mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الدلالة النحوية بين الخرق و المعيارية

كُتب : [ 02-19-2017 - 02:36 PM ]


الدلالة النحوية بين الخرق و المعيارية
الدكتور عرابي أحمد أستاذ اللغة العربية
جامعة ابن خلدون – تيارت-الجزائر

ملخص البحث
تعتبر التخريجات النحوية من أهم الآليات اللغوية التي لها أثرها في مقصدية الخطاب القرآني، لأنها تركز على قضية الصلة بين التركيب، و دلالته على المعنى، و أنها أعمق من مجرد قواعد و قوانين لتتبع حركات الإعراب، فإذا كان النحو صناعة علمية تنظر إلى الألفاظ في كلام العرب و كيف تتألف، فهي من جهة أخرى تحدد العلاقة بين قواعد النظم و ما يحتمله من معنى، و من هنا تبدو أهمية العلاقة بين القاعدة النحوية، و المعنى الذي يمكن أن تدل عليه أو باختصار إنه علم يبحث الصلة بين النمط التركيبي ومدلوله، و ذلك في إطار ما تواضع العرب عليه من قوانين تحكم لسانهم.
إنّ أساليب التراكيب النحوية و الصيغ الصرفية، و التي بواسطتها يتم الوصول إلى الدلالة، لها دور هام، في كشف مكامن النص و مقصديته، إذ يحاول هذا البحث أن يركّز على بعض الأساليب النحوية والصيغ الصرفية، ليبيّن من خلال دراستها تلك الكفاءة القرائية التي كان يتمتع بها علماء التأويل، و ركّزت على التقديم و التأخير بالمزية كما يقول عبد القاهر الجرجاني باعتبارها لافتة من اللافتات التعبيرية في القرآن الكريم، و ما تحمله من قراءات.
تـوطئـة:
إن الاهتمام بعلم التراكيب هو جانب مهم من علم الدلالة العام؛ لأنه يرتبط بعلم النحو الذي له دور في معرفة معاني التراكيب من حيث الحركات الدالة على ذلك، قال الجرجاني عبد القاهر مبينا أهميته:"...إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها... " .(1)
وأهم مرتكز يعتمد في ذلك هو "تضافر القرائن.وما كتب في هذا المجال متفرق بين كتب النحو والتفسير والبلاغة، و لأن التأويل يستمد أصله و وسائله من هذه العلوم، ويضاف إليها القراءات القرآنية وعلم العقيدة وعلم أصول الفقه.
ولهذا ترى مناهج علماء التأويل إلى أن تفسير المعنى هو إيضاحه، وكذلك علم النحو والإعراب قال العكبري "وأقوم طريق يسلك في الوقوف على معناه –أي القرآن- ويتوصل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه معرفة إعرابه واشتقاق مقاصده من أنحاء خطابه، والنظر في وجوه القرآن المنقولة عن الأئمة الإثبات".(2)
ويمكن أن الترخص في هذه السنن التي بني عليها الإعراب إذا كان ذلك عائقا عن الوصول إلى المعنى، وأهم مرتكز في هذا التجاوز هو القرائن المرجحة لمراعاة المعنى على حساب الظاهرة الإعرابية، والدليل على ذلك قولهم " خرق الثوبُ المسمارَ" ظهر التعارض بين المعنى والإعراب، يرجح المعنى.
اتفق العلماء على ضرورة النحو ودوره في تفسير القرآن الكريم إذ بمعرفته يعقل مراد الله تعالى من النصوص والآيات، وما استوعاه من حكم وأحكام منيرة ومواعظ واضحة، "وقد جاء في الأثر عن الإمام على –رضي الله عنه- أنه قال:"تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا بحرف واحد، كان في الإنجيل مسطورا هو "أنا ولَّدْت عيسى" بتشديد اللام فخففوه فكفروا".( 3)
وسواء أصحت هذه الرواية أم لا؟ فإن لفظة "ولّد" من التضعيف إلى التخفيف –في اللغة العربية- تغير المعنى تماما، فلهذا كان لا مفر من أن يكون النحو والصرف وغيره من النصوص الأخرى ملازما للتفسير، لأن الاهتمام بهما يؤدي إلى إبعاد اللبس عن معاني الآيات القرآنية.
