mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي ملامح التّوليد في التّراث اللّغويّ

كُتب : [ 02-17-2017 - 04:24 PM ]


ملامح التّوليد في التّراث اللّغويّ
الدكتور إبراهيم محمّد ألبب*

 الملخّص 

يتناول البحث قضيّة من القضايا الهامّة الّتي يقوم عليها تراثنا اللغويّ، وقد جاءت متناثرة في كتب التّراث من دون ضابط يضبطها، أو قانون يحكمها. وهي مع أهمّيّتها لم تُعْطَ حقّها من الدّراسة والبحث. فمبدأ التّوليد يتيح للغة الاستمرار في التّعبير والتتابع في الألفاظ والتّراكيب والمعاني؛ وذلك من خلال إنتاج جملٍ لا حصر لها من مجموعة من الألفاظ والرّموز الكتابيّة المحدودة. ولغتنا العربيّة تقوم على ذلك، ويمكن أن نرى ملامح هذا التّوليد فيها على أربعة أشكال، هي:
- التّوليد الوضْعيّ: وفيه بيان لملامح التّوليد القائم على وضع اللغة في حروفها وكلماتها المعجميّة وأفعالها وأسمائها خارج السّياق الّذي ترد فيه.
- التّوليد السّطحيّ: وفيه يظهر الأثر الموقعيّ للمفردات بناء على تأثير عامل من العوامل. ويكون ذلك في مجال النّحو، والصّرف، واللغة، والأصول.
- التّوليد التّحويليّ: ومفاده أنّ اللغة تتولّد فيها مفرداتٌ وتراكيب بناء على تحويل في مستوى الصّوت أو الصّرف أو النّحو أو الضّرورة الشّعريّة أو قواعد الرّتبة أو الحذف أو الزّيادة.
- التّوليد الدّلاليّ: ويبحث في الدّلالات والمفاهيم الّتي تولّدها مفردات اللغة وتراكيبها. وهو مبنيّ على الحمل على المعنى والأدوات والجمل وبعض قضايا الصّرف وفقه اللغة.
وهذه الأنواع مبثوثة في تراثنا اللغويّ تحت مسمّيات ومصطلحات مختلفة في ألفاظها واحدة في معناها. وإذا كان القدماء لم يسمّوها كما يسمّيها اليوم علم اللغة الحديث فإنّهم قصدوها في كتاباتهم، وأقاموا عليها لغتهم، وحافظوا من خلالها على استمرارهم.

مقدّمة:
كثُر الحديث نهاية القرن الماضي عن مصطلح التّوليد أو التّحويل الّذي يرتكز على مفهومين أساسيين: أوّلهما قدرة المتكلّم على إنتاج جملٍ لا حصر لها من عناصر لغويّة محدودة. وثانيهما مقدرة المتلقّي على تمييز ما هو مقبول نحويّاً ممّا ليس مقبولاً. وتحقيق هذين الشّرطين هو المسمّى بالتّحويل تارةً، والتّوليد تارة أخرى. وتتعدّد آراء علماء غير العربيّة في تحقيق ذلك. فهو إمّا بتحويل الكلمات المعجميّة من حال إلى حال أخرى، وإمّا بتشكيل جمل لا نهاية لها (1).وقد يكون بتضافر مستويات متنوّعة، كمستوى الموضوع، ومستوى أسلوب الدّراسة والتّحليل، ومستوى الهدف، ومستوى الدّلالة (2).
ونُقِلَ عن تشومسكي الّذي أفاد من تقسيم دي سوسير للّغة إلى كلام ولسان أنّه كان يسعى إلى ضرورة أن يكون النّحو قادراً على توليد كلّ الجمل الممكنة في لغة محدّدة ـ ويسمّيها اللغة موضوع الدّرس ـ وذلك من خلال استخدام عدد محدود من القواعد (3). ويقوم النّحو عنده على إنتاج اللغةِ جملاً لا حصر لها من عناصر صوتيّة محدودة. وللوصول إلى ذلك يرفض النّحو الوصفي الّذي يرى فيه عجزا لأنّه لا يتعدّى الوقوف عند الوقائع اللغويّة كما هي. في حين أنّ اللّغة أيّاً كانت تتكوّن من مجموعة محدودة من الأصوات والرّموز الكتابيّة؛ ولكنّها تُنتج أو تولّد جملا لا نهاية لها، وبالتّالي فالنّظريّة مبنيّة على ما يسمّى بلا نهائيّة اللغة. سواءٌ أكان ذلك على صعيد البنية السّطحيّة (الصّغرى)؛ أم على صعيد البنية العميقة (الكبرى) ( 4 ).
ولو تصفّحنا معاجمنا العربيّة لرأينا أنّ التّوليد لغةً يعني التّربية والحداثة والوضع والتّجدّد ونتاج الأشياء وإنشاؤها والقياس على الأصل؛ بل هو كلُّ ما فيه خلق وابتكار وإيجاد وتحديث وإنشاء... (5). وأمّا التّوليد على المستوى الاصطلاحيّ فيعني استخراج أو استحداث أوزان وكلمات جديدة لها أصول عربيّة أو مقيسة على العربيّة. وكثيراً ما يرتبط بالصّيغ الصّرفيّة، وأنواع الاشتقاق؛ كقياس كلمة على أخرى، أو تتابع المفردات ونموّها، أو البحث في الفروع المتحوّلة عن الأصول... (6) . وربّما ارتبط مصطلح التّوليد بما يسمّى بالتّحويل على صعيد المفردات أو الجمل.وقد حاول د رمضان عبد التّوّاب أن يضع حدوداً فاصلة بين التّوليد والتّحويل، فقال: " أمّا التّوليديّ فهو علم يرى أنّ في وسع أيّة لغة أن تنتج ذلك العدد اللانهائيّ من الجمل الّتي ترد بالفعل في اللغة... وأمّا التّحويليّ فهو العلم الّذي يدرس العلاقات القائمة بين مختلف عناصر الجملة، وكذلك العلاقات الممكنة في لغة ما"(7).
والعربيّة واحدة من اللغات الّتي نحت منحى التّوليد أو التّحويل منذ قرون مضت. وقبل أن يكتب علماء العصور المتأخّرة كتب علماؤها وأضاؤوا جوانب اتّساعها وتوليدها ومرونتها. ويبدو ذلك جليّاً واضحاً في إلحاحهم على مصطلحاتٍ يفهم منها غزارة المادّة، والتّوليد غير المتناهي للتّراكيب والمفردات على حدّ سواء، وتتابعها، وثرائها؛ مع محافظتهم على المعنى سليماً وملائماً للّفظ. وأهمّ هذه المصطلحات: سَعَة كلام العرب، والارتجال، والقياس، وحدود اللغة، والنّحو، والاستنباط، والعناية بالألفاظ والمعاني... إلخ.
فابن جنيّ يرى أنّ اللغات (اللهجات) تبقى حجّةً وإنِ اختلفت وذلك بناء على سعة القياس على كلام العرب (8). ويرى في موضع آخر أنّ للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس (9). ولا يخفى على أحدٍ ما أقرّه في حدود اللغة:" أمّا حدُّها فإنّها أصوات يعبّر بها كلّ قومٍ عن أغراضهم" (10). وما هذه الأصوات إلاّ مادّةٌ أوّليّة تستخدم في بناء ما يُراد بناؤه. ويروي عن رؤبةَ وأبيه العجّاج أنّهما كانا يرتجلان ألفاظاً لم يسمعاها ولا سُبِقا إليها (11).
وابنُ فارس ينقل عن بعض الفقهاء قوله: " كلام العرب لا يحيط به إلاّ نبيّ "، ويضيف قائلاً: "وما بلغنا أنَّ أحداً ممّن مضى ادّعى حفظ اللغة كلِّها" (12) .
ويروى عن الإمام الشّافعيّ – رحمه الله – قوله في ذلك: " لسان العرب أوسعُ الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نبيّ " (13).
ويرى السّيوطيّ أنّ الطّريق إلى المعرفة إمّا نقل محض، وإمّا استنباط العقل من النّقل (14).
ولو أمكن لنا قراءة التّراث كاملاً لرأينا أنّ أغلب علماء العربيّة يُقرّون تصريحاً أو تلميحاً بأنّ هذه اللغة مبنيّةٌ على الاتّساع والتّعدّد والارتجال والاستنباط... وغير ذلك من المصطلحات الّتي تدلّ على توليد جملٍ لا حصر لها من المفردات غير المتناهية وهذه المفردات متولّدة بدورها عن حروف الهجاء العربيّة. ويمكن أن نلاحظ هذا التّوليد في أربعة أنواع، هي: توليد وضعيّ. وتوليد سطحيّ. وتوليد تحويليّ. وتوليد دلاليّ.

