الدلالة النحوية بين الخرق و المعيارية
الدكتور عرابي أحمد أستاذ اللغة العربية
جامعة ابن خلدون – تيارت-الجزائر
ملخص البحث
تعتبر التخريجات النحوية من أهم الآليات اللغوية التي لها أثرها في مقصدية الخطاب القرآني، لأنها تركز على قضية الصلة بين التركيب، و دلالته على المعنى، و أنها أعمق من مجرد قواعد و قوانين لتتبع حركات الإعراب، فإذا كان النحو صناعة علمية تنظر إلى الألفاظ في كلام العرب و كيف تتألف، فهي من جهة أخرى تحدد العلاقة بين قواعد النظم و ما يحتمله من معنى، و من هنا تبدو أهمية العلاقة بين القاعدة النحوية، و المعنى الذي يمكن أن تدل عليه أو باختصار إنه علم يبحث الصلة بين النمط التركيبي ومدلوله، و ذلك في إطار ما تواضع العرب عليه من قوانين تحكم لسانهم.
إنّ أساليب التراكيب النحوية و الصيغ الصرفية، و التي بواسطتها يتم الوصول إلى الدلالة، لها دور هام، في كشف مكامن النص و مقصديته، إذ يحاول هذا البحث أن يركّز على بعض الأساليب النحوية والصيغ الصرفية، ليبيّن من خلال دراستها تلك الكفاءة القرائية التي كان يتمتع بها علماء التأويل، و ركّزت على التقديم و التأخير بالمزية كما يقول عبد القاهر الجرجاني باعتبارها لافتة من اللافتات التعبيرية في القرآن الكريم، و ما تحمله من قراءات.
تـوطئـة:
إن الاهتمام بعلم التراكيب هو جانب مهم من علم الدلالة العام؛ لأنه يرتبط بعلم النحو الذي له دور في معرفة معاني التراكيب من حيث الحركات الدالة على ذلك، قال الجرجاني عبد القاهر مبينا أهميته:"...إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها... " .(1)
وأهم مرتكز يعتمد في ذلك هو "تضافر القرائن.وما كتب في هذا المجال متفرق بين كتب النحو والتفسير والبلاغة، و لأن التأويل يستمد أصله و وسائله من هذه العلوم، ويضاف إليها القراءات القرآنية وعلم العقيدة وعلم أصول الفقه.
ولهذا ترى مناهج علماء التأويل إلى أن تفسير المعنى هو إيضاحه، وكذلك علم النحو والإعراب قال العكبري "وأقوم طريق يسلك في الوقوف على معناه –أي القرآن- ويتوصل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه معرفة إعرابه واشتقاق مقاصده من أنحاء خطابه، والنظر في وجوه القرآن المنقولة عن الأئمة الإثبات".(2)
ويمكن أن الترخص في هذه السنن التي بني عليها الإعراب إذا كان ذلك عائقا عن الوصول إلى المعنى، وأهم مرتكز في هذا التجاوز هو القرائن المرجحة لمراعاة المعنى على حساب الظاهرة الإعرابية، والدليل على ذلك قولهم " خرق الثوبُ المسمارَ" ظهر التعارض بين المعنى والإعراب، يرجح المعنى.
اتفق العلماء على ضرورة النحو ودوره في تفسير القرآن الكريم إذ بمعرفته يعقل مراد الله تعالى من النصوص والآيات، وما استوعاه من حكم وأحكام منيرة ومواعظ واضحة، "وقد جاء في الأثر عن الإمام على –رضي الله عنه- أنه قال:"تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بحرف واحد، كان في الإنجيل مسطورا هو "أنا ولَّدْت عيسى" بتشديد اللام فخففوه فكفروا".( 3)
وسواء أصحت هذه الرواية أم لا؟ فإن لفظة "ولّد" من التضعيف إلى التخفيف –في اللغة العربية- تغير المعنى تماما، فلهذا كان لا مفر من أن يكون النحو والصرف وغيره من النصوص الأخرى ملازما للتفسير، لأن الاهتمام بهما يؤدي إلى إبعاد اللبس عن معاني الآيات القرآنية.
