mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي في التصحيح اللغوي

كُتب : [ 02-22-2017 - 02:16 PM ]


في التصحيح اللغوي
أ .د.خليل بنيان الحسون
كلية التربية (ابن رشد)- جامعة بغداد
تغير المعاني أرديتها باستمرار, وشأنها في ذلك شأن كل مظهر من مظاهر الحياة يكثر تردده , ويمتد مع الزمان استعماله . فكل رداء إلى بلى إذا تقادم العهد به، وكثر تداوله ، إذ من شأن كثرة الاستعمال أن تستهلك كل شىء حتى الألفاظ فينزع الناس مع مضي الزمن إلى جديد ينأون به عما ملوا سماعه ، وثقل على النفوس وقعه .
وفي اللغة معين لاينضب يمد بالجديد من الألفاظ مددًا وافيًا لما يراد من المعاني ، فضلا عما ينفتح من مسالك التعبير بالاستعمال المجازي.
وإنا لنجد أن لكل قرن من الزمان ألفاظه وأساليبه التي تستجد بعد أن تشيع ألفاظ وأساليب تلقفها الناس من أسلافهم ، ثم يخبو بريقها مع كثرة التردد وتبتذل . وأن الخطأ ليقع في هذا المستجد المستحدث حين لايوضع في موضعه الذي حددته له اللغة ، وقد يكون الخافي من معناه مالايوافق الموضع الذي وضع فيه ، فيستعمل في غير وجهه , إلى أن يقيض الله تعالى له من ينبه على موضع الإخلال في استعماله , ويهدي إلى الوجه السليم فيه ، ويأتي بالبديل المناسب لما يراد أداؤه .
والدليل على ذلك ماشاع استعماله في زماننا هذا ، ثم نبه المصححون على الخطأ فيه ، وهدوا إلى الوجه الصحيح في استعماله ,من نحو استعمال :"استهدفه" بمعنى اتخذه هدفًا و"استلمت الكتاب" بمعنى تسلمته ،و"تعرفت على الأمر"والوجه تعرفته ، و"التقيت به"والصحيح التقيته ، و"لسنا بحاجة إلى ذلك " والأمثل ليست بنا حاجة ، وأمر"هام ورئيسي" دون مهم ورئيس ، وغير ذلك مما هو معروف لكثرة التنبيه عليه .
وقد كف المتوخون للصواب فيما يكتبون عن الوقوع في ذلك مما يظهر مدى جدوى التصحيح إذ إن مايكتب في هذا الشأن لايذهب سدى مع مايذهب من كثير الكلام ، وإنما يحظى بالاستجابة والتقبل والالتزام والتقيد به .
التصحيح اللغوي وأهميته ,
إن الإقرار باختلاف مدارك الناس وتباين أحوالهم مع اختلاف المواطن ، واختلاف مناسبات القول فضلا عن اختلاف مواقع الكلام وتعدد صورها , كل ذلك يلزم بالتسليم بإمكان الوقوع في الخطأ أو اللحن في كل زمان ومكان ،وإن يكن قد مضى دهر من الزمن لم يكن الوقوع في الخطأ يعني أحدا ، ولم يكن ليؤبه به فليس في ذلك ما يدل على أن اللحن لاوجود له البتة وأن الناس لم يكونوا يلحنون.
إن الذين يعصمون كل الناس من الوقوع في اللحن في كل الزمن الذي سبق رصد أمثلتها والتنبيه عليها إنما يردون ذلك إلى أثر السليقة ، فكل الناطقين عندهم كانوا يتكلمون بسليقتهم التي وعت اللغة , وأحكمت كل ما فيها ، وإن كلامهم كلهم كان يجري على رتبة واحدة من الصحة , والاستواء ، سواء في ذلك المجود لما يقول المعني به ، ومن يلقيه على عواهنه دونما تأمل أو تأن، في العارض من شؤونه ، والطارئ من تعامله مع الناس .
نعم إن للسليقة الأثر الأكبر في هذا الشأن ، غير أن ما ينبغي الإقرار به هو أن هذه السليقة لاتكون على مستوى واحد لدى كل الناس على اختلاف مستوياتهم ، وتباين أحوالهم ، في الرضا والغضب ، والصحة والاعتلال وفي مقتبل العمر وفي أواخر أيامه ، وعند صفاء البال ، أو عند انشغاله بالهموم الطارئة التي من شأنها أن تذهل عن التركيز على كل مفاصل الكلام وفواصله على قدر متساو.إن كل قائل كان يتكلم كما يشاء بحسب سليقته , وبمقتضى ما وعاه من السماع فجرى على مثاله ، فإن أخطأ أو خالف فإنما يحمل ذلك على أنه من مفرزات سليقته هو ، أو أنه لغة إن كان من قوم في جهة من الأرض , والسليقة مما يكتسب اكتسابا ، ومما تتفاوت حظوظ الناس منه , ولم يكن في كل موطن علماء يلقون السمع فيسجلون كل ما خالف السوي من كلامهم ، أو ند عنهم .
