mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي تيسير النحو في ضوء علم تدريس اللغات

كُتب : [ 03-03-2017 - 03:45 AM ]


تيسير النحو في ضوء علم تدريس اللغات
د. محمد صاري
جامعة عنابة - الجزائر

لقي موضوع إصلاح النحو وتيسيره على الناشئة والمتعلمين اهتماما واسعا في العقود الأخيرة، لاسيما بعد النتائج الإيجابية التي حققتها الدراسات اللغوية الحديثة على صعيد البحث اللساني النظري والتطبيقي.
وقد بحث في هذا الموضوع، وكتب فيه عدد كبير من العلماء واللغويين والتربويين، وعقدت من أجله العديد من المؤتمرات والندوات واللقاءات في أنحاء مختلفة من العالم العربي( 1). ورغم ذلك، ظل مفهوم التيسير يشغل تفكير الباحثين، ويثير العديد من الإشكاليات النظرية والتطبيقية، وبخاصة عند ناقدي التراث الذين زعموا أن بالنحو العربي عيوبا ونقائص تجعل إصلاحه وإعادة النظر فيه ضرورة ملحة، ومهمة أساسية في عصر يتلقى فيه التلميذ العربي الفصحى صناعة وتعلما لا طبعا واكتسابا.
وذهبوا في هذا النقد مذاهب شتى( 2)، وتباينوا في تشخيص العيوب وطرق العلاج تباينا يجعل الباحث في هذا الميدان يتساءل عن قيمة الأسس التي انطلقوا منها، ومدى سلامة الأحكام التي وصلوا إليها.
والمسألة التي تطرح حول الدراسات والبحوث التي أُنجزت لتيسير القواعد النحوية مادة وطريقة، تتلخص في معرفة حصيلة نتائجها العلمية والتربوية، وواقع تطبيقها في مناهج تعليم العربية، وهو الباعث الذي دفعنا إلى إجراء قراءة نقدية لمحاولات تيسير النحو قديما وحديثا في ضوء النتائج التي حققتها علوم اللسان، وما تفرع عنها من اتجاهات حديثة على مستوى المناهج الدراسية، تخطيطا، وبناء، وتنفيذا، وتقويما( 3).
ومن خلال تحليل كثير من المحاولات التي طارت شهرتها في الوطن العربي، تبين لنا فشلها لأن أصحابها انطلقوا في قراءاتهم النقدية للتراث من منطلقات قاصرة، تنم عن غياب تصور واضح للعلم وما تقتضيه التطبيقات التربوية من مبادئ أساسية في صناعة التعليم. إذ تحولت خاصية الوضوح والبساطة والسهولة إلى مقاييس يُعتمد عليها في تقييم التراث النحوي. وأصبح، في نظر بعضهم، كل أصل من أصول النحو، أو مسألة من مسائله، أو باب من أبوابه، لا يفيد مباشرة في التعليم ترفا لا فائدة منه، ولغوا ينبغي تجنبه. واقتنع الجميع أن نظام العوامل هو المسؤول عن ذلك. وافترضوا أن ما عاب به اللسانيون الغربيون تراثهم اللغوي (الإغريقي والروماني) ينسحب انسحابا كليا على النحو العربي الأصيل. وكانت حاجة اللغة العربية، في زعمهم، إلى منهج وصفي تماثل حاجة الأنحاء الأوربية القديمة( 4).
إن التفكير في الجوانب التربوية وثقل مشاغل التدريس، أدت بكثير من المصلحين والمجددين إلى الخلط بين مقتضيات البحث اللغوي ومقتضيات التدريس. ولعل هذا الخلط هو الذي دفع ببعضهم إلى نقد مفاهيم النحو الإجرائية، واعتبار نظام العوامل مجموعة من الأحكام المسبقة، والمسلمات الماقبلية التي فرضت على الدرس اللغوي. والواقع أن اللغة العربية بحاجة ماسة إلى هذا النظام لترتيب مادتها وانسجامها واطرادها، والسيطرة على شتات المعطيات اللسانية، واقتصاد وصفها وصياغتها. ثم إن الصعوبة والسهولة ليستا دليلا علميا على عدم كفاية هذا النظام، وعلى عدم مقدرته على وصف اللغة وتفسير ظواهرها( 5).
