الاسم، ولا دليل يدلُّ على وجود الشبه، فكان باقيًا على الأصل في البناء)[1].
فالاستصحابُ هو قاعدة أصوليةٌ في الفقه والنحو، فعند عدم وجود دليل شرعي على مسألة ما يُستصحب الأصل، وفي النحو إذا انعدم الدليل السماعي أو القياسي على مسألة ما، فيبقى حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل؛ أي: يستصحب أصل الوضع.
وسنعرض في هذه الورقة لدليل استصحاب الحال وَفْق المنظور اللُّغوي الحديث، مركِّزين على محورينِ اثنين:
• ما قام به الدكتور "تمام حسان" في كتابه "الأصول".
• وجهة نظر التصوُّرينِ الوصفي والتحويلي حول الاستصحاب.
أ- ما قام به الدكتور تمام حسان في كتابه الأصول:
لقد قلَّ مِن المحدَثين مَن تناول هذا الأصل بالبحث والدراسة، على الرغم من أنه من الأدلة المعتبرة؛ كما صرح بذلك ابن الأنباري في لمع الأدلة، والمصدر الوحيد الذي تجد فيه دراسةً موسَّعة لهذا الأصل هو كتاب (الأصول دراسة إبستيمولوجية لأصول الفكر اللُّغوي العربي) للدكتور تمام حسان، فقد عقد له فصلًا كاملًا، مُحللًا إياه ومبينًا لمكانته متوسطًا بين السماع والقياس.
فاعتبر أن أهم ما للاستصحاب من أثر في الدرس النَّحْوي أنه وجّه النحاة إلى التجريد الذي كان قائمًا في أذهان العرب، وهو استخراج المعقول مِن المحسوس، توصُّلًا إلى الهيكل البِنْيوي للنحو، فكان ما سماه أصل الوضع وأصل القاعدة، وما ارتبط بذلك من عدول عن الأصل، وردٍّ إلى الأصل.
وعندما عرَض الدكتور تمام حسان لباب الأصل، جعل الأصل "أصل وضعِ" و"أصل قاعدة":
فأما أصل الوضع، فقد قسَّمه إلى أصل وضع الحرف، وأصل الكلمة، وأصل الجملة.
وأما أصل وضع الحرف، فلا يحتاج إلى الاستدلال في الغالب؛ لظهوره ويُسر الوصول إليه والتعرف إليه بوسائل عملية غيرِ نظرية، فليس من العسير مثلًا، ونحن ننطق حرف الميم في محل النون من كلمة "ينبغي" أن نُدرِك أن هذه الميم هي في أصل الكلمة نون، وذلك بالرجوع إلى أصل الاشتقاق وأصل الصيغة، فنجد أن الصوت الذي نطقناه ميمًا يقع موقع نون المطاوعة في أصل الصيغة، فنحكم أن هذا الصوت يرتدُّ إلى أصل هو النون.
وإذا أخذنا مثالًا أوضح، فنطق التاء المشدَّدة التي بعد العين المفتوحة التي من (قعتُّم = قعدتم)، فإن الاستعانة بأصل الاشتقاق (القاف والعين والدال)، وأصل الصيغة (فعلتم)، ستكشف لنا بيسرٍ عن أن التاء المشدَّدة هي في الأصل (دالٌ وتاء)، وبذلك نرى أن الكشف عن أصل الوضع ليس بالشيء العسير، لا سيما أن المتكلم له حدس بهذا الأصل.
وكذلك الحال بالنسبة لأصل وضع الكلمة، فبالنظر إلى أصل الاشتقاق، وأصل الصيغة، والقواعد الصرفية، يسهل ردُّ الكلمة إلى أصل وضعها؛ مثلًا نستعين في رد (قال) بـ(أقوال وقول)، وبصيغة فعل، ثم بالقاعدة الصرفية التي تقول: "إذا تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها قُلِبت ألفًا"، وهكذا.
أما بالنسبة لأصل وضع الجملة، فيمكن تلخيص نمطِها النظري في الذِّكر والإظهار، والترتيب والربط والاتصال...، وإذا ما صادَفْنا عبارةً عربية فصحى لا يتحقّق لها أحد هذه الأمور، حكمنا بأنها معدولةٌ عن الأصل، ومن ثَم تستحق التأويل؛ بحيث تؤول - أي تُرجع - إلى الأصل، فإذا سمعنا الحوار الآتي:
(أ) كيف حالك؟
(ب) بخير.
نأخذ الضمير أنا من الكاف في آخر السؤال، ونعتبر هذه الكاف دليل الحذف، وبذلك يجوز هنا الحذف؛ لأنه "لا حذف إلا بدليل"[2].
