mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > دراسات وبحوث لغوية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post أثر اللغويين في الدرس العقدي - أ.د. رياض بن حسن الخوام

كُتب : [ 01-03-2017 - 03:05 PM ]




أثر اللغويين في الدرس العقدي
أ.د. رياض بن حسن الخوام


لتحميل البحث:
اضغط هنا

الخلافُ العقدي بين الطوائف الإسلامية الناجيةِ منها والهالكةِ خلافٌ عميقٌ طويلٌ، بقي قرونًا كثيرةَ حبيسَ الكتب، يظهرُ أحيانًا في بعض الرسائل الجامعية التي تتصل موضوعاتها بالعلوم الشرعية لاسيما إذا كان الأمر يتعلق بالعقيدة، كما كانت تبدو أحيانًا في ظهور مؤلفاتٍ خاصة، شعَرَ أصحابُها بخطرِ هذه الطوائف على أهلِ السنة والجماعة، ولكن على العموم لم تظهرْ تلك الثقافةُ اللغويةُ العامة التي نراها باتت مطلوبةً الآن في عصرنا الحاضر، إذ نرى الآن الصغيرَ والكبيرَ، والمثقفَ والعاميَّ يتحدثُ ويتساءلُ عن مبادئ بعضِ الطوائف التي أظهرتْ ما لايقبله عقلٌ ولا يستسيغُه عاقلٌ، فهل هؤلاء انطلقوا في تكوين مبادئهم من أصولٍ لغويةٍ عربيةٍ، أم خبطوا في فهم كلامِ العرب خبطَ عشواءَ؟ هل تؤيدهم لغةُ العرب فيما ذهبوا إليه؟ وهل هم فاقهون لمرامي العرب من كلامها؟ وهل اعتمدوا على الوجوه اللغوية الفصيحة الراقيةِ أو اتكؤوا على ما هو ضعيفٌ قبيحٌ في لغة العرب؟ أسئلة كثيرة صارتْ بحاجة إلى بيانٍ وتوضيحٍ لئلا يغتَرَّ بها طلبةُ العلم الأغرار، ولا يتمسكَ بها الجهلةُ من الفُجَّارِ الأغيارِ البعيدين عن لغة العرب، ولكي يقوى عند الجميع أنَّ مذهبَ أهل السنة هو المذهبُ المتجهُ الكامل، رأيتُ أنْ أوضِّحَ المعالمَ العامةَ التي سار بها وعليها أهلُ السنة والجماعة في تقديم أصولهم، والدفاعِ عن ثوابتهم من خلال اللغة التي هي النبع الذي يجب على كل مَن يزعم أنَّه على حقٍّ أن يرجع إليه، يستقي منها، فهو المنهل وإليه المصير، ولما كانت اللغة من جانب آخر نتاجًا اجتماعيًّا ومرآة تعكسُ الواقعَ الاجتماعيَّ والسياسيَّ، فمن البداهة أنْ تظهرَ وتنتشرَالأساليبُ اللغوية التي تستغلها الطوائف لخدمة أغراض تتصل باعتقادات طائفية كالتي نسمعها من الفضائيات، مثل إسقاط الخافض في صيغة الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم- وهي: "اللهم صلِّ على محمد وآله"، ولو أن باحثًا تتبَّع مثل هذا لاجتمع عنده الكثير الكثيرمنها، مما يمكن أن نصنع منه معجمًا لغويًّا يعطي صورة عن الحياة السياسية والاجتماعية التي نعيش فيها الآن، والحقُّ أنَّ الصراعَ اللغوي بين هذه الطوائف - كما ذكرتُ - قديمٌ، نراه في تراثنا اللغوي واضحًا ظاهرًا في صورٍ تعطي بمجموعها صورة كبيرة تبدو منها كيف دافعَ اللغويون عن مبادئ أهل السنة والجماعة وأصولهم من المنظور اللغوي، وهي في الحقِّ من أهم ما يجب الاهتمام به الآن، وذلك لأنَّه يتضمن إجاباتٍ على تلك التساؤلاتِ التي طرحناها، ومن خلال قراءاتي اجتمعَ عندي أمثلةٌ نستطيع بضوئها بيان الاتجاهات اللغوية التي سار فيها اللغويون والمفسرون والنحويون في الذود عن أهل السنة وأصولهم، من هذه الصور والأمثلة:

