أثر اللغويين في الدرس العقدي
أ.د. رياض بن حسن الخوام
لتحميل البحث:
اضغط هنا
الخلافُ العقدي بين الطوائف الإسلامية الناجيةِ منها والهالكةِ خلافٌ عميقٌ طويلٌ، بقي قرونًا كثيرةَ حبيسَ الكتب، يظهرُ أحيانًا في بعض الرسائل الجامعية التي تتصل موضوعاتها بالعلوم الشرعية لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بالعقيدة، كما كانت تبدو أحيانًا في ظهور مؤلفاتٍ خاصة، شعَرَ أصحابُها بخطرِ هذه الطوائف على أهلِ السنة والجماعة، ولكن على العموم لم تظهرْ تلك الثقافةُ اللغويةُ العامة التي نراها باتت مطلوبةً الآن في عصرنا الحاضر، إذ نرى الآن الصغيرَ والكبيرَ، والمثقفَ والعاميَّ يتحدثُ ويتساءلُ عن مبادئ بعضِ الطوائف التي أظهرتْ ما لايقبله عقلٌ ولا يستسيغُه عاقلٌ، فهل هؤلاء انطلقوا في تكوين مبادئهم من أصولٍ لغويةٍ عربيةٍ، أم خبطوا في فهم كلامِ العرب خبطَ عشواءَ؟ هل تؤيدهم لغةُ العرب فيما ذهبوا إليه؟ وهل هم فاقهون لمرامي العرب من كلامها؟ وهل اعتمدوا على الوجوه اللغوية الفصيحة الراقيةِ أو اتكؤوا على ما هو ضعيفٌ قبيحٌ في لغة العرب؟ أسئلة كثيرة صارتْ بحاجة إلى بيانٍ وتوضيحٍ لئلا يغتَرَّ بها طلبةُ العلم الأغرار، ولا يتمسكَ بها الجهلةُ من الفُجَّارِ الأغيارِ البعيدين عن لغة العرب، ولكي يقوى عند الجميع أنَّ مذهبَ أهل السنة هو المذهبُ المتجهُ الكامل، رأيتُ أنْ أوضِّحَ المعالمَ العامةَ التي سار بها وعليها أهلُ السنة والجماعة في تقديم أصولهم، والدفاعِ عن ثوابتهم من خلال اللغة التي هي النبع الذي يجب على كل مَن يزعم أنَّه على حقٍّ أن يرجع إليه، يستقي منها، فهو المنهل وإليه المصير، ولما كانت اللغة من جانب آخر نتاجًا اجتماعيًّا ومرآة تعكسُ الواقعَ الاجتماعيَّ والسياسيَّ، فمن البداهة أنْ تظهرَ وتنتشرَالأساليبُ اللغوية التي تستغلها الطوائف لخدمة أغراض تتصل باعتقادات طائفية كالتي نسمعها من الفضائيات، مثل إسقاط الخافض في صيغة الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم- وهي: "اللهم صلِّ على محمد وآله"، ولو أن باحثًا تتبَّع مثل هذا لاجتمع عنده الكثير الكثيرمنها، مما يمكن أن نصنع منه معجمًا لغويًّا يعطي صورة عن الحياة السياسية والاجتماعية التي نعيش فيها الآن، والحقُّ أنَّ الصراعَ اللغوي بين هذه الطوائف - كما ذكرتُ - قديمٌ، نراه في تراثنا اللغوي واضحًا ظاهرًا في صورٍ تعطي بمجموعها صورة كبيرة تبدو منها كيف دافعَ اللغويون عن مبادئ أهل السنة والجماعة وأصولهم من المنظور اللغوي، وهي في الحقِّ من أهم ما يجب الاهتمام به الآن، وذلك لأنَّه يتضمن إجاباتٍ على تلك التساؤلاتِ التي طرحناها، ومن خلال قراءاتي اجتمعَ عندي أمثلةٌ نستطيع بضوئها بيان الاتجاهات اللغوية التي سار فيها اللغويون والمفسرون والنحويون في الذود عن أهل السنة وأصولهم، من هذه الصور والأمثلة:
1- أنهم كانوا مدرِكين خطرَ فهمِ النصوصِ الشرعيةِ من غيرِ فهمِ كلامِ العرب، لقد نبَّهَ الإمامُ الحسنُ بنُ علي - رضي الله عنه - إلى أهميةِ تعلُّمِ العربية وخطرِ الجهل بها، وذلك فيما حكاه الآلوسي بقوله: "أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سُئِلَ عن الرجلِ يتعلم العربيةَ يلتمسُ بها حُسنَ المنطقِ، ويُقِيمُ بها قراءته، فقال: حسنٌ تعلُّمُها، فإن الرجلَ يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها" [1]، ولعلي لا أبعد أن مراده من (فيعيا بوجهها فيهلك) أنه قد تقوده القراءة إلى فهم مُهلك، أما ابنُ جني فقد وضَّحَ القضيةَ تمامًا مفيدًا أن معرفةَ طرقِ كلامِ العربِ وأساليبِهِم هي الحصنُ الحصينُ من الانجراف إلى المتاهات والشطح، لقد عقدَ في كتابه الخصائصِ* عنوانًا خاصًّا لذلك، وهو "باب فيما يؤمِّنُه علمُ العربية من الاعتقادات الدينية" قال فيه: "اعلم أنَّ هذا البابَ من أشرفِ أبوابِ هذا الكتابِ، وأنَّ الانتفاعَ به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية، وذلك أنَّ أكثرَ مَنْ ضلَّ من أهلِ الشريعةِ عن القصدِ فيها وحادَ عن الطريقة المُثلى إليها فإنما استهواه واستخفَّ حِلْمه ضعفُه في هذه اللغةِ الكريمةِ الشريفةِ التي خُوطِبَ الكافةُ بها" [2]، ومثلُ هذه الإشارات نراها واضحةً في مقدماتِ كتب التفسير، حين تحدَّثَ بعضُهم عن منهجه في تفسيره، كأبي حيان في البحر المحيط [3] والآلوسي في روح المعاني[4].
2- أنَّهم ألَّفوا كتبًا في الردِّ على الفِرَقِ الضالةِ، والذي يعنينا منها هي تلكَ المؤلفاتُ التي ألَّفها اللغويون، من ذلك كتابُ قطربٍ المعنونُ بـ "الردّ على الملحدين"، مدحه ابنُ جني بقوله: "ولله قطربٌ، فإنه قد أحرزَ عندي أجرًا عظيمًا فيما صنَّفَه من كتابه الصغيرِ في الردِّ على الملحدين، وعليه عقدَ أبو علي – رحمه الله- كتابَهُ في تفسير القرآن[5]، ومن ذلك كتبُ ابنِ قتيبة كتأويلِ مشكلِ الحديث، وتأويلِ مشكل القرآن، وكتاب الأنواءِ، وكتابِ الاختلافِ في اللفظِ، والردِّ على الجُهميَّةِ والمُشبِّهةِ، والأجوبة في الحديث والفقه [6]، فهذه الكتبُ تُعَدُّ تآليفَ نافحَتْ عن أهلِ السنةِ والجماعةِ، ولا يخفى أنني هنا أقصُرُ حديثي عن اللغويين من نحاة ولغويين، ولو أردنا توسيعَ دائرةِ التأليفِ في منافحاتِ كلِّ طائفةٍ عن مذهبها لهالنا الأمرُ جدًّا، ومن نظرةٍ سريعةٍ في كتابِ الفهرست للنديم تُوقِفُنا على صورةِ الحركةِ العلميةِ النشطةِ الدؤوبةِ عبرَ العصورِ والدهورِ، وأكتفي بمثالٍ واحدٍ يُصوِّر لنا هذه الحركةَ العلميةَ الداخليةَ التي حدثتْ بين الطوائفِ، فنحن على قربٍ وبُصْرٍ بالمعتزلة لحضورهم اللغوي معنا، نرى أن هناك صراعًا لغويًّا دقيقًا مستمرًّا عبرَ القرون بينهم وبين أهلِ السنة، كُتِبتْ فيه مؤلفاتٌ وبحوثٌ كثيرةٌ، لعلَّ من أشهرها تعقبات ابنِ المُنيِّرِ على الكشاف، وفي العصر الحاضر قام الدكتور زكريا الفقي بعملِ رسالةٍ للماجستير عنوانها "الزمخشري بين النظر والتطبيق" تتبَّعَ فيها الآراءَ الاعتزاليةَ التي بثَّها الزمخشريُّ في كشافه من خلال اللغة، موازنًا إياها بما ذكره في متن المفصل، وعندنا هنا رسالةٌ الطالب فهدِ القحطاني المعنونةُ بأثر القرينة الشرعية في توجيه الحكم النحوي عند ابن هشام في المغني، عرضَ فيها الكثيرَ من ردودِ أهلِ السُّنةِ على المعتزلة* والأشاعرة أيضًا ضمنَ حديثهِ عن القرينةِ اللغوية والشرعية، وخلاصة الأمر أنَّ أهلَ العربية ألَّفوا كتبًا في الذَّبِّ عن أصولِ أهلِ السُّنة، وثوابتِهم، وذلك ظاهرٌ واضحٌ.