أوّلاً التّوليد الوضْعيّ:
والمراد به عندنا البذور الأولى للعربيّة؛ بدءاً من خلق اللغة وأصلها المكوّن من الأصوات والحروف، مروراً بالكلمات المختزنة في معاجمنا، وانتهاءً بتصنيف الكلام وتقسيماته المتوارثة ( اسم، وفعل، وحرف ) مجرّدةً عن السّياق أو التّركيب.
وأوّل ما يطالعنا في هذا النّوع من التّوليد هو اللغة نفسها؛ الّتي كثُر القول في أصلها ونشأتها. ولم يصل علماؤنا إلى قرار صائب في أصلها. فابن جنّيّ ينقل عن أهل النّظر أنّها تواضع واصطلاح، ثمّ يعتقد في موضع آخر بأنّها توقيف ووحي (15). ويصرّح في موضع ثالث بجواز الأمرين منبّهاً على مسألة أساسيّة وهي التتابع والزّيادة فيها، فيقول: " فإنّها لا بدّ أن يكون وقع في أوّل الأمر بعضها، ثمَّ احتيج فيما بعد إلى الزّيادة عليه لحضور الدّاعي إليه، فزيد فيها شيئاً فشيئاً " (16).
ويذهب السّيوطيّ إلى شيءٍ من ذلك فيقول: "... إنَّ اللغة لم توضع كلُّها في وقتٍ واحد، بل وقعت متلاحقةً متتالية... وإنَّ أوّلَ ما وضع منها وضع على خلاف... ثمَّ أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها... " (17).
وسواءٌ أكان أصلها الخلق أم الوضع أم التّتابع أم الزّيادة... فإنّها لا تخرج عن مصطلحٍ من المصطلحات الّتي يمكن حملها على التّوليد.
ومعاجمنا العربيّة مبنيّة على التّوليد الوضعيّ باستخدام حروف الهجاء الّتي تتولّد عنها الألفاظ المفردة. وأقرب دليل على ذلك أنّ الخليل بن أحمد عندما وضع أوّل معجم لغويّ (العين) بناه على أساس تقاليب الحروف، ولا نجد معنًى لهذه التّقاليب إلاّ معنى التّوليد.
ولمّا كانت اللغة مرتبطة بمعاجم تحتويها أو تصنّفها أو تحفظها فقد كان من الضّروريّ التّلازم بين عناصر هذه اللغة والمعاجم المتولّدة عنها. وهذه العناصر ليست نمطاً واحداً أو مكوّناً ثابتاً؛ بل هي حروف ( للهجاء أو للمعنى ) وأسماء وأفعال. وكلُّها تتولّد في لغتنا بالوضع؛ لتشكّل ما يمكن وصفه بالنّواة الأولى في مبدأ اللغة وتراكيبها.
فأمّا الحروف فقد حدّدها علماء العربيّة عدداً ومخرجاً وصفةً (18). وهذه الحروف هي المسمّاة بحروف الهجاء، وعليها يقوم مبدأ التّوليد الوضعيّ في المعاجم، حيث تكون عناصر جزئيّة تستخدم في تشكيل مفردات اللغة. ويفهم من عبارة ابن جنّيّ أنّها أصل الوضع اللغويّ أو المعجميّ، يقول: " الحروف يُشْتَقُّ منها ولا تُشْتَقُّ هي أبداً. وذلك أنّها لمّا جَمُدَتْ فلم تتصرّف شابهت بذلك أصول الكلام الأُوَلِ الّتي لا تكون مشتقّةً من شيء لأنّه ليس قبلها ما تكون فرعاً له ومشتقّةً منه " (19).
ويسمّيها الزّجّاجيّ حروف المعجم، وعليها يقع أصل مدار الألسن عربيّها وعجميّها، ويجعلها أصلاً للأسماء والأفعال وحروف المعاني - وإن لم يكن لها معنًى؛ يقول: " فأمّا حروف المعجم فهي أصوات غير متوافقة ولا مقترنة ولا دالّة على معنًى من معاني الأسماء والأفعال والحروف، إلاّ أنّها أصل تركيبها " (20).
وأمّا حروف المعاني أو الأدوات فهي توليد وضعيّ أيضاً، وتستخدم للرّبط بين الكلمات الّتي لا معنى لها في إفرادها، أو لربط الجمل، أو لوصلها، أو لتحويلها من حال إلى حال.
والأسماء في العربيّة مولّدة بالوضع. وقد وُضِعَ كُلٌّ من الثّلاثيّ والرّباعيّ المجرّدين على عشرة أوزان، والخماسيّ المجرّد على أربعة. وهذه المجرّدات لا يضاف شيء عليها، ولكنّها تزاد فتتولّد عنها أوزان تحمل على التّوليد غير الوضعيّ. وربّما أشار بعضهم إلى الوضع فيها بمصطلح الصّوت الموضوع؛ يقول الزّجّاجيّ: " وقال آخرون: الاسم صوت موضوع دالٌّ باتّفاق على معنًى بلا زمان، ولا يدلُّ جزؤه على شيء من معناه " (21).
ويقول العُكْبريّ في حدّ الاسم والوضع فيه: " ومن أقرب حدٍّ حُدَّ به أنّه كلُّ لفظٍ دلَّ على معنى مفرد في نفسه، وقال قوم: هو كلُّ لفظ دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان محصَّل دلالة الوضع " (22).
ولا يخفى على أحد ما قاله الكسائيّ حين سُئِلَ في مجلس يُونُسَ عن قولهم ( لأضربَنَّ أيُّهم يقوم )؛ لمَ لا يُقال: لأضربَنَّ أيَّهم ؟ فقال: " أيّ هكذا خُلِقَتْ " (23).
ويحمل على التّوليد الوضعيّ المبنيّات في اللغة: كالأسماء الموصولة، وأسماء الشّرط، والاستفهام، والإشارة، وأسماء الأفعال والأصوات، وبعض الظّروف، والضّمائر...إلخ.
وقد يكون حديثهم عن أسماء الأفعال أكثر دقّةً ودلالة على التّوليد الوضعيّ؛ حيث سمّتِ العربُ الفعلَ بأسماء (اسم فعل ماض، مضارع، أمر) وهذه التّسمية يمكن حملها على التّوليد الوضعيّ وخلق اللغة. والفائدة من التّسمية بأسماء الأفعال كما يصرّح ابن جنّي هي الاتّساع أو الإيجاز أو المبالغة.. يقول: "فلمّا اجتمع في تسمية هذه الأفعال ما ذكرناه من الاتّساع ومن الإيجاز ومن المبالغة عدلوا إليها بما ذكرنا من حالها "(24). ويصرّح العكبريّ بهذا الوضع في قوله عن أسماء الأفعال: " وفائدة وَضْعِ هذه الأشياء من وجهين... "(25) .
ويقع التّوليد الوضعيّ في الأفعال المجرّدة. وذلك من خلال وضع ستّة أبواب للفعل الثّلاثيّ، سواء أكانت صحيحةً أم معتلّة، لازمةً أم متعدّية، تامّةً أم ناقصة. وتحديد وزن واحد للرّباعيّ المجرّد هو فَعْلَلَ. وعن هذه الأوزان المجرّدة يتولّد ما يسمّى مزيداً بحرف أو بحرفين أو بثلاثة؛ وهو توليد خارج عن إطار التّوليد الوضعيّ.
والأفعال محمولة على الأسماء في توليدها ووضعها، وهي عند سيبويه أنواع، منها الماضي ومنها الأمر ومنها المضارع الّذي لم ينقطع، يقول: " وأمّا الفعل فأمثلةٌ أُخِذَت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم ينقطع، ولما هو كائن لم ينقطع "(26). وهي أثقل من الأسماء وأقلُّ منها تمكّناً، لأنَّ الاسم قد يستغني عن الفعل ولكنَّ الفعل لا يستغني عن الاسم (27).
ويقول ابن يعيش في أصناف الأفعال المجرّدة:" اعلم أنَّ الأفعال على ضربين ثلاثيّة ورباعيّة لا غير"(28). فالمجرّد من الأفعال هو الأصل الّذي يُبْنَى عليه الكلام، وهذا الأصل إنّما تمَّ وضعه وتحديده بأبوابٍ وأوزان هي للماضي: فَعَلَ، وفَعِلَ، وفَعُلَ وعن هذه الأوزان يتولّد المضارع بضمّ العين أو بكسرها أو بفتحها؛ كما يتولّد المزيد.
ويرى د تمّام حسّان أنّ أصل الكلمات المركّبة المحصورة ( ويقصد بها المجرّدة ) هو الجمود والبناء والافتقار المتأصّل، وهي كلمات تتّجه إلى التّقييد لأنّها مجموعات مقفلة محدودة العدد، غير قابلة للاقتراض أو الانتقال من لغة إلى لغة أخرى (29). ولا نرى في هذه المصطلحات إلاّ وضعاً للّغة ومفرداتها تولّد معها منذ نشأتها الأولى.
وفيما تقدّم من حديث عن الحروف والأسماء والأفعال يمكن تصنيفه على أساس التّوليد الّذي تمّ الحصول عليه من خلال وضع اللغة وخلقها، وهو المبدأ الّذي تنطلق منه اللغة فيما يأتي من أنواع أخرى للتّوليد. كما أنّه مدار البحث في تقاليب اللغة واستخدامها وطريقة الإفادة منها.

