في التصحيح اللغوي
أ .د.خليل بنيان الحسون
كلية التربية (ابن رشد)- جامعة بغداد
تغير المعاني أرديتها باستمرار, وشأنها في ذلك شأن كل مظهر من مظاهر الحياة يكثر تردده , ويمتد مع الزمان استعماله . فكل رداء إلى بلى إذا تقادم العهد به، وكثر تداوله ، إذ من شأن كثرة الاستعمال أن تستهلك كل شىء حتى الألفاظ فينزع الناس مع مضي الزمن إلى جديد ينأون به عما ملوا سماعه ، وثقل على النفوس وقعه .
وفي اللغة معين لاينضب يمد بالجديد من الألفاظ مددًا وافيًا لما يراد من المعاني ، فضلا عما ينفتح من مسالك التعبير بالاستعمال المجازي.
وإنا لنجد أن لكل قرن من الزمان ألفاظه وأساليبه التي تستجد بعد أن تشيع ألفاظ وأساليب تلقفها الناس من أسلافهم ، ثم يخبو بريقها مع كثرة التردد وتبتذل . وأن الخطأ ليقع في هذا المستجد المستحدث حين لايوضع في موضعه الذي حددته له اللغة ، وقد يكون الخافي من معناه مالايوافق الموضع الذي وضع فيه ، فيستعمل في غير وجهه , إلى أن يقيض الله تعالى له من ينبه على موضع الإخلال في استعماله , ويهدي إلى الوجه السليم فيه ، ويأتي بالبديل المناسب لما يراد أداؤه .
والدليل على ذلك ماشاع استعماله في زماننا هذا ، ثم نبه المصححون على الخطأ فيه ، وهدوا إلى الوجه الصحيح في استعماله ,من نحو استعمال :"استهدفه" بمعنى اتخذه هدفًا و"استلمت الكتاب" بمعنى تسلمته ،و"تعرفت على الأمر"والوجه تعرفته ، و"التقيت به"والصحيح التقيته ، و"لسنا بحاجة إلى ذلك " والأمثل ليست بنا حاجة ، وأمر"هام ورئيسي" دون مهم ورئيس ، وغير ذلك مما هو معروف لكثرة التنبيه عليه .
وقد كف المتوخون للصواب فيما يكتبون عن الوقوع في ذلك مما يظهر مدى جدوى التصحيح إذ إن مايكتب في هذا الشأن لايذهب سدى مع مايذهب من كثير الكلام ، وإنما يحظى بالاستجابة والتقبل والالتزام والتقيد به .
التصحيح اللغوي وأهميته ,
إن الإقرار باختلاف مدارك الناس وتباين أحوالهم مع اختلاف المواطن ، واختلاف مناسبات القول فضلا عن اختلاف مواقع الكلام وتعدد صورها , كل ذلك يلزم بالتسليم بإمكان الوقوع في الخطأ أو اللحن في كل زمان ومكان ،وإن يكن قد مضى دهر من الزمن لم يكن الوقوع في الخطأ يعني أحدا ، ولم يكن ليؤبه به فليس في ذلك ما يدل على أن اللحن لاوجود له البتة وأن الناس لم يكونوا يلحنون.
إن الذين يعصمون كل الناس من الوقوع في اللحن في كل الزمن الذي سبق رصد أمثلتها والتنبيه عليها إنما يردون ذلك إلى أثر السليقة ، فكل الناطقين عندهم كانوا يتكلمون بسليقتهم التي وعت اللغة , وأحكمت كل ما فيها ، وإن كلامهم كلهم كان يجري على رتبة واحدة من الصحة , والاستواء ، سواء في ذلك المجود لما يقول المعني به ، ومن يلقيه على عواهنه دونما تأمل أو تأن، في العارض من شؤونه ، والطارئ من تعامله مع الناس .
