من ملتقى اهل الحديث :صالح الجسار
[أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ جَابَةً]
- قِصَّةُ المَثَلِ:
قال أبو عُبيد[1]: قال الزبير-بن بكَّار-: وأصلُ هذا فيما أخبرني به محمد بن سلاَّم قال: كان لسهيلِ بنِ عَمْرو ابنٌ مضعوف، قال: فقال إنسانٌ يوماً: أين أَمُّكَ؟ يريد: أين تَؤُم؟ فظن أنه يقول أين أُمُّك؟ قال: فحسبته قال: ذهبت تشتري دقيقاً، فقال سهيل: " أساء سمعاً فأساءَ جَابةً " فأرسلها مثلاً، فلما انصرف إلى زوجته أخبرها بما قال ابنها فقالت: أنت تبغضه فقال: أشْبَهَ امرؤٌ بَعْضَ بَزِّهِ[2].
- شَرْحُ المَثَلِ:
معنى المثل: أي أَنَّهُ أَسَاءَ السَّمْعَ وفَهِمَ الكَلامَ عَلَى غَيْرِ مَا يُرَادُ بِهِ فَأَجَابَ إجَابَةً لا تَمُتُّ إلى سُؤَالِ السَّائِلِ بِصِلَةٍ بَلْ هِيَ جَوَابٌ لأَمْرٍ آخَرٍ.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: مِنْ أَمْثَالِهِم في المُجِيبِ عَلَى غَيْرِ فَهْمٍ: أَسَاءَ سمعاً فأَسَاءَ جَابَةً[3].
- مَسْأَلَةٌ:
ورد في المثال: ( جَابَةً ) وليس : إِجَابَةً.
وقد عَقَدَ ابنُ قُتيبة بابًا في أَدَبِ الكَاتِبِ وسمَّاهُ: ((بابُ ما لا يُهمز والعَوَامُّ تًهْمِزُهُ))
فقال: وَيُقال ( أساءَ سَمْعاً فَأساءَ جَابَةً ) هكذا بلا ألف وهو اسمٌ بمنزلةِ الطاقة والطاعة [4].
قال أبو عُبَيْدٍ: هكذا تحكى هذه الكلمة " جابة " بغير ألف، وذلك لأنه اسم موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنةً، فإذا أرادوا المصدر قالوا: أجاب إجابة، بالألف. [5].
وقَالَ ابنُ فَارِس: ويقولون في مَثَلٍ: "أساءَ سَمْعاً فأساء جابةً". وقال الكميتُ لقُضاعة في تحوُّلهم إلى اليمنِ:
وما مَنْ تَهتِفينَ له بِنَصْرٍ **** بِأسْرَعَ جابَةً لكِ مِنْ هَدِيلِ [6].
قال الأَزْهَرِيُّ: (( قال أبو الهيثم : جابةٌ اسمٌ يقوم مقام المصدر ، وهو كقولهم : المالُ عارةٌ ، وأطعتُهُ طاعةً ، وما أُطيق هذا الأمر طاقَةً ، فالإجابة مصدرٌ حقيقيّ ، والجابة اسمٌ ، وكذلك الجواب ، وكلاهما يقومان مقَامَ المصدر)).[7]
وقَالَ الزَّبِيديُّ: وقال كُراع : الجَابةُ : مصْدرٌ كالإِجابةِ ، قال أَبو الهَيْثَم : جابةٌ اسْمٌ يقُومُ مَقَام المصْدر [8].
قلتُ: لقد ذكر ابن قتيبة –كما تقدم- أنَّ العوامَّ تهمزُ ( جَابةً) في هذا المثل, فيقولون: ( أساء سمعًا فأساء إجابةً) فهذا لحن[9],ولا يَصِحُّ هَمْزُهُ في هذا المثل, لأنَّ صَاحِبَ المثَلِ أرادَ الاسمَ هُنا فَقَالَ : (( .....فأساء جابةً)) ولم يُرِدْ المصدر, وإذا أَرَدْتَ المصْدَرَ تَقُولُ: ((أَجَابَ إجَابةً )) – كما ذَكَرَ أبوعبيدٍ في كَلامِه السَّابِقِ- فَيَتَّضِحُ لَنَا أنَّ لَفْظَ المَثَلِ الصَّحِيحِ هُو: ( أَسَاءَ سمعًا فأَسَاءَ جابةً) وأنَّ مَنْ قَالَ: (إجابَةً) في هذا المثَلِ فقد أخطأ, والله أعلم.
ــــــــــــــــ
[1]الأمثال لابن سلاَّم ص53, دار المأمون للتراث,تحقيق:عبد المجيد قطامش, ط 1400هـ
وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (1/ 25), دار الفكر, تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش,ط2 1988م.
ولسان العرب لابن منظور (1/ 283), دار صادر.
[2]ذكر الميداني هذه القصة في مجمع الأمثال (1/ 330)[دار المعرفة تحقيق:محمد محيي الدين عبد الحميد]باختلاف, فقال-عندما كلَّم الأخنسُ ابنَ سُهيل-: (( قال الأخنس: حيَّاك الله يافتى, قال-أي الفتى-: لا والله ما أمي في البيت انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقًا)) ولم يذكر سؤال الأخنس عندما قال: أين أَمُّك؟ أي: أين تؤم –كما تقدَّم معنا- وهذه الرواية لا تصح والصحيح كما ذكره ابنُ سلاَّمٍ وغيرُه.
[3]الأمثال لابن سلام ص53
[4]أدب الكاتب لابن قتيبة ص286,المكتبة التجارية, تحقيق:محمد محيي الدين عيد الحميد, مصر.
[5]الأمثال لابن سلاَّم ص53
[6]مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 491-492), دار الفكر, تحقيق: عبدالسلام هارون.
[7]تهذيب اللغة للأزهري (11/ 148),دار إحياء التراث العربي, تحقيق:محمد عوض مرعب.
[8]تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي (2/ 203),دار الهداية, مجموعة محققين.
[9]سألت شيخنا الدكتور سليمان خاطر عن لفظ (إجابة) في هذا المثل فأخبرني أنه لحن وهو مما تلحن فيه العامَّة.