ثانياً: التّوليد السّطحيّ:
هو شكل من أشكال التّغيير للمفردات بناءً على تأثير قانون صوتيّ أو عامل لغويّ واحد فقط: لفظيّ أو معنويّ. حيث يتمّ عن طريق هذا التّغيير تتابعٌ مولَّد للمفردات سواءٌ أكان ذلك خارج السّياق أم خلال سياقات أو جمل نصّيّة؛ مادّتها الأوّليّة الأسماء والأفعال. ويلعب العامل - في بعضها – دوراً مهمّاً في عمليّة التّوليد هذه، لأنّه يساهم في تصنيف المادّة الأوّليّة وفقاً لوقوعها تحت تأثيره؛ انطلاقاً من فهم العلاقات البنيويّة للغتنا العربيّة، وإدراكها إدراكاً واعياً منسجماً مع قواعدها العرفيّة.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-17-2017 - 04:27 PM ]


ويعدُّ التّوليد الوضعيّ أساساً لهذا النّوع من التّوليد، إذ تُسْتَمَدُّ منه حالات التّتابع أو التّتالي. ويلمح هذا النّوع من التّوليد في العربيّة على أربعة مستويات: النّحويّ، والصّرفيّ، واللغويّ، والمثاليّ.
أ- على المستوى النّحويّ:
ينطلق التّوليد هنا من الأفعال والأسماء المجرّدة بناءً على ما يتفرّع عنهما:
- ففي الأفعال يُرجّحُ أن يكون الأصل ماضياً مجرّداً للمفرد الغائب ( فَعَلَ )، وهو في مفهومنا مولَّد وضعيّ تتولّد عنه جميع الحالات الأخرى مع الضّمائر ومع الأزمنة. فالفعل ذهب مثلاً تتولّد عنه حالات الماضي مع الضّمائر: ذهبَتْ، ذهبا، ذهبوا، ذهبْنَ، ذهبْتُ.... كما يتولّد عنه المضارع مع الضّمائر كافّةً مبنيّاً أو معرباً مرفوعاً: تَذْهَبَنَّ، تَذْهَبَنْ، تَذْهَبْنَ، يَذْهَبُ، أَذْهَبُ، نَذْهَبُ... إلخ. وكذلك يتولّد عنه الأمر بصيغه المعروفة.
وما ألْجَأَنا إلى جعل الماضي أصلاً لغيره هو أنّ النّحاة – وإن كانوا قد اختلفوا في هذه المسألة– رجّحوه على غيره في الأصالة. يقول العكبري في أصل أقسام الفعل: "... وقال آخرون هو الماضي لأنّه لا زيادة فيه، ولأنّهُ كَمُلَ وجودُه فاستحقَّ أن يُسَمَّى أصلاً " (30).
ويقول ابن يعيش في تعريفه: " فالماضي ما عُدِمَ بعد وجوده فيقع الإخبار عنه في زمان بعد زمان وجوده " (31). ويرى السّهيليّ أنّه عند اشتقاق الفعل من المصدر نحتاج إلى صيغةٍ واحدة هي لفظ الماضي فقط، لأنّه أخفُّ وأشبه بلفظ الحدث (32).
- أمّا في الأسماء فالتّوليد أكثر شمولاً واتّساعاً. ونعني بالتّوليد من الاسم صلاحيّتَهُ لأن يحمل فاعليّة أو مفعوليّة أو ابتداء أو.. ويتبيّن من مصطلح النّحاة في حدّ الاسم أنّ كلَّ اسمٍ جائزٌ أن يكون فاعلاً أو مفعولاً أو مبتدأً أو.. يقول الزّجّاجيّ في حدّ الاسم: "الاسمُ في كلام العرب ما كان فاعلاً أو مفعولاً أو واقعاً في حيّز الفاعل والمفعول.هذا الحدُّ داخل في مقاييس النّحو وأوضاعه، وليس يخرج عنه اسم البتّة ولا يدخل فيه ما ليس باسم" (33).
ولو تتبّعنا تعاريف النّحاة للأبواب النّحويّة الّتي تكون مادّتها الأسماء لرأينا أنّها تشير إلى دلالة التّوليد في الأسماء. حيث تتتابع حالات الاسم ومواقعه بين فاعل ومفعول ومبتدأ وخبر.... يقول سيبويه في المبتدأ: " واعلم أنّ الاسم أوّل أحواله الابتداء "(34). ويقول في موضع آخر: " فالمبتدأ مسندٌ والمبنيّ عليه مسند إليه" (35). ويقول العكبري في الخبر: "حقيقة الخبر ما صحَّ أن يقال في جوابه صدق أو كذب" (36). ويقول في الحال: " وأصلها أن تكون اسماً مفرداً لأنّها تستحقّ الإعراب، وكلُّ معرب مفرد... وإنّما وجب أن تكون مشتقّة لأنّها صفة، وكلّ صفة مشتقّة " (37).ويقول ابن يعيش في تعريف الفاعل: " واعلم أنَّ الفاعل في عرف النّحويّين كلُّ اسمٍ ذكرته بعد فعل وأسندت ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم... " (38). ويقول في تعريف المبتدأ: " اعلم أنّ المبتدأ كلّ اسمٍ ابتدأته وجرّدته من العوامل اللفظيّة للإخبار عنه " (39).
فهذه المصطلحات على إطلاقها تشير إلى الكلّيّة، وتحمل على التّوليد السّطحيّ الذي يتمّ من خلاله إطلاق الاسم وصلاحيّته ليتولّد منه ما يقع مرفوعاً (فاعل، مبتدأ، خبر...)، أو منصوباً (مفعول به، فيه، له، حال، مستثنى...)، أو مجروراً ( بالحرف أو بالإضافة ).
ب- على المستوى الصّرفيّ:
يقع التّوليد السّطحيّ على المستوى الصّرفيّ في الأفعال والأسماء وما يتولّد عنهما:
- ففي الأفعال يتولّد عن الثّلاثيّ المجرّد ما يزاد بحرف أو بحرفين أو بثلاثة. ويتولَّد عن الرّباعي المجرّد مزيد بحرف ومزيد بحرفين،كما يتولّد عنه عدّة أوزان ملحقة به (40).
وعن المجرّد أو مزيده يتولّد ما يسمّى بالمشتقّات: كاسم الفاعل، والمفعول، والتّفضيل، والآلة، والزّمان والمكان، والصّفة المشبّهة، والمصدر الميميّ والمرّة والهيئة (41) .
ويرى د تمّام حسّان أنّ هذا الاشتقاق مبنيٌّ على مظاهر القربى فيما بين الكلمات؛ إذ أدرك النّحاة علاقات القرابة بين أفراد طوائف الكلمات من خلال انتمائها إلى رحم واحد يربط بينها (42).
- وفي الأسماء يبدو التّوليد السّطحيّ - كما كان في المستوى النّحويّ – أكثر اتّساعاً وشمولاً وتعدّداً. فمن المقرّر لدى علماء العربيّة أنّ أوزان الأسماء الثّلاثيّة المجرّدة عشرة؛ وتوليدها وضْعيٌّ كما بيّنّا. وعن هذه الأوزان يتولّد - كما يرى السّيوطيّ - ما يقرب من ألفٍ ومئتين وعشرة أوزان (43).
والتّوليد الّذي نقصده هو المسمّى لدى الصّرفيّين بالزّيادة. حيث يزاد الثّلاثيّ بحرف أو بحرفين أو بثلاثة من حروف ( سألتمونيها )، وقد تصل زيادته عند السّيوطيّ إلى أربعة.
وعن الرّباعيّ المجرّد يتولّد توليداً سطحيّاً المزيد بحرف أو بحرفين أو بثلاثة. وكذلك يتولّد عن الخماسيّ المجرّد مزيد واحد. وقد ساق السّيوطيّ أمثلة كثيرة ووافية لذلك (44) .
وعن الأسماء المفردة يتولّد المثنّى والجمع بأشكاله المتنوّعة، كما يتولّد التّصغير والنّسب.
ج – على المستوى اللّغويّ:
من مظاهر التّوليد السّطحيّ في العربيّة مجموعة مسائل تناولها علماؤنا في الدّرس اللغويّ تحت عنوان فقه اللغة. ويبدو التّوليد فيها من خلال تتابعها واستمرارها تارةً، ومن خلال التّبادل وإقامة بعضها مقام غيره تارةً أخرى. وأهمّ هذه المسائل:
- الاشتقاق: ويقصد به هنا ما يسمّى بالاشتقاق الأكبر أو الكبير الّذي تناوله ابن جنّي وغيره من العلماء وبيّنوا فيه توليد الكلام واشتقاق بعضه من بعض (45). وهو عماد التّوليد السّطحيّ لأنّ العربيّة تعتمد عليه اعتماداً كبيراً
في توليد مفردات جديدة. يقول السّيوطيّ: "أجمع أهل اللغة أنّ للغة العرب قياساً وأنّ العرب تشتقُّ بعض الكلام من بعض " (46).
- التّرادف: وفيه تتمّ المخالفة اللفظيّة للدّلالة الواحدة كأسماء السّيف: الحسام، والمهنّد...
- الإبدال والقلب: ويراه بعضهم نوعاً من الاشتقاق. ويقوم التّوليد فيه على إنابة الحروف بعضها عن بعض. وقد نُقِلَ عن ابن فارس " من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض: مَدَحه ومَدَهَهُ، وفرسٌ رِفَلٌّ ورِفَنٌّ " (47).