1- أنهم كانوا مدرِكين خطرَ فهمِ النصوصِ الشرعيةِ من غيرِ فهمِ كلامِ العرب، لقد نبَّهَ الإمامُ الحسنُ بنُ علي - رضي الله عنه - إلى أهميةِ تعلُّمِ العربية وخطرِ الجهل بها، وذلك فيما حكاه الآلوسي بقوله: "أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سُئِلَ عن الرجلِ يتعلم العربيةَ يلتمسُ بها حُسنَ المنطقِ، ويُقِيمُ بها قراءته، فقال: حسنٌ تعلُّمُها، فإن الرجلَ يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها" [1]، ولعلي لا أبعد أن مراده من (فيعيا بوجهها فيهلك) أنه قد تقوده القراءة إلى فهم مُهلك، أما ابنُ جني فقد وضَّحَ القضيةَ تمامًا مفيدًا أن معرفةَ طرقِ كلامِ العربِ وأساليبِهِم هي الحصنُ الحصينُ من الانجراف إلى المتاهات والشطح، لقد عقدَ في كتابه الخصائصِ* عنوانًا خاصًّا لذلك، وهو "باب فيما يؤمِّنُه علمُ العربية من الاعتقادات الدينية" قال فيه: "اعلم أنَّ هذا البابَ من أشرفِ أبوابِ هذا الكتابِ، وأنَّ الانتفاعَ به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية، وذلك أنَّ أكثرَ مَنْ ضلَّ من أهلِ الشريعةِ عن القصدِ فيها وحادَ عن الطريقة المُثلى إليها فإنما استهواه واستخفَّ حِلْمه ضعفُه في هذه اللغةِ الكريمةِ الشريفةِ التي خُوطِبَ الكافةُ بها" [2]، ومثلُ هذه الإشارات نراها واضحةً في مقدماتِ كتب التفسير، حين تحدَّثَ بعضُهم عن منهجه في تفسيره، كأبي حيان في البحر المحيط [3] والآلوسي في روح المعاني[4].

2- أنَّهم ألَّفوا كتبًا في الردِّ على الفِرَقِ الضالةِ، والذي يعنينا منها هي تلكَ المؤلفاتُ التي ألَّفها اللغويون، من ذلك كتابُ قطربٍ المعنونُ بـ "الردّ على الملحدين"، مدحه ابنُ جني بقوله: "ولله قطربٌ، فإنه قد أحرزَ عندي أجرًا عظيمًا فيما صنَّفَه من كتابه الصغيرِ في الردِّ على الملحدين، وعليه عقدَ أبو علي – رحمه الله- كتابَهُ في تفسير القرآن[5]، ومن ذلك كتبُ ابنِ قتيبة كتأويلِ مشكلِ الحديث، وتأويلِ مشكل القرآن، وكتاب الأنواءِ، وكتابِ الاختلافِ في اللفظِ، والردِّ على الجُهميَّةِ والمُشبِّهةِ، والأجوبة في الحديث والفقه [6]، فهذه الكتبُ تُعَدُّ تآليفَ نافحَتْ عن أهلِ السنةِ والجماعةِ، ولا يخفى أنني هنا أقصُرُ حديثي عن اللغويين من نحاة ولغويين، ولو أردنا توسيعَ دائرةِ التأليفِ في منافحاتِ كلِّ طائفةٍ عن مذهبها لهالنا الأمرُ جدًّا، ومن نظرةٍ سريعةٍ في كتابِ الفهرست للنديم تُوقِفُنا على صورةِ الحركةِ العلميةِ النشطةِ الدؤوبةِ عبرَ العصورِ والدهورِ، وأكتفي بمثالٍ واحدٍ يُصوِّر لنا هذه الحركةَ العلميةَ الداخليةَ التي حدثتْ بين الطوائفِ، فنحن على قربٍ وبُصْرٍ بالمعتزلة لحضورهم اللغوي معنا، نرى أن هناك صراعًا لغويًّا دقيقًا مستمرًّا عبرَ القرون بينهم وبين أهلِ السنة، كُتِبتْ فيه مؤلفاتٌ وبحوثٌ كثيرةٌ، لعلَّ من أشهرها تعقبات ابنِ المُنيِّرِ على الكشاف، وفي العصر الحاضر قام الدكتور زكريا الفقي بعملِ رسالةٍ للماجستير عنوانها "الزمخشري بين النظر والتطبيق" تتبَّعَ فيها الآراءَ الاعتزاليةَ التي بثَّها الزمخشريُّ في كشافه من خلال اللغة، موازنًا إياها بما ذكره في متن المفصل، وعندنا هنا رسالةٌ الطالب فهدِ القحطاني المعنونةُ بأثر القرينة الشرعية في توجيه الحكم النحوي عند ابن هشام في المغني، عرضَ فيها الكثيرَ من ردودِ أهلِ السُّنةِ على المعتزلة* والأشاعرة أيضًا ضمنَ حديثهِ عن القرينةِ اللغوية والشرعية، وخلاصة الأمر أنَّ أهلَ العربية ألَّفوا كتبًا في الذَّبِّ عن أصولِ أهلِ السُّنة، وثوابتِهم، وذلك ظاهرٌ واضحٌ.