وقد بين العلماء قديما أهمية علم النحو والصرف ودورهما في تفسير النصوص القرآنية، وأنهما ارتبطا بعلم التفسير والتأويل معا، ومما يستدل به على ذلك قول الزركشي:(ت743هـ) في تعريفه التفسير:"التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم- وبيان معانيه واستخراج أحكامه
وحكمه، واستمداد ذلك من علم العربية والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج إلى معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ".( 4)
لقد كان الإعراب من أدوات المفسر لا يستغنى عنه، ولا يستطيع أحد أن يفسر بدونه، حتى أن بعض العلماء كان يجعل من إعراب القرآن علما و يعده من فروع علم التفسير. وقد ذكر الزركشي فيما يجب على المفسر البداءة به فقال:" باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث إنها مؤدية أصل المعنى، وهو مادل عليه المركب بحسب الوضع وذلك متعلق بعلم النحو".(5)
وعرف السيوطي(911هـ) النحو بقوله:"صناعة علمية ينظر بها أصحابها في ألفاظ كلام العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم لتعريف النسبة بين صياغة النظم وصورة المعنى فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى".( 6) "ويشير هذا التعريف إلى تصور النحو ولوظيفته وله أهمية، فالنحو صناعة علمية تختص بدراسة قوانين التراكيب أو النظم العربية ووظائفها ومكوناتها، والصلة بين النمط التركيبي ومدلوله كل ذلك
في إطار ما تواضع عليه العرب في استعمال لغتهم".( 7)
إن السيوطي حين جعل غاية النحو:" معرفة النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى" يشير إلى فهم لوظيفة النحو أعمق من مجرد كونه قواعد لضبط حركات الإعراب أو حتى بناء الجمل فربطه بين "صيغة النظم" و"صورة المعنى" واختياره هذين المصطلحين بالذات للتعبير عن "الجملة" و"معناها" دليل على دقة الحس النحوي لدى صاحب التعريف". وقد نص على قضية مهمة هي -إلى حد كبير- القضية نفسها التي تدور حولها الدراسات النحوية الحديثة، خاصة لدى التحويليين Transformations وهي قضية طبيعية الصلة بين التركيب والمعنى، وقد يزكى هذا الفهم ما حتم به التعريف بقوله:"فيتوصل بأحداهما إلى الأخرى"، إشارة إلى أن الصلة الوثيقة والمتبادلة بين التركيب والمعنى وأن فهم أحدهما بوضوح متوقف على فهم الآخر كذلك، أي أنه إذا لم يفهم الوظيفة النحوية لمكونات التركيب و يفهم سر وضعها على نظم خاص –فضلا عن دلائلها المعجمية- تعسر فهم المعنى فهما كاملا وبالمثل إذا لم يكن المعنى المطلوب التعبير عنه واضحا في الذهن بدرجة كافية صعب تحديد بناء أو نظم الجملة التي تستطيع نقل هذا المعنى بأمانة".(8)
ولا يعني ذلك الاعتماد في فهم الخطاب على أن هذه الآلية منعزلة عن غيرها من الآليات الأخرى بل إن البحث عن المعنى يتطلب من المؤول أن يقوم بدراسة شاملة لأساليب القرآن الكريم. وإلا فلا يمكن أن يبلغ شاطئ الأمان دون أن يفهم ما فيه من دلالات الألفاظ والتراكيب والصيغ الصرفية وتحكيم دور السياق، وذلك هو المنهج الأسلوبي التحليلي في تأويل الخطاب الإلهي واستنباط مقاصده ولهذا كانت دراسة القرآن وتفسيره عند الأولين مزجا بين علم النحو والصرف وعلم المعاني وتوظيف دلالة السياقات المختلفة فكانت دراستهم دراسة شمولية لعلوم اللغة العربية وربط الخطاب بأقوال المكلف بمقاصد القرآن الكريم.
1- دلالة التركيب اللغوي (التقديم و التأخير):
عرفه عبد القادر الجرجاني (ت 471 هـ) فقال:" أن لا نظم في الكلام ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض و تجعل هذه بسبب من تلك هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس..." .(9 )
وعرفه الجرجاني الشريف ( ت 843 هـ) بأنه:"جمع الحروف البسيطة ونظمها لتكون كلمة".( 10)
وهذا التعريف خاص بنظم الحروف الهجائية لتصنع منها الكلمات، وهذا المعنى لا يتعارض مع نظم الكلمات، ولا يبتعد عن المفهوم الاصطلاحي لكلمة تركيب.وعرف بانه :" ضم الاشياء بعضها إلى بعض، في نحو الجملة .." .(11)
ويقصد به التركيب في الكلمات التي تخضع إلى نظام معين متعارف عليه لدى أهل تلك اللغة، أو ما يطلق عليه التركيب التعبيري، وهو :"مجموعة منسقة من الكلمات تؤدي معنى مفيدا كالجملة الإسمية أو الفعلية أو الجزء من الجملة الذي يؤدي دلالة ما".(12)
إن خرق معيارية الترتيب في القواعد النحوية هو ما يسمى بالانحراف الدلالي في دلالة الألفاظ على غير ما وضعت له في كلام العرب، ولا يخلو ذلك من دلالات عميقة وأغراض بلاغية،أي أن يقدم المعنى في أحسن لفظ وأروع ترتيب ولا يكون الشيء رائعا إلا إذا كان ملفتا للذهن وإلى مستوى القوانين النحوية والصرفية وتلك هي الغاية القصوى من علم البيان وفنونه البلاغية.
وما سميناه: (خرق معيارية الترتيب) يتعلق بالنسبة للنحو والبلاغة معا بظاهرة التقديم والتأخير الذي قال عنه عبد القاهر الجرجاني:" هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية...".(13)
وفي التقديم من المزايا والاعتبارات ما يدعو إلى هذا الترتيب، ويعد ما كان حقه التأخير فيكون من الحسن تغيير رتبته وإتباع هذا النظام ليكون المقدم مشيرا إلى الغرض الذي يؤدي إليه ومترجما عما يريد المتكلم.