ومما لا شك فيه أن المرجع الفاعل في تفكير دعاة الإصلاح والتجديد، الذين كادوا أن يُكونوا اتجاها ضاغطا على كل دارس للتراث، هو "ابن مضاء". واللافت للانتباه أن كثيرا من أمهات المسائل التي طُرحت كأفكار بديلة ليست جديدة على النحو والنحاة، بل إنها للقدماء. ففكرة الحركة الخفيفة عند الوصل ودرج الكلام هي "لقطرب"، وفكرة إعراب الأسماء الستة بحركات مَمْطُولة فكرة قالها "المازني"، وفكرة المتكلم هو الذي يُحدث الإعراب فكرة "ابن جني"، وفكرة القرائن والتعليق هي "للجرجاني"، وفكرة الرفع علم الفاعلية والجر علم الإضافة فكرة "للزمخشري"، وفكرة العمدة والفضلة فكرة "الرضي الاستيراباذي"، وصاحب فكرة إلغاء نظرية العامل هو "ابن مضاء"، وهو النحوي الوحيد من بين أكثر من ألفي نحوي ذكرهم "السيوطي" في كتابه "البغية"، الذي وقف هذا الموقف السلبي إزاء النحو العلمي(6 ).
ثم إن تصور القدماء لموضوع التيسير، يختلف تماما عن تصور المحدثين. فالقدماء لم تكن بينهم خصومة تذكر حول هذا الموضوع، والتبسيط في نظرهم وأعمالهم قائم على الانتقاء من جملة النحو العلمي، وتجنب الإطالة والتعمق في ذكر القواعد، والاستعانة على توضيحها بالأمثلة والتقليل من الشواهد، والوقوف عند حدود العلة الأولى، وتجنب الشاذ والنادر، والتمييز بين المستويات التعليمية...
أضف إلى ذلك، أنهم كانوا على وعي بضرورة وجود مستوى من المؤلفات النحوية المختصرة والميسرة إلى جانب مطولاتهم وموسوعاتهم العلمية، وهو ما توحي به عشرات العناوين من متونهم ومختصراتهم.
فبعضها يسمى الواضح، وبعضها يدعى الوجيز، وبعضها الآخر يعرف بالمقدمة أو المدخل...الخ. وغير ذلك من العناوين التي توحي في وضوح لا يقبل الشك أن تلك العصور لم تخل من نحاة ومربين ومعلمين ألَّفوا ما قرّب الطريق إلى حد ما على المتعلمين. ولعل ما يؤخذ على هذا النوع من التأليف، أن بعضه لم يكن منظما بشكل يصلح مباشرة للتدريس، وأن بعضه الآخر موجز، بل مفرط في الإيجاز حتى كاد يعد من جملة الألغاز( 7).
إن انطلاق المجددين والمصلحين من مفاهيم وتصورات قاصرة عن فكرة التيسير أدى إلى اقتراح بدائل مشوهة، أو خاطئة، أو ناقصة. والذي أوقع هؤلاء في مثل هذه الأخطاء هو :
أ - اعتمادهم على المختصرات النحوية المتأخرة عند حديثهم عن ضوابط المنهج وقواعد التوجيه في النظرية النحوية العربية القديمة، الشيء الذي أدى بهم إلى تشويه كثير من المفاهيم الأصيلة وتحريفها تحريفا واضحا.
ب - عدم الإفادة من نتائج البحوث التي أُجريت في مجال اللسانيات وعلم تدريس اللغات، حيث لا يظهر في أعمال هؤلاء أدنى أثر لتلك الاختصاصات الحيوية الحديثة، مما جعلهم يحصرون مجال دراستهم في الجانب النحوي المحض، ويرجعون مسألة التعقيد فيه إلى المادة النحوية ذاتها، ولم يشيروا إلى الطريقة إلا عرضا، علما أن جوهر المشكلة هو الطريقة التي يعرض بها النحو على المتعلمين. فلغتنا العربية غير مخدومة تربويا، وطرائق تدريسها متخلفة جدا.
وما ينبغي التنبيه إليه، أن النحو جهاز كامل، وأن أي حذف عشوائي (غير مدروس) لأي باب من أبوابه، أو جزء من أجزائه، سيؤدي دون شك إلى إفساده. وإن أزمة النحو التي تشكّلت في الميدان التربوي التعليمي، في منظور النظرية الخليلية الحديثة، لا تكمن في النحو ذاته من حيث هو علم، وإنما في تجاهل المناهج المدرسية للطرق الحديثة في الانتقاء والتخطيط والعرض والترسيخ، وإهمال التمرس اللغوي، والجانب الترسيخي المنظم في تعليم العربية، واقتصار أكثر المربين والمعلمين على الأنواع القليلة جدا من التمارين، لا سيما التحليلية ( التي تخص الإعراب). وفوق ذلك كله، اتخاذ النحو والصرف في صورتيهما النظرية البحتة وسيلة مجردة من كل تكييف لإكساب المتعلمين الملكة اللغوية، وإعطاء هذا الجانب من القواعد النظرية، والتعليق عليها حصة الأسد( 8).