ولم تكن لهم أصول يرجعون إليها كما يقول ابن جني لتمييز الصحيح من غيره : "إنما دخل هذا النحو في كلامهم لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها ولا قوانين يعتصمون بها , وإنما تهجم طباعهم على ماينطقون به ، فربما استهواهم الشىء فراغوا به عن القصد"( 1).
إن الذين رصدوا أمثلة وشواهد مما اشتمل على اللحن في كلام من حولهم إنما هم الذين كانوا معنيين بهذا الجانب ، ولم يكن ذلك يعني سواهم بشىء .
وآية ذلك إننا لا نجد الآن من سجل خطا لأحد من الناطقين بالعامية في ما يلفظ من القول في كل الوطن العربي ، أو نبه عليه , وليس معنى أنهم كلهم لايخطئون في ما ينطقون به ، وإنما يرجع ذلك إلى أن خطأ أي منهم لايعني أحدا بشىء ، وأنه ليس ثمة أصول يرجع إليها المتكلم أو الناظر في كلامهم بموجبها ، أو يجريه على مقتضى قياسها .
إن ماكان يلقى من النصوص شعرًا أو نثرًا يحفظ سماعًا ، ثم تتلقفه ألسنة الناس و قلوبهم ، وفي خلال ذلك يقوّم إن كان قد شابه شىء من الخطأ أو الخلل ، ويشذب في تداوله بينهم ، حتى يستقيم على الصورة التي يجري عليها السوي من كلامهم .ولا يمكن استبعاد التأثير الجماعي في النص مع عدم وجود مصدر يرجع إليه للتأكد من الأصل في ألفاظه وتراكيبه.
وربما كان أدل دليل على ذلك قول الشاعر المخضرم تميم ابن مقبل :
"إني لأرسل البيوت عوجًا*** فتأتي الرواة قد أقامتها"(2).
إذ تمتحص وتنتخل من خلال مرورها على رواة تتباين حظوظهم من المعرفة بالشعر ، وتختلف أذواقهم في الإحساس بمواطن الحسن والإجادة فيه ، والتحسس بما يشوبه من الخطأ والخلل .
ولعل في اختلاف الروايات للكثير من الأبيات والنصوص ما يومىء إلى هذا الأثر الجماعي في النص ، إذ من المسلم به أن المختزن في الذاكرة لايخرج مع مضي الأيام على ما كان عليه ،مع عدم تسجيله في نص مكتوب ، ولايمكن استبعاد تأثير الراوي فيما يرويه مما يزدحم في قلبه ، فليس هو شريط تسجيل تطبع عليه الكلمات طبعًا ، وإنما هو إنسان بذوق ومشاعر وأحاسيس وهموم وذاكرة تصيب وتخطىء ، ولايمكن أن يبقي ما يرويه على حاله بمنأى عن ذلك كله ، ولديه من اللغة ما يوافق مفردات الأصل ويماثلها.
ولقد اتجهت بواكير الجهود في التصحيح اللغوي إلى رصد مايقع فيه العامة من الجنوح عن السبيل القويم في اللغة ، وذلك حين كان العامة هم الذين يخطئون ،وينحرفون عن النهج السليم في النطق بالألفاظ واستعمالها وحين كانت لغة العامة لاتبعد كثيرًا من اللغة الفصيحة إلا بمقدار ما نبه عليه من الخطأ والخلل اللذين تسربا اليها ، ولم يكن الهدف من ذلك إصلاح لغة العامة، إذ لم يكن يعني هؤلاء مايقوله العلماء في لغتهم وإنما كان الدافع إليه والحافز الحاث عليه هو سلامة اللغة التي يتداولها العلماء والأدباء والفصحاء من الخطباء وغيرهم ، ووقايتها من أن يتسرب إليها شىء من عيوب كلام العامة، وقد كان ينعى على من يجانب الصواب في بعض مايقوله بأنه وقع فيما يقع فيه عامة الناس ودهماؤهم .
وحين وقع ما خشيه العلماء الأوائل , فامتد اللحن والخطأ إلى الخاصة من العلماء والكتاب تخلى المعنيون بالتصحيح والتقويم عن التنبيه على مايقع فيه العامة، فقد اتخذ هؤلاء لأنفسهم لغة تخلت عن أظهر مظاهر العربية، وهو الإعراب، فغدا للناس لغتان:
ـ لغة العامة التي تخففت من كل قيد بمقتضى ماتتطلبه شؤونهم من سرعة التعبير عما يتعاملون به حين لم يعد الإعراب سليقة وطبعًا بل شأنًا لا يتيسر أحكام مواضعه وأوضاعه إلا بعد دراسة ومران ، وقد تسرب إلى هذه اللغة الكثير من ألفاظ الأمم الأخرى التي جمعها الإسلام والحكم معهم ، فهم يتبادلون معهم المنفعة واللغة أيضًا .
ـ ولغة أخرى هي لغة الكتابة بمختلف توجهاتها التي تتوخى التجويد والدقة في الأداء ، ولم يعد الخلفاء والوزراء والولاة يمتلكون مايؤهلهم إلى حسن الأداء فيما يقررون من قررات وأحكام ، فاتخذوا لأنفسهم كتابًا يعبرون عنهم مايريدون أن يقولوه .