وتحدث أيضا عن تربيته وفوائده في موضع آخر فقال:" وأعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام...".(14)
وذكر العلماء للتقديم أسبابا وأسرارا ولطائف منها ما أشار إليه الجرجاني حيث قال:" وقال النحويون: إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بمعينه ولا يبالون من أوقعه... ".(15)
ولا يخلو التقديم والتأخير من أسرار دلالية وقد مثل السيوطي بقوله:" ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة؛ لأنها سبب حصول الإعانة" .(16)
وقد يقدم المتأخر ليحتمل الاستعمال أكثر من معنى أو أكثر من تأويل، أي به تتعدد المعاني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين)للتركيب الواحد ولهذا وجدنا لقوله تعالى: .(17) تخريجات كثيرة ففي هذه الآية تقديم ومن هذه التأويلات ما ذكره ابن القيم الجوزية فقال:" فإن المقصود بتقديم "إيَّاك" تعظيم الله سبحانه وتعالى والاهتمام بذكره مع إفادة اختصاص العبادة والاستعانة بالله تعالى ليصير الكلام حسنا متناسقا، ولو قال: نعبدك ونستعينك لم يكن الكلام متناسقا". (18)
قال الرازي (ت606هـ) (الأول): قدم الله جل وعلا نفسه على عيادة العابد لأنه هو المقصود بالعبادة لا يشاركه فيها غيره، وليكون على وجل وخوف قبل أن يدخل فيها، وحتى لا نمتزج العبادة بالغفلة وعدم الخشوع والإخلاص. (الثاني): البدء بذكره يوحي بتقديسه وإجلاله والشعور بعزته وعظمته والعبادة عمل، فيها ركوع وسجود وقيام وغيرها من الأعمال بالإضافة إلى الأعمال القلبية التي لا يقدر على التوفيق إليها إلا الله، لذا ذكر أولا، فلما علم العبد أن الله مولاه ذكره وأحضره في قلبه وقدمه على غيره فبذلك يعينه عليها، ويتقبلها منه ألا ترى أن الإنسان إذا حمل شيئا ثقيلا تناول قبل ذلك ما يساعده على هذا العمل الشاق وأول ما يتناول العبد هنا هو معرفة الربوبية فإذا شاهد جمال الربوبية سهل عليه تحمل ثقل العبودية (الثالث): ولو قيل: " نعبدك" لا يفهم منه عدم عبادته لغبره، ولأنه يحتمل أن يعبد ويعبد معه غيره كما هو شأن المشركين فلما قدم رفع هذا الاحتمال.(الرابع) إنك إذا قلت:"نعبدك" فبدأت أولا بذكر عبادة نفسك ولم تذكر أن تلك العبادة لمن، فيحتمل أنها تكون لغير الله، أما إذا غيرت الترتيب كان قولك "إياك" صريحا في أن المعبود هو الله فكان هذا أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك".(19)
وفي الآية تقديم آخر، وهو تقديم جملة "إياك نعبد" على جملة "إياك نستعين" فلم قدم العبادة على الإستعانة؟ قال الكلبي:"إياك في الموضعين مفعول بالمفعول الذي بعده وإنما قدم ليفيد الحصر، فإن تقديم المعمولات يقتضيي الحصر، فاقتضى قول العبد إيَّاك نعبد أن يعبد الله وحده لاشريك له واقتضى قوله" إياك نستعين"، اعترافا بالعجز والفقر وأنا لانستعين إلا بالله وحده،... أي نطلب العون منك على العبادة على جميع أمورنا وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية ".(20 )
وفيه دليل على بطلان قول المعتزلة والجبرية إذ طلب الاستعانة يعني أن الإنسان قادر على ارتكاب الفعل وفي الوقت نفسه لا يستطيع الأداء وحده فيحتاج إلى الاستعانة من الله عز وجل. فهذا أجمع حكمة الله للفعل وكسب الإنسان لذلك، فهذا معنى الاستعانة في الآية.
وقال الرازي:"أعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أن لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعته إلا بتوفيق الله، لأن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانة الله".( 21)
وفي الإجابة عن تقديم العبادة على الإستعانة وأن الاستعانة يجب أن تكون مقدمة على العبادة، قال الرازي:"كأن المصلي يقول شرعت في العبادة واستعنت بك في إتمامها فلا تمنعني من ذلك بالمرض أو الموت ولا بقلب الدواعي وتغييرها، كأن الإنسان يقول: يا إلهي إني ما أتبت إلا بنفسي إلا أن لي قلبا يفر مني فأستعين بك في إحضاره، فدل ذلك على أن الإنسان لا يمكنه إحضار القلب إلا بإعانة الله".( 22)
وقال أبو زكرياء الأنصاري:"فإن قلت فلم قدم العبادة على الاستعانة، مع أن الاستعانة مقدمة؟ لأن العبد يستعين الله على العبادة ليعينه عليها"( 23) ثم أجاب عن سؤاله قائلا:" قلت الواو لاتقتضي الترتيب، أو المراد بالعبادة التوحيد وهو مقدم على الاستعانة على سائر العبادات ".( 24)
ويمكن أن يكون المعنى أن المؤمن لا يستحق الإستعانة من الله إلا إذا حقق العبادة، ويكون ترتيب الآية على الأصل، فكان العبادة شرط في حصول الاستعانة والمشروط لا يتحقق إلا إذا تحقق الشرط.
ويدل هذا التأويل على أن الدلالة النحوية لا يمكن فصلها عن الدلالة المعجمية لأنها قرينة من أدلة التوجيه في الدلالة النحوية ولعل في تقديم العبادة على الإستعانة سرا له علاقة بدلالة لفظ العبادة فإذا كانت العبادة بمعنى الطاعة مع غاية الخضوع وهو تفسير لغوي قد يكون قاصرا على المعنى العميق لدلالة اللفظ. فما هي العبادة إذن؟
قال حسن البنا:"تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية. ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها إنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه".( 25) ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-19-2017 - 03:05 PM ]


ومن أمثلة هذا النوع من خرق الترتيب لأغراض دلالية قوله ،(26) فلم قدم "لم يلد" على قوله تعالى: "ولم يولد"( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ): مع أن في الشاهد أن يكون أولا مولودا ثم يكون ولدا؟.