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-03-2017 - 03:48 AM ]


ويتبين من خلال تحليل واقع المحتوى النحوي في الكتب والمقررات التعليمية، وكيفية تأدية المعلم له داخل القسم، أن الاتجاه التقليدي هو السائد في التأليف والتدريس. فمحاولات تيسير النحو في الكتب المدرسية لم تقدم جديدا، ولم تفعل شيئا يعيد للنحو حيويته، ويشيع فيه قوة تحبب إلى التلاميذ درسه، وللمعلمين تدريسه. فهي لم تصحح وضعا، ولم تجدد منهجا، ولم تأت بجديد إلا إصلاحا في المظهر وأناقة في الإخراج. أما القواعد فهي هي، وأما الموضوعات فكما ورثناها لم يصبها من التجديد إلا نصيب ضئيل( 9)؛ كثافة من حيث الموضوعات، وغزارة في المفاهيم والمصطلحات النحوية، وغموض في لغة التعريفات التي تبدو، أحيانا، ألغازا ورموزا لا يتسع عقل التلميذ لفهمها وإدراك معانيها الدسمة. أضف إلى ذلك التذبذب في ترتيب الدروس وتوزيعها على مستوى المقرر الواحد، أو المقررات المختلفة.
ونشير في هذا المقام أنه لم تُسجل تحسينات جديرة بالإشارة، أو توظيفا لنتائج البحث اللساني التربوي في تمييز الوظيفي من الموضوعات من غير الوظيفي، والأساسي من الثانوي، والأصلي من الفرعي، والعناصر النحوية ذات الانتشار الواسع من الظواهر النحوية ذات المردود الضعيف. فمضامين التدريس التي اشتملت عليها مناهج النحو ومقرراته غير مؤسسة على بحوث علمية ميدانية تستفيد من نتائج تحليل الإنتاج المنطوق والمكتوب للتلاميذ ولمحيطهم اللغوي ورصد أخطائهم الشائعة. فهي مضامين غير مكيفة تربويا، يختارها أناس غير متخصصين بناء على الخبرة والتقدير الذاتي، ويلقنها معلمون لا يملكون وصفا دقيقا لنظاميها الإفرادي والتركيبي.
كما يجب التأكيد على أنه لم تُلاحظ تغييرات جذرية على مستوى منهجية العرض والخطاب النحوي للمعلم داخل القسم، واختيار الأمثلة الشارحة، وتوظيف الوسائل المعينة والتغييرات التي حدثت على مستوى تلك العناصر، إن سلمنا بذلك، سطحية جدا مسّت الجانب الشكلي ولم تصل إلى الجوهر والرسم البياني الآتي يوضخ ذلك( 10):