وقد كان لكثرة الخلل في لغة العامة وابتعادها المستمر عن اللغة الفصيحة ما صرف المعنيين بالتصحيح اللغوي عن الالتفات إليها، إذ لاسبيل إلى إصلاح لغة بأحكام لغة أخرى ، وإن كانت أصولهما واحدة ، ولم يكن ليعني العامة بشىء أن تصلح لغتهم ، بمقدار ما كان يعنيهم من إصلاح شؤونهم ، وبأية لغة كان كذلك .
وإنه لمن أغرب الأمور في هذا الشأن التواضع على رسم حد فاصل بين ما يقبل من الشواهد التي يستدل بها على الصحيح ، ومايقبل منه .
هذا الحد هو سنة مئة وخمسين للهجرة ، فاتفق على أن يقبل ما قيل قبلها ويستدل به ، ويستبعد عن مجال الاستشهاد كل ما جاء بعدها، ولايؤخذ به في هذا الشأن .
وهو أمر يستثير من دواعي العجب الكثير ، اذ لا دليل على أن كل ما قيل قبل هذا الحد إنما هو من الصحيح السوي ، وأنه قد سلم سلامة مطلقة من الإخلال , وأن كل ما جاء بعده لم يسلم من الوهن و الضعف ، وأنه دون ماسبقه . فاللغة تؤخذ من المتكلمين بها , والمتكلمون بها موجودون على جانبي هذا الحد ، وهم ماضون على مانشؤوا عليه ، ورسخ في وعيهم من اللغة .
ولما كانوا يتلقون اللغة ويترسمون أحكامها عن آبائهم وإخوانهم ومن يعايشهم ويعيشون معهم , ولم تنقطع صلتهم بهم بين هذين الحدين فإن لغة التابعين لهذا الحد إنما هي امتداد للغة من سبقهم ،إذ التواصل مستمر ومتتابع، والكثير من الموروث يستمر على ألسنة الناس مع استمرار اللغة لدى الناطقين بها .
وإذا حصل خروج عن أحكام اللغة بعد ذلك فالأجدر أن ينسب إلى الواقع فيه ، معروفًا أو غير معروف ، ولاينسب إلى الزمن كله بعد هذا الحد .
وآية ذلك أن ماينسب للمولدين من أخطاء بعد هذا التأريخ قليل جدا بالقياس إلى كثرة عدد الشعراء ، ويرجع ذلك إلى ظهور كتب النحو والصرف التي ميزت على نحو دقيق وظاهر ما يصح مما لايصح , وشاعت بين الناس ، وغدت مراجع يستهدي بها الشعراء والكاتبون ، وغدا الخروج على أحكام اللغة وقواعدها التي استقرت مظنة الجهل وشبهة تزري بالنص وبقائله .
ومما يدنو من هذا الحد في غرابته قولهم : إن أول لحن سمع في العراق هو قول القائل "هذه عصاتي"(3) .
كأن أي لحن سواه لم يقع في هذا الموطن على الرغم من اتساع المكان وامتداد الزمان ، وقد برىء الكلام قبل ذلك في هذا الموطن من كل خطأ مماثل أو مخالف ، وكأن القياس الخطأ الذي ينشأ من التقارب الظاهر والتماثل في الألفاظ لم يجد له سبيلا إلى هذه الصياغة حين أجرى ذلك القائل العصا وعصاتي على القنا وقناتي دون أن يتمثل وعيه في العاجل من كلامه وأمره الأفراد في الأولى والجمع في الثانية ، وليس ببعيد أن يكون لفتى وفتاتي من الأثر كذلك مع عدم التثبت في : عصا وعصاتي، ومع كثرة تردده في الإسماع .
إن الحاجة إلى التصحيح اللغوي لم تنقطع في ما سلف , ولن تنتفي أبدا ؛ إذ لايمكن استبعاد الوقوع في الخطأ ممن يتجهون إلى الكتابة في أي وقت ، وذلك لاتساع أحكام اللغة وتعدد وجوهها ، ولتباين المدارك في استيعابها ، ولتعدد مدلولات الألفاظ ، مما يغري باستعمال ألفاظ وصياغات ، يوهم الظاهر من دلالاتها على شىء , وهو بعيد كل البعد عن أصول معانيها .
وإن الوهم في استعمال الألفاظ ليقع أيضًا بسبب التقارب في الدلالة بينها , وذلك مستمر ودائم . ثم إن المتكلمين والكاتبين ليسوا هم العالمين باللغة المتوفرين على دراستها وحدهم ، بل إن العاملين في ميادين العلوم الأخرى يشاركونهم ويضاهونهم في ما يكتبون ويصنفون، أو يزيدون عليهم في ذلك ، وإن احتمال الوقوع في الخظأ من هؤلاء وارد في كل حين .
وثمة أمر آخر وهو أن أسس الدراسة ومقدماتها اختلفت كثيرًا في زماننا هذا عما كانت عليه سابقا , إذ كانت الدراسة في كل الميادين تبتدئ باللغة وآدابها وبالدين ، وهي بدايات ومقدمات وافية وشاملة لكل المحتاج إليه من أحكام اللغة، وبعد أن يستوفي طلاب العلم كل ذلك ينتقلون إلى ميادين العلوم التي يتطلعون إلى التوفر على دراستها، وقد كان هذا شأن مناهج الدراسة لعقود قليلة قريبة، ونشأ عن ذلك أن وجدنا شعراء وأدباء كتابًا وقصاصين من الأطباء والمهندسين ، ومن علماء في تخصصات مختلفة ومن عسكريين ، ولا يكاد يحصل مثل هذا في زماننا لانقطاع صلة الدارسين باللغة منذ بداية توجههم إلى ميادين تخصصاتهم .