فالتقديم هنا مخالف لما ألفه العقل من حيث الواقع، لأن الوالد لايكون كذلك قبل أن يكون مولودا، وذكر الرازي علة هذا التقديم بقوله:"إنما وقعت البداءة بأنه "لم يلد" لأنهم ادعوا أن له ولدا وذلك لأن مشركي العرب قالوا:الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أنه له والد، فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال: "لم يلد" ثم أشار إلى الحجة، فقال: ولم يولد، كأنه قبل: الدليل على امتناع الولدية، اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره".( 27)
استغل علماء الكلام ظاهرة التقديم والتأخير في التأويل واتخذوها سندا
في كثير من الأحيان لما يصبون إليه، وخاصة إذا احتمل المتلقي التأخير والتقديم تأويلا من عنده، فيكون ذلك تحملا على ...النص بدون حجة، ومن هذا القبيل ما أورده الزمخشري عن قراءة بعض المعتزلة: ( 28) بنصب لفظ الجلالة على المفعولية ورفعوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا موسى تقديرا على الفاعلية، والغرض من ذلك أن ينفوا صفة الجسمية عن الله أو تشبيه الله بخلقه لأنه في نظرهم جعله يتكلم كما يعتبر ذلك تجسيما، يجب أن ينزه الله عنه ولهذا قدموا ما أخر وأخروا ما قدم، ويدل ذلك منهم على أن ذهنية المتلقي وما يحمله من خلفيات فكرية وعقائدية تصبح عاملا من عوامل التأويل، ولأمر ما غلب علماء اللغة السماع على غيره من الأدلة، واعتبروه حجة على غيره من الحجج الأخرى كالقياس وغيره.( 29)
و يحتمل في الآية السابقة تقديم المفعول على الفاعل لأن الحركة الإعرابية في الثاني مقدرة ولكن الحركة على لفظ الجلالة واضحة ورافعة للالتباس، ولو قلنا جدلا أنه يجوز أن ينصب اسم الجلالة على المفعولية مقدما، ولكن بدلالة التناص القرآني ترد وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) هذه القراءة وذلك في قوله تعالى: ( 30) رفعت الآية الاحتمال الإعرابي وأغلقت باب التأويل وأبهتت العقل .. وأثبتت أن الله كلم نبيه موسى-عليه السلام-:" فهي تفيد حدوث الكلام عند مجيء موسى للميقات".(31 )
فقد رجح أبو عمرو قراءة الرفع في لفظ الجلالة على النصب بدليل لغوي شرعي وهو الآية التي استدل بها على ذلك. وهذه آلية من آليات تأويل الخطاب وهي التناص القرآني لأن النص الأول اشترك مع الثاني في الموضوع نفسه وهو تكلم الله لموسى وليس العكس. وقد تضاف نصوص أخرى بصفتها أدلة مرجعية لدلالة الحركة الإعرابية التي ترتبت عن تغيرها تغير المعنى من النقيض إلى النقيض.
ومما يؤيد دلالة الجملة (32 )،(وناديناه من جانب الطور الأيمن...الآية)على بقائها على أصلها قوله تعالى: "فهذا يدل على حدوث الكلام عند جانب الطور الأيمن والنداء لا يكون إلا صوتا مسموعا، وهي ترد على الأشاعرة الذين يجعلون الكلام معنى قائما بالنفس بلا حرف ولا صوت، فيقال لهم: كيف يسمع موسى هذا الكلام النفسي؟ فإن قالوا: ألقى في قلبه علما ضروريا بالمعاني التي يريد أن يكلمه بها لم يكن هناك خصوصية لموسى في ذلك، وإن قالوا: إن الله خلق كلاما في الشجرة أو في الهواء ومما يؤيد دلالة الجملة على بقائها ونحو ذلك (33 ) ".( 34) وقال ابن الأنباري:(إني أنا ربك)لزم أن تكون الشجرة هي التي قالت لموسى: ( 35).تكليما: مصدر كلم،... في قوله تعالى"(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) : و"فعل" يجيء مصدرا على التفعيل، كرتل ترتيلا وقتل تقتيلا. وفي ذكر هذا المصدر تأكيد للفعل ودليل على أنه كلمة حقيقة لا مجازا لأن الفعل المجازي لا يؤكد بالمصدر، ألا ترى أنه لا يقال: قال برأسه قولا، وإنما يؤكد الفعل الحقيقي فيقال: قال بلسانه قولا".( 36)
والتأكيد بالمصدر رد على المعتزلة الذين ينفون تكليم الله موسى ورد على الأشاعرة الذين يقولون بالكلام القائم بالنفس وقال ابن قتيبة نافيا المجاز عن هذه الآية:"فأكد بالمصدر معنى الكلام، ونفي عنه المجاز".(37 )
وهذا استدلال بالصيغة الصرفية لتوضيح المعنى ودفع ما يحتمل من المعاني.
ويوجد في كتاب الله آيات كثيرة تدل على أن الله متكلم ويكلم من يشاء من مخلوقاته، ولكن كلام يليق بجلاله: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ). ومنها قوله تعالى: (حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا... ).( 38)
قال أبو حيان:"نفي عنه هذين الوصفين( 39) دون باقي أوصاف الإلهية، لأن انتفاء التكليم يستلزم انتقاء العلم، وانتقاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتقاء القدرة، وانتقاء هذين الوصفين وهما العلم والقدرة يستلزمان انتقاء باقي الأوصاف فلذلك خص هذان الوصفان بانتقائهما".( 40)
اعتمد أبو حيان على الدلالة التبعية التي تعتمد أساسا على الاستلزام، وهي أنه مادام الله قد نفى الكلام عن العجل وهي صفة تستلزم أن يكون إلها. لأن غير المتكلم لا يكون إلها. والنتيجة أن الله متكلم وكلم موسى تكليما.