أما الأصل الثاني أصل القاعدة، فهي تلك القاعدة السابقة على القيود والتفريعات؛ كقاعدة رفع الفاعل والمبتدأ، وتقدُّم الفعل على الفاعل[3].
والحقيقة أن أصل الوضع وأصل القاعدة يؤولان إلى معنى واحد؛ حيث يقول تمام حسان - مُوحدًا الغاية منهما -: "سبق أن أصل الوضع تجريدٌ قام به النحاة ليصلوا بواسطته إلى الاقتصاد العلمي...، وتلك نفسها هي الغاية التي يرمي إليها أصل القاعدة"[4].
بعد ذلك تطرَّق إلى العدول عن الأصل، وهو الإجراء المقابل لاستصحاب الحال، فهو التحول عن أصل الوضع، وفكرة العدول أصيلةٌ في الفكر النَّحْوي؛ إذ تظهر بوضوح في كتاب سيبويه، فهو يستعمل المصطلح وينقله عن الخليل[5]، ويُشير إلى شيء من صور العدول تحت باب "ما يكون في اللفظ من الأعراض"[6].
والعدول على مستوى الحرف يتجلَّى في أن المتكلم يجتنب اجتماع الأمثال، فيفرُّ منه إلى القلب أو الحذف؛ مثال ذلك العدول بحذف أحد مِثْلَي "ظللت" و"أحسست"، فقالوا: ظلْتُ أحسْتُ.
أما على مستوى الكلمة، فالمتكلم لا يعتبر بالأصل، بل اهتمامه منصبٌّ على الفرع المستخدم، فهو لا يعي أن الألف في (قال) منقلبة عن واو (قول)؛ وإنما كان أصل الوضع من اختراع النحاة، والعدول عن أصل الكلمة إما أن يكون مطَّردًا أو غير مطَّرد، فإذا لم يكن العدول مطَّردًا يسمى ذلك شذوذًا؛ مثل قول الشاعر:
الحمدُ للهِ العليِّ الأجلَلِ (أي الأجلِّ)
أما إذا كان العدول مطَّردًا، فإنه يخضع لقاعدة تصريفية يُفرد بها؛ مثل قاعدة: "إذا تحركت الواو أو الياء، وانفتح ما قبلها، قُلبت ألفًا"؛ في مثال (قال).
أما على مستوى الجملة، فالأصل في الكلام أن يكون لفائدة.
فالأصول المتعلقة بالجملة هي: الذكر، والإظهار، والوصل، والربط، والرتبة، والعامل، والعدول عن أصل الجملة يكون بالعدول عن أحد هذه الأصول أو أكثر، بالحذف أو الإضمار، أو الفصل، أو التشويش في الرتبة، وغيرها.
وبهذا يتَّضح أن العدول تغيير في اللفظ فقط دون المعنى.
ثم تحدث عن الردِّ إلى الأصل، وجعله مرادفًا للتأويل، فالعدول والرد في الحرف يتقاسَمُهما المتكلم والكاتب؛ ذلك أن المتكـلم يعدل عن أصول الأصوات إلى فروعها؛ لأن الأصول لا تنطق، وإنما تنطق الأصوات وهي الفروع.
أما الكاتب في الكتابة، فيردُّها إلى أصلها، فهو لا يرمز في الكتابة إلا إلى أصل واحد مهما تعدَّد نطقه؛ (استصحاب حال الأصل).
فالنون في "ينبغي" و"ينفع" و"لن يكون" و"ينقل" عند المتكلم مختلفةٌ من حيث المخرَجُ والتفخيمُ والترقيق، أما الكاتب فيصعب عليه أن يُمثِّل لكل صوت من أصوات النون السابقة برمز خاص، فيكتب كل هذه النونات نونًا واحدة؛ وذلك اقتصادًا للجُهد في الكتابة.
على مستوى الكلمة يكون العكس؛ حيث يكون كل مِن المتكلم والكاتب والسامع على وعيٍ بالفرع، دون معرفة الأصل؛ لأن الأصول من تجريدات النحاة وتعليلاتهم، فالعربي عندما ينطق (باع) لا يعرف أن أصلها (بَيَع)، وهكذا.
أما على مستوى الجملة، فيمكن الردُّ إلى الأصل بالاستتار، أو الحذف، أو الزيادة، أو الفصل، أو التقديم، أو التأخير، أو الإضمار، وفي كل حالة من هذه الحالات يمكن أن يكون هناك ردٌّ إلى الأصل بصورة من الصور، ففي الاستتار والحذف ترُدُّ الفرع إلى أصله بواسطة تقدير المتغير أو المحذوف؛ فنقول في (زيدٌ قام): إن في (قام) ضميرًا مستترًا تقديره هو يعود إلى زيد، ونقول في (بخير) التي يجاب بها عن (كيف محمد؟) إن المبتدأ محذوف وتقديره (محمد).
.