ولو تتبعنا ما صنف من الكتب في لحن العامة والكتب التي نبهت على أغلاط الكتاب وغيرهم لوجدنا أنها قد توالت على نحو متتابع ابتداء من كتاب لحن العامة للكسائي حتى آخر كتاب في أيامنا هذه، اذ لايكاد يمضي عقد من الزمان إلا ونجد فيه كتابًا أو أكثر من الكتب التي تعنى بهذا الجانب .
ولعل في هذا القليل الذي ندرجه منها ما يشهد على ذلك وأولها كما هو معروف :
ـ ( لحن العامة ) للكسائي ( ت 188).
ثم :
ـ ( البهاء فيما يلحن فيه العامة ) للفراء(ت207) .
ـ ( ما يلحن فيه العامة ) لأبي عبيدة ( ت 208)
ـ ( ما يلحن فيه العامة ) للأصمعي (ت216) .
ـ (وما خالفت العامة فيه لغات العرب ) لأبي عبيد (ت224).
ـ (مايلحن فيه العامة) لأبي نصر الباهلي (ت 231) .
ـ (إصلاح المنطق) لابن السكيت (ت244) .
ـ (ما يلحن فيه العامة) للمازني (ت249) .
ـ (مايلحن فيه العامة) لأبي حاتم السجستاني( ت255) .
ـ ( النحو ومن كان يلحن من النحويين ) لابن شبه(ت 262).
ـ ( أدب الكاتب ) لابن قتيبة ( ت 276 ) .
ـ ( لحن العامة ) لأبي علي أحمد بن داود الدينوري ( ت 289) .ـ ( الفصيح ) لأبي العباس ثعلب (ت291) .
ولعل في هذا القدر ما يكفي دليلا على ما قلنا .
وقد مضى التصنيف في التصحيح اللغوي في القرون اللاحقة على هذا النحو من التتابع والاستمرار .
وامتدادا لهذا الجهد المتواصل فقد كثر التصنيف اللغوي في القرنين الماضيين كثرة ظاهرة , وكل ذلك إنما يأتي بدافع الغيرة على اللغة ,وتأميلا لأن تجري على سنن السلف في الاستواء والصحة , واستجابة لمقتضى الحاجة بسبب ما يطفو على الأساليب ويطفح عليها فيشينها ، ويزري بها من الأخطاء.
إن التصحيح اللغوي مطلوب دائمًا ، ومحتاج إليه في كل زمان، وله الفضل في تنقية أساليبنا مما يشوبها من الاستعمالات غير الصحيحة.
ولعل أظهر أيادي جهد التصحيح هو ما تحقق من أحكام الاستعمال اللغوي بحيث تظل اللغة على اختلاف العصور لغة واحدة, إذ المؤمل أن يحذو الخالفون حذو أسلافهم في أساليبهم ، وبهذا الجهد الحثيث المتواصل توحدت اللغة على الرغم من تباعد المواطن والأزمنة , فبتنا نقرأ تراثنا القديم ونفهمه بيسر ، ولولا ذلك لتعذر علينا فهمه كما هو الحال في أمم كثيرة من حولنا.
إن لغتنا لغة أمة تتناثر أقاليمها في قارتين، وإلألزم على هذا والأسلم أن تجري في كل أقاليمها على السبيل الذي انتهجه الأسلاف ضمانًا لتوحدها ، وهي في زمن لا تمتلك فيه من أسباب التوحد غير اللغة , ويعضدها الدين الذي ينهض في كل ما فيه على هذه اللغة.
ولا يمكن إغفال ما للمعجمات ، ولاسيما الموسعة منها من الأثر الكبير في مجال التصحيح , إذ هي الموارد والمصادر التي منها يعرف ما يصح وما لايصح ، مما أثبته ومما لم تثبته، وما نبهت على صحته، وما أنكرت استعماله وذلك يرجع لاستيعابها كل ثمار جهود التصحيح على مر العصور .
أن من يتطلع إلى زمن يعصم فيه كل الكتاب والمؤلفين في شتى فنون المعرفة من الوقوع في الخطأ اللغوي إنما هو كمن يتطلع إلى مجتمع يخلو من أخطاء الناس في سلوكهم وتعاملهم ، إذ الخطأ في السلوك كالخطأ في اللغة فكلاهما ينطوي على خروج على عرف : عرف اجتماعي أو عرف لغوي .
وإذا كان من غير الممكن أن يكون كل الكتاب على مستوى واحد في معرفة اللغة ؛ المتخصص بعلومها ، والمتخصص بعلوم أخرى من العلماء الكاتبين فإنه من المستبعد جدًّا انتفاء الوقوع في الخطأ مع الاستمرار ، في كل الكتابة في كل وقت .