وحاول الرازي بواسطة الدلالة التبعية القائمة على المقارنة والقياس أن يثبت بهذه الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا إلى السبيل لم يكن إلها لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما فمن لا يكون متكلما لم يصح منه الأمر والنهي والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلها" .( 41)
وقد تنحرف القاعدة النحوية عن المألوف كما ينحرف اللفظ في دلالته على المعنى، والذي يلعب الدور الأساسي هو السياق أو الإستعمال وتعامل المفسرون والمؤولون مع هذه الظاهرة من التفسير والتحليل تعاملا لا يبتعد كثيرا عن منهج الدرس اللغوي الحديث، ولو أخذنا قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) .( 42) قدم الاستغفار على التوبة، وعطف بالحرف "ثم" إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.. التي تفيد الترتيب والتراخي في الزمان مطلقا وهي القاعدة المعروفة عند جمهور النحاة. قال الرازي:"قدم الاستغفار لأنه الداعي إلى التوبة والمحرض عليها يدل ذلك على أن التوبة هي من متممات الاستغفار، وما كان آخرا في الحصول كأن أولا في الطلب فلهذا السبب قدم الاستغفار على التوبة، وفائدة هذا الترتيب: أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف أو أن الاستغفار من الشرك والمعاصي والتوبة من الأعمال الباطلة".(43 )
وقال الإمام أبو زكريا الأنصاري:"ثم للترتيب الإخباري لا الوجودي إذ التوبة سابقة على الإستغفار أو المعنى: استغفروا ربكم من الشرك ثم توبوا أي أرجعوا إليه بالطاعة".( 44)
ونستدل مما سبق أن العلماء قديما قد تناولوا دراسة الدلالة الزمنية في تراكيب العطف في ضوء مطالب السياق، ومن خلال فهم قرائنه المقالية والحالية، ومعنى ذلك أن الحرف "ثم" في الآية لا يجب أن تفهم دلالته بمعزل عن الأسلوب الذي ورد فيه والإحتكام إلى هذه الآية و مثيلاتها هو خير دليل على صحة ذلك.
قال الزمخشري في الآية نفسها:"فإن قلت ما معنى "ثم" في قوله:"ثم توبوا إليه؟. قلت: معناه استغفروا والاستغفار توبة ثم أخلصوا التوبة و استقيموا عليها".( 45)
استدل الزمخشري بالدلالة المعجمية للفظ "استغفروا" وهي بمعنى التوبة وكأنه قال لهم "توبوا إلى ربكم ثم أخلصوا التوبة" وبهذا التأويل يكون الزمخشري قد فر من إشكال لغوي ليقع في مثله و هو أنه إذا كانت لفظة:"استغفروا" بمعنى توبوا فإن ذلك من عطف الشيء على نفسه، وهذا لا يجوز لغة أما من حيث المعنى: فيكون الله قد أمرهم بالتوبة دون إخلاص ثم قال بعد ذلك أخلصوا في هذه التوبة وهذا لا يجوز لأن الله لا يأمر عباده بما لا يقبله منهم شرعا لأن التوبة بدون إخلاص لا تقبل.
وجاء في القرآن فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُقوله تعالى: (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ .( 46) الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ قدم القرآن الكريم في هذه الآية فضيلة العتق والإطعام على الإيمان، في حين أن الإيمان مقدم عليها.
وقال الكلبي عن هذا التأخير في قوله تعالى: : " ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان وفيها إشارة إلى أن (ثم كان من الذين آمنوا) الإيمان أعلى من العتق والإطعام، ولا يصح أن يكون للترتيب في الزمان لأنه لايلزم أن يكون الإيمان بعد العتق والإطعام ولايقبل عملا إلا من مؤمن ".(47)
وقال ابن الأنباري ( ت 577هـ): " وإنما قال: ثم كان من الذين آمنوا. وإن كان الإيمان في الرقبة مقدما على العمل، لأن ثم إذا عطفت جملة على جملة لا تفيد الترتيب، بخلاف ما إذا عطفت على مفرد على مفرد، وقيل أراد به الدوام على الإيمان، والله أعلم".(48)
وربما قدم العمل على الإيمان لأهميته بعد حصول الإيمان لأن تقديم الإيمان معروف بأدلة أخرى. والإيمان بدون عمل لاينفع صاحبه فهما متلازمان، كما قدمت الوصية على الدَّيْنِ مع أنه مقدم عليها بمعاني دلالية، وذلك اعتمادا على أن الله تعالى علمنا من شرعه أن الدين مقدم على الوصية والإيمان مقدم على العمل فخرق الترتيب يثير انتباهنا إلى أهمية الوصية وأنها حق، ويعرفنا أن العمل بعد الإيمان هو الأهم.
وقال الرازي:"أي كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا، فإن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات ولا مقتحما للعقبة فإنه إن قيل لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدما عليها فما السبب في أن الله أخره عنها "والجواب:أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود كقوله:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ:.ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جًدُّهٌ (49)
لم يرد بقوله ثم ساد أبوه: " التأخر في الوجود،وإنما المعنى ثم اذكر أنه ساد أبوه كذلك، أو أن يكون المراد ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان، فإن الموافاة على الإيمان شرط الإنتفاع بالطاعات، أو أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه لمحمد –صلى الله عليه وسلم- ثم آمن بعد ذلك به، فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات ".(50)
إن الأعمال الصالحة بدون إيمان لا تنفع صاحبها، لأن الإيمان شرط في قبول الطاعات وعلى ذلك نقول:إن الكافر إذا تمسك بهذه الفضائل فهو أفضل من المؤمن الذي لم يفعلها وذلك مخالف لما تضافرت عليه نصوص القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى : (51)(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا...).
أما ما ذهب إليه الرازي في أن الكافر إذا أسلم بدل الله سيئاته حسنات فإنه يعارض ما روته عائشة –رضي الله عنها – حيث قالت:"يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: لا. إنه لم يقل يوما: رب اغفرلي خطيئتي يوم الدين".(52)
وخلاصة ما يقال في الآية أن التحرر من غرور الدنيا لا قيمة له إن لم يكن صادرا عن نفس مؤمنة، لأن الإيمان أسمى منزلة من ذلك التحرر، وهذا مضمون الآية التي ورد فيها الحرف "ثم". أي أنه يعمل هذه الأعمال في حالة كونه مؤمنا، وفيه تقديم الدال على المدلول لأهميته لأن الإيمان بدون طاعة أمنية لا دليل على وجودها وإنما أراد الله أن يبين أهمية هذه الأعمال فلذلك قدمت والله أعلم.