2- أنَّهم نبَّهوا في كتبهم إلى ظاهرة التأويل التي اعتمدَ عليها كثيرٌ من الطوائف المارقة من غير اعتمادهم على سندٍ لغويٍّ عربيٍّ أصيل، ولعلَّ خيرَ مَن وضَّحَ ذلك هوابنُ قتيبة، قال: "إنَّ فريقًا من المُتَسَمَّينَ بالمسلمين ذهبوا إلى أنَّ الكنايةَ في قول الله - عز وجل-: "يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا" المرادُ منها عمر - رضي الله عنه-، وتأوَّلوا الآية: "ويومَ يعضُّ الظالمُ على يديه" أنَّ الظالمَ هو أبو بكرالصديق - رضي الله عنه-، وقالوا: إن الذِّكْر في قوله – تعالى-: "لقد أضلَّني عن الذِّكر بعدَ إذْ جاءني" هو عليٌّ- *رضي الله عنه-، ثمَّ رَدَّ عليهم قائلاً: ونقولُ في الردِّ على أولائك: إذ كان غلطُهم من وجهةٍ قد يغلطُ في مثلها مَن رقَّ عِلمُه، فأما هؤلاءِ ففي قولهم ما أنبأَ عن نفسه، ودلَّ على جهلِ متأوَّلِهِ, كيف يكونُ عليٌّ - رحمة الله عليه- ذِكْرًا؟! وهل قال أحدٌ إنَّ أبا بكر لم يُسلِمْ ولم يتَّخِذْ مع الإسلامِ الرسولَ* سبيلاً؟! وليس هذا التفسيرُ بنُكْرٍ مِن سبيلهم وما يدَّعونه من (علمِ الباطن) كادعائهم بالجِبْتِ والطاغوتِ أنهما رجلان، وأن الخمرَ والميسرَ رجلان آخران، وأن العنكبوتَ غيرُ العنكبوتِ، والنحلَ غيرُ النحلِ في أشباهٍ كثيرةٍ من سُخْفِهم وجهالاتِهم[7]، وراحَ يشرحُ تفسيرَ الآية "يا ويلتى ليتني لم أتَّخِذْ فلانًا خليلاً" مبينًا سببَ النزولِ وشارحًا معنى كلمة (فلان) عند العرب، ثم وصف تأويلَهم بأنه خروجٌ عن مذاهبِ العربِ بل عن مذاهب الناس جميعًا [8].