إن من الكتاب من يضيقون بملاحقة العلماء المصححين لهم ، معقبين على ما ينشئون بالتخطي والتصحيح ، فيعدونهم حاجرين عليهم ما شاع بين الناس من الأساليب والاستعمالات ، وليس في التصحيح اللغوي حاجر أو تقييد أو إلزام . إذ إن قوام ما يهدف إليه المصححون أن ينبهوا على الاستعمال غير الصحيح الذي لاينهض على أصل في اللغة ، ولا تقره المعجمات . وهم يضعون بإزائه الاستعمال الصحيح المؤيد بالدليل وبالشاهد ، ويتركون الأمر بعد ذلك لمن اطلع عليه ، فمن شاء أخذ به ومن شاء أعرض عنه . ومن دل على القول الأسلم والأقوم ، ودفع عما دونه لايعد حاجزًا أو مقيدًا بحال .

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-22-2017 - 03:33 PM ]


وليس يضير الداعين إلى التصحيح إعراض من يعرض عما نبهوا على بعده من الصواب ، وافتقاره إلى ما يبيح استعماله من الدلائل والشواهد .
وإذا كانت الحاجة إلى التصحيح اللغوي قائمة ولازمة في كل حين فإنها في زماننا هذا ألزم وأوجب ، إذ غدا الوقوع في الخطأ أفشى وأشيع مما كان عليه في كل العهود السابقة .
وذلك للأسباب الآتية :
1) اتساع مجال الكتابة السريعة فيما يتمثل في الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام ، ولما كانت هذه الوسائل تمثل مظهرًا ثقافيًّا معتبرًا غدا ما ينشر فيها محظيًّا بالثقة والتقبل، فيؤتم به وينهج نهجه ، ثم إن ما ينشر في هذه الوسائل ليس بالقليل ، وإنما هو الفيض الوافر يحيط بالقارئ والسامع من كل جانب , ويهجم عليه هجومًا في كل حين ، فيكتسب كل ما خالف الصواب مع كثرة تردده القبول والاستقرار في الأذهان والأسماع.
2)إن الكثيرين ممن يتجهون إلى الكتابة في هذه الوسائل السريعة تنهض أساليبهم على ما يستقر في أذهانهم مما يقرؤونه فيها، وقل من هؤلاء من يتجه إلى منابع اللغة ومواردها الأصيلة لإثراء لغته وتقويم أسلوبه . منتهى همته أن يحذو حذو هذا المكتوب المنشور في هذه الوسائل، إذ لايراوده شىء من الشك في صحة كل ما يرد فيها، وهو قريب، وفي متناول الأيدي والأسماع في كل حين .
3)إن طائفة كبيرة ممن يكتبون استمدوا علومهم مما هو مكتوب في اللغات التي اتجهت دراساتهم إليها، وإن هؤلاء لايمتلكون من المتاع اللغوي سوى النزر اليسير مما وعوه في مراحل الطلب الأولى، وإن من هؤلاء من يتجه إلى الكتابة والتأليف فيما يتخصص به، أو يقوم بترجمة ما يراه ضروريًّا في مجال تخصصه بالمتاع القليل الذي وعاه من اللغة . فليس مستبعدًا أن يكثر الخطأ , والبعد من الاستعمال السليم فيما يكتبون أو يترجمون . إذ مع الحرص على الاقتراب الشديد من النص المترجم ، والسير بمحاذاته يكون البعد عما يتسم به الأسلوب السوي السليم في اللغة العربية .
4)إن الكثيرين ممن يكتبون قد بلغوا درجات عليا، ومراتب كبيرة في ميادين تخصصهم , فتكتسب أخطاؤهم قبولا واعتبارًا بتأثير ما بلغه منهم من الرتبة فيها، وإن كانوا هم في مستوى دون ذلك فيما لديهم من اللغة ، ومن معرفة أحكامها ، وما يصح وما لايصح ، فيأتم بهم من دونهم في الكثير مما يصدر عنهم ، ومن هذا السبيل يستمر الوقوع في الخطأ ويشيع .
5) إن بوادر الإبداع تبدو لدى كثير من المبدعين مبكرًا ، ويدفعهم إغراء النشر إلى إظهار نتاجهم قبل أن يكتمل نضجه بما يستزيدونه من الثقافة والعلم ، ثم ينطلقون بالمتاع القليل الذي تزودوا به منها إلى الآفاق الواسعة التي يمتد إليها إبداعهم ، وربما قادهم ذلك إلى استعمال ما لم يتوثقوا من صحته من الألفاظ والتراكيب,ثم تزديهم أسماؤهم ، ورسوخ أقدامهم فيما يكتبون فيصرفهم ذلك عن التوجه إلى الاستزادة من معرفة اللغة ، وإدراك ما هم محتاجون إليه من معرفة أحكامها.
ولو تتبعنا جهود التصحيح لوجدنا أن كبار الشعراء والأدباء قديمًا وحديثًا لم يسلموا من رد المصححين لما وقعوا فيه من مخالفة الاستعمال الأقوم والأسلم في اللغة .