نعم إن للسليقة الأثر الأكبر في هذا الشأن ، غير أن ما ينبغي الإقرار به هو أن هذه السليقة لاتكون على مستوى واحد لدى كل الناس على اختلاف مستوياتهم ، وتباين أحوالهم ، في الرضا والغضب ، والصحة والاعتلال وفي مقتبل العمر وفي أواخر أيامه ، وعند صفاء البال ، أو عند انشغاله بالهموم الطارئة التي من شأنها أن تذهل عن التركيز على كل مفاصل الكلام وفواصله على قدر متساو.إن كل قائل كان يتكلم كما يشاء بحسب سليقته , وبمقتضى ما وعاه من السماع فجرى على مثاله ، فإن أخطأ أو خالف فإنما يحمل ذلك على أنه من مفرزات سليقته هو ، أو أنه لغة إن كان من قوم في جهة من الأرض , والسليقة مما يكتسب اكتسابا ، ومما تتفاوت حظوظ الناس منه , ولم يكن في كل موطن علماء يلقون السمع فيسجلون كل ما خالف السوي من كلامهم ، أو ند عنهم .
ولم تكن لهم أصول يرجعون إليها كما يقول ابن جني لتمييز الصحيح من غيره : "إنما دخل هذا النحو في كلامهم لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها ولا قوانين يعتصمون بها , وإنما تهجم طباعهم على ماينطقون به ، فربما استهواهم الشىء فراغوا به عن القصد"( 1).
إن الذين رصدوا أمثلة وشواهد مما اشتمل على اللحن في كلام من حولهم إنما هم الذين كانوا معنيين بهذا الجانب ، ولم يكن ذلك يعني سواهم بشىء .
وآية ذلك إننا لا نجد الآن من سجل خطا لأحد من الناطقين بالعامية في ما يلفظ من القول في كل الوطن العربي ، أو نبه عليه , وليس معنى أنهم كلهم لايخطئون في ما ينطقون به ، وإنما يرجع ذلك إلى أن خطأ أي منهم لايعني أحدا بشىء ، وأنه ليس ثمة أصول يرجع إليها المتكلم أو الناظر في كلامهم بموجبها ، أو يجريه على مقتضى قياسها .
إن ماكان يلقى من النصوص شعرًا أو نثرًا يحفظ سماعًا ، ثم تتلقفه ألسنة الناس و قلوبهم ، وفي خلال ذلك يقوّم إن كان قد شابه شىء من الخطأ أو الخلل ، ويشذب في تداوله بينهم ، حتى يستقيم على الصورة التي يجري عليها السوي من كلامهم .ولا يمكن استبعاد التأثير الجماعي في النص مع عدم وجود مصدر يرجع إليه للتأكد من الأصل في ألفاظه وتراكيبه.
وربما كان أدل دليل على ذلك قول الشاعر المخضرم تميم ابن مقبل :
"إني لأرسل البيوت عوجًا*** فتأتي الرواة قد أقامتها"(2).
إذ تمتحص وتنتخل من خلال مرورها على رواة تتباين حظوظهم من المعرفة بالشعر ، وتختلف أذواقهم في الإحساس بمواطن الحسن والإجادة فيه ، والتحسس بما يشوبه من الخطأ والخلل .
ولعل في اختلاف الروايات للكثير من الأبيات والنصوص ما يومىء إلى هذا الأثر الجماعي في النص ، إذ من المسلم به أن المختزن في الذاكرة لايخرج مع مضي الأيام على ما كان عليه ،مع عدم تسجيله في نص مكتوب ، ولايمكن استبعاد تأثير الراوي فيما يرويه مما يزدحم في قلبه ، فليس هو شريط تسجيل تطبع عليه الكلمات طبعًا ، وإنما هو إنسان بذوق ومشاعر وأحاسيس وهموم وذاكرة تصيب وتخطىء ، ولايمكن أن يبقي ما يرويه على حاله بمنأى عن ذلك كله ، ولديه من اللغة ما يوافق مفردات الأصل ويماثلها.
ولقد اتجهت بواكير الجهود في التصحيح اللغوي إلى رصد مايقع فيه العامة من الجنوح عن السبيل القويم في اللغة ، وذلك حين كان العامة هم الذين يخطئون ،وينحرفون عن النهج السليم في النطق بالألفاظ واستعمالها وحين كانت لغة العامة لاتبعد كثيرًا من اللغة الفصيحة إلا بمقدار ما نبه عليه من الخطأ والخلل اللذين تسربا اليها ، ولم يكن الهدف من ذلك إصلاح لغة العامة، إذ لم يكن يعني هؤلاء مايقوله العلماء في لغتهم وإنما كان الدافع إليه والحافز الحاث عليه هو سلامة اللغة التي يتداولها العلماء والأدباء والفصحاء من الخطباء وغيرهم ، ووقايتها من أن يتسرب إليها شىء من عيوب كلام العامة، وقد كان ينعى على من يجانب الصواب في بعض مايقوله بأنه وقع فيما يقع فيه عامة الناس ودهماؤهم .