وقد بين العلماء قديما أهمية علم النحو والصرف ودورهما في تفسير النصوص القرآنية، وأنهما ارتبطا بعلم التفسير والتأويل معا، ومما يستدل به على ذلك قول الزركشي:(ت743هـ) في تعريفه التفسير:"التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم- وبيان معانيه واستخراج أحكامه
وحكمه، واستمداد ذلك من علم العربية والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ".( 4)
لقد كان الإعراب من أدوات المفسر لا يستغنى عنه، ولا يستطيع أحد أن يفسر بدونه، حتى أن بعض العلماء كان يجعل من إعراب القرآن علما و يعده من فروع علم التفسير. وقد ذكر الزركشي فيما يجب على المفسر البداءة به فقال:" باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث إنها مؤدية أصل المعنى، وهو مادل عليه المركب بحسب الوضع وذلك متعلق بعلم النحو".(5)
وعرف السيوطي(911هـ) النحو بقوله:"صناعة علمية ينظر بها أصحابها في ألفاظ كلام العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم لتعريف النسبة بين صياغة النظم وصورة المعنى فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى".( 6) "ويشير هذا التعريف إلى تصور النحو ولوظيفته وله أهمية، فالنحو صناعة علمية تختص بدراسة قوانين التراكيب أو النظم العربية ووظائفها ومكوناتها، والصلة بين النمط التركيبي ومدلوله كل ذلك
في إطار ما تواضع عليه العرب في استعمال لغتهم".( 7)
إن السيوطي حين جعل غاية النحو:" معرفة النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى" يشير إلى فهم لوظيفة النحو أعمق من مجرد كونه قواعد لضبط حركات الإعراب أو حتى بناء الجمل فربطه بين "صيغة النظم" و"صورة المعنى" واختياره هذين المصطلحين بالذات للتعبير عن "الجملة" و"معناها" دليل على دقة الحس النحوي لدى صاحب التعريف". وقد نص على قضية مهمة هي -إلى حد كبير- القضية نفسها التي تدور حولها الدراسات النحوية الحديثة، خاصة لدى التحويليين Transformations وهي قضية طبيعية الصلة بين التركيب والمعنى، وقد يزكى هذا الفهم ما حتم به التعريف بقوله:"فيتوصل بأحداهما إلى الأخرى"، إشارة إلى أن الصلة الوثيقة والمتبادلة بين التركيب والمعنى وأن فهم أحدهما بوضوح متوقف على فهم الآخر كذلك، أي أنه إذا لم يفهم الوظيفة النحوية لمكونات التركيب و يفهم سر وضعها على نظم خاص –فضلا عن دلائلها المعجمية- تعسر فهم المعنى فهما كاملا وبالمثل إذا لم يكن المعنى المطلوب التعبير عنه واضحا في الذهن بدرجة كافية صعب تحديد بناء أو نظم الجملة التي تستطيع نقل هذا المعنى بأمانة".(8)
ولا يعني ذلك الاعتماد في فهم الخطاب على أن هذه الآلية منعزلة عن غيرها من الآليات الأخرى بل إن البحث عن المعنى يتطلب من المؤول أن يقوم بدراسة شاملة لأساليب القرآن الكريم. وإلا فلا يمكن أن يبلغ شاطئ الأمان دون أن يفهم ما فيه من دلالات الألفاظ والتراكيب والصيغ الصرفية وتحكيم دور السياق، وذلك هو المنهج الأسلوبي التحليلي في تأويل الخطاب الإلهي واستنباط مقاصده ولهذا كانت دراسة القرآن وتفسيره عند الأولين مزجا بين علم النحو والصرف وعلم المعاني وتوظيف دلالة السياقات المختلفة فكانت دراستهم دراسة شمولية لعلوم اللغة العربية وربط الخطاب بأقوال المكلف بمقاصد القرآن الكريم.