القـواعد

x

الأمثلـة x x شرح المعلـم
x

x x
التمارين الوسائل والمعينات

وقد بدا لنا، من خلال المعاينة والمناقشة، أن ضعف الطريقة وقلة نجاعتها، ونقص كفاءة المعلم، وإهمال الجانب التطبيقي في النحو ( وهو رأس الأمر )، إضافة إلى قلة الدراسات العلمية التي تُتخذ أساسا لبناء المناهج وتنفيذها، تُعد من أهم الأسباب التي أدت إلى تدهور تدريس النحو.
وانطلاقا من هذه النتائج التي أفضى إليها البحث حول جهود الإصلاح والتجديد النظرية والتطبيقية، يمكن اقتراح تصور منهجي في إعداد مناهج النحو وتدريسه بمراحل التعليم ما قبل الجامعي. يتأسس على خلفية معرفية لسانية وتربوية ونفسية واجتماعية. ويستفيد من الطرائق الحديثة في الانتقاء والتخطيط والعرض والترسيخ. ولعل أهم الأفكار التي تحتويها هذه الخلفية تتمثل في ما يلي :
1 - تحديد وجهة البحث في موضوع التيسير والهدف منه، لأن هناك فرقا بين السعي لتبسيط القوانين الثابتة في العلم، وبين السعي لتبسيط الصورة التي يعرض بها هذا العلم ويبلغ للمتعلمين. فكثير ممن اشتغلوا بمسألة القواعد النحوية وتيسير تدريسها يلتبس عليهم الأمر، فلا يميزون تمييزا حاسما بين معياري السهولة والوضوح؛ هل يريدون بالتيسير نحوا سهلا أم نحوا واضحا ؟
فإذا كنا نريد نحوا سهلا، فلا توجد سهولة في النحو ( من حيث هو علم ) فالنحو هو النحو، وإن أي مجهود يبذل لجعله أكثر سهولة مما هو عليه سوف يقود لا محالة، كما يقول يلمسلاف Hjelsmslev، إلى تحريف القواعد والقوانين وهتك للمبادئ العلمية السليمة( 11). ومن يريد أن يعلمه أو يتعلمه فعليه أن ينظر فيه كما هو، ويتكيف مع خصوصياته ؛ لأن النحو، في الواقع، صناعة تعين على اكتساب الملكة في غياب البيئة اللغوية العفوية، ونجاحه في هذا الشأن أمر لا يختلف فيه من يطلبون له اليوم مزيدا من النجاح( 12).
إن المدار الرئيسي الذي ينبغي أن تنصرف إليه جهود الإصلاح والتيسير يكمن في البحث عن حلول للمسائل العالقة التي ما زالت بعيدة عن الإثبات النهائي أو النفي الحاسم، وعلى رأسها الأسئلة الآتية :
لماذا نعلم النحو ؟ وكيف نجعل تعلم هذه المادة إجرائيا وذا دلالة ؟ وكيف نجعل العناصر النحوية تترسخ لفترة أطول وتؤثر إيجابيا في الإنتاج الإرسالي والاستقبالي للتلاميذ ؟ وإلى أي حدّ ينبغي السير بهم داخل هذه المادة ؟ وما هو المضمون الذي ينبغي أن تشتمل عليه مقررات النحو ؟ وهل الملاحظة الواعية للقوانين ضرورية لاكتساب الملكة ؟...
إن تحويل وجهة البحث نحو هذا النوع من الأسئلة، والسعي للإجابة عليها في ضوء علم تدريس اللغات، سيساهم من دون شك في تيسير النحو مادة وطريقة.