*ونبَّهَ المفسرون أيضًا إلى الخطر الذي تؤدي إليه تأويلاتُ الطوائف وتقديراتهم تلك التي لا تعتمد على الأصول اللغوية، ولا على القرائن الدالة على المراد، قال أبو حيان في مقدمة بحره: "وربما ألممْتُ بشيءٍ من كلام الصوفيةِ مما فيه بعضُ مناسبةٍ لمدلولِ اللفظ، وتجنبتُ كثيرًا من أقاويلهم ومعانيهم التي يُحمِّلونَها الألفاظَ، وتركتُ أقوالَ الملحدينَ الباطنيةِ المخرِّجينَ الألفاظَ القريبةَ عن مدلولاتها في اللغةِ إلى هذيانٍ افترَوه على الله – تعالى-، وعلى عليٍّ - كرَّم اللهُ وجهه-، وعلى ذريته ويسمُّونه علمَ التأويل"، وألمحَ إلى تفسيرٍ من تفاسيرهم التي مُلِئَتْ بما لا يكادُ يخطرُ ببالِ عاقلٍ - كما قال- قال: "وقد وقفتُ على تفسيرٍ لبعض رؤوسهم وهو تفسيرٌ عجيبٌ يذكر فيه أقاويلَ السلفِ مزدريًا عليهم، وذاكرًا أنه ما جهِلَ مقالتَهم، ثم يفسرُ هو الآيةَ على شيء لا يكاد يخطرُ في ذهن عاقلٍ، ويزعم أن ذلك هو المرادُ من هذه الآية"، ثم قرَّرَ أنَّ هذه الطائفةَ لا يُلتفَتُ إليها، وقد رَدَّ أئمةُ المسلمين عليهم أقاويلَهم[9]، وأفادَ ابنُ عادلٍ أيضًا بقوله: لو انفتح التقديرُ بلا قيود لدخلَ المرءُ في تأويلات الفلاسفة، ويؤدي إلى رفع الشرائع وفسادِ الدين[10]، وقد أشار السيوطي صراحة إلى أن تأويل الرافضة محظورشرعًا، قال: "وأمَّا التأويل المخالف للشرع فمحظور؛ لأنه تأويل الجاهلية، مثل تأويل الروافض قوله – تعالى-: "مَرَجَ البحرَينِ يلتقيان" أنهما عليّ وفاطمة، "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" يعني الحسن والحسين [11].

واشتط الكثير منهم في ظاهرة التأويل فصاروا يؤولون ألفاظ القرآن الكريم وفق ما يحلو لهم؛ فضلُّوا وأضلُّوا، فهذا بيان الهندي – بيان بن كعب الهندي رئيس فرقة البيانية - قال عن نفسه إنَّه المذكور في القرآن الكريم في قوله – تعالى-: "هذا بيانٌ للناس"، وقال: "أنا البيانُ وأنا الهُدى وأنا الموعظة"؛ فقتله خالد بن عبد الله القسري [12].

2- أمَّا الصورة الثالثة الدالَّة على دفاعِ أهلِ السُّنة والجماعة فبدَتْ في تلك القصصِ والأسئلة الدالَّةِ على الانحرافات اللغوية التي وقعوا فيها، من ذلك ما ذكروه عن ابن الراوندي الزنديق، قالوا إنه قال لابن الأعرابي، إمامِ اللغة والأدب,: "هل (يُذاق) اللباس؟" مراده قوله – تعالى-: "فأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ"، فقال له ابنُ الأعرابي: "لا بأس أيُّها النسناس, هبْ أنَّ محمدًا ما كان نبيًّا،أمَا كان عربيًّا؟ فزاد ابنُ الراوندي بأنَّ المناسبَ أن يُقال: فكساه اللهُ لِباسَ الجوعِ، وأذاقه اللهُ طعمَ الجوع، فردَّ عليه ابنُ الأعرابي بأنَّ هذا عند علماءِ البيانِ من تجريد الاستعارة، وذلك أنَّه استعارَ اللِّباسَ لِما غشا الإنسانَ من بعضِ الحوادثِ كالجُوع والخَوفِ؛ لاشتمالِ اللِّباس على اللابس، ثم ذكرَ الوصفَ الملائمَ للمُستعارِ له، وهو الجوعُ والخوفُ؛ لأن إطلاقَ الذَّوْقِ على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مَجرى الحقيقة، فيقولون: "ذاقَ فلانٌ البُؤسَ والضُّرَّ، وأذاقَه غيرَه، فكانت الاستعارةُ مجردةً، وقد سُمِّيَ ذلك لباسًا لأنه يَظْهرُ عليه من الهُزالِ وشحوب اللونِ وسوءِ الحال ما هو كاللِّباس، فاستُعيرَ له اسمُه وأوقعَ عليه الإذاقةَ[13]. أي – كما قال الشنقيطي: "أُطلِقَ اسمُ اللِّباس على ما أصابهم من الجُوعِ والخَوف؛ لأن آثارَ الجُوعِ والخوفِ تظهرُ على أبدانهم وتُحِيطُ بها كاللِّباس، ومن حيث وجدانُهم ذلك اللِّباسَ المعبَّرَ به عن آثارِ الجُوعِ والخوفِ أوقعَ عليه الإذاقةَ فلا حاجة - كما قال الشيخ الشنقيطي- إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة [14].