2- أنَّهم نبَّهوا في كتبهم إلى ظاهرة التأويل التي اعتمدَ عليها كثيرٌ من الطوائف المارقة من غير اعتمادهم على سندٍ لغويٍّ عربيٍّ أصيل، ولعلَّ خيرَ مَن وضَّحَ ذلك هوابنُ قتيبة، قال: "إنَّ فريقًا من المُتَسَمَّينَ بالمسلمين ذهبوا إلى أنَّ الكنايةَ في قول الله - عز وجل-: "يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا" المرادُ منها عمر - رضي الله عنه-، وتأوَّلوا الآية: "ويومَ يعضُّ الظالمُ على يديه" أنَّ الظالمَ هو أبو بكرالصديق - رضي الله عنه-، وقالوا: إن الذِّكْر في قوله – تعالى-: "لقد أضلَّني عن الذِّكر بعدَ إذْ جاءني" هو عليٌّ- *رضي الله عنه-، ثمَّ رَدَّ عليهم قائلاً: ونقولُ في الردِّ على أولائك: إذ كان غلطُهم من وجهةٍ قد يغلطُ في مثلها مَن رقَّ عِلمُه، فأما هؤلاءِ ففي قولهم ما أنبأَ عن نفسه، ودلَّ على جهلِ متأوَّلِهِ, كيف يكونُ عليٌّ - رحمة الله عليه- ذِكْرًا؟! وهل قال أحدٌ إنَّ أبا بكر لم يُسلِمْ ولم يتَّخِذْ مع الإسلامِ الرسولَ* سبيلاً؟! وليس هذا التفسيرُ بنُكْرٍ مِن سبيلهم وما يدَّعونه من (علمِ الباطن) كادعائهم بالجِبْتِ والطاغوتِ أنهما رجلان، وأن الخمرَ والميسرَ رجلان آخران، وأن العنكبوتَ غيرُ العنكبوتِ، والنحلَ غيرُ النحلِ في أشباهٍ كثيرةٍ من سُخْفِهم وجهالاتِهم[7]، وراحَ يشرحُ تفسيرَ الآية "يا ويلتى ليتني لم أتَّخِذْ فلانًا خليلاً" مبينًا سببَ النزولِ وشارحًا معنى كلمة (فلان) عند العرب، ثم وصف تأويلَهم بأنه خروجٌ عن مذاهبِ العربِ بل عن مذاهب الناس جميعًا [8].
*ونبَّهَ المفسرون أيضًا إلى الخطر الذي تؤدي إليه تأويلاتُ الطوائف وتقديراتهم تلك التي لا تعتمد على الأصول اللغوية، ولا على القرائن الدالة على المراد، قال أبو حيان في مقدمة بحره: "وربما ألممْتُ بشيءٍ من كلام الصوفيةِ مما فيه بعضُ مناسبةٍ لمدلولِ اللفظ، وتجنبتُ كثيرًا من أقاويلهم ومعانيهم التي يُحمِّلونَها الألفاظَ، وتركتُ أقوالَ الملحدينَ الباطنيةِ المخرِّجينَ الألفاظَ القريبةَ عن مدلولاتها في اللغةِ إلى هذيانٍ افترَوه على الله – تعالى-، وعلى عليٍّ - كرَّم اللهُ وجهه-، وعلى ذريته ويسمُّونه علمَ التأويل"، وألمحَ إلى تفسيرٍ من تفاسيرهم التي مُلِئَتْ بما لا يكادُ يخطرُ ببالِ عاقلٍ - كما قال- قال: "وقد وقفتُ على تفسيرٍ لبعض رؤوسهم وهو تفسيرٌ عجيبٌ يذكر فيه أقاويلَ السلفِ مزدريًا عليهم، وذاكرًا أنه ما جهِلَ مقالتَهم، ثم يفسرُ هو الآيةَ على شيء لا يكاد يخطرُ في ذهن عاقلٍ، ويزعم أن ذلك هو المرادُ من هذه الآية"، ثم قرَّرَ أنَّ هذه الطائفةَ لا يُلتفَتُ إليها، وقد رَدَّ أئمةُ المسلمين عليهم أقاويلَهم[9]، وأفادَ ابنُ عادلٍ أيضًا بقوله: لو انفتح التقديرُ بلا قيود لدخلَ المرءُ في تأويلات الفلاسفة، ويؤدي إلى رفع الشرائع وفسادِ الدين[10]، وقد أشار السيوطي صراحة إلى أن تأويل الرافضة محظورشرعًا، قال: "وأمَّا التأويل المخالف للشرع فمحظور؛ لأنه تأويل الجاهلية، مثل تأويل الروافض قوله – تعالى-: "مَرَجَ البحرَينِ يلتقيان" أنهما عليّ وفاطمة، "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" يعني الحسن والحسين [11].
