جوانب من شاعرية الخنساء
(الحلقة الثانية)
الباحثة فرح الشويخ
قد قيل قديما: إن دستور البلاغة العربية هو كلام القدماء، سواء منهم الرجال أو النساء اللائي كنّ ببلاغتهن يتجاوزن كثيرا من بلاغات الرجال ومحاسن كلامهن تتجاوز أيضا محاسن كلام الرجال، ككلام عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وخطبتها في فضائل أبيها أبي بكر - رضي الله عنه - ورثاءه، وكذلك خطبتها بالبصرة وهي ساعية في الطلب بدم عثمان - رضي الله عنه -(1)، ومنهن الشاعرات اللواتي خضن في كل فن من فنون الشعر حتى كان شعرهن رياحين عطرة وكلامهن باقة مزهرة، واشتهرن شهرة تضاهي شهرة الرجال.
"لقد كانت المرأة العربية، ما تكاد تُسامَى في ارتياد شعاب القول، وعجم أعواده، وكشف فنونه وشؤونه، ودَرْكِ مواطن القوة والضعف فيه، فاغتمرت في حومة البيان قائلة ناقدة. فإن نقدت فنقد القائل الحكيم، أو قالت فقول الناقد العليم. ولَشَدَّ ما أخذت على فحول الرجال مواطن الزلل فيما ابتدعوه وتأنقوا فيه. ولها من دقة النقد، ولطف المأخذ، ونفاذ الإدراك، وحسن البديهة، ما جعل لها في شتات مواقفها الرأي القاطع، والكلمة الفاصلة"(2).ومنهن الخنساء التي تعدُّ من الشعراء الكبار المستشهد بشعرهم في المصادر العربية سواء في كتب النحو أو البلاغة، لما اشتمل عليه شعرها من الفصاحة والبلاغة، ورصين الكلام وجيده وهو ما سنحاول أن نبينه في هذه المقالة، وهي القائلة عندما قيل لها: "«صفي لنا صخراً» ؟ فقالت: «كان مطر السنة الغبراء، وذعاف الكتيبة الحمراء» . قيل: «فمعاوية» ؟ قالت: «حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل» . قيل: « فأيهما كان عليك أحنى» ؟ قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد"، وأنشدت:أَسَدَانِ مُحْمَرَّا المَخَالِبِ نَجْدَةً غَيْثَانِ فِي الزَّمَنِ الغَصُوبِ الْأَعْسَرِقَمَرَانِ فِي النَّادِي رَفِيعَا مَحْتِدٍ فِي المَجْدِ فَرْعَا سُؤْدَدٍ مُتَخَيَّرِ(3)
"لقد كانت المرأة العربية، ما تكاد تُسامَى في ارتياد شعاب القول، وعجم أعواده، وكشف فنونه وشؤونه، ودَرْكِ مواطن القوة والضعف فيه، فاغتمرت في حومة البيان قائلة ناقدة. فإن نقدت فنقد القائل الحكيم، أو قالت فقول الناقد العليم. ولَشَدَّ ما أخذت على فحول الرجال مواطن الزلل فيما ابتدعوه وتأنقوا فيه. ولها من دقة النقد، ولطف المأخذ، ونفاذ الإدراك، وحسن البديهة، ما جعل لها في شتات مواقفها الرأي القاطع، والكلمة الفاصلة"(2).