د- على المستوى المثاليّ:
والمراد بهذا المستوى قضيّة الأصل والفرع، وهي إحدى القضايا الهامّة الّتي شغلت أسلافنا القدماء، فتناولوها بالبحث والتّدقيق والتّعليل... وغلبت على صفحات مؤلّفاتهم، وقدّموا لها الأدلّة والبراهين منصفين حيناً ومغالين حيناً آخر. ولعلّ للذّهنيّة العربيّة وتأثّرها بالمنطق؛ ونمطيّة الإرث الفكريّ دوراً أساسيّاً وفعّالاً في البحث عن الأصالة والفرعيّة. فغلب على تفكيرهم التّقنين والتّأصيل اللّذان انعكسا على جلّ مباحثهم اللغويّة.
فقد جعلوا المذكّر أصلاً والمؤنّث فرعاً، والمفردَ أصلاً والمثنّى أو المجموع فرعاً، والسّكون أصلاً والحركات فرعاً، والإعراب أصلاً والبناء فرعاً، والحركاتِ أصلاً للإعراب والحروفَ فرعاً له، والإفرادَ في الأسماء أصلاً والتّركيبَ فيها فرعاً، والنّكرةَ أصلاً والمعرفةَ فرعاً... (48) .
وقد ذهبوا أبعد من ذلك فشعّبوا القضيّة وأكثروا من تفصيلاتها ومن تجزيئها؛ فراحوا يبحثون عن الأصول في المفردات ذاتها، وعن أصول الفروع وفروع الأصول. فبحثوا عن الأصل في نعم وبئس وحبّذا: نَعِمَ وبَئِسَ وحَبُبَ، ورأوا أنّ الأصل في الجموع كلّها هو الجمع السّالم؛ والأصل في الجمع السّالم أن يكون بالأعلام العاقلة.وأقرّوا أنّ الأصل في التّثنية هو العطف، وفي البناء هو السّكون.كما أقرّوا أنّ العجمة فرع على العربيّة، وأنّ الممنوع من الصّرف فرع على المصروف... (49).
ونحن نرى أنّ المسألة تقوم على التّوليد السّطحيّ، وما هذه الفروع إلاّ عناصر سطحيّة تولّدت عمّا عدّوه أصولاً ممّا وقفوا عنده.
ثالثاً: التّوليد التّحويليّ:
قد لا يقف توليد العناصر اللّغويّة عند الوضعيّ أو السّطحيّ، بل يتعدّاه إلى شكلٍ آخر من أشكال التّغيير، فيتولّد نمطٌ آخر مخالف للأوّل في تركيبه أو دلالته. حيث تتبدّدُ العناصر وتتحوّل بناء على قواعد وقوانين: الأصوات، أو الصّرف، أو العامل النّحويّ، أو الزّيادة أو الحذف أو الرّتبة أو الضّرورة... وتحوّل هذه العناصر يخلق منها أنماطاً جديدة مولّدةً سواء على صعيد المفردات أم على صعيد الجمل المركّبة. وقد عبّر بعضُ المحدثين عن هذا التّوليد بمصطلحاتٍ مختلفة؛ كالدّكتور تمّام حسّان الّّذي يُفردُ عنواناً في كتابه الأصول لما يسمّى بالعدول عن الأصل. يتحدّثُ فيه عن تغيير التّراكيب وتحوّلها، والخروج عن القاعدة المطّردة، وتحوّل المفردات عن أصل وضعها، والتّرخّص في كثير من مسائل اللغة على صعيد المفردات أ و الجمل (50). ويمكن حمل كلّ ما جاء به على التّوليد التّحويليّ.
أ – على المستوى الصّوتيّ:
نجد التّوليد بالتّحويل على هذا المستوى في ظواهر متعدّدة أهمّها ظاهرة الرّسم الإملائيّ، وظاهرة المورفيم، والتّنغيم، والنّبر، والإدغام، والإمالة.
ففي الرّسم الإملائيّ تتولّد في العربيّة أشكال متحوّلة للكلمات الغاية منها أمن اللبس أو الاختصار والإيجاز... من ذلك زيادتهم حرفاً للفرق بين بعض الكلمات، كواو عَمْرو، والألف الفارقة، وألف مائة... ومن ذلك أيضاً حذف الألف اختصاراً من بسم الله، والحرث، ولكن... وحذفها من ما الاستفهاميّة عند اتّصالها بحرف الجرّ: فيمَ، علامَ ؟. ومنه أيضاً وصل بعض الحروف بما بعدها مثل: ألاّ = (أنْ + لا)، أمَّن = (أمْ + مَنْ)، أينما = (أيْنَ + ما) ...وكلُّ هذه المخالفات في الرّسم يمكن حملها على التّوليد بالتّحويل.
ويلعب المورفيم دوراً هامّاً في مسألة التّوليد التّحويليّ، حيث تشكّل عناصره الصّوتيّة حدوداً فاصلة في المعنى عن طريق الاستبدال أو الزّيادة أو الحذف. من ذلك مثلاً: ضربْتَُِ، مُسْتَخْرَِج... وقد أشار ابن جنّيّ إلى شيْءٍ من ذلك في أثناء حديثه عن الفروق في المعنى بين سَعِدَ وصَعِدَ، ونَضَحَ الماء ونَضَخَ (51).
ولا يقلّ أهمّيّةً الدّور الّذي يلعبه التّنغيم في التّوليد التّحويليّ عن دور المورفيم. وإذا كان التّحويل بالمورفيم يرتكز على الاستبدال بين بعض الحروف أو الحركات لتتولّد عنها كلمات أو دلالات محدّدة أو مقيّدة – فإنَّ التّنغيم يساهم في توليد المعاني والدّلالات الأكثر عمقاً وانفتاحاً بتحويلها عن طريق الارتكاز أو الوقف أو التّضامّ أو موقع الكلمة في سياقها. وقد أشار ابن جنّيّ إلى ذلك في باب (نقض الأوضاع إذا ضامّها طارئ عليها )؛ وبيّن فيه أنّ الاستفهام قد يكون للنّفي وقد يكون للإيجاب من خلال التّنغيم (52).
والنّبر أيضاً يمكن فهمه على أساس التّوليد التّحويليّ. وهو عمليّة صوتيّة في المقام الأوّل تتولّد عنها تحوّلات لفظيّة قد تصل إلى مستوى الدّلالة للمفردات المنبورة. وقد أشار إليه ابن جنّيّ في الخصائص بمصطلحات: التّطويح، والتّطريح، والتّفخيم، والتّعظيم، وزيادة قوّة اللّفظ، وإطالة الصّوت... إلخ (53).
والإدغام باب واسع وظاهرة من الظّواهر الّتي تتأثّر بالتّوليد التّحويلي. فهو نوع من التّوليد الّذي يتحوّل فيه الصّوتان المتتاليان المتماثلان أو المتقاربان " فيصيران لشدّةِ اتّصالهما كحرفٍ واحدٍ يرتفع اللّسان عنهما رفعةً واحدةً شديدة " (54).
وهذا التّحويل ليس خاصّاً بحرفٍ محدّدٍ من حروف الهجاء؛ بل يصلح في كلّ حرفين تحقّقت فيهما شروط الإدغام، ومن هنا جعلناه توليداً.
والإمالة أيضاً نوع من أنواع التّوليد المحوّل، حيث يتمّ التّوليد هنا بتحويل الصّوت من شكل إلى آخر أو بإحلال صوتٍ مكان صوتٍ آخر.وقد أشار القدماء إلى هذا المعنى عندما قالوا عن الإمالة: إنّها عدولٌ بالألف عن استوائه وجنوح به إلى الياء مع تغيير في مخرجه ومحافظةٍ على تجانس صوته(55).
ب – على المستوى الصّرفيّ:
هناك ظاهرتان هامّتان من ظواهر الصّرف؛ للتّوليد التّحويلي دورٌ هامٌّ فيهما. وهما الإعلال، والإبدال.
أمّا الإعلال فتكاد كتب التّراث تُجْمِعُ في تعريفه على مصطلح التّغيير الّذي يحمل ملامح التّوليد بالتّحويل. فهو يعني تغيير حرفٍ معتلٍّ من صورة إلى أخرى، أو إقامة حرف من حروف العلّة مكان حرف آخر.ومادّته المحوريّة هي حروف العلّة (الألف والواو والياء) وتلحق بها الهمزة. وينتج عن هذا التّغيير ما يسمّى الإعلال بالقلب، أو الإعلال بالتّسكين، أو الإعلال بالحذف. فقَوَلَ يتولّد عنها قال، ويرميُ تتحوّل إلى يرمي، ويَوْعِدُ إلى يَعِدُ وبايع إلى بائع وكتايب إلى كتائب... وهذه الصّور يمكن حملها على التّوليد بالتّحويل المعتمد على التّكرار والتّتابع واطّراد القاعدة أو القانون الصّرفيّ.
وأمّا الإبدال فهو تغيير أيضاً وتوليد بتحويل الكلمة من صورة إلى أخرى، ولكنّه مختصّ بالحروف الصّحيحة. فيتولّد من اضترب: اضطرب، ومن ازتهر: ازدهر، ومن اوتعد: اتّعدَ، ومن قِرَّاط قيراط، ومن أَرَقْتُ هَرَقْتُ.... وهذا التّوليد ناتج عن التّحويل من حالة إلى حالة أخرى قد تكون أيسر نطقاً وذلك بناء على قانون ما؛ يفترض أن يكون مطّرداً.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-17-2017 - 04:28 PM ]