واشتط الكثير منهم في ظاهرة التأويل فصاروا يؤولون ألفاظ القرآن الكريم وفق ما يحلو لهم؛ فضلُّوا وأضلُّوا، فهذا بيان الهندي – بيان بن كعب الهندي رئيس فرقة البيانية - قال عن نفسه إنَّه المذكور في القرآن الكريم في قوله – تعالى-: "هذا بيانٌ للناس"، وقال: "أنا البيانُ وأنا الهُدى وأنا الموعظة"؛ فقتله خالد بن عبد الله القسري [12].
2- أمَّا الصورة الثالثة الدالَّة على دفاعِ أهلِ السُّنة والجماعة فبدَتْ في تلك القصصِ والأسئلة الدالَّةِ على الانحرافات اللغوية التي وقعوا فيها، من ذلك ما ذكروه عن ابن الراوندي الزنديق، قالوا إنه قال لابن الأعرابي، إمامِ اللغة والأدب,: "هل (يُذاق) اللباس؟" مراده قوله – تعالى-: "فأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ"، فقال له ابنُ الأعرابي: "لا بأس أيُّها النسناس, هبْ أنَّ محمدًا ما كان نبيًّا،أمَا كان عربيًّا؟ فزاد ابنُ الراوندي بأنَّ المناسبَ أن يُقال: فكساه اللهُ لِباسَ الجوعِ، وأذاقه اللهُ طعمَ الجوع، فردَّ عليه ابنُ الأعرابي بأنَّ هذا عند علماءِ البيانِ من تجريد الاستعارة، وذلك أنَّه استعارَ اللِّباسَ لِما غشا الإنسانَ من بعضِ الحوادثِ كالجُوع والخَوفِ؛ لاشتمالِ اللِّباس على اللابس، ثم ذكرَ الوصفَ الملائمَ للمُستعارِ له، وهو الجوعُ والخوفُ؛ لأن إطلاقَ الذَّوْقِ على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مَجرى الحقيقة، فيقولون: "ذاقَ فلانٌ البُؤسَ والضُّرَّ، وأذاقَه غيرَه، فكانت الاستعارةُ مجردةً، وقد سُمِّيَ ذلك لباسًا لأنه يَظْهرُ عليه من الهُزالِ وشحوب اللونِ وسوءِ الحال ما هو كاللِّباس، فاستُعيرَ له اسمُه وأوقعَ عليه الإذاقةَ[13]. أي – كما قال الشنقيطي: "أُطلِقَ اسمُ اللِّباس على ما أصابهم من الجُوعِ والخَوف؛ لأن آثارَ الجُوعِ والخوفِ تظهرُ على أبدانهم وتُحِيطُ بها كاللِّباس، ومن حيث وجدانُهم ذلك اللِّباسَ المعبَّرَ به عن آثارِ الجُوعِ والخوفِ أوقعَ عليه الإذاقةَ فلا حاجة - كما قال الشيخ الشنقيطي- إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة [14].
ومن ذلك ما ساقه ابنُ قتيبةَ أيضًا على سبيل النُّكْتَةِ والتظرُّفِ، رادًّا به تأويلاتِ الرافضة [15] أيضًا، قال: "سمعتُ بعضَ أهلِ الأدبِ يقول: ما أشبهَ تأويلَ الرافضةِ للقرآن بتأويلِ رجلٍ للشعر, فإنه قال يومًا: ما سمعتُ بأكذبَ من بني تميم, زعموا أنَّ قولَ القائل:
بيتُ زُرارةَ مُحْتَبٍ بفِنائه *** ومُجاشعٌ وأبو الفوارسِ نهشَلُ
إنما هو في رجلٍ منهم, قيل له: ما تقولُ أنت؟، قال: البيتُ بيتُ الله, وزُرارةُ الحِجرُ، قيل له: فمجاشعٌ؟ قال: زمزمُ جشعتْ بالماء، قيل له: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل: فنهشل؟ قال: نهشلٌ أشدُّ, وفكَّر ساعةً ثم قال: نعم نهشلُ, مصباحُ الكعبة، طويلٌ أسودُ فذاك نهشل" [16].