ومثل هذا تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وفي الشرع تقديم الدين على الوصية.(53)
قال الرازي:"واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين:(الأول):أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقا على الورثة و كان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا
في إخراجها، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة "أو" على الوصية والدين تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على التسوية".(54)
ونلاحظ أن علماء التأويل كلما عثروا في كتاب الله على تقديم أو تأخير إلا ووجدوا له تخريجات دلالية تبين سبب ذلك الخرق في أصل القاعدة ومن ذلك ما قاله الكلبي:" وإنما قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة اهتماما بها وتأكيدا للأمر بها، ولئلا يتهاون بها وأخر الدين لأن صاحبه يتقاضاه فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه ".(55)
وهذه التأويلات تبين سبب الخرق الذي وقع في الشَّرْع وكذلك الذي وقع في القاعدة النحوية إلا أن القاعدة الشرعية هي التي أثارت أن في الجملة تقديما للمتأخر وتأخيرا للمتقدم، وفيه تنبيهات دلالية على أن الدين مضمون الأداء لأن الشرع يضمنه لصاحبه وهو حي يطالب به أما الوصية فإن صاحبها قد مات وتنفيذها مشكوك فيه فعدمت لذلك.
ويتبين مما سبق أن اللسان العربي وضع "الحرف" في الأصل للدلالة على معنى كتراخي"ثم" بين المتعاطفين في الزمان، ثم استعارهما للدلالة على التراخي بينهما في الرتبة بتباعد ما بينهما في الزمان فهذا المعنى هو نوع التراخي ومجازه، من هنا كان تلاقي الدلالة النحوية مع المجاز وهو استعمال الحرف "ثم" في غير ما وضع له.
2- دلالة اللافتة التعبيرية:
و هي ما يلفت انتباه القارئ أو المتأمل في النص القرآني و يشد ذهنه أو ما يطلق عليه المثيرات الأسلوبية و من ذلك .(56) قال أبو زكرياء الأنصاري: "قوله تعالى:"وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ" فالولد آدم ، وما ولد ذريته، وقال و(ما) ولم يقل و(من)، لأن في (ما) من الإبهام ما ليس في (من) فقصد بها التفخيم والتعظيم"(57)،ففي الآية خَرْقَان الأول: عدم الترتيب الذي تقتضيه الواقعية، واستعمال (ما) وهي لغير العاقل عند النحاة بدلا من (من) للعاقل وهو مجاز ارتبط بالدلالة النحوية.
وفسر الرازي دلالتها بقوله:"أقسم الله بذرية آدم إذ هم أعجب خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى و الأنصار لدينه كل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم و علمه الأسماء".(58)
وهذه نظير قوله تعالى :" فَلَمَّاوَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ(59)..
قال الزمخشري:"تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدرما وهب لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور وأن يجعله وولده أية العالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا".(60)
وهذا المجاز توسع في استخدام المعاني بواسطة علوم العربية ومنها النحو وهو عدول واستعمال كان يطلق عليه قديما " الترخص"، والخطأ والتضمين، وهو دراسة أسلوبية لها علاقة بالقواعد النحوية والصرفية ويقابلها الإستعمال الأصولي ومن أمثلته في الدلالة الصرفية قوله تعالى: حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب...الآية (61)
فقد استعمل اسم الفاعل مكان اسم المفعول في قوله "داحضة" بدل "مدحوضة" قال الشريف الرضى:"وهذه استعارة، والدحض: الزلق، فكأنه قال تعالى: حجتهم ضعيفة غير ثابتة وزلة غير متماسكة، كالواطئ الذي تضعف قدمه فيزلق عن مستوى الأرض ولا يستمر على الوطء وداحضة ههنا بمعنى مدحوضة، وإذا نسب الفعل إليها في الدحوض كان أبلغ في ضعف سنادها و وهاد عمادها فكأنها المبطلة لنفسها من غير مبطل أبطلها، لظهور أعلام الكذب فيها، وقيام شواهد التهافت عليها، وأطلق تعالى اسم الحجة عليها وهي شبهة لاعتقاد المدلي بها أنها حجة وتسمية لها بذلك في حال النزاع والمناقلة".(62)
ويقتضي الاستعمال العرفي أن لفظة:"مدحوضة" في مكان "داحضة" لأن كل مبنى له معنى يؤديه بحسب الأصل، وأن المبنى الواحد يرتبط ارتباطا عرفيا، بمعناه ولا يتعدى إلى غيره، وقد يعدل به عن أصله لخلق آثار ذوقية ونفسية معينة يصير بها ذلك الاستعمال ذا معنى عميق فالمعنى السطحي في دلالة اسم المفعول قائم في الذهن ولكن من خلال الاستعمال الخارق للقاعدة يقفز العقل إلى المعنى العميق الذي يستدل عليه بقرينة الاستعمال العدولي. فحجة الكفار داحضة لنفسها و لضعفها؛ و لضعفها لا تحتاج إلى داحض يدحضها، إذ لو كانت كذلك لكانت قوية، و هذا معنى عميق أفاده العدول.
وتأويل اسم الفاعل باسم المفعول، وتوضيح ما يدل عليه من إيحاءات دلالية عميقة وهو:"جهد يعبر عن طاقة تفسيرية، بمعنى البنية المستعملة إذا تطرق إليها اللبس فإن النحو التوليدي.(63) يرجع هذه البنية الإستعمالية السطحية إلى بنية عميقة بعينها موجودة في اللغة العربية نحوها وصرفها، ولكنها ترتدي عباءة التأويل وعمامة التقدير".(64) وتبين مما سبق أن النحو والصرف العربيين لا يخلوان من الطاقة التفسيرية ويجعلنا ذلك نقر معترفين أن السلف من علمائنا قد أبلوا بلاء حسنا في بناء صدح العلوم العربية، وأن النتائج التي وصلوا إليها تعتبر رائعة، هذا على مستوى الدلالة النحوية والمجاز، وخاصة في مجال التطبيق على النص القرآني.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-19-2017 - 03:06 PM ]


هــوامـش:
1. دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص: 23.