ومن ذلك ما ساقه ابنُ قتيبةَ أيضًا على سبيل النُّكْتَةِ والتظرُّفِ، رادًّا به تأويلاتِ الرافضة [15] أيضًا، قال: "سمعتُ بعضَ أهلِ الأدبِ يقول: ما أشبهَ تأويلَ الرافضةِ للقرآن بتأويلِ رجلٍ للشعر, فإنه قال يومًا: ما سمعتُ بأكذبَ من بني تميم, زعموا أنَّ قولَ القائل:

بيتُ زُرارةَ مُحْتَبٍ بفِنائه *** ومُجاشعٌ وأبو الفوارسِ نهشَلُ

إنما هو في رجلٍ منهم, قيل له: ما تقولُ أنت؟، قال: البيتُ بيتُ الله, وزُرارةُ الحِجرُ، قيل له: فمجاشعٌ؟ قال: زمزمُ جشعتْ بالماء، قيل له: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل: فنهشل؟ قال: نهشلٌ أشدُّ, وفكَّر ساعةً ثم قال: نعم نهشلُ, مصباحُ الكعبة، طويلٌ أسودُ فذاك نهشل" [16].

وجاهدَ اللغويون في معركتهم مع الإمامية من ذلك أيضًا ما حُكِيَ عن ابن الجوزي - رحمه الله تعالى- أنه سُئِلَ – وهو على المنبر وتحته جماعة من مماليك الخليفة وخاصته, وهم فريقان قوم سنية وقوم شيعة - فقيل له: "منْ أفضلُ الخلقِ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أبو بكر أم علي - رضي الله عنهما-؟"، فقال: "أفضلهما بعده مَن كانت ابنتُه تحته"، فأرضَى الفريقين, قال الأبشيهي بعد ذلك: ولم يُرِدْ إلا أبا بكر - رضي الله عنه - فهذه منه جيدة حسنة، وكلمة باتت جفونُ الفريقين منها وسنة [17].
*ومراد ابن الجوزي أنَّ السيدة عائشة - رضي الله عنها- بقيتْ زوجةً للرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، وتنطبق عليها كلُّ أحكامِ زوجات الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف فاطمة فقد ماتت قبل سيدنا عليّ - رضي الله عنه-، ومن الطرائف في هذا الصدد ما نقله ابنُ قتيبة في هذه القصة التي جرتْ بين رجلٍ إباضيّ وآخرَ شيعي، وهي تحملُ في طيّاتها نقدًا للشيعة، قال عمرو بن بحر: "ذكرَ لي ذاكرٌ عن شيخٍ من الإباضية أنه جرى ذكرُ الشيعة عنده فأنكرَ ذلك, واشتدَّ غضبُه، فقلت له: "ما أنكرتَ؟"، قال: "أنكرُ مكانَ الشينِ في أولِ الكلمة؛ لأني لم أجدها قطّ إلا في مسخوط ٍعليه، مثل: شؤمٍ وشرٍّ وشيطانٍ وشحٍّ وشغبٍ وشيبٍ وشكٍّ وشركٍ وشتمٍ وشيعةٍ وشطرنجٍ وشاكي وشانئٍ وشحجٍ وشوصةٍ وشابشتي وشكوى", فقلتُ: "ما تقومُ بهؤلاء قائمةٌ أبدًا" [18]، ولقد أخطأ بلا شك هشام بن عبد الملك حين وصف الباقرَ بالبقرة، قال ابنُ قتيبةَ: "دخل زيدُ بنُ عليّ على هشام بن عبد الملك، فقال: "ما فعلَ أخوك البقرة؟", قال زيد: "سمَّاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - باقرًا وتسميه بقرة..!! لقد اختلفتما" [19].