ومنهن الخنساء التي تعدُّ من الشعراء الكبار المستشهد بشعرهم في المصادر العربية سواء في كتب النحو أو البلاغة، لما اشتمل عليه شعرها من الفصاحة والبلاغة، ورصين الكلام وجيده وهو ما سنحاول أن نبينه في هذه المقالة، وهي القائلة عندما قيل لها: "«صفي لنا صخراً» ؟
فقالت: «كان مطر السنة الغبراء، وذعاف الكتيبة الحمراء» . قيل: «فمعاوية» ؟ قالت: «حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل» . قيل: « فأيهما كان عليك أحنى» ؟
قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد"، وأنشدت:
أَسَدَانِ مُحْمَرَّا المَخَالِبِ نَجْدَةً غَيْثَانِ فِي الزَّمَنِ الغَصُوبِ الْأَعْسَرِ
قَمَرَانِ فِي النَّادِي رَفِيعَا مَحْتِدٍ فِي المَجْدِ فَرْعَا سُؤْدَدٍ مُتَخَيَّرِ(3)
أ- شواهد من شعر الخنساء في كتب البلاغة:
استشهد البلاغيون قديما وحديثا بأشعار الخنساء في مواضع شتى وأبواب كثيرة من أبواب البلاغة وتتوزع شواهد شعر الخنساء بين أبواب البلاغة الثلاثة وهي المعاني والبيان والبديع ومنها:
أولا- المجاز: أمّا المجاز فكلُّ كلمة أريد بها غيرُ ما وقعت له في وَضْع واضعها، لملاحظةٍ بين الثاني والأوّل، فهي مجاز وإن شئت قلت: كلُّ كلمة جُزْتَ بها ما وقعتْ به في وَضْع الواضع إلى ما لم توضع له، من غير أن تستأنف فيها وضعاً، لملاحظةٍ بين ما تُجُوّز بها إليه، وبين أصلها الذي وُضعتْ له فيوضع واضعها، فهي مجاز(4)، وشاهده من شعر الخنساء قولها:
إذا بسط القوم عند الفضال أكفهم تبتغي المحمدَا
وكان ابتِدَارُهُمْ للعُلَى أشار فَمَدَّ إليها يَدَا
فنالَ الذي فَوْق أَيْديهم من المجد ثم انتمى مُصعِدَا(5)
استشهد بالأبيات الجرجاني [تـ: 471أو 474هـ ] في «أسرار البلاغة»(6) في سياق حديثه عن مجاز اليمين واليد وتفصيل القول في بيت الشماخ الشهير:
إذَا مَا رَايةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرابةُ باليمينِ(7)
يقول الجرجاني: "ومما يبيِّن موضوعَ بيت الشمّاخ، إذا اعتبرتَ به، قولُ الخنساء [البيت] إذا رجعت إلى نفسك، لم تجد فرقاً بين أن يمُدَّ إلى المجد يداً، وبين أن يتلقَّى رايته باليمين"(8).
ثانيا- الخبر المعرف أو « لام الجنس»: قال الجرجاني:" وعلم أنكَ تَجد "الأَلف واللامَ" في الخبرِ على معنى الجنسِ، ثم تَرى له في ذلك وجوهاً: أحدهما: أن تَقْصُرَ جنْسَ المعنَى على المُخْبَر عنه لقَصْدِك المبالغةَ، والوجه الثاني: أن تَقْصُرَ جِنسَ المعنى الذي تُفيدُه بالخبرِ على المُخْبرَ عنه، لا على معنى المبالغة وتَرْك الاعتدادِ بوجودهِ في غير المخْبَر عنه، بل على دَعوى أنه لا يُوجَدُ إلا منه. والوجه الثالث: أن لا يَقصد قصْرَ المعنى في جنسِه على المذكورِ"(9)، وشاهده من شعر الخنساء قولها:
إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسنَ الجميلا(10)
استشهد به الجرجاني في «دلائل الإعجاز»(11) وجعله من الوجه الثالث، قال الجرجاني:" لم تُرِدْ أنَّ ما عدا البكاءَ عليه فليس بحَسَنٍ ولا جَميل، ولم تُقّيِّدِ الحَسَن بشيءٍ فيتُصوَّر أن يُقْصَرَ على البقاء، كما قَصَرَ الأعشى هبةَ المائةِ على الممدوح، ولكنها أرادتْ أن تُقِره في جنسِ ما حُسْنُهُ الحُسْنُ الظاهرُ الذي لا يُنْكرهُ أحدٌ، ولا يَشكُّ فيه شاكُّ"(12).
استشهد بالبيت محمد بن علي الجرجاني [تـ: 739هـ] في كتابه «الإشارات والتنبيهات»(13) في سياق حديثه عن التعريف باللام، كما استشهد به القزويني في «الإيضاح» [739هـ] حيث قال:" ثم التعريف بلام الجنس قد لا يفيد قصر المعروف على ما حكم عليه"(14)، ثم ذكر البيت، استشهد به العلوي [تـ: 745هـ] في «الطراز» وعلق على البيت بقوله:" أرادت أن تقرره في جنس الحسن الباهر الذى لا ينكره من أخبر"(15)، واستشهد به أيضا السبكي[تـ: 737هـ] في «عروس الأفراح»(16) ، كما استشهد به السيوطي[تـ: 911هـ] في «شرح عقود الجمان»(17) في نفس الباب، وأورده أيضا ابن عربشاه في «الأطول» حيث يقول:" فإنه ليس المقام طالب اعتبار رأيت بكاءك كل حسن جميل، بل تطلب إثبات الحسن الجميل له؛ إذ تكفل الشرط سلب الحسن عن كل ما عداه"(18).