ج – على المستوى النّحويّ:
تظهر نماذج التّوليد بالتّحويل على هذا المستوى في مجموعة من القواعد الّتي يتحوّل فيها الكلام من شكلٍ إلى آخر بناء على قاعدة العامل أو الرّتبة أو الزّيادة أو الحذف... فتتولّد عن هذا التّحويل جمل أو مفردات أو تراكيب مخالفة للأصل.
ففي قواعد العامل يتمّ التّوليد بأشكال كثيرة حيث يتحوّل عدد من النّماذج من شكل لآخر تحوّلاً مغايراً سواء أكان ذلك على صعيد التّحليل الإعرابيّ أم على صعيد المفهوم الدّلاليّ. فالمبنيّ للمجهول مثلاً يتغيّر فيه لفظ الفعل ليدلَّ تغييره على حذف الفاعل وتحويل المفعول إلى نائب عنه، يقول الزّجّاجيّ في هذا التّغيير: "وقالوا: ضُرِبَ زيدٌ، فدلُّوا بتغيير أوّل الفعل، ورفع زيد على أنَّ الفعل ما لم يسمَّ فاعله،وأنَّ المفعول قد ناب منابه"(56).
والمضارع المرفوع يتولّد عنه بالتّحويل المنصوب والمجزوم. ويتمّ ذلك باستخدام أداة ناصبة أو جازمة. والنّصب قد يكون بأداة ظاهرة وقد يكون بأن مضمرة، وفي الحالتين كلتيهما ملامح للتّوليد بالتّحويل؛ إذ تتولّد عناصر أخرى عن طريق هذا التّحويل، فيخرج الفعل بعد دخول الأداة عليه مخالفاً للأوّل. والجزم أيضاً فيه مخالفة للرّفع من حيث الإعراب والدّلالة. ولا خفاء في المخالفة الإعرابيّة، وأمّا من حيث الدّلالة فإنّ المجزوم يدلّ على المضيّ أو الاستقبال أو النّفي أو غير ذلك. وقد عبّر بعضهم عن هذه المخالفة بالقطع، فقال: " الجزم في اللغة القطع" (57).
والأفعال النّاقصة وما يعمل عملها من الحروف تتحوّل معها الجملة الاسميّة إلى شكل آخر، وهذا التّحويل قائم على التّوليد؛ لأنَّ كلَّ جملة اسميّة في اللغة صالحة لذلك. حيث تتحوّل إلى اسم مرفوع وخبر منصوب للفعل النّاقص. ويسمّيها بعضهم حروفاً لا أفعالاً. ويدلّون في تعابيرهم على الشّموليّة والتّعدّد في توليدها، يقول الزّجّاجيّ: " واعلم أنَّ كلَّ شيء كان خبراً للمبتدأ، فإنَّه يكون خبر هذه الحروف، من فعل وما اتّصل به من فاعل ومفعول وظرف وجملة " (58).
وتستخدم الأحرف المشبّهة بالفعل في توليد الجمل المحوّلة عن المبتدأ والخبر بنصب الاسم ورفع الخبر. وهي حروف مقيسة على (كان) في عملها وفي إفادتها الشّموليّة أو التّعدّد في التّوليد (59).
ومن التّوليد بالتّحويل بناءً على قواعد العامل النّحويّ الأفعال المتعدّية إلى مفعولٍ واحد أو أكثر. وتعبير السّهيلي عن التّحويل فيها مفهوم من قوله: "وهذا وأشباهه من المنقول الّذي صيّر فاعله مفعولا" (60). والنّقل هنا فيه معنى التّحويل. والجملة في التّعدية بأنواعها تتحوّل عناصرها إلى مفاعيل بعد أن كانت غير ذلك.
والأبواب المبنيّة على التّوليد بالتّحويل بناء على قواعد العامل كثيرة جدّاً في نحونا العربيّ. كالتّوابع بأنواعها، وباب النّداء وما يتفرّع عنه،وباب المدح والذّمّ، والتّعجّب، والاختصاص والتّنازع، والجرّ على الجوار، والقطع للمدح أو الذّمّ أو التّرحّم، والإغراء والتّحذير، والاشتغال، والإلغاء والتّعليق، وحذف حروف الجرّ قياساً ....
والضّرورات الشّعريّة أغلبها يقوم على التّوليد بالتّحويل؛ فتتولّد كلمات أو أشكال لعناصر متعدّدة عن طريق تحويلها بالحذف أو الزّيادة أو المخالفة أو التّأخير أو غير ذلك. وقد عَبَّر العكبريّ عن التّحويل في هذه الظّاهرة بمخالفة القواعد الكلّيّة لتصحيح الوزن (61). وكتب الضّرائر مليئة بالأمثلة على ذلك، فابن عصفور مثلاً يحصر هذه الضرائر في الزّيادة والنّقص والتّأخير والبدل. ويتحدّث في كلّ نوع من هذه الأنواع عن الحركة والحرف والكلمة والجملة (62).
والتّوليد بالتّحويل بناء على قواعد العامل يقع في الأدوات النّحويّة المشتركة الّتي يقوم تعدّد الأوجه فيها على هذا المبدأ. فالأداة قد تأتي على أوجه متعدّدة تختلف في استخدامها، وما هذا المجيء الوجهيّ إلاّ توليد للأداة بتحويلها من حالة إلى أخرى وذلك بحسب السّياق الّذي ترد فيه. وكتب الأدوات مليئة بهذه الأوجه الّتي يلمح منها التّوليد المحوّل. من ذلك مثلاً أنَّ ( أيّ ) يتولّد عنها خمسة أوجه(63).و(إذ) تأتي على ستة أقسام (64). والواو تخضع للتّوليد فتتحوّل إلى: العطف، الاستئناف، الحال، المعيّة، القسم، الزّيادة، الثّمانية.. وكذلك يتولّد عن الفاء أوجه متعدّدة، وعن إذا ومتى وما ومَنْ وكيف... (65).
ومن ملامح التّوليد بالتّحويل استناداً إلى قواعد العامل ظاهرة الفصل بين المتلازمين، أو ظاهرة التّضامّ كما يسمّيها د تمّام حسّان (66)؛ كالفصل بين المضاف والمضاف إليه، وبين حرف الجرّ ومجروره، وبين الصّفة وموصوفها، وبين الأعداد وتمييزها، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وبين المبتدأ والخبر، وبين الفعل والفاعل، والصّلة والموصول، والجازم والمجزوم، والنّاصب والمنصوب.... ويمكن حمل كلِّ ما جاء من ذلك على التّوليد بالتّحويل الّذي يتحوّل فيه التّركيب من حالة إلى أخرى.
وفي قواعد الرّتبة نجد أنّ التّقديم والتّأخير من المسائل الهامّة الّتي يلعب فيها التّحويل دوراً أساسيّاً في توليد التّراكيب من خلال تغيّرها من صورة إلى أخرى؛ فينتج عن ذلك تراكيب جديدة مولّدة تغني اللغة وتزيد من اتّساعها. وقد استطرد النّحاة في حديثهم عن هذه الظّاهرة، فرأوها في أبواب متعدّدة، وتناولوها تحت مسمّيات مختلفة. فابن جنّيّ يتناولها تحت عنوان شجاعة العربيّة(67).وهي عند العكبريّ من قبيل الاتّساع (68). ويتحدّث ابن يعيش عن هذه الظّاهرة في أبوابها المختلفة، فيعرض تقديم الخبر على المبتدأ، والمستثنى على المستثنى منه، والمميّز على عامله، وخبر الفعل النّاقص...(69). ويمكن أن نحمل على هذه الظّاهرة التّمييز المحوّل عند النّحاة، فمن المقرّر أنّ تمييز النّسبة أو الجملة يكون محوّلاً عن فاعل أو مفعول أو تعجّب أو تفضيل كقوله تعالى{واشتعل الرّأس شيباً} مريم 4، وقوله{وفجّرنا الأرض عيونا}القمر 12، ومثل: ما أكرمَ زيداً خلقاً. ومثل: عليّ أفضل من زيد علماً. والأصل في هذه الجمل عند النّحاة: اشتعل شيب الرّأس، فجّرنا عيون الأرض، ما أكرم خلقَ زيد، عليٌّ أعلم من زيد. وهذه الأصول دليل على توليد جمل جديدة بالتّحويل من حالة إلى حالة أخرى.
وفي قواعد الحذف تتولّد بالتّحويل جمل تخالف الأصل عن طريق حذف بعض العناصر من التّركيب، حيث يغدو الشّكل المحوّل مخالفاً لما كان عليه، وهذه المخالفة فيها توليد للجمل، وتجديد لعناصرها، وترسيخ لأشكال مستحدثة. وتُحْمَلُ على هذه الظّاهرة جميع أنواع الحذف الّتي تحدَّث عنها النّحاة شريطة أن يكون فيها تغيير ما، أو توليد مخالف للشّكل الأصلي لقواعد الأساس. ويقع هذا التّغيير الحذفيّ على مستويات متعدّدة من العربيّة.فقد يكون حذفاً للحرف، أو للفعل، أو للاسم.
ففي الحروف يكون الحذف على أنواع تتولّد منها أشكال مختلفة، منها: حذف قياسيّ مطّرد للحرف كيَعِدُ، ومنها حذف سماعيّ على غير القياس.كحذف اللام من الأسماء السّتّة،ومنها حذف الحرف لكثرة الاستعمال كقولهم ويلُمّه. وحذف للحرف مع توليد جديد في العمل كتمرّون الدّيارَ. وفي الأفعال يحمل حذف الفعل تغييراً للتّراكيب وتوليداً لها بالتّحويل من شكلٍ إلى آخر. وقد تناول ابن يعيش هذه الظّاهرة تحت عنوان المنصوب بالمستعمل إظهاره(70). وذكر ابن جنّيّ أنّ حذف الفعل على ضربين: الأوّل حذفه مع الفاعل، والثّاني حذفه وحده (71). وفي الأسماء يكون الحذف جائزاً ويكون واجباً، ويقع في أبواب نحويّة متعدّدة، منها: المبتدأ، والخبر، والمضاف والمضاف إليه، والموصول، والصّفة، والمفعول به، والحال... وسواء أكان الحذف في الحروف أم في الأفعال أم في الأسماء فإنّه يُحمل على التّوليد بالتّحويل الّذي يتغيّر فيه التّركيب فيتحوّل من صورة إلى أخرى.
وفي قواعد الزّيادة يُستخدم كثير من مفردات اللغة زائداً ولا سيّما الأدوات. وفي هذه الزّيادة توليد تتحوّل فيه الأداة من عنصر فعّال يحمل دلالة وعملاً إلى عنصر لا ضرورة له، يلغى فيه العمل؛ وبالتّالي تلغى معه الدّلالة أيضاً. ونجد حديثاً مطوّلاً للنّحاة في كتب التّراث عن زيادة: كان، وإن، وأن، والباء، وعلى، وعن، والفاء، وفي، والكاف، واللام، ولا، وما، ومن (72).