*وصورتْ بعضُ القصص أن الرافضةَ كانوا يكرهونَ مَن اسمه عمرُ نتيجة َكرههم الدفين لعمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه-، صوَّرَ ذلك الشيخ عبد القادر الكوكباني بقوله: "ولعامةِ الإماميةِ غلُوٌّ في التشيع، وسخافاتٌ تمجُّها الأسماعُ, كما يحكى أن طبيبًا منهم استعارَ بغلاً فركبَ عليه إلى فلاةٍ ثم سأل سايسَ البغلِ عن اسمه, فقال: "عمرُ", فلامَهُ خادمُ الطبيبِ وحذره أن يسميَهُ, فرأى السايسُ نهرًا على بعدٍ، فاشتدَّ يعدو، ثم اغتسلَ فيه, وانتظرَ رسولَ الطبيب, فلما وصلَ إليه سأله عن غُسله, فقال: كان جنبًا, ولذا لم ينطق اسمَهُ حين سأله عنه, لأن اسمَهُ عمرُ, فرضيَ عنه ([20]).

وحقًّا إننا حين نوردُ هذه القصص والحكايات لا نريد التعريضَ ولا التجريحَ، وإنما نريد تصوير الواقع المؤلم من خلال أحاديث اللغويين، لذلك ذكرنا ما لا نرغبُ فيه وما نرغب فيه، فالغاية تصويرُ ما هو مذكور فعلاً في كتب التراث حولَ هذه القضية التي نسألُ اللهَ - سبحانه وتعالى - أن يزيلها.




التعديل الأخير تم بواسطة إدارة المجمع ; 01-03-2017 الساعة 03:13 PM
رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 01-03-2017 - 03:07 PM ]




ولم يقتصرِ الأمرُ على العلماءِ فقط، بلِ امتدَّ إلى أن بعضَ الشعراءِ أدخلوا أنفسَهم في ما لا ينبغي أن يدخلوا فيه فانحرفوا، لعلَّ من أبرزهم أبا الطيب المتنبي، قال أبو حيان: "لقد ذكرَ القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابِ الانتصارِ في إعجاز القرآن شيئًا من كلامِ أبي الطيب مما هو كفرٌ"[21]، أمَّا أبو فراس الحمداني، فقد ذكر الثعالبي نقلاً عن الصولي قصةً تفيد أنْ قد بدرَ منه ما يخالفُ ما وردَ في القرآن الكريم أيضًا، قال الصولي فيما ذكر الثعالبي: ما رأيت أحدًا أشدَّ بذَخًا[22] بالكفر من أبي فراس ولا أكثرَ إظهارًا له منه، ولا أدومَ تعبثًا بالقرآن، قال يومًا - ونحن في دار ابن الوزير أبيي العباس أحمد بن الحسين ننتظرُ مجيئه -: "هل تعرف العربُ إرادةً لغير مميِّز؟"، فقلت: "إن العربَ تعبرُ عن الجمادات بقولٍ ولا قولٌ لها[23]، كما قال الشاعر:
امتلأ الحوضُ وقال قطْني

وليس ثمَّ قول", قال: "لم أُرِدْهذا، وإنما أريدُ* في اللغة إرادة لغير مميز", وإنما عرَّضَ بقوله - عز وجل-: "فوجدَا فيها جدارًا يريد أن ينقضَّ"، فأيَّدني اللهُ - عزَّ وجلَّ- بأن تذكرتُ قولَ الراعي:

في مَهْمَهٍ فُلِقَتْ بهِ هاماتُها *** فَلْقَ الفؤوسِ إذا أَرَدْنَ نصُولا

فكأني ألقمتُه الحجرَ, وسُرَّ بذلك مَن كان صحيحَ النية، وسَوَّدَ اللهُ وجهَ أبي فراس ([24])، ولا يخفى أنَّ أبا فراس الحمداني كان شيعيًّا، فلماذا يتعبَّث بالقرآن؟