2. إملاء ما من به الرحمن في وجوه الإعراب و القراءات في جميع القرآن، العكبري، الطبعة الثانية، سنة 1321هـ القاهرة، ص:20.
3. أصول التفسير، خالد عبد الرحمن العك، دار النفائس، الطبعة الثانية، سنة 1986م، ص:158.
4. البرهان في علوم القرآن، الإمام الزركشي بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر، تحقيق محمد
أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعرفة للطباعة و النشر بيروت لبنان،ط:02 ، سنة 1391هـ1972 ج1/13
5. البرهان في علوم القرآن ، الزركشي، ج2/173 .
6. الاقتراح في أصول النحو، السيوطي، تحقيق الدكتور أحمد محمد قاسم، الطبعة الأولى، القاهرة سنة 1396هـ-1976م، مطبعة السعادة، ص:07.
7. كتاب العربية والوظائف اللغوية، ممدوح عبد الرحمان الرمالي، دار المعرفة الجامعية ، سنة 1996 ص: 16.
8. العربية والوظائف النحوية، ممدوح عبد الرحمان الرمالي، ص: 16.
9. دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، دار الكتب العلمية ، بيروت-لبنان، ص: 44.
10. كتاب التعريفات ، الجرجاني الشريف ، ص: 56 .
11. قاموس المصطلحات اللغوية و الأدبية ، إميل يعقوب، دار العلم للملايين ، طبعة أولى، سنة 1987م ص: 120
12. قاموس المصطلحات اللغوية و الأدبية ، إميل يعقوب، دار العلم للملايين ، طبعة أولى، سنة 1987م ص: 120
13. دلائل الإعجاز، الجرجاني عبد القاهر، ص:83.
14. المصدر نفسه، ص:84.
15. المصدر نفسه، ص:84.
16. البلاغة القرآنية المختارة من الإتقان ومعترك الأقران، السيوطي، اختيار وتهذيب وتحقيق وتعليق السيد الجميلي، دار المعرفة، القاهرة، سنة 1413هـ- 1993م ، ص: 18
17. الفاتحة: 05
18. الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان، ابن القيم الجوزية، تحقيق جماعة من العلماء بإشراف الناشر دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط2، سنة 1408هـ-1988م، ص: 82.
19. التفسير الكبير،الرازي، ج1/127.
20. كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي، ج1/33.
21. التفسير الكبير، للرازي، ج1/131.
22. المصدر نفسه، ج1/131.
23. فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، أبو زكرياء الأنصاري، حققه وعلق عليه، محمد على الصابوني دار القرآن الكريم، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، سنة 1403هـ-1983م، ص:10-11.
24. المصدر نفسه، ص: 10.
25. لتفسير مقاصد القرآن الكريم، للإمام الشهيد حسن البنا، دار الشهاب، باتنة الجزائر، ص:49-51.
26. الإخلاص :03
27. التفسير الكبير، الرازي، ج8/536.
28. روى هذه القراءة أبو حيان في البحر المحيط، ج1/171.
29. ينظر الكشاف، ج1/582.
30. الأعراف : 143.
31. شرح العقيدة الواسطية لشيخ الاسلام، ابن تيمية، شرح و تأليف محمد خليل هراس، مراجعة عبد الرزاق عفيفي، مكتبة الزهراء، ص: 69.
32. مريم:52.
33. طه: 12.
34. شرح العقيدة الواسطية، ابن تيمية، شرح محمد خليل هراس، ص: 69 .
35. النساء:164.
36. البيان في غريب إعراب القرآن، ابن الأنباري، ج1/277.
37. تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، ص:111.
38. الأعراف: 148.
39. يقصد بالوصفين، الكلام و الهداية ينظر النهر المار من البحر المحيط أبو حيان الأندلسي، ج2/623.
40. النهر المار من البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ج2/623.
41. التفسير الكبير، الرازي، ج4/293.
42. هود : 03.
43. التفسير الكبير، الرازي، ج5/36، 37.
44. فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، أبو زكرياء يحي الأنصاري (ت926هـ) تحقيق محمد علي الصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 1403هـ-1983م، ص: 257.
45. الكشاف، الزمخشري، ج2/258.
46. البلد: 11-17.
47. كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي، دار الكتاب العربي بيروت لبنان. الطبعة الثالثة، سنة: 1401هـ-1981م، ج4/201.
48. البيان في غريب إعراب القرآن، أبو البركات بن الأنباري، تحقيق طه عبد الحميد طه، مراجعة مصطفى السقا. الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، بدون طبعة، سنة: ( 1390هـ- 1970م)، ج2/515 .
49. البيت استشهد به الرازي في التفسير الكبير، ج8/407.
50. التفسير الكبير، الرازي، ج8/407.
51. النور : 39.
52. ذكر الحديث مصطفى حميدة، أساليب العطف في القرآن الكريم، مكتبة لبنان ناشرون الشركة المصرية العالمية للنشر- بونجمان، الطبعة الأولى، سنة 1999م، ص: 178.
53. النساء:11.
54. التفسير الكبير، الرازي، ج3/160.
55. كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي،ج1/132.
56. البلد:03.
57. فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن، ص:612.
58. التفسير الكبير، للرازي، ج8/404.
59. آل عمران: 36.
60. الكشاف، الزمخشري، ج1/425.