ثالثا- المجاز الحُكْمِي: قال الجرجاني في تعريف المجاز وبيان المجاز الحكمي الذي عدَّهُ كنزا من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان(19):" اعلم أنَّ طريقَ المجازِ والاتِّساعِ في الذي ذكَرْناه قبلُ، أنَّكَ ذكرتَ الكلمةَ وأنتَ لا تُريد معناها، ولكنْ تُريد معنًى ما هو رِدْفٌ له أو شبيهٌ، فتجوَّزْتَ بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّ في الكلامِ مجازاً على غيرِ هذا السبيلِ، وهو أن يكونَ التجوُّزُ في حُكْم يَجْري على الكلمة فقط، وتكونَ الكلمةُ متروكةً على ظاهرِها، ويكونُ معناها مقصوداً في نفسهِ ومُراداً مِنْ غَير توريةٍ ولا تعريض"(20).
تَرْتَعُ ما رتعَتْ، حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإِدبارُ(21)
استشهد به الجرجاني في «دلائل الإعجاز»(22)، وجعل هذا الشاهد مما طريق المجاز فيه الحكم، يقول:" وذاك أنها لم تُرِدْ بالإِقبال والإِدبارِ غيرَ معناهُما، فتكونَ قد تجوَّزت في نفسِ الكلمةِ، وإنما تجوَّزَتْ في أَنْ جعلَتْها لكثرةِ ما تُقبِلُ وتُدْبِرُ، ولِغَلَبة ذاكَ عليها واتصاله منها، وإنه لم يكن لها حال غيرها، كأنها قد تجسمت من الإقبال والإِدبارِ. وإِنما كان يكونُ المجازُ في نفْس الكلمةِ، لو أنها كانت قد استعارتِ "الإقبالَ والإدبارَ" لمعنىً غيرِ معناهُما الذي وُضعا له في اللغة"(23).
رابعا- الترصيع: وهو أن يعتمد تصيير مقاطع الأجزاء في البيت المنظوم أو الفصل من الكلام المنثور مسجوعة، وكأن ذلك شبه بترصيع الجوهر في الحلي وهذا مما قلنا: إنه لا يحسن إذا تكرر وتوالى لأنه يدل على التكلف وشدة التصنع، وإنما يحسن إذا وقع قليلا غير نافر"(24).
وشاهده من شعر الخنساء قولها:
حامي الحقيقة محمود الخليفة مهـ ديّ الطريقة نفّاع وضرّار
فعّال سامية ورّاد طامية للمجد نامية تعنيه أسفارُ
جوّاب قاصية جزّاز ناصية عقاد ألوية للخيل جرّار
حلو حلاوته فصل مقالته فاش حمالته للعظم جبّار(25)
استشهد بالأبيات أبو هلال العسكري في «الصناعتين» وجعلها من الترصيع الذي كثر حتى ظهر فيه أثر التكلف، حيث يقول:" فمن ذلك ما روي أنه للخنساء:
حامي الحقيقة محمود الخليقة مهـ دىّ الطريقة نفاع وضرّار
هذا البيت جيد؛ ثم قالت:
فعّال سامية ورّاد طامية للمجد نامية تعنيه أسفار
هذا البيت رديء لتبرّئِ بعض ألفاظه من بعض؛ ثم قالت:
جواب قاصية جزّاز ناصية عقّاد ألوية للخيل جرّار
آخر هذا البيت لا يجرَى مع ما قبله، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا؛ ثم قالت:
حلو حلاوته فصل مقالته فاش حمالته للعظم جبّار
وهذا مثل ما قبله"(26).
وقد أورد الباقلاني [تـ: 403هـ] في «إعجاز القرآن» البيتين الأول والثالث وجعلهما من المضارعة وهو ضرب يقارب الترصيع(27).
واستشهد بالبيتين أيضا ابن سنان الخفاجي في «سر الفصاحة» في باب الترصيع في الشعر(28) ، واستشهد بالبيت الأول محمد بن علي الجرجاني في كتابه «الإشارات والتنبيهات»(29) ، وجعله من شواهد السجع في الشعر، كما استشهد بهما العلوي في «الطراز» وجعلهما من الترصيع الناقص(30).
واستشهد بالبيت الأول ابن الأثير في «المثل السائر»(31)، واستشهد بالبيتين معا الباقلاني في «إعجاز القرآن»(32).