1- دلالة التركيب اللغوي (التقديم و التأخير):
عرفه عبد القادر الجرجاني (ت 471 هـ) فقال:" أن لا نظم في الكلام ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض و تجعل هذه بسبب من تلك هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس..." .(9 )
وعرفه الجرجاني الشريف ( ت 843 هـ) بأنه:"جمع الحروف البسيطة ونظمها لتكون كلمة".( 10)
وهذا التعريف خاص بنظم الحروف الهجائية لتصنع منها الكلمات، وهذا المعنى لا يتعارض مع نظم الكلمات، ولا يبتعد عن المفهوم الاصطلاحي لكلمة تركيب.وعرف بانه :" ضم الاشياء بعضها إلى بعض، في نحو الجملة .." .(11)
ويقصد به التركيب في الكلمات التي تخضع إلى نظام معين متعارف عليه لدى أهل تلك اللغة، أو ما يطلق عليه التركيب التعبيري، وهو :"مجموعة منسقة من الكلمات تؤدي معنى مفيدا كالجملة الإسمية أو الفعلية أو الجزء من الجملة الذي يؤدي دلالة ما".(12)
إن خرق معيارية الترتيب في القواعد النحوية هو ما يسمى بالانحراف الدلالي في دلالة الألفاظ على غير ما وضعت له في كلام العرب، ولا يخلو ذلك من دلالات عميقة وأغراض بلاغية،أي أن يقدم المعنى في أحسن لفظ وأروع ترتيب ولا يكون الشيء رائعا إلا إذا كان ملفتا للذهن وإلى مستوى القوانين النحوية والصرفية وتلك هي الغاية القصوى من علم البيان وفنونه البلاغية.
وما سميناه: (خرق معيارية الترتيب) يتعلق بالنسبة للنحو والبلاغة معا بظاهرة التقديم والتأخير الذي قال عنه عبد القاهر الجرجاني:" هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية...".(13)
وفي التقديم من المزايا والاعتبارات ما يدعو إلى هذا الترتيب، ويعد ما كان حقه التأخير فيكون من الحسن تغيير رتبته وإتباع هذا النظام ليكون المقدم مشيرا إلى الغرض الذي يؤدي إليه ومترجما عما يريد المتكلم.
وتحدث أيضا عن تربيته وفوائده في موضع آخر فقال:" وأعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام...".(14)
وذكر العلماء للتقديم أسبابا وأسرارا ولطائف منها ما أشار إليه الجرجاني حيث قال:" وقال النحويون: إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بمعينه ولا يبالون من أوقعه... ".(15)
ولا يخلو التقديم والتأخير من أسرار دلالية وقد مثل السيوطي بقوله:" ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة؛ لأنها سبب حصول الإعانة" .(16)
وقد يقدم المتأخر ليحتمل الاستعمال أكثر من معنى أو أكثر من تأويل، أي به تتعدد المعاني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين)للتركيب الواحد ولهذا وجدنا لقوله تعالى: .(17) تخريجات كثيرة ففي هذه الآية تقديم ومن هذه التأويلات ما ذكره ابن القيم الجوزية فقال:" فإن المقصود بتقديم "إيَّاك" تعظيم الله سبحانه وتعالى والاهتمام بذكره مع إفادة اختصاص العبادة والاستعانة بالله تعالى ليصير الكلام حسنا متناسقا، ولو قال: نعبدك ونستعينك لم يكن الكلام متناسقا". (18)
قال الرازي (ت606هـ) (الأول): قدم الله جل وعلا نفسه على عيادة العابد لأنه هو المقصود بالعبادة لا يشاركه فيها غيره، وليكون على وجل وخوف قبل أن يدخل فيها، وحتى لا نمتزج العبادة بالغفلة وعدم الخشوع والإخلاص. (الثاني): البدء بذكره يوحي بتقديسه وإجلاله والشعور بعزته وعظمته والعبادة عمل، فيها ركوع وسجود وقيام وغيرها من الأعمال بالإضافة إلى الأعمال القلبية التي لا يقدر على التوفيق إليها إلا الله، لذا ذكر أولا، فلما علم العبد أن الله مولاه ذكره وأحضره في قلبه وقدمه على غيره فبذلك يعينه عليها، ويتقبلها منه ألا ترى أن الإنسان إذا حمل شيئا ثقيلا تناول قبل ذلك ما يساعده على هذا العمل الشاق وأول ما يتناول العبد هنا هو معرفة الربوبية فإذا شاهد جمال الربوبية سهل عليه تحمل ثقل العبودية (الثالث): ولو قيل: " نعبدك" لا يفهم منه عدم عبادته لغبره، ولأنه يحتمل أن يعبد ويعبد معه غيره كما هو شأن المشركين فلما قدم رفع هذا الاحتمال.