وحين وقع ما خشيه العلماء الأوائل , فامتد اللحن والخطأ إلى الخاصة من العلماء والكتاب تخلى المعنيون بالتصحيح والتقويم عن التنبيه على مايقع فيه العامة، فقد اتخذ هؤلاء لأنفسهم لغة تخلت عن أظهر مظاهر العربية، وهو الإعراب، فغدا للناس لغتان:
ـ لغة العامة التي تخففت من كل قيد بمقتضى ماتتطلبه شؤونهم من سرعة التعبير عما يتعاملون به حين لم يعد الإعراب سليقة وطبعًا بل شأنًا لا يتيسر أحكام مواضعه وأوضاعه إلا بعد دراسة ومران ، وقد تسرب إلى هذه اللغة الكثير من ألفاظ الأمم الأخرى التي جمعها الإسلام والحكم معهم ، فهم يتبادلون معهم المنفعة واللغة أيضًا .
ـ ولغة أخرى هي لغة الكتابة بمختلف توجهاتها التي تتوخى التجويد والدقة في الأداء ، ولم يعد الخلفاء والوزراء والولاة يمتلكون مايؤهلهم إلى حسن الأداء فيما يقررون من قررات وأحكام ، فاتخذوا لأنفسهم كتابًا يعبرون عنهم مايريدون أن يقولوه .
وقد كان لكثرة الخلل في لغة العامة وابتعادها المستمر عن اللغة الفصيحة ما صرف المعنيين بالتصحيح اللغوي عن الالتفات إليها، إذ لاسبيل إلى إصلاح لغة بأحكام لغة أخرى ، وإن كانت أصولهما واحدة ، ولم يكن ليعني العامة بشىء أن تصلح لغتهم ، بمقدار ما كان يعنيهم من إصلاح شؤونهم ، وبأية لغة كان كذلك .
وإنه لمن أغرب الأمور في هذا الشأن التواضع على رسم حد فاصل بين ما يقبل من الشواهد التي يستدل بها على الصحيح ، ومايقبل منه .
هذا الحد هو سنة مئة وخمسين للهجرة ، فاتفق على أن يقبل ما قيل قبلها ويستدل به ، ويستبعد عن مجال الاستشهاد كل ما جاء بعدها، ولايؤخذ به في هذا الشأن .
وهو أمر يستثير من دواعي العجب الكثير ، اذ لا دليل على أن كل ما قيل قبل هذا الحد إنما هو من الصحيح السوي ، وأنه قد سلم سلامة مطلقة من الإخلال , وأن كل ما جاء بعده لم يسلم من الوهن و الضعف ، وأنه دون ماسبقه . فاللغة تؤخذ من المتكلمين بها , والمتكلمون بها موجودون على جانبي هذا الحد ، وهم ماضون على مانشؤوا عليه ، ورسخ في وعيهم من اللغة .
ولما كانوا يتلقون اللغة ويترسمون أحكامها عن آبائهم وإخوانهم ومن يعايشهم ويعيشون معهم , ولم تنقطع صلتهم بهم بين هذين الحدين فإن لغة التابعين لهذا الحد إنما هي امتداد للغة من سبقهم ،إذ التواصل مستمر ومتتابع، والكثير من الموروث يستمر على ألسنة الناس مع استمرار اللغة لدى الناطقين بها .
وإذا حصل خروج عن أحكام اللغة بعد ذلك فالأجدر أن ينسب إلى الواقع فيه ، معروفًا أو غير معروف ، ولاينسب إلى الزمن كله بعد هذا الحد .
وآية ذلك أن ماينسب للمولدين من أخطاء بعد هذا التأريخ قليل جدا بالقياس إلى كثرة عدد الشعراء ، ويرجع ذلك إلى ظهور كتب النحو والصرف التي ميزت على نحو دقيق وظاهر ما يصح مما لايصح , وشاعت بين الناس ، وغدت مراجع يستهدي بها الشعراء والكاتبون ، وغدا الخروج على أحكام اللغة وقواعدها التي استقرت مظنة الجهل وشبهة تزري بالنص وبقائله .