61. الشورى: 16.
62. تلخيص البيان في مجازات القرآن، ص:297.
63. ينظر أهمية الربط بين التفكير اللغوي عند العرب ونظريات البحث اللغوي الحديث، الدكتور، حسام البهنساوي مكتبة الثقافة الدينية،سنة 1414هـ-1994م. ص:29.
64. اللغة العربية و قضايا الحداثة، ناصر الدين الأسد، مجلة، فصول، مجلة النقد الأدبي، العدد 2، المجلد الرابع 1984م، ص:135.


قائمة المصادر و المراجع:
1 أساليب العطف في القرآن الكريم، مصطفى حميدة، مكتبة لبنان ناشرون الشركة المصرية العالمية للنشر- بونجمان، الطبعة الأولى، سنة 1999م.
2. أصول التفسير، خالد عبد الرحمن العك، دار النفائس، الطبعة الثانية، سنة 1986م.
3. الاقتراح في أصول النحو، السيوطي، تحقيق الدكتور أحمد محمد قاسم، الطبعة الأولى، القاهرة سنة 1396هـ-1976م، مطبعة السعادة.
4. إملاء ما من به الرحمن في وجوه الإعراب و القراءات في جميع القرآن، العكبري، الطبعة الثانية، سنة 1321هـ القاهرة.
5. أهمية الربط بين التفكير اللغوي عند العرب ونظريات البحث اللغوي الحديث، الدكتور، حسام البهنساوي مكتبة الثقافة الدينية،سنة 1414هـ-1994م.
6. البحر المحيط ، أبو حيـان التوحيدي، تحقيـق عمر الأسعـد، دار الجيـل بيروت الطبعة الأولى، سنة 1416هـ-1995 م.
7. البرهان في علوم القرآن، الإمام الزركشي بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر، تحقيق محمد
أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعرفة للطباعة و النشر بيروت لبنان،ط:02 ، سنة 1391هـ1972
8. البلاغة القرآنية المختارة من الإتقان ومعترك الأقران، السيوطي، اختيار وتهذيب وتحقيق وتعليق السيد الجميلي، دار المعرفة، القاهرة، سنة 1413هـ- 1993م
9. البيان في إعراب غريب القرآن ، أبو البركات بن الانباري، تحقيق طه عبد الحميد طه، مراجعـة مصطفـى السقـا، الهيئـة المصريـة العامـة للتأليف والنشـر سنة 1320هـ - 1970م.
10. البيان في غريب إعراب القرآن، أبو البركات بن الأنباري، تحقيق طه عبد الحميد طه، مراجعة مصطفى السقا. الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، بدون طبعة، سنة: ( 1390هـ- 1970م).
11. تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، شرح ونشـر السيد أحمد صقر،المكتبة العلمية،الطبعة الثالثة، سنة 1401هـ، 1981م.
12. التعريفـات، الشريـف الجرجانـي علـي بن محمد الجرجاني، دار الكتب العلميـة بيروت- لبنان، سنة 1416هـ-1995م.
13. التفسيـر الكبيــر، محمـد فخـر الديـن الـرازي، دار الفكـر بيـــروت الطبعة الثانية، سنة 1398هـ-1978م.
14. تلخيص البيان في مجازات القرآن الشريف، الرضى محمد بن الحسين، تحقيق محمد عبد الغني حسن، دار إحياء الكتب العلمية، القاهرة ، سنة 1955م.
15. دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، دار الكتب العلمية ، بيروت-لبنان.
16. شرح العقيدة الواسطية لشيخ الاسلام، ابن تيمية، شرح و تأليف محمد خليل هراس، مراجعة عبد الرزاق عفيفي، مكتبة الزهراء.
17. العربية و الوظائف النحوية، عبد الله الرمالي، دار المعرفة الجامعية سنة 1996 م.
18. فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، أبو زكرياء الأنصاري، حققه وعلق عليه، محمد على الصابوني دار القرآن الكريم، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، سنة 1403هـ-1983م.
19. الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان، ابن القيم الجوزية، تحقيق جماعة من العلماء بإشراف الناشر دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط2، سنة 1408هـ-1988م.
20. قاموس المصطلحات اللغوية و الأدبية ، إميل يعقوب، دار العلم للملايين ، طبعة أولى، سنة 1987م
21. كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، الكلبي، دار الكتاب العربي بيروت لبنان. الطبعة الثالثة، سنة: 1401هـ-1981.
22. كتاب العربية والوظائف اللغوية، ممدوح عبد الرحمان الرمالي، دار المعرفة الجامعية، سنة 1996
23. الكشاف، الزمخشري.
24. لتفسير مقاصد القرآن الكريم، للإمام الشهيد حسن البنا، دار الشهاب، باتنة الجزائر
25. اللغة العربية و قضايا الحداثة، ناصر الدين الأسد، مجلة، فصول، مجلة النقد الأدبي، العدد 2، المجلد الرابع 1984م.26. النهـر المـار من البحـر المحيـط ، أبـو حيان الأندلسي، تحقيـق عمـر الأشقر دار الجيل، بيروت لبنان، (بدون تاريخ.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
يصدر قريبًا: " الدلالة الإدراكية في الدراسات النحوية " مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 1 04-09-2022 08:10 PM
كيف وصلنا إلى اللغة العربية المعيارية؟ - الجزء الأول: الكتابة للعربية أنتمي مقالات مختارة 0 06-13-2016 12:10 PM
الدلالة النحوية وأثرها في استثمار الأحكام الفقهية من القرآن الكريم مصطفى شعبان البحوث و المقالات 1 03-30-2016 11:52 AM
الخرق من المثلثات د.ضياء الجبوري قضايا لغوية 0 02-27-2016 01:37 AM


الساعة الآن 07:48 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by