وقد أورد القلقشندي البيت الأول في «صبح الأعشى»(33) وجعله من " المرتبة الأولى من السجع وهو أن تكون ألفاظ القرينتين مستوية الأوزان متعادلة الأجزاء ويسمّى التصريع، وهو أحسن أنواع السجع وأعلاها"(34) ، والحق أنه الترصيع وليس التصريع وقد أشار محقق الكتاب إلى ذلك.
كما أورده المراغي في «علوم البلاغة» شاهدا على السجع مع اختلاف في رواية البيتين وهي عند المراغي كالآتي:
حامي الحقيقة محمود الخليفة مهـ ـدي الطريقة نفاع وضرار
جواب قاصية جزار ناصية عقاد ألوية للخيل جرار(35)
خامسا- الكناية: الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذ(36)، وشاهد الكناية من شعرها قولها:
أعيني جودا ولا تجمُدا ألا تبكيانِ لصَخر النَّدى(37)
استشهد بالبيت الهاشمي في «جواهر البلاغة»(38) في باب الكناية، حيث كَنَّتْ بجمود العين عن عدم البكاء حالة الحزن.
ومن شواهدها أيضا في باب الكناية قولها في رثاء أخيها صخر:
رفيعُ العماد، طويلُ النجا د سادَ عشيرته أمردَا(39)
وقد جعله الهاشمي في «جواهر البلاغة» من الكنايات القريبة - وهي ما يكون الانتقال فيها إلى المطلوب بغير واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمعنى المنتقل إليه(40).
سادسا- الغلو: وهو ضرب من البديع والمبالغة قال الباقلاني في «إعجاز القرآن»: "ومن البديع عندهم الغلو والإفراط في الصفة"(41) ، والمقبول منه أصناف : أحدهما: ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة، والثاني: ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، والثالث: ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة(42)، وشاهده من شعر الخنساء قولها في أخيها صخر:
فما بلغت كف امرئ متناولٍ بِهَا المجدَ إلا حَيثُما نلتَ أطولُ
وما بلغ المهدونَ في القول مِدحةً ولا صفةً إلا الذي فيكَ أفضلُ(43)
استشهد به الباقلاني في «إعجاز القرآن» وجعله من شواهد الغلو(44).
سابعا- إثبات الشيء للشيء بنفيه عن غيره: وهو ضرب من المحسنات اللفظية، وشاهده من شعر الخنساء قولها:
فما بلغت كف امرئ متناولٍ بِهَا المجدَ إلا حَيثُما نلتَ أطولُ(45)
استشهد به السبكي في «عروس الأفراح»(46) .
ثامنا- الاستعارة: وهي ما كانت علاقته تشبيه معناه بما وضع له(47)، وشاهدها قول الخنساء تصف أباها وأخاها وقد تسابقا:
جَارَى أبَاه فأقبلاَ وهما يتعَاورَان مُلَاءة الحُضْرِ(48)
أورد الحصري هذا البيت ضمن مقطوعة من ستة أبيات، حيث قال: " يتعاوران ملاءة الحضر أبرع استعارة، وأنصع عبارة"(49).
تاسعا- الإيغال: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها كزيادة المبالغة(50)، وشاهد الإيغال في شعرها قولها:
أغر أبلج تأتم الهداةُ به كأنه علمٌ في رأسه نارُ(51)
أورده العسكري [تـ:395هـ] في الصناعتين حيث يقول:" فقولها: «في رأسه نار» تتميم عجيب؛ قالوا: لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءه"(52).
وبيت الخنساء أيضا من شواهد ابن رشيق[تـ: 463هـ] في «العمدة» في باب الإيغال، وقد جعله من الإيغال الحسن حيث يقول:" فبالغت في الوصف أشد مبالغة، وأوغلت إيغالاً شديداً بقولها " في رأسه نار " بعد أن جعلته علماً، وهو الجبل العظيم"(53).
وقد استشهد به السكاكي [تـ:626هـ ] في «مفتاح العلوم»(54).
واستشهد به ابن الناظم[تـ: 686هـ] في «المصباح» وعلق على البيت بقوله:" أوغلت أشد إيغال بقولها في رأسه نار بعدما جعلته جبلا عاليا مشتهرا بالهداية"(55).
كما استشهد به القزويني[تـ:739هـ] في« الإيضاح» في باب الإيغال فقال:" لم ترض أن تشبهه بالعلم الذي هو الجبل المرتفع المعروف بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا"(56)، وأورده السبكي[تـ:773هـ] أيضا في «عروس الأفراح»(57) نقلا عن الخطيب القزويني.