4- أمَّا الصورة الرابعة فتتجلَّى في دفاعِ أهلِ السُّنة عن عباراتٍ وردتْ في كتبٍ لغويةٍ تمسُّ الصحابةَ - رضوانُ الله عليهم-, تتَّضحُ هذه الصورةُ عند ابن منظور وضوحًا ظاهرًا، من ذلك ما أخذه على الجوهري حين قالَ في مادة (صدق) ما نصه : "والصِّدِّيقُ مثالُ الفِسِّيق: الدائمُ التصديق". نقل ابن منظور ما ذكره الجوهري وعقَّب عليه بقوله: "ولقد أساء التمثيل بالفِسِّيقِ في هذا المكان" ([25])، ثم راحَ يؤكِّدُ صديقيةَ أبي بكر، فقال بعد ذلك: رُوِيَ عن عليّ بنِ أبي طالب - رضي الله عنه-، قال: "الذي جاء بالصدق محمدٌ - صلى الله عليه وسلم-, والذي صدَّقَ به أبو بكر - رضي الله عنه-" [26] فللهِ درُّكَ ياا ابنَ منظور بهذا التنظيرِ الرائقِ، حين أوردتَ ذلك عن سيدنا علي - رضي الله عنه-، ففي ذلك إشارةٌ هي أبلغ من أية عبارة، وتلميحٌ أوضحُ من تصريح.

وفي مادة (عمر) ردَّ ابنُ منظور أيضًا على الأزهري الذي حاولَ النيلَ من أبي بكر وعمر، قال ابنُ منظورٍ ناقلاً قولَ الأزهري: "الُعُمَرانِ أبو بكر وعمر، غُلِّبَ عمرُ؛ لأنه أخفُّ الاسمين", قال: فإن قيل: كيف بُدِئَ بعمرَ قبلَ أبي بكر وهو قبله, وهو أفضلُ منه, فإن العربَ تفعلُ هذا، يبدؤونَ بالأخسِّ، يقولون: ربيعةُ ومضرُ وسُلَيمٌ وعامرٌ، ولم يتركْ* قليلاً ولا كثيرًا"، فعقَّب ابنُ منظور على قول الأزهري بقوله: "هذا الكلام من الأزهري فيه افتئات على عمرَ - رضي الله عنه-، وهو قوله: "إنَّ العرب يبدؤون بالأخسّ"، ولقد كان له غُنْيَةٌ عن إطلاق هذا اللفظ الذي لا يليقُ بجلالةِ هذا الموضعِ المتشرِّفِ بهذين الاسمين الكريمين في مثالٍ مضروبٍ لعمرَ - رضي الله عنه-، وكان قوله: "غُلِّبَ عمرُ، لأنه أخفُّ الاسمين" يكفيه, ولا يعرِضُ إلى هُجنة هذه العبارةِ، وحيث اضطُرَّ إلى مثلِ ذلك، وأحوجَ نفسه إلى حُجَّةٍ أخرى فقد كان قيادُ الألفاظ بيده, وكان يمكنه أن يقولَ: إن العربَ يقدمون المفضولَ أو يؤخرون الأفضلَ أو الأشرفَ، أو يبدؤون بالمشروف، وأما (أفعلُ) على هذه الصيغةِ فإنَّ إتيانه بها دلَّ على قلةِ مبالاته بما يطلقه من الألفاظِ في حقِّ الصحابة - رضي الله عنهم-، وإنْ كان أبو بكر - رضي الله عنه- أفضلَ فلا يقالُ عن عمرَ - رضي الله عنه-: أخسُّ، عفا اللهُ عنا وعنه"، وقول ابن منظور: "عفا اللهُ عنا وعنه"، يمثل كياسةَ الحكماءِ وأسلوبَ العلماء ورقيَّ أهل السنة والجماعة الذين دائمًا يحاولون استيعاب الطوائف المارقة بإرشادهم إلى الحقِّ، والدعاء لهم بالصلاح، وليتَهم يفقهون، وللهِ درُّك يا ابنَ منظور على هذا النظر الصائبِ والذهبِ الذائب.