2 - إن النحو عامل مساعد، وليس هو كل شيء في تعليم وتعلم اللغة العربية. وينحصر دوره في مساعدة الاكتساب وتهيئة الأرضية المناسبة لتشكيله(13 )، ولذا فمن المبالغة والإسراف أن تسند لمادة واحدة ( القواعد )، وهي فرع من فروع اللغة، جملة عريضة من الغايات والمرامي، وعلى رأسها ملكة التبليغ والتواصل، والتي لا تتحقق إلا بتظافر مجموعة كبيرة من الإجراءات والأنشطة الشفاهية والكتابية التي تهدف إلى إكساب المتعلم العناصر والمهارات اللغوية وترسيخها.
وعليه، فمن الخطأ التصريح بأهداف طموحة للغاية، لن تتحقق أو يصعب تحقيقها، ومن المبالغة، أيضا، تحميل مادة النحو مسؤولية إكساب التلميذ ملكة التبليغ والتواصل. ولذا ينبغي عند إعداد المناهج الدراسية وتخطيطها، مراعاة الملكة المزدوجة التي تخص من جهة السلامة النحوية، ومن جهة أخرى توظيف معاني النحو في دورة الخطاب.
3 - إن تحديد الموضوعات التي ينبغي أن تدرج في المناهج والمقررات التعليمية في منظور علم تدريس اللغات، لم يعد يخضع إلى التقدير الشخصي والخبرة الذاتية، بل أصبح يؤسس على أبحاث علمية ميدانية تستهدف إلى جانب خبرة المربين وملاحظاتهم، تحليل إنتاج التلاميذ في شتى مراحل التعليم من أجل معرفة الموضوعات التي يكثر شيوعها في أساليبهم الكلامية والكتابية، وكذلك معرفة الموضوعات التي يكثر الخطأ فيها والصعوبات التي يجدها التلاميذ في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم ومشكلاتهم. هذا هو الأساس الذي تقوم عليه مناهج النحو اليوم في الدول المتقدمة( 14).
كما يجب التأكيد، ههنا، على ضرورة التمييز بين الأنحاء أو المستويات النحوية التي تحتويها اللغة الواحدة ؛ فهناك مستوى من النحو يخص اللساني والباحث، هدفه التأسيس والتأصيل والاستنباط وعمق التفسير. وهناك مستوى آخر يخص المربي والمدرس، فمن غير المعقول أن يكون كتاب المعلم هو نفسه كتاب التلميذ، أو هو نفسه موسوعة اللساني. ويمكن أن نطلق على هذا النوع "النحو المرجعي". ثم هناك مستوى ثالث يخص الاكتساب والتعلم، ويبقى هذا المستوى في حدود اهتمامات المتعلم وحاجاته اللغوية، وينبغي أن يتميز بالوضوح والبساطة(15).
والإشكال الذي يطرح بين هذه الأصناف، التي تجمع بينها علاقات وتميز بينها فروق، هو عدم وضوح المقاييس التي تساعد المربين على اختيارها والتمييز فيما بينها وفق ما تقتضيه الأغراض ومقاصد العملية التعليمية.
4 - إن الدراسة الواعية للقوانين النحوية ليست شرطا كافيا أو ضروريا لتعليم اللغة. وفي المقابل نشير أيضا إلى أن تعلم اللغة لا يمكن أن يكون كله عملية غير واعية، إذ يعدّ الانتباه شرطا ضروريا في مؤازرة الاكتساب وتحقيقه. وبناء على هذا، فإن الطريقة المقترحة تعتمد على كلا النموذجين، لأنه لا توجد مرحلة كلها ضمنية وأخرى كلها صريحة، ولكن الاقتصاد في الوقت والجهد يقتضي تقديم التدريس الضمني على التدريس الصريح( 16).