رابعاً: التّوليد الدّلاليّ:
المقصود به الدّلالات والمفاهيم المستفادة من مفردات اللغة وتراكيبها عندما توضع في سياقات مختلفة. حيث نجد في اللغة دلالات تتولّد عن تصريف كلمة من الكلمات، أو استخدام قاعدة ما، أو تركيب جملة بحذف أحد عناصرها أو إضافة عنصر جديد لها. وقد تتولّد الدّلالة عن كثرة الاستخدام أو عن مفاهيم مستحدثة لكلمات توارثتها الأجيال بطريقة أو بأخرى. وهذا يقوم على انفتاح دلاليّ لألفاظ محدّدة. وقد يُلمحُ في تراثنا شيءٌ من هذا المفهوم. فالسّيوطي ينقل عن الرّازيّ قوله: " لا يجب أن يكون لكلّ معنى لفظ، لأنَّ المعاني الّتي يمكن أن تُعْقَلَ لا تتناهى، والألفاظ متناهية.." (73). ويرى السّهيليّ أنّ أحرف المضارعة تُنْبِئُ عن معانٍ زائدةٍ على معنى الكلمة في حروفها الأصليّة (74).
ويمكن أن نرى بذور هذا التّوليد في تراثنا في مجموعة من القضايا المتناثرة، أهمّها:
أ- مواضع الاحتمال على المعنى: قد نجد معاني في اللغة مؤدّاة بغير الألفاظ الّتي في أذهاننا أو الّتي توارثناها. وما ذلك إلاّ من باب التّوليد الّذي عبّر عنه القدماء بمصطلحات مختلفة. فابن جنّيّ يذكر باباً بعنوان (باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد) يرى فيه الظّاهرة اتّساعاً وشرفاً للمعنى(75). ونلمح التّوليد الدّلاليّ عنده في فصل عقده بعنوان الحمل على المعنى ذكر فيه تأنيث المذكّر، وتذكير المؤنّث، وتصوّر معنى الواحد في الجماعة، والجماعة في الواحد،والعطف على المعنى، ونصب المفعول بمضمر... (76).
ب- التّوليد الدّلاليّ في الأدوات: ويحتمل أن يكون من أغنى مواضع البحث النّحويّ في توليد الدّلالات وتنوّعها. وتفيض كتب الأدوات بهذه المسألة حيث تُثْبِت كثيراً من الأدوات الّتي تتولّد عنها في السّياق دلالات متعدّدة. منها: أم، وأل، وإمّا، وأو، وإلى والباء... كما تثبت أنّ بعض الأدوات تتولّد عنها دلالة أداة أخرى، فأو تأتي بمعنى الواو للجمع المطلق، وإلى بمعنى اللام، وعن بمعنى بعد... (77) .
والأداة – كما يقرّر بعضُ المحدثين - هي الّتي تقود إلى معنى النّفي أو التّأكيد أو الاستفهام أو الأمر أو العرض أو التّحضيض أو التّمنّي أو التّرجّي أو النّداء أو الشّرط أو... (78).
ج- التّوليد الدّلاليّ في الجمل: وفي الجمل قد تتولّد عن الجملة الإنشائيّة دلالات متعدّدة كالتّمنّيّ، أو الاستفهام، أو الأمر، أو النّهي، أو النّداء... ويمكن أن يتولّد عن الجملة الخبريّة النّفي، أو الإثبات أو الجواب... وكلّ ذلك بإضافة أو حذف عدد من العناصر المساعدة في بناء الجملة. وقد يساعد التّوليد الدّلاليّ للجمل في تعليل ظاهرة أو ترجيح قاعدة أو إباحة عمل نحويّ أو غير ذلك. وانطلاقاً من الدّلالة أجاز عدد من النّحاة التّعاطف بين الجملتين الخبريّة والإنشائيّة (79).كقوله تعالى:{يا أيّها الّذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله... وبشّر المؤمنين} الصّفّ 10- 13. فعطف الإنشائيّة ( بشّر ) على الخبريّة ( تؤمنون ) لأنّ الفعل هنا بمعنى ( آمنوا ).
د- التّوليد الدّلاليّ في قضايا الصّرف: تشكّل المشتقّات خاصّةً مادّةً غزيرة للتّوليد الدّلاليّ في الصّرف العربيّ؛ فهي تمدّ المفردات والسّياقات بدلالات هامّة يكاد لا يخلو منها كتاب من كتب الصّرف، وعن طريق ألوان من التّصريف تتولّد مفاهيم لا يمكن الوقوف عليها من دونه. وتكاد معظم أشكال التّوليد والارتجال في اللغة تنحصر في الصّيغ الصّرفيّة، وهذا التّوليد مشروط بصحّة المعنى. فالصّيغة صالحة للتّوليد بناءً على ما تدلُّ عليه من معانٍ أو بناء على ما يسمح به المعنى. ويقرّر د تمّام حسّان: "أنّ العناصر القابلة للتّحوّل والتّطوّر في اللغة هي المفردات ذات الصّيغ... فتطوّر اللغة دائماً يأتي عن طريق المفردات تعريباً أو توليداً أو ارتجالاً أو ترجمة... ولا يأتي عن طريق إضافة حروف أو ظروف أو ضمائر... أو إضافة صيغ صرفيّة جديدة... " (80). وقد تبدو هذه الدّلالات صريحة في بعض الأبواب. فالتّصغير مثلاً يقع في الكلام على ثلاثة أضرب: للتّحقير، ولتقليل العدد، ولتقريب البعيد. ويفهم من عبارات بعضهم أنّهم أرادوا منه توليد دلالة في الاسم من خلال تغييره، يقول ابن يعيش: " اعلم أنّ التّصغير والتّحقير واحد، وهو خلاف التّكبير والتّعظيم. وتصغير الاسم دليل على صغر مسمّاه، فهو حِلْيَةٌ وصِفَةٌ للاسم؛ لأنّك تريد بقولك رُجَيل رجلاً صغيراً وإنّما اختصرتَ بحذف الصّفة وجعلت تغيير الاسم والزّيادة عليه علماً على ذلك المعنى " (81).
والنّسب من التّوليد بالدّلالة لأنّه " يضيف شيئاً إلى بلدٍ أو قبيلةٍ أو صناعةٍ إضافةً معنويّةً، كقولك: مكّيّ وتميميّ. وإنّما سُمِّيَ نَسَباً لأنّك عرّفته بذلك كما تعرّف الإنسان بآبائه... وإنّما زيد على الاسم المنسوب في النّسب حرفان لنقله إلى المعنى الحادث " (82).
واسم الفاعل يُشتقّ من المبنيّ للمعلوم للدّلالة على من وقع منه الفعل. واسم المفعول مشتقّ من المبنيّ للمجهول للدّلالة على من وقع عليه. وكلاهما يكون من الصّفات الجارية الدّالّة على الحدوث والتّجدّد. والصّفة المشبّهة تدلّ على الثّبوت، واسم التّفضيل على الزّيادة بالمفاضلة بين شيئين، واسما الزّمان والمكان لإفادة زمان الفعل ومكانه، واسم الآلة للدّلالة على آلة الحدوث، ومصدرا المرّة والهيئة للدّلالة على عدد الحدوث أو هيئته (83).
فصغر المسمّى، وتعريف الاسم في النّسب، والحدوث والتّجدّد، والثّّبوت، والزّيادة بالمفاضلة، ومكان الحدث أو زمانه أو... إلخ ما هي إلاّ توليد دلاليّ للألفاظ محورها الأساسيّ قاعدة صرفيّة متّبعة للوصول إلى دلالة جديدة يُسْعَى إليها.
هـ التّوليد الدّلاليّ في قضايا فقه اللغة: يمكن حمل عدد من القضايا الّتي درست في التّراث تحت عنوان فقه اللغة على أنّها دلالات تولّدت من ألفاظ أو جمل أو متشابهات أو... وقد حفظ لنا التّراث كمّاً ضخماً منها. ومن القضايا الّتي يُلمحُ فيها هذا التّوليد ما نجده عند السّيوطيّ من حديث عن الألفاظ يتعلّق بـ: المشترك اللّفظيّ، والتّضادّ، والنّحت، ومعرفة الإتباع، ومعرفة العامّ والخاصّ، ومعرفة المطلق والمقيّد، ومعرفة المشجّر... (84).
والقضايا الّتي تحمل على ذلك كثيرة جدّاً. ونكتفي هنا بالوقوف عند بعض الأنواع لنبرهن على صحّة حملها على التّوليد الدّلاليّ. يقول عن المشترك اللفظيّ: " وقد حدّه أهل الأصول بأنّه اللفظ الواحد الدّالّ على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السّواء عند أهل تلك اللغة... ومن النّاس من أوجب وقوعه؛ قال: لأنّ المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية... " (85).
وينقل عن ابن فارس في باب النّحت: " العربُ تنحت من كلمتين كلمةً واحدة، وهو جنس من الاختصار، وذلك رجلٌ عبشميّ، منسوب إلى اسمين... " (86).
وينقل عن أبي الطّيّب اللّغويّ في باب المشجّر قوله: " وإنّما سمّينا الباب شجرة لاشتجار بعض كلماته ببعض أي تداخله، وكلُّ شيء تداخل بعضه في بعض فقد تشاجر " (87).
ثمّ يسوق تمثيلاً للاشتجار يباح فيه الحمل على التّوليد الدّلاليّ. من ذلك قوله:
* شجرة: العين: عين الوجه، والوجه: القصد، والقصد: الكسر، والكسر: جانب الخباء، والخبء: السّحاب، والسّحاب: اسم عمامة...
* فرع – والعين: عين الشّمس، والشّمس: شِمَاسُ الخيل، والخيل: الوهم، والوهم: الجمل الكبير، والجمل: دابّة من دوابّ البحر، والبحر: الماء الملح، والملح... (88).
وهكذا إلى ما هنالك من الدّلالات غير المتناهية الّتي يمكن حملها على التّوليد والتّتابع والتّعدّد.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-17-2017 - 04:30 PM ]


