سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثالثة والأربعون: الأستاذ الدكتور يوسف عز الدين (يرحمه الله) – عضو مجمعي اللغة العربية بالعراق والقاهرة، ورأيه في الصعوبات أمام التعريب:
تقف أمام توحيد التعريب بل التعريب نفسه، كما كان في الجزائر، عدة عقبات مصطنعة منها:
1-عدم إيمان بعض الدارسين بالتعريب نفسه؛ إذ يضع الدارس العقبات تهربًا من التعريب، وكسلاً من ممارسته وشعورًا بالنقص فيظن اللغة الأجنبية تكسبه زهوًا وفخرًا.
2-الاعتذار أننا يجب أن نعرِّب كل ما صدر عن الغرب من العلوم، حتى تكون المعلومات العلمية متوافرة؛ ليكون التعريب سهلاً عليهم، وتكون لدينا حصيلة لغوية كافية.. وهذا العذر بعيد عن الواقع؛ لأن عملية الانتظار حتى يتم هذا التعريب سيضع فرصًا من الاستفادة من التطور السريع للاكتشافات العلمية، ونحن بحاجة إلى مسايرة الركب الحضاري.
3-الادعاء أن التعريب سوف يكون سببًا في تدني المستوى العلمي. فهل هبط هذا المستوى في اليابان، والصين، وروسيا، والدول التي تدرس العلوم بلغاتها؟ أم أنها أبدعت وتقدمت وتطورت؟ لقد حدث العكس، فقد جاء التطور نتيجة فهم النظريات العلمية الجديدة بلغاتها وممارسة التجارب الكثيرة في الأمم الأخرى، كما أن بعض الأقطار العربية، تدرس العلوم باللغة العربية، وقد تفوق الخريجون منها لما ذهبوا لإكمال دراساتهم العليا في بلاد الغرب.
4-ادعاء بعض الدارسين أن اللغة العربية لا تستوعب المصطلحات العلمية للمخترعات الجديدة، وقد برهن مجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجامع العربية الأخرى على خطأ هذا الرأي بما أصدرت من معجمات متعددة في مختلف العلوم، إضافة إلى أعمال المؤسسات العلمية والجامعات ومراكز التعريب، التي سهَّلت الدراسة والبحث العلمي الرصين باللغة العربية لطلاب العلم الذين يدرسون باللغة العربية.
5-القول بأن المصطلحات التي وُضعت لا تطابق المعنى العلمي والحقائق الحديثة. ونسي هؤلاء أن المصطلح هو ما اصطلح عليه المختصون في أمر من الأمور.
6-جهل بعض الدارسين باللغة العربية ومعرفتهم المحدودة باللغة الأجنبية، حال دون استيعابهم لعملية التعريب بصورة دقيقة فلجأوا إلى اتهام اللغة العربية بعدم قدرتها على احتواء نصوص اللغة الأجنبية وعدم قابليتها لهضم المصطلحات العلمية في استيعاب معانيها ومضمونها.
7-عدم وجود أجهزة للتنسيق بين المؤسسات العلمية والتعاون فيما بينها كالجامعات، والمجامع، ومؤسسات التعريب، فكل مؤسسة تعرب ما تريد، وتظهر عددًا من المصطلحات المتنافرة فتحول دون توحيد عملية التعريب والاستفادة من الخبرات الكثيرة التي يبذلها العلماء.
8-قلة المصادر العلمية في المكتبات العامة، ومكتبات الجامعات، والمجامع لكي يستفيد المعرب من وجودها ويرجع إليها طالب العلم ليقوي قابليته لفهم العلوم الجديدة. فمن الضروري إنشاء مكتبات متخصصة تخدم الفكر العلمي والبحث الدقيق لتكون بين يدي طلاب العلم.
المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 35، ص 285-287.
إعداد: مصطفى يوسف