وفي مقابل هذا كله فإنه مما ينبغي مراعاته والتنبه له إنما هو التزام الحذر من تقبل كل ما يفتي به المصنفون في اللحن من قبل والمصححون من بعد ، إذ إن هؤلاء وأولئك قد وقعوا في كثير مما شان جهودهم وعابها ، وذلك حين أقدموا على تخطئة ما هو صحيح ومنعوا استعماله ، ولاشك أن الخطأ دون الصحيح ، فكلاهما مجحف باللغة مؤد إلى اطراح ما صح فيها وإلى الانحراف عما سلم واستقام منها .
إن التصدي للتصحيح اللغوي ينطوي على قدر كبير من المجازفة، إذ ليس من اليسير أن يمنع مانع بناء أو دلالة للفظ, أو تركيبًا لغويًّا معتمدًا على ما تناهى إليه من العلم، أو ما توافر لديه من الشواهد والدلائل . فاللغة باتساعها مكانًا وزمانًا ، وبثراء تراثها ليس من السهل الإحاطة بكل دقائقها إحاطة تامة، ومن هنا فقد رافق جهد التصحيح جهد آخر هو متابعة ما يقرره المصححون في جهتي الإنكار والقبول، إذ تكشف بعد التقصي والمتابعة أن التصحيح نفسه محتاج إلى تصحيح ، فلم يتهيأ لكثير ممن صنفوا في التصحيح اللغوي تقبل الناس لكل ما أنكروه وقضوا بمنعه ابتداء من الحريري صاحب درة الغواص في أوهام الخواص وانتهاء بآخر من عني بذلك في زماننا
أصول وضوابط: وعلى هذا فثمة أصول وضوابط يلزم التقيد بها ومراعاتها في مجال التصحيح ، وهي :
ـ إن ما خالف القياس في نظائره وشاع استعماله في اللغة لا سبيل إلى إنكاره، إذ إن رسوخه في الاستعمال يكسبه قوة وقبولا ، وهذا ما نص عليه سيبويه وأبو الفتح ابن جني .يقول سيبويه " ولو قالت العرب : اضرب أيّ أفضل لقلته ، ولم يكن بد من متابعتهم" (4).
ويقول ابن جني " واعلم أن الشىء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد فيه نفسه" (5).
وإلا فإن التقيد بالقياس ونبذ ما خالفه إنما يؤديان إلى الوقوف أمام ألفاظ قرآنية جاءت مخالفة للقياس، نحو: "استحوذ" و"أحاديث" و"شعراء" جمعين لحديث وشاعر , فإن فعيلا لايجمع على أفاعيل، وفاعلا لا يجمع على فعلاء فيما اطرد من القياس .
وبمقتضى ذلك لا وجه لانكار من ينكر جمع حاجة على حوائج فهو وإن لم يكن له حظ من القياس فان له نصيبًا وافرًا من السماع.
ـ إن منع استعمال ما بحجة عدم وروده في القرآن إنما هو تشدد لا موجب له ، فليس لأحد أن يقول إن القرآن استوعب كل مانطق به العرب، وإن غير الموجود فيه لا وجود له.
نعم إن القرآن اشتمل على الأعلى والأقوى والأقوم ، وذلك لا ينفي عدم وجود سواه في اللغة.
ومن اللغويين من أنكر إلحاق لفظة( زوج) بالتاء وحجته أنها جاءت في القرآن معراة منها في المواضع التي تضمنتها، وجاء جمعها فيه على أزواج دون زوجات.
وذلك لا يمنع من تأنيثها بالتاء لورود شواهد معتبرة لها وقد وقع في هذا النحو من التشدد عدد من اللغويين قديمًا وحديثًا .
ـ إن ما ينكره عالم من العلماء, ويفتي بمنع استعماله لأن العرب لم تتكلم به ينبغي أن تؤخذ فتواه في هذا الشأن بحذر من جهتين :
• من جهة ان انفراده بذلك ليس دليلا على انه تملك من العلم في هذه المسألة مالم يتملكه غيره من العلماء ، وانه استوعب التراث كله في كل العصور، وفي كل المواطن فلم يجد ماانكره .
•ومن جهة أن عدم تكلم العرب به لا يلزم بإنكاره البتة ، وإلا فلو تقيدنا بذلك للزمنا أن ننكر كل المعرب والمولد والدخيل ، وكل هذا لم يتكلم به العرب قبل تعريبه وتوليده وإدخاله في اللغة .
وهم لم يضعوا حدًّا زمنيًا محددًا لايمكن تجاوزه لما يقبل من المعرب والمولد والدخيل .
ـ إن الاحتكام إلى المعجمات فيما يصح استعماله وما لايصح لا يجري دائمًا فإن هذه المعجمات كلها ابتداء من ( العين) حتى (تاج العروس) للسيد محمد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة (1205هـ) لم تستوعب كل المسموع , وكل الوارد في النصوص الشعرية والنثرية المعتبرة وقد استدرك المستدركون على معجماتنا كلها الكثير من الأبنية بدلالات أخلت بها .
ـ إن ما ثبت استعماله في مصنفات علماء اللغة الكبار والأدباء والشعراء المبرزين والمبدعين منذ القرن الثاني الهجري وما بعده لا سبيل إلى إنكاره، إذ إن من يمنع استعمالا ورد في كتاب سيبويه ينبغي أن يكون في رتبة سيبويه، وفي زمنه لكي يحق له ذلك.