وجاهدَ اللغويون في معركتهم مع الإمامية من ذلك أيضًا ما حُكِيَ عن ابن الجوزي - رحمه الله تعالى- أنه سُئِلَ – وهو على المنبر وتحته جماعة من مماليك الخليفة وخاصته, وهم فريقان قوم سنية وقوم شيعة - فقيل له: "منْ أفضلُ الخلقِ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أبو بكر أم علي - رضي الله عنهما-؟"، فقال: "أفضلهما بعده مَن كانت ابنتُه تحته"، فأرضَى الفريقين, قال الأبشيهي بعد ذلك: ولم يُرِدْ إلا أبا بكر - رضي الله عنه - فهذه منه جيدة حسنة، وكلمة باتت جفونُ الفريقين منها وسنة [17].
*ومراد ابن الجوزي أنَّ السيدة عائشة - رضي الله عنها- بقيتْ زوجةً للرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، وتنطبق عليها كلُّ أحكامِ زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف فاطمة فقد ماتت قبل سيدنا عليّ - رضي الله عنه-، ومن الطرائف في هذا الصدد ما نقله ابنُ قتيبة في هذه القصة التي جرتْ بين رجلٍ إباضيّ وآخرَ شيعي، وهي تحملُ في طيّاتها نقدًا للشيعة، قال عمرو بن بحر: "ذكرَ لي ذاكرٌ عن شيخٍ من الإباضية أنه جرى ذكرُ الشيعة عنده فأنكرَ ذلك, واشتدَّ غضبُه، فقلت له: "ما أنكرتَ؟"، قال: "أنكرُ مكانَ الشينِ في أولِ الكلمة؛ لأني لم أجدها قطّ إلا في مسخوط ٍعليه، مثل: شؤمٍ وشرٍّ وشيطانٍ وشحٍّ وشغبٍ وشيبٍ وشكٍّ وشركٍ وشتمٍ وشيعةٍ وشطرنجٍ وشاكي وشانئٍ وشحجٍ وشوصةٍ وشابشتي وشكوى", فقلتُ: "ما تقومُ بهؤلاء قائمةٌ أبدًا" [18]، ولقد أخطأ بلا شك هشام بن عبد الملك حين وصف الباقرَ بالبقرة، قال ابنُ قتيبةَ: "دخل زيدُ بنُ عليّ على هشام بن عبد الملك، فقال: "ما فعلَ أخوك البقرة؟", قال زيد: "سمَّاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - باقرًا وتسميه بقرة..!! لقد اختلفتما" [19].
*وصورتْ بعضُ القصص أن الرافضةَ كانوا يكرهونَ مَن اسمه عمرُ نتيجة َكرههم الدفين لعمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه-، صوَّرَ ذلك الشيخ عبد القادر الكوكباني بقوله: "ولعامةِ الإماميةِ غلُوٌّ في التشيع، وسخافاتٌ تمجُّها الأسماعُ, كما يحكى أن طبيبًا منهم استعارَ بغلاً فركبَ عليه إلى فلاةٍ ثم سأل سايسَ البغلِ عن اسمه, فقال: "عمرُ", فلامَهُ خادمُ الطبيبِ وحذره أن يسميَهُ, فرأى السايسُ نهرًا على بعدٍ، فاشتدَّ يعدو، ثم اغتسلَ فيه, وانتظرَ رسولَ الطبيب, فلما وصلَ إليه سأله عن غُسله, فقال: كان جنبًا, ولذا لم ينطق اسمَهُ حين سأله عنه, لأن اسمَهُ عمرُ, فرضيَ عنه ([20]).
وحقًّا إننا حين نوردُ هذه القصص والحكايات لا نريد التعريضَ ولا التجريحَ، وإنما نريد تصوير الواقع المؤلم من خلال أحاديث اللغويين، لذلك ذكرنا ما لا نرغبُ فيه وما نرغب فيه، فالغاية تصويرُ ما هو مذكور فعلاً في كتب التراث حولَ هذه القضية التي نسألُ اللهَ - سبحانه وتعالى - أن يزيلها.