الخاتمة:
لعلَّ في الصَّفحات القليلة السّابقة بذوراً أولى، وملامح جديدةً لبناء تراثنا اللّغويّ، وثراء مفرداته، وجمله، وظواهره المختلفة. حيث يمكن القول: إنَّ لغتنا العربيّة تحمل من مظاهر التّوليد، ومسائل التّجدّد والاستمرار والمواكبة ما لا تحمله لغات كثيرة. فهي غنيّة المفردات، غزيرة المعاني والدّلالات، متباينة الأشكال والأنماط. وربّما كان مردُّ معظم ذلك إلى قضيّة التّوليد الّتي تمدُّ اللغة بما لا ينتهي؛ على مستويات مختلفة: صوتيّة، وصرفيّة، ونحويّة، ودلاليّة. كما أنّ الصّفحات السّابقة تُفضي بنا إلى مجموعة من النّتائج؛ قد يكون من أهمّها:
- تتّسم العربيّة بالتّجدّد والثّراء والحداثة ومواكبة المستجدّات. وكلّ ذلك مبنيّ على التّوليد في المفردات والجمل.
- اللغة مولّدة بالوضع، ويتجلّى هذا التّوليد بالحروف ثمّ الكلمات فالمعاجم اللّغويّة الّتي تشكّل رافداً هامّاً من الرّوافد الّتي تمنح اللغة صفة اللاتناهي.
- الأصول الأولى للعربيّة تولّدت بناء على الوضع أو المواضعة، وهذه الأصول ليست نمطاً واحداً. وإنّما هي حروف ( للهجاء أو المعنى )، ومبنيّات، ومفردات ( للأسماء أو للأفعال )، وصيغ صرفيّة، وأبنية، وأوزان، وأزمنة... إلخ.
- إنّ أشكال التّوليد في العربيّة متضامّة متلازمة. فكلّ شكلٍ ينتهي إلى التّالي ليساهم في بناء ما بعده.
- ركّز البحث على قضايا هامّة تتعلّق بالأصالة والفرعيّة؛ كانت عبر قرون مضت مدار فلك النّحاة واللّغويّين. فعدّها مادّة صالحة للتّوليد السّطحيّ. حيث بيّن أنّ التّوليد في الأفعال ينطلق من الماضي المجرّد، وأنّ توليد الأسماء يرتبط بانفتاح الاسم وصلاحيّته ليكون في حقل من حقول المرفوعات أو المنصوبات أو المجرورات؛ أو ليتولّد عنه المزيد بأوزانه والمثنّى والمجموع والمؤنّث والمنسوب والمصغّر... - أظهر البحث أنّ عدداً من مسائل اللغة يبنى على التّوليد كالاشتقاق والقلب والإبدال والتّضاد....
- بيّن البحث أنّ عدداً من ظواهر المستويين: الصّوتيّ والصّرفيّ يمكن حملها على التّوليد بالتّحويل؛ كالمورفيم، والتّنغيم، والنّبر، والإدغام، والإمالة، والإعلال، والإبدال....
- حاول البحث أن يقف عند كثير من قضايا النّحو القائمة على التّوليد سواء أتناولها النّحاة على هذا الأساس أم لا. فاستطاع أن يُثبت تحوّل الكلام من شكل إلى آخر بناء على قواعد العامل أو التّضامّ أو الرّتبة أو الحذف أو الزّيادة أو الضّرورة الشّعريّة أو....
- حاول البحث إيجاد نوع من الارتباط بين الدّلالة والتّوليد. فعزا عدداً من الدّلالات إلى التّوليد بناء على سياقات مختلفة؛ كمواضع الحمل على المعنى، والتّوليد دلالةً في الأدوات، والجمل، والصيغ الصّرفيّة، وبعض القضايا المختلفة في فقه اللغة.