وقد جعله ابن حجة الحموي[تـ:837هـ] من شواد الإيغال حيث قال:" والذي وقع اتفاق البديعيين عليه: أن أعظم ما وقع في هذا الباب وأبلغ، قول الخنساء أخت صخر:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
فإن معنى جملة البيت كامل دون القافية، فوجدوها زيادة لم تكن له قبلها. وهذه المرأة لم ترض لأخيها أن يأتم به جهال الناس، حتى جعلته يأتم به أئمة الناس، وهذا تتميم. ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه نارًا"(58).
واستشهد به أيضا العلوي في «الطراز» في باب الإيغال، وعلق على البيت بقوله:" فقولها في «رأسه نار» ، من الإيغال الحسن لأنها لم تكتف بكونه جبلا عاليا مشهورا، بل زادت لكثرة إيغالها في مدحه وشهرته بقولها: «في رأسه نار» لما فيه من زيادة الظهور والانكشاف؛ لأن الجبل ظاهر فكيف به إذا كان في رأسه نار، والنار ظاهرة فكيف حالها إذا كانت في رأس جبل"(59)، واستشهد به كذلك الخلخالي في «مفتاح تلخيص المفتاح»(60).
كما أورده ابن عربشاه في «الأطول»(61)، وقد علق عليه الهاشمي في «جواهر البلاغة» بقوله:" فقولها: «كأنه علم» وافٍ بالمقصود، لكنها أعقبته بقولها «في رأسه نار» لزيادة المبالغة"(62).
واستشهد به المراغي[تـ:1371هـ] أيضا في «علوم البلاغة» حيث يقول بعد عرضه البيت:" فقولها: في رأسه نار، من الإيغال الحسن، إذ لم تكتف بأن تشبهه بالعلم الذي هو الجبل المرتفع المشهور بالهداية حتى جعلت في رأسه نارا، لما في ذلك من زيادة الظهور والانكشاف"(63).
عاشرا- التشبيه: وهو دلالة على مشاركة أمر لآخر في معنى(64)، وشاهده من شعرها قولها:
أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علمٌ في رأسه نارُ(65)
استشهد به المبرد [تـ:285هـ] في «الكامل» وجعله من التشبيه المتجاوز المفرط، وعلق عليه بقوله:" فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كنار في رأس علم"(66). استشهد به أيضا أبو إسحاق بن أبي عون [تـ: 322هـ] في « التشبيهات»(67) ، وجعله صاحب «جواهر البلاغة» من تشبيه المفرد بالمركب(68) إلى جانب المراغي في «علوم البلاغة»(69).
ومن شواهد التشبيه أيضا في شعرها قولها:
وقافيةٍ مثلِ حدِّ السنا نِ تبقى ويهلك من قالهَا
نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهلتها ولم ينطقِ الناسُ أمثالهَا(70)
استشهد بالبيتين أبو إسحاق بن أبي عون في « التشبيهات»(71) في باب التشبيهات في الشعر.
أحد عشر - التكرار: للتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه(72)، وشاهده من شعر الخنساء قولها:
وإن صخراً لكافينا وسيدنا وإن صخراً إذا نشتو لنحَّارُ
أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نَارُ(73)
واستشهد بالبيتين ابن رشيق في «العمدة»، قال:" فتكرير اسم الممدوح ههنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع"(74) ثم ذكر البيتين.
واستشهد بهما أيضا حازم القرطاجني في «منهاج البلغاء» يقول حازم:" ولكون إظهار المضمر يصير الكلام مستقلا غير مفتقر إلى ما قبله قد يحتملون ما في التكرار من ثقل، وذلك مثل قول الخنساء:
وإن صخرا لوالينا وسيدنا وإن صخرا إذا نشتو لنحارُ
وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نارُ
ولو قالت وإنه لتأتم الهداة به فأضمرت لكان البيت ناقصا مفتقرا. فإنما أظهرت لفظ صخر ثانيا وثالثا تباعدا بالكلام عن الافتقار، وقصدا لتعديل أقطاره وحسن تفصيله وتقديره. وهذا يعرف مما تقدم. وربما بسط عذر الشاعر في مثل هذا أيضاً كونه يستعذب اسم محبوبه ويريد الإشادة باسم ممدوحه فلا يستثقل ذلك. وهذان أمران لا يحسنان التكرار وإنما يبسطان العذر فيه فقط(75).