وما تجدر الإشارة إليه أن المدار الرئيسي الذي ينبغي أن يتأسس عليه هذا التدريس الضمني للنحو هو فكرة التمرس اللغوي، لأن التمرينات اللغوية بصفة عامة، والتمرين النحوي على الخصوص، تقنية تربوية تتجاوز حدود الترف والموضة، لا تستغني عنها أي طريقة أو منهاج تعليمي مهما كانت توجهاته اللسانية والمنهجية. وبالتالي يجب أن يرتكز تعليم النحو على مجموعة كبيرة من التمرينات المتنوعة والمكثفة التي تساعد على خلق المهارات اللغوية وإحكامها، وهيهات أن ينجح تدريس النحو دون تطبيق وتدريب(17 ).
وإن أحسن الطرق التربوية لتحصيل النحو النظري، وتفادي النص المسهب الذي يصعب حفظه، هي التي تقدم معلوماته وقوانينه وتلخصها على شكل رسوم بيانية بسيطة يشار فيها إلى العلاقات والعمليات بالرموز والجداول والسهام والأقواس والمشجرات وتستثمر فيها الألوان(18).
5 - إن الكفاءة في اختيار مضامين التدريس وتنظيمها لا تضمن استثمارها الجيد داخل القسم. فاختيار المحتوى النحوي وترتيبه بناء على مقاييس علمية ولغوية صارمة لا يعني شيئا إذا لم يتجسد ذلك في طريقة التدريس وتأدية المعلم لها داخل القسم.
وعلى الرغم من أن التجارب الميدانية الحديثة في تدريس أنحاء اللغات الحية خلصت إلى نتيجة مثبطة نوعا ما، مفادها أن التعليميات الحديثة من الوجهة العملية ما زالت بعيدة عن الفصل الحاسم في أفضل طريقة لتدريس مادة النحو، بل الأكثر من ذلك هو أن الشكوك تراود بعض الخبراء حول إمكانية تحقيق ذلك في القريب العاجل(19 )، إلا أن أفضل طريقة تقترحها الديداكتيك على المعلم، هي تلك التي يستخلصها هو بصياغته الشخصية واختياره ومراجعته لها. ومن المؤكد أنه لا يستطيع أن يعلم تعليما فعالا، وأن يختار اختيارا ناجحا دون فهم الأوضاع النظرية المتنوعة، فذلك هو الأساس الذي يمكنه من أن يختار من التنوعات النظرية الكثيرة ( 20).
إن القدرة على الاختيار والتحكم فيه يتطلب معلما من طراز خاص أطلق عليه بعضهم مصطلح "المعلم الباحث" (l’enseignant chercheur)، ولذا بات جليا أنه لا يمكن لأي إصلاح أن يحقق غايته ويبلغ مراميه ما لم يلق تأييدا لدى المكونين الذين يسهرون على تطبيقه في الميدان. ومن أجل ذلك وجب أن تعالج مسألة إعداد المدرسين بالجدية اللازمة، في منظور بعيد المدى لا مجال فيه للحلول المرتجلة أو التخطيط التقريبي، وإلا ما الفائدة من تصميم مناهج حديثة جدا في شكلها وفي محتواها إذا كان المعلم الذي سيكلف بتوصيلها وبتوجيه التلاميذ نحو اكتشاف مضامينها عاجزا عن التعامل معها، يفتقر إلى التأهيل العلمي والبيداغوجي !! والسؤال الذي يطرح نفسه في الأخير: ما هي الشروط الموضوعية التي تساعد على ظهور هذا المعلم الباحث أو ظهور ما يشبهه؟...