--------------
الحواشي:
(1) انظر كتابي د سعيد حسن بحيري: نظريّة التّبعيّة في التّحليل النّحوي ص 296. وعلم لغة النّصّ المفاهيم والاتّجاهات
ص 245.
(2) انظر المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي،د رمضان عبد التّوّاب ص 187.
(3) انظر علم لغة النّصّ ص 246 وما بعدها
(4) انظر النّحو العربيّ والدّرس الحديث دعبدة الرّاجحيّ ص 109 وما بعدها.
(5) انظر مادّة ( ولد ) في لسان العرب، وتاج العروس.
(6)انظر فصول في فقه العربيّة د رمضان عبد التّوّاب ص 290 وما بعدها.
(7) المدخل إلى علم اللغة ص 188.
(8) الخصائص لابن جنّي 2 / 10.
(9) نفسه، 1 / 189.
(10) نفسه 1 / 33.
(11) نفسه 2 / 25.
(12) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسّيوطيّ 1 / 64.
(13) نفسه 1 / 65.
(14) نفسه 1 / 57.
(15) انظر الخصائص 1 / 40، 47.
(16) نفسه 2 / 28.
(17) المزهر 1 / 55 – 56.
(18) انظر الكتاب لسيبويه 4 / 431 وما بعدها.
(19) الخصائص 2 / 37.
(20) الإيضاح في علل النّحو ص 54 .
(21) نفسه 49.
(22) الّلُباب في علل البناء والإعراب 1 / 45.
(23) الخصائص 3 / 292.
(24) نفسه 3 / 47.
(25) اللّباب 1 / 445.
(26) الكتاب 1 / 12.
(27) نفسه 1 / 20 – 21.
(28) شرح المفصّل 7 / 152.
(29) الأصول، ( دراسة ايبستمولوجيّة لأصول الفكر اللغوي العربي ) ص 130.
(30) اللباب 2 / 15.
(31) شرح المفصّل 7 / 4.
(32) نتائج الفكر في النّحو ص 69.
(33) الإيضاح ص 48.
(34) الكتاب 1 / 23.
(35) نفسه 2 / 78.
(36) اللباب 1 / 135.
(37) اللّباب 1 / 284- 285.
(38) شرح المفصّل 1 / 74.
(39) نفسه 1 / 83.
(40) لمزيد من التّفصيل انظر: اللباب 2 / 214 – 218.
(41) انظر شرح المفصّل 6 / 68 وما بعدها.
(42) الأصول ص 131.
(43) المزهر 2/4.وانظر أيضاً اللباب 2 /210 – 212.
(44) نفسه 2 / 28 وما بعدها.
(45) انظر الخصائص 1 / 5 وما بعدها، والمزهر 1 / 345 وما بعدها.
(46) المزهر 1 / 345.
(47) نفسه 1 / 460، وانظر 1 / 476.
(48) انظر على سبيل المثال: الخصائص 2/31-32، والإيضاح ص 56 وما بعدها، وشرح المفصّل1/51 وما بعدها،واللباب1/471و2/178وما بعدهما.
(49) انظر: اللباب 1/ 66، 96، 112، 188، 500، 505.
(50) انظر الأصول ص 144 وما بعدها.
(51) انظر الخصائص 1 / 65.
(52) الخصائص 3 / 269.
(53) نفسه 2 / 362 – 371.
(54) شرح المفصّل 10 / 121.
(55) نفسه 9 / 54 .
(56) الإيضاح 69، وانظر أيضاً شرح المفصّل 7 / 69.
(57) اللباب 2 / 47.
(58)كتاب الجمل في النّحو ص 42.
(59) نفسه ص 53.
(60) نتائج الفكر في النّحو ص 327 .
(61) اللباب 2 / 96.
(62) انظر ضرائر الشّعر ص 17 وما بعدها.
(63) انظر مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام، ص 107 وما بعدها.
(64) انظر الجنى الدّاني في حروف المعاني للمراديّ، ص 185 وما بعدها.
(65) انظر هذه الأدوات وغيرها في مظانّها من المغني والجنى الدّاني.
(66) انظر اللغة العربيّة معناها ومبناها ص 223 وما بعدها.
(67) الخصائص 2 / 382 – 387.
(68) اللباب 1 / 153.
(69) انظر شرح المفصّل 1/92، 2/73، 79، 7/112.
(70) نفسه 1 / 125.
(71) الخصائص 2 / 379 – 380
(72) انظر هذه الأدوات في مظانّها من المغني، والجنى الدّانيّ.
(73) المزهر 1 / 41.
(74) نتائج الفكر في النّحو 117.
(75) الخصائص 2 / 466.
(76) نفسه 2 / 411 .
(77) انظر هذه الأدوات ودلالاتها في مظانّها من المغني والجنى الدّانيّ.
(78) انظر اللغة العربيّة معناها ومبناها ص 125.
(79) انظر المغني ص 627 وما بعدها.
(80) اللغة العربيّة معناها ومبناها ص 151 .
(81) شرح المفصّل 5 / 113.
(82) اللّباب 2 / 143.
(83) انظر دلالة هذه المشتقّات في مظانّها من الجزء السّادس في شرح المفصّل.
(84) انظر المزهر 1 / 369 وما بعدها.
(85) نفسه 1 / 369.
(86) نفسه 1 / 482.
(87) نفسه 1 / 454.
(88) نفسه 1 / 454 – 457.


المراجع:

1- الأُصول ( دراسة ايبستِمولوجيّة لأصول الفكر اللغويّ العربيّ )، د تمّام حسّان، دار الثّقافة، الدّار البيضاء، المغرب، ط1، 1981 م.
2- الإيضاح في علل النّحو لأبي القاسم الزّجّاجيّ، تحقيق د مازن المبارك، دار النّفائس، بيروت، ط4، 1982م.
3- تاج العروس من جواهر القاموس للزَّبيديّ، تحقيق عبد السّتّار أحمد فرّاج، سلسلة التّراث العربيّ، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1971 م.
4- الجنى الدّانيّ في حروف المعاني للمراديّ، تحقيق د فخر الدّين قباوة، والأستاذ محمّد نديم فاضل، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1983 م.
5- الخصائص لابن جنّيّ، تحقيق محمّد علي النّجّار، دار الهدى، بيروت، ط2، د. ت.
6- شرح المفصّل لابن يعيش، عالم الكتب بيروت، مكتبة المتنبّي القاهرة، د. ت.
7- ضرائر الشّعر لابن عصفور الإشبيليّ، تحقيق السّيّد إبراهيم محمّد، دار الأندلس، ط1، 1980 م.
8- علم لغة النّصّ المفاهيم والاتّجاهات، د سعيد حسن بحيريّ، مكتبة الأنجلو المصريّة،ط1، 1993م.
9- فصول في فقه اللّغة العربيّة، د رمضان عبد التّوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط5، 1997 م.
10- الكتاب لسيبويه، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، عالم الكتب بيروت، ط 6، 1966 م.
11- كتاب الجمل في النّحو لأبي القاسم الزّجّاجيّ، تحقيق د علي توفيق الحمد، مؤسّسة الرّسالة بيروت، ودار الأمل الأردنّ، ط 1، 1984 م.
12- اللّباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء العُكبريّ. ج1 تحقيق غازي مختار طليمات، وج2 تحقيق د عبد الإله نبهان. دار الفكر المعاصر بيروت، ودار الفكر دمشق، ط1، 1995 م.
13- لسان العرب لابن منظور، طبعة مصوّرة عن طبعة بولاق، الدّار المصريّة للتّأليف والتّرجمة.
14- اللّغة العربيّة معناها ومبناها، د تمّام حسّان، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ط2، 1979 م.
15- المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغويّ، د رمضان عبد التّوّاب، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1985 م.
16- المزهر في علوم اللغة وأنواعها لجلال الدّين السّيوطيّ، بعناية محمّد أحمد جاد المولى، محمّد أبو الفضل إبراهيم، علي محمّد البجّاويّ، دار التّراث، القاهرة، ط3. د ت.
17- مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاريّ، تحقيق د مازن المبارك، ومحمّد علي حمد الله، مراجعة سعيد الأفغانيّ، دار الفكر بيروت، ط5، 1979 م.
18- نتائج الفكر في النّحو للسّهيليّ ( عبد الرّحمن بن عبد الله )، تحقيق د محمّد إبراهيم البنّا، دار الرّياض، ط2، 1984 م.
19- النّحو العربيّ والدّرس الحديث (بحث في المنهج)، د عبده الرّاجحيّ، دار النّهضة العربيّة، بيروت، 1979م.
20 - نظريّة التّبعيّة في التّحليل النّحويّ، د سعيد حسن بحيريّ، مكتبة الأنجلو المصريّة، ط1، 1988 م.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
بين التّوليد والنّحت.. إليكم كلمات جديدة باللغة العربية! شمس البحوث و المقالات 0 06-23-2018 05:06 PM
المؤتمر الوطني: التّعايش اللّغويّ في الجزائر بين العربيّة والمازيغيّة مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 04-15-2018 07:29 AM
اللّسَانُ فِي الفِكْرِ العَرَبِيّ اللّغويّ شمس البحوث و المقالات 0 06-12-2016 12:01 AM
التَّصحيفُ اللّغويّ في نصّ الحَديث، وأثَره في الفَهم والاستنباط أ.د عبد الرحمن بو درع مقالات أعضاء المجمع 0 07-08-2015 10:17 PM
وفاة شيخ محقّقي التّراث الإسلاميّ بجامعة أم القرى إدارة المجمع أخبار ومناسبات لغوية 2 12-22-2014 12:10 PM


الساعة الآن 02:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by