وإن من ينكر لفظًا في دلالة أو بناء أو تركيبًا في صياغة اشتملت عليها كتب المبرد والجاحظ وابن جني وأبي حيان التوحيدي وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري ، وغيرهم ممن بلغ المنزلة التي تبوأها كل من هؤلاء في ميدانه يحسن به أن يحجم عن ذلك ، وأن يتهيب الإقدام عليه، فإنه إنما يقع في شبهة إيهام الناس بأنه أعلم منهم جميعًا في اللغة حينما يصحح لهم ما يراهم قد أخطؤا فيه, وليس ذلك من الحكمة في شىء .
إن تقديم احتمال أنهم مخطئون وترجيحه على احتمال أنهم إنما يستعملونه عن تثبت وتيقن بصحته، وأنهم يمتلكون الدلائل والشواهد التي تعضد استعماله لا وجه له، ولا دليل عليه.
وآية ذلك أننا وجدنا إعلامًا من المصححين في زماننا قد تقبلوا وأنكروا اعتمادًا على ما جاء في كتابات العماد الأصبهاني ومحيي الدين بن عربي والشهرستاني صاحب الملل والنحل وابن خلدون وغيرهم .
ـ أن ما خالف أصل دلالته في الاستعمال يحسن أن يحمل على أنه من قبيل التطور الدلالي، إن كان ثمة وشيجة على نحو ما بين ما كان يؤديه في الأصل ، وما آلت إليه دلالته في الاستعمال ، ولاسيما إذا كان هذا الاستعمال يمتد إلى عهود سابقة، إذ ليس بأيدينا ما يحملنا على الاطمئنان إلى أن ذلك ناشئ عن خطأ في الاستعمال ، واستبعاد أن يكون ناجمًا عن قصور في الوصول إلى أصل ما تتسع إليه دلالته في اللغة, أو أن يرد ذلك إلى عدم العثور على الشاهد الذي أجرى استعماله على النحو الذي يبدو فيه مباينًا لأصل دلالته.
أن من المانعين من يغريه ما يستهويه من المنع فيمضي في ذلك إلى حد الوقوف دون المجاز وما يمتد إليه، فإن من هؤلاء من منع استعمال أنتج واستنتج فيما هو شائع من استعمالهما في زماننا ، لأن معنى أنتج ناقته : أولدها ، ولما كان ذلك متصلا بالناقة ، فلا يصح عنده استعماله خلافا لهذا الأصل .
وذكر الأب انستاس الكرملي في (المساعد) أن من منع استنتج ألزم الناس استعمال : استنبط واستخلص وذكر أنه مضى على منع استنتج في ما شاع من استعماله زمنًا ثم رجع عن ذلك .
وقد تناهى إلي أن بعض المانعين ما زال ملتزمًا منع أنتج واستنتج في غير الناقة ، وهذا يشي بعدم إدراك ما يتسع إليه المجاز من الاستعمالات، فنحن نقول مثلا : أثمرت جهودنا ، وليس ثم شجرة في الجهود ، والأجدر أن يتذكر هذا القبيل من المانعين أننا نجد في القرآن للذل جناحا ، ونجد فيه أن الخوف والجوع مما يلبس ومما يذاق أيضًا .
ـ أن ما يجدر التنبه له في هذا الشأن هو أنه ليس كل ما يوصى بوضعه موضع المستعمل المخالف للصواب مما يمكن أن يحظى بالقبول؛ إذ إن كثرة استعمال اللفظ تجعله مأنوسًا فتألفه الألسن والأسماع ، وتمضي على إثباته في مواضعه، بخلاف البديل الذي يبدأ غريبًا عند تقديمه على أنه الأصح والأسلم وعلى هذا ينبغي أن يكون اللفظ البديل في صيغة تيسر حلوله محل اللفظ المعدول عنه، وإذا لم يكن كذلك فإن اللفظ الذي يراد إبعاده أحظى بالقبول وأجرى في الاستعمال .
ولعل في هذا ما يفسر استقرار ألفاظ مثل : الفلسفة والفهرست والبرنامج والنموذج والديمقراطية في الاستعمال دون بدائلها ، ولهذا لم يحظ ما دعا اليه الدكتور مصطفى جواد بنصيب من التقبل حين أوصى بإحلال المستشرف او الروشن موضع الشرفة من الدار ، التي هي بوزن الغرفة وبخفتها وبحروفها، ثم هي فضلا عن ذلك تمت إليها بصلة قرابة في الموضع .
ولم يلتفت أيضا إلى إيصائه بإحلال البهرجة والمبهرج موضع التهريب والمهرب .
ـ إن ميادين الكتابة والبحث متعددة و متباينة، وتعددها وتباينها يلزمان بالإقرار بأنها على مراتب بحسب توجهاتها وما تهدف اليه . فلا يلزم من يكتب في العلوم البحتة: الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب وغيرها من العلوم التي تتوخى الإفهام من أي سبيل بالكتابة متقيدًا بما يتقيد به عالم اللغة ، والكاتب في الإبداع الأدبي النثري والشعري .وأننا لنلمح في كتابات أسلافنا من اللغويين مواقف في هذا الشأن يستشف منها أنهم يسلمون بما يستعمله غيرهم مما لايرتضونه ، إذ نجد منهم من يعقب على بناء ينكره في دلالة ، أو في تركيب بالقول : والمتكلمون يقولونه ، أو هذا غير وارد والفقهاء يستعملونه .
