كتاب من روائع البيان، للمهندس مثنى الهبيان
بقلم : أ.د رياض الخوام
بسم الله الرحمن الرحيم
ما أكثر الكتب الحديثة التي اعتنى أصحابها ببيان الإعجاز في القرآن الكريم بأنواعه المتعددة، واتجاهاته المتنوعة، فالكثير من أصحابها هم أصحاب ثقافات متنوعة، منهم اللغوي ومنهم الطبيب، ومنهم المهندس، كالأخ الفاضل مثنى الهبيان الذي أتحف مكتبة الإعجاز القرآني بكتابه القيم (من روائع البيان في سور القرآن) وسجل تحته بخط صغير (في البلاغة واللغة والنحو والتفسير وغير ذلك) وهذا التنوع يؤكد قيمة الكتاب وتميزه عن غيره، ولعل قوله: وغير ذلك يريد منه أنه لم يترك ملمحاً إعجازياً من العلوم التجريبية وقف عليه إلا وذكره، والكتاب يقع في ثلاثة عشر مجلداً، بدأه بسورة الفاتحة وأنهاه بسورة الناس، فخرج عملاً كبيراً يدل على الجهد الكبير الذي بذله المؤلف رعاه الله، وهذا النوع من المؤلفات التي يتحفنا بها غير المتخصصين باللغة، تتسم بالبعد الثقافي، والتنوع المعرفي، فهؤلاء اطلعوا على اللغة – أو لنقل درسوها – بعين لماحة لتلك الدقائق التي يرومونها من الدرس اللغوي، ولديهم القدرة على الربط بين تلك اللمحات التي تبدو لهم من مسالك اللغة وطرائقها، وتصورهم العلمي المتميز بفضاء علمي واسع، ومروحة ثقافية متنوعة، لذا تجد أحاديثهم فيها من الجدة والجمال ما لا يخفى، يبدو ذلك من أساليبهم اللغوية الخالية من التعقيدات اللفظية، ومن طريقة عرضهم لمعلوماتهم المتشحة بعقلهم التجريبي المنطقي، ثم في قدرتهم على بسطها بأسلوب واضح مشرق، ثم يُدهش القارئ حين يشعر بذلك الجهد المبذول في هذا العمل، وفي تلك العزيمة التي تحثهم على مثل هذا الإنجاز، أعرف الأخ المهندس مثنى بن محمد هبيان، مذ كنت في حماة مهندساً مشهوراً، ثم توثقت العروة هنا في المملكة، وفي أول لقاء في مدينة الرياض فوجئت به يتحدث عن بعض الوجوه اللغوية في بعض الآيات القرآنية أدركت أن الرجل على بُصر باللغة عميق، ولديه التذوق العالي، وملكة البحث العلمي، – لقد كثرت لقاءاتنا في جدة، فكان ينثر في نهاية اللقاء على الجالسين من أحبابه ما بدا له أو ما قرأه حول لفظة ما أو تركيب ما في القرآن الكريم، وكنت أحياناً أناقشه في بعض ما يطرحه، فأجد عنده صفات العلماء الذين لايعنيهم إلا التقاط الحكمة، والوصول إلى الحقيقة، استغرق تأليف الكتاب وجمعه أكثر من عشر سنوات، أخبرني بأنه اجتمع بشيخ الإعجاز اللغوي في العصر الحاضر الدكتور فاضل السامرائي في الإمارات وعرض عليه هذا العمل، فأثنى الدكتور فاضل على صنيعه، ثم كثرت اللقاءات بينهما، واستشاره في بعض الملامح الإعجازية، كما حاوره في بعض الرقائق اللغوية، وكانت لقاءات طيبة مباركة، شجعت الأخ المهندس على متابعة العمل وإنجازه، وحين أهداني أخي المفضال نسخة من روائعه، كنت أقرأ رسالة الماجستير للطالب سعيد الزهراني التي يتحدث فيها عن جموع القلة والكثرة، وتوقف الطالب عند الفرق بين قولنا: أيام معدودة وأيام معدودات، قلت في نفسي سأنظر فيما دبجه المهندس في ذلك فوجدته بأسلوب واضح يأتي بما قاله النحاة والمفسرون بطريقة السؤال والجواب، ورأيت أن ما ذكره يمثل صفوة الأقوال، أحياناً يوجز وأحياناً يسهب، ويشعرك أن الرجل منظم العقل مرتب الفكر، يجهد ليقدم الفكرة بسيطة لتكون واضحة عند القارئ، وتشعر بالجهد المضني، الذي بذله المؤلف لإقامة هذا العمل، فتدعو الله لصاحبه على ما قدم وبذل خدمة لكتابه ونفعاً لأمة حبيبه صلى الله عليه وسلم ومن الجدير ذكره أن ناشرالكتاب لم يعطه إلا مائة نسخة فقط ليوزعها هدايا لأخوانه وأحبابه، فالرجل من الزاهدين الذين أحبوا العلم وأخلصوا، فوُفقوا، وظهرت ثمرات التوفيق بهذا الإنجاز، ولا شك أن هذه الأعمال العلمية ستكون في يوم من الأيام رسائل علمية جامعية يتناولها طلاب العلم درساً وتقويماً، لقد كثرت القراءات – وهي مصطلح يطلقه بعض المحدثين على الدراسات التي يُفترض أن تكون فيها مخالفة لما هو مألوف مشهور حباً في التنمق اللغوي – التي تتعلق بالقرآن الكريم من قبل غير المختصين، كقراءات شحرور والكيالي ونصر أبو زيد وغيرهم كثير، فباتت بحاجة إلى دراسات علمية دقيقة، يتميز بها النافع من الضار، وقد سجلت بعض الرسائل في كلية اللغة العربية – جامعة أم القرى – سيتناول أصحابها هذه القراءات وكان آخرها رسالة الدكتوراه التي ستتناول آراء شحرور اللغوية ومصادره الثقافية، والمستفاد أن أعمال غير المختصين أدت إلى نشوء حركة علمية دفعت بطلاب العلم إلى دراستها وتقويمها، وفق الله المهندس البارع مثنى الهبيان، وأملي كبير بأنك في كندا ستكتب الكثير مما ستضيفه إلى سفركم الرائع الذي يعد إضافة علمية إلى مكتبة الإعجاز القرآني.