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-03-2017 - 03:50 AM ]


الهوامش
1 ) – نذكر على سبيل المثال ندوة تيسير تعليم النحو، نظمها اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية عام 1976، وندوة تيسير النحو المنعقدة في أفريل 2001 نظمها المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر
* للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع راجع كتاب : تطوير مناهج تعليم القواعد النحوية وأساليب التعبير في مراحل التعليم العام في الوطن العربي، د. محمود أحمد السيد، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1987.
2) – للإطلاع على ذلك راجع : ابن مضاء القرطبي :الرد على النحاة. وإبراهيم مصطفى، إحياء النحو. وأمين خولي، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب. ود. تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها. ود. مهدي المخزومي في كتابيه، في النحو العربي، نقد وتوجيه. وفي النحو العربي، قواعد وتطبيق. ود/ محمد عيد، أصول النحو العربي في نظر النحاة ورأي ابن مضاء وضوء علم اللغة الحديث.
3 ) –د. محمد صاري، محاولات تيسير تعليم النحو قديما وحديثا دراسة تقويمية في ضوء علم تدريس اللغات، رسالة دكتوراه مخطوطة، نوقشت بجامعة عنابة، الجزائر 2003.
4 ) – د. عز الدين مجدوب، المنوال النحوي العربي، قراءة لسانية جديدة، دار محمد علي الحامي، ط1، تونس، ص11-48.
5) – المرجع السابق، ص11-48.
6 ) - محمد صاري، تيسير النحو ترف أم ضرورة ؟، مجلة الدراسات اللغوية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المجلد الثالث، العدد الثاني، يوليو-سبتمبر 2001، ص163.
7 ) – د. علي أبو المكارم، النحو التعليمي في خمسة قرون : بحوث لغوية وأدبية، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية 1984. والنحو التعليمي حتى منتصف القرن التاسع الهجري، مجلة معهد اللغة العربية، العدد، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، 1984.
8 ) – د. عبد الرحمن الحاج صالح : مشاكل اللغة العربية والبحوث الميدانية الحديثة.
9) – د. مهدي المخزومي، في النحو العربي، نقد وتوجيه، دار الرائد العربي، ط 2، بيروت 1986، ص15.
10) – كلما توجهت العلامة (X) نحو المركز دلت على تغيير جذري، والعكس صحيح. انظر:
Jean-Pierre Cuq; Une introduction à la didactique de la grammaire en français langue étrangère ; Didier/ Hatier Paris, 1996, P33.
11 ) - Hjelmslev Louis , prolégomènes à une théorie du langage , les éditions de minuit, Paris 1971, P179-180.
12) - عباس محمود العقاد، أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، دار المعارف، ط 2، القاهرة 1970، ص51.
13 ) - د. عيسى الشريفوني، اعتبارات نظرية وتطبيقية في تدريس القواعد لمتعلمي العربية من غير الناطقين بها، المجلد 18، العدد الثاني، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
14 ) - د. علي أحمد مدكور، تدريس فنون اللغة العربية، دار الفكر العربي، 1997، ص335.
15 ) – لمزيد من المعلومات انظر :
- Besse. H / Porquier. R, Grammaires et didactique des langues, L.A.L. , Hatier Didier; 1991.

16 ) - Vigner G, l’exercice en français langue étrangère, étude de linguistique appliquée, n° 48, oct.- déc. 1982, P71.
وانظر مصطلحي (Implicite) و(Explicite) في معجم :
- Galisson R./ Coste D, dictionnaire de didactique des langues, Hachette , Paris 1976.
17) - Besse. H / Galisson. R ; Polémique en didactique , CLE international , Paris 1980, P 213.
18) - François Fréderic, l’enseignement et la diversité des grammaires, Hachette, Paris 1974, P209-219.
17) - Germain Claude / Seguin Hubert, Le point sur la grammaire , CLE international , Paris 1998, P160.
19) - هـ. دوقلاس براون، أسس تعلم اللغة وتعليمها، ترجمة د/ عبده الراجحي ود/ علي علي أحمد شعبان، دار النهضة العربية، بيروت 1994، ص 34.
20) - Besse. H / Galisson. R ; Polémique en didactique , CLE international , Paris 1980, P 131-133.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الاستشارة (140): عن مصادر ومراجع في تيسير النحو العربي ساميه مرشد الباحثين 1 06-18-2018 06:54 AM
تيسير النحو إلى عصر ابن مضاء القرطبى مصطفى شعبان البحوث و المقالات 4 03-26-2017 07:45 AM


الساعة الآن 11:25 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by