وعلى هذا بوسعنا أن نتقبل من القانونيين إدخالهم (أل) التعريف على لفظة(غير) لأن في القانون العراقي مادة تتعلق بـ ( حقوق الغير ) فهي علم على ما وضعت له .
وأن نتقبل ممن يكتب في الكيمياء وغيرها من العلوم أن يعطف على المضاف قبل المضاف إليه ، حين يقول : كبريتات الكالسيوم ، فهو أجرى لديه من القول، كبريتات الكالسيوم وألوميناته .
ومثل هذا وارد في كلام العرب نثرًا و شعرًا ، فقد قال قائل منهم "قطع الله يد ورجل من قالها ".
وقال الفرزدق :
يا من رأى عارضا اسرّ به
بين ذراعي وجهة الاسد (6)
فلا ضير إذن في أن يغضى عن استعمال المرجوح دون الأرجح في هذه الميادين ما دام ذلك أدنى للهدف المتوخى، وهو الإفهام، وأقرب إليه . شرط أن تتقيد هذه الإباحة بالحدود الفاصلة بين ما هو صواب وما هو خطأ ، فلاتتجاوزها بحال .
وفي مقابل ذلك لابد من التشدد بمنع هذا الضرب من التعبير في الأساليب الأدبية، إذ لا يصح القول : نظرت في أغراض ومعاني شعر المتنبي, فهي صياغة نابية في هذا المقام ، لعدم تنوين المعطوف عليه ولا وجه لذلك . وتنوينه لا يؤدي المراد ويخل بالصياغة، فيلزم لذلك تخطئتها وإنكارها، وتبرئة الأساليب الأدبية واللغوية منها، لمخالفتها ما تقرر فيها من أحكام اللغة.
وإذا كان اللغويون جميعًا مسلمين بأن ما انتهى إلينا من السماع المعتبر للاستشهاد إنما هو القليل المحدود بالقياس إلى ما ضاع منه ، وأن ما التقط منه إنما هو ثمار جهود فردية لطائفة محدودة من علماء اللغة ، مما تيسر لهم التردد فيه من المكان ، ولم يكن ذلك مفتوحًا على كل مواطن اللغة ، وإنما هو مكان محدود بما عد من مواطن الفصاحة .
ولم يسلم الزمان مما يحدده ، إذ قيد بحجبّ كل ما جاء بعده، وإخراجه من الاعتبار في مجال الاستشهاد .
لهذا كله فإن الناظر في اللغة يجد نفسه ملزمًا أن يقتصر نظره على ما تيسر من تراث لغوي من بين ما ضاع منه لبعده وقدمه ، وما استبعد عن الاستشهاد لحداثته وتأخره.
وعلى الرغم من هذا كله نجد اللغويين الذين رصدوا ما عدوه لحنًا ونبهوا على الوجه الصحيح فيه ، ومن جاء بعدهم من الذين صنفوا كتبًا في اللحن والتصحيح اللغوي يقدمون على التلحين والتصحيح دون أن يستوفوا النظر في كل ما تيسر من التراث المقبول للاستشهاد المستخلص من بين الضائع والمستبعد ، ودون الأخذ بنظر الاعتبار أن قدرًا مما يرد في الاستعمال ويبدو مخالفًا لما هو صحيح لايعدم الدليل أو الشاهد الذي أجراه على ألسنة الناس وعلى أسلات أقلامهم ، وإذا كان ذلك غير معروف فلسنا نملك الدليل على أنه غير موجود .

الهوامش:

(1) الخصائص 30/373.
(2) مجالس ثعلب : 2/ 418.
(3) لسان العرب : 19 / 294 .
(4) سيبويه :2/ 402 .
(5) الخصائص : 1/ 99 .
(6) كتاب سيبويه : 1/ 180 .

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
ريمه الخاني
عضو جديد
رقم العضوية : 1524
تاريخ التسجيل : Mar 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 25
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

ريمه الخاني غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-30-2020 - 10:44 AM ]


بارك الله بكم وبجهودكم العامرة بالخير.


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مراجعات في التصحيح اللغوي مصطفى شعبان البحوث و المقالات 7 04-10-2018 03:12 PM
دورة مهارات التصحيح اللغوي بمركز التدريب اللغوي بدار علوم القاهرة شمس أخبار ومناسبات لغوية 1 03-08-2018 09:27 AM
مراجعات في التصحيح اللغوي مصطفى شعبان البحوث و المقالات 8 09-20-2016 08:08 AM
من جديد الكتب: التصحيح اللغوي ومباحثه: دراسة في منهج أحمد مختار في معجم الصواب اللغوي مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 1 06-21-2016 08:58 AM
التصحيح اللغوي د.ضياء الجبوري دراسات وبحوث لغوية 0 02-06-2016 10:25 PM


الساعة الآن 09:05 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by