(الرابع) إنك إذا قلت:"نعبدك" فبدأت أولا بذكر عبادة نفسك ولم تذكر أن تلك العبادة لمن، فيحتمل أنها تكون لغير الله، أما إذا غيرت الترتيب كان قولك "إياك" صريحا في أن المعبود هو الله فكان هذا أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك".(19)
وفي الآية تقديم آخر، وهو تقديم جملة "إياك نعبد" على جملة "إياك نستعين" فلم قدم العبادة على الإستعانة؟ قال الكلبي:"إياك في الموضعين مفعول بالمفعول الذي بعده وإنما قدم ليفيد الحصر، فإن تقديم المعمولات يقتضيي الحصر، فاقتضى قول العبد إيَّاك نعبد أن يعبد الله وحده لاشريك له واقتضى قوله" إياك نستعين"، اعترافا بالعجز والفقر وأنا لانستعين إلا بالله وحده،... أي نطلب العون منك على العبادة على جميع أمورنا وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية ".(20 )
وفيه دليل على بطلان قول المعتزلة والجبرية إذ طلب الاستعانة يعني أن الإنسان قادر على ارتكاب الفعل وفي الوقت نفسه لا يستطيع الأداء وحده فيحتاج إلى الاستعانة من الله عز وجل. فهذا أجمع حكمة الله للفعل وكسب الإنسان لذلك، فهذا معنى الاستعانة في الآية.
وقال الرازي:"أعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أن لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعته إلا بتوفيق الله، لأن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانة الله".( 21)
وفي الإجابة عن تقديم العبادة على الإستعانة وأن الاستعانة يجب أن تكون مقدمة على العبادة، قال الرازي:"كأن المصلي يقول شرعت في العبادة واستعنت بك في إتمامها فلا تمنعني من ذلك بالمرض أو الموت ولا بقلب الدواعي وتغييرها، كأن الإنسان يقول: يا إلهي إني ما أتبت إلا بنفسي إلا أن لي قلبا يفر مني فأستعين بك في إحضاره، فدل ذلك على أن الإنسان لا يمكنه إحضار القلب إلا بإعانة الله".( 22)
وقال أبو زكرياء الأنصاري:"فإن قلت فلم قدم العبادة على الاستعانة، مع أن الاستعانة مقدمة؟ لأن العبد يستعين الله على العبادة ليعينه عليها"( 23) ثم أجاب عن سؤاله قائلا:" قلت الواو لاتقتضي الترتيب، أو المراد بالعبادة التوحيد وهو مقدم على الاستعانة على سائر العبادات ".( 24)
ويمكن أن يكون المعنى أن المؤمن لا يستحق الإستعانة من الله إلا إذا حقق العبادة، ويكون ترتيب الآية على الأصل، فكان العبادة شرط في حصول الاستعانة والمشروط لا يتحقق إلا إذا تحقق الشرط.
ويدل هذا التأويل على أن الدلالة النحوية لا يمكن فصلها عن الدلالة المعجمية لأنها قرينة من أدلة التوجيه في الدلالة النحوية ولعل في تقديم العبادة على الإستعانة سرا له علاقة بدلالة لفظ العبادة فإذا كانت العبادة بمعنى الطاعة مع غاية الخضوع وهو تفسير لغوي قد يكون قاصرا على المعنى العميق لدلالة اللفظ. فما هي العبادة إذن؟
قال حسن البنا:"تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية. ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها إنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه".( 25) ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.