ومما يدنو من هذا الحد في غرابته قولهم : إن أول لحن سمع في العراق هو قول القائل "هذه عصاتي"(3) .
كأن أي لحن سواه لم يقع في هذا الموطن على الرغم من اتساع المكان وامتداد الزمان ، وقد برىء الكلام قبل ذلك في هذا الموطن من كل خطأ مماثل أو مخالف ، وكأن القياس الخطأ الذي ينشأ من التقارب الظاهر والتماثل في الألفاظ لم يجد له سبيلا إلى هذه الصياغة حين أجرى ذلك القائل العصا وعصاتي على القنا وقناتي دون أن يتمثل وعيه في العاجل من كلامه وأمره الأفراد في الأولى والجمع في الثانية ، وليس ببعيد أن يكون لفتى وفتاتي من الأثر كذلك مع عدم التثبت في : عصا وعصاتي، ومع كثرة تردده في الإسماع .
إن الحاجة إلى التصحيح اللغوي لم تنقطع في ما سلف , ولن تنتفي أبدا ؛ إذ لايمكن استبعاد الوقوع في الخطأ ممن يتجهون إلى الكتابة في أي وقت ، وذلك لاتساع أحكام اللغة وتعدد وجوهها ، ولتباين المدارك في استيعابها ، ولتعدد مدلولات الألفاظ ، مما يغري باستعمال ألفاظ وصياغات ، يوهم الظاهر من دلالاتها على شىء , وهو بعيد كل البعد عن أصول معانيها .
وإن الوهم في استعمال الألفاظ ليقع أيضًا بسبب التقارب في الدلالة بينها , وذلك مستمر ودائم . ثم إن المتكلمين والكاتبين ليسوا هم العالمين باللغة المتوفرين على دراستها وحدهم ، بل إن العاملين في ميادين العلوم الأخرى يشاركونهم ويضاهونهم في ما يكتبون ويصنفون، أو يزيدون عليهم في ذلك ، وإن احتمال الوقوع في الخظأ من هؤلاء وارد في كل حين .
وثمة أمر آخر وهو أن أسس الدراسة ومقدماتها اختلفت كثيرًا في زماننا هذا عما كانت عليه سابقا , إذ كانت الدراسة في كل الميادين تبتدئ باللغة وآدابها وبالدين ، وهي بدايات ومقدمات وافية وشاملة لكل المحتاج إليه من أحكام اللغة، وبعد أن يستوفي طلاب العلم كل ذلك ينتقلون إلى ميادين العلوم التي يتطلعون إلى التوفر على دراستها، وقد كان هذا شأن مناهج الدراسة لعقود قليلة قريبة، ونشأ عن ذلك أن وجدنا شعراء وأدباء كتابًا وقصاصين من الأطباء والمهندسين ، ومن علماء في تخصصات مختلفة ومن عسكريين ، ولا يكاد يحصل مثل هذا في زماننا لانقطاع صلة الدارسين باللغة منذ بداية توجههم إلى ميادين تخصصاتهم .
ولو تتبعنا ما صنف من الكتب في لحن العامة والكتب التي نبهت على أغلاط الكتاب وغيرهم لوجدنا أنها قد توالت على نحو متتابع ابتداء من كتاب لحن العامة للكسائي حتى آخر كتاب في أيامنا هذه، اذ لايكاد يمضي عقد من الزمان إلا ونجد فيه كتابًا أو أكثر من الكتب التي تعنى بهذا الجانب .
ولعل في هذا القليل الذي ندرجه منها ما يشهد على ذلك وأولها كما هو معروف :
ـ ( لحن العامة ) للكسائي ( ت 188).
ثم :
ـ ( البهاء فيما يلحن فيه العامة ) للفراء(ت207) .
ـ ( ما يلحن فيه العامة ) لأبي عبيدة ( ت 208)
ـ ( ما يلحن فيه العامة ) للأصمعي (ت216) .
ـ (وما خالفت العامة فيه لغات العرب ) لأبي عبيد (ت224).
ـ (مايلحن فيه العامة) لأبي نصر الباهلي (ت 231) .
ـ (إصلاح المنطق) لابن السكيت (ت244) .
ـ (ما يلحن فيه العامة) للمازني (ت249) .
ـ (مايلحن فيه العامة) لأبي حاتم السجستاني( ت255) .
ـ ( النحو ومن كان يلحن من النحويين ) لابن شبه(ت 262).
ـ ( أدب الكاتب ) لابن قتيبة ( ت 276 ) .
ـ ( لحن العامة ) لأبي علي أحمد بن داود الدينوري ( ت 289) .ـ ( الفصيح ) لأبي العباس ثعلب (ت291) .
ولعل في هذا القدر ما يكفي دليلا على ما قلنا .
وقد مضى التصنيف في التصحيح اللغوي في القرون اللاحقة على هذا النحو من التتابع والاستمرار .
وامتدادا لهذا الجهد المتواصل فقد كثر التصنيف اللغوي في القرنين الماضيين كثرة ظاهرة , وكل ذلك إنما يأتي بدافع الغيرة على اللغة ,وتأميلا لأن تجري على سنن السلف في الاستواء والصحة , واستجابة لمقتضى الحاجة بسبب ما يطفو على الأساليب ويطفح عليها فيشينها ، ويزري بها من الأخطاء.
إن التصحيح اللغوي مطلوب دائمًا ، ومحتاج إليه في كل زمان، وله الفضل في تنقية أساليبنا مما يشوبها من الاستعمالات غير الصحيحة.
ولعل أظهر أيادي جهد التصحيح هو ما تحقق من أحكام الاستعمال اللغوي بحيث تظل اللغة على اختلاف العصور لغة واحدة, إذ المؤمل أن يحذو الخالفون حذو أسلافهم في أساليبهم ، وبهذا الجهد الحثيث المتواصل توحدت اللغة على الرغم من تباعد المواطن والأزمنة , فبتنا نقرأ تراثنا القديم ونفهمه بيسر ، ولولا ذلك لتعذر علينا فهمه كما هو الحال في أمم كثيرة من حولنا.
إن لغتنا لغة أمة تتناثر أقاليمها في قارتين، وإلألزم على هذا والأسلم أن تجري في كل أقاليمها على السبيل الذي انتهجه الأسلاف ضمانًا لتوحدها ، وهي في زمن لا تمتلك فيه من أسباب التوحد غير اللغة , ويعضدها الدين الذي ينهض في كل ما فيه على هذه اللغة.
ولا يمكن إغفال ما للمعجمات ، ولاسيما الموسعة منها من الأثر الكبير في مجال التصحيح , إذ هي الموارد والمصادر التي منها يعرف ما يصح وما لايصح ، مما أثبته ومما لم تثبته، وما نبهت على صحته، وما أنكرت استعماله وذلك يرجع لاستيعابها كل ثمار جهود التصحيح على مر العصور .
أن من يتطلع إلى زمن يعصم فيه كل الكتاب والمؤلفين في شتى فنون المعرفة من الوقوع في الخطأ اللغوي إنما هو كمن يتطلع إلى مجتمع يخلو من أخطاء الناس في سلوكهم وتعاملهم ، إذ الخطأ في السلوك كالخطأ في اللغة فكلاهما ينطوي على خروج على عرف : عرف اجتماعي أو عرف لغوي .
وإذا كان من غير الممكن أن يكون كل الكتاب على مستوى واحد في معرفة اللغة ؛ المتخصص بعلومها ، والمتخصص بعلوم أخرى من العلماء الكاتبين فإنه من المستبعد جدًّا انتفاء الوقوع في الخطأ مع الاستمرار ، في كل الكتابة في كل وقت .
إن من الكتاب من يضيقون بملاحقة العلماء المصححين لهم ، معقبين على ما ينشئون بالتخطي والتصحيح ، فيعدونهم حاجرين عليهم ما شاع بين الناس من الأساليب والاستعمالات ، وليس في التصحيح اللغوي حاجر أو تقييد أو إلزام . إذ إن قوام ما يهدف إليه المصححون أن ينبهوا على الاستعمال غير الصحيح الذي لاينهض على أصل في اللغة ، ولا تقره المعجمات . وهم يضعون بإزائه الاستعمال الصحيح المؤيد بالدليل وبالشاهد ، ويتركون الأمر بعد ذلك لمن اطلع عليه ، فمن شاء أخذ به ومن شاء أعرض عنه . ومن دل على القول الأسلم والأقوم ، ودفع عما دونه لايعد حاجزًا أو مقيدًا بحال .