4- جاهدَ النحاةُ كثيرًا في بيان الانحرافاتِ النحويةِ التي وقعتْ فيها بعض الطوائف، كما أوردوا أدلةً تؤكد صحةَ مبادئ أهلِ السنة، من ذلك ما قاله النحاسُ* في قوله – تعالى-: "الذين إنْ مكَّنّاهم في الأرض..."، فقد أيَّدَ النحاسُ إعرابَ (الذين) بدلاً منصوبًا من (مَن) في قوله – تعالى- السابق: "ولينصُرَنَّ اللهُ مَن ينصرُه"، أو بدلاً مجرورًا من (للذين) في قوله – تعالى-: "أُذِن للذين يُقاتَلون"، وأكَّد بعد ذلك صدقَ وصحةَ* إمامةِ الخلفاء الأربعة بهذه الآية الكريمة، قال: "ويكون "الذين إنْ مكَّنَّاهم في الأرض" لأربعةٍ من أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسل-, لم يُمكِّنْ في الأرض غيرَهم من الذين قيلَ فيهم: "أُذِنَ للذين يُقاتَلون" وهم أبو بكر وعمرُ وعثمان وعليّ - رضي الله عنهم -، وبهذه الآية يُحتَجُّ في إمامةِ أبي بكر وعمر وغيرها من الآي [27]، وأكَّدَ الزمخشريُّ أيضًا هذا الاستدلالَ بقوله: "وقالوا: فيه دليلٌ على حُجّيةِ أمرِالخلفاء الرَّاشدين؛ لأنَّ الله لم يُعطِ التمكُّنَ ونفاذَ الأمر مع السيرة العادلةِ غيرَهم من المهاجرين، لا حظَّ في ذلك للأنصار والطلقاء"[28]، واستظهرَ أبو حيا ن وجه البدلية المجرورة مؤكدًا أيضًا أن هذه الآية تتضمن صحةَ الخلافة للأربعة - رضي الله عنهم-، قال: "والظاهرُ أنه من وَصْفِ المأذون لهم في القتالِ وهم المهاجرون، وفيه إخبارٌ بالغيبِ عمَّا تكونُ عليه سيرتُهم إن مُكِّنَ لهم في الأرض، وبُسِطَ لهم في الدنيا، وكيف يقومونَ بأمرِ الله، "وأضافَ ما ذكره الزمخشري فقال: "وقالوا: فيه دليلٌ على صحةِ أمرِ الخلفاءِ الراشدين؛ لأن اللهَ – تعالى- لم يجعلِ التمكُّنَ ونفاذَ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين، لا حظَّ في ذلك للأنصارِ والطلقاء" [29].

أمَّا الآلوسي فقد ذكرَ مباشرةً أنَّ الذين إنْ مكَّنَّاهم هي صفة للذين أُخرِجوا مقطوع أو غير مقطوع، وجوَّز أن يكون بدلاً، ثم نقلَ قولَ النحاسِ والزمخشري - أي في الآية دليلٌ على صحة أمر الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، ونصَّ على أنَّ الآيةَ مخصوصةٌ بالمهاجرين؛ لأنهم المُخرَجون بغير حق، والمُمَكَّنون في الأرضِ، منهم الخلفاءُ دون غيرهم، ثم قرَّرَ صراحةً أنَّ الآيةَ جاءت بصيغة الجمع المنافية للتخصيص بعليٍّ وحدَه - رضي الله تعالى عنه-[30]، ثم ربطَ بين الوجوهِ الإعرابيةِ الجائزة في إعراب "الذين إنْ مكَّنَّاهم" والأقوالِ الواردةِ في المراد من (الذين)، فقال: "وعن الحسن وأبي العالية هم أمةُ محمد - صلى الله عليه وسلم-، والأَولى على هذا أنْ يُجعلَ الموصولُ بدلاً من قوله – تعالى-: "مَن ينصره" كما أعربه الزجاج، وكذا يُقال على ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنهم المهاجرون والأنصارُ والتابعون، وعلى ما رُوِيَ عن أبي نُجيح أنهم الولاة"[31]، ولا شكَّ أنَّ كلَّ الوجوهِ التي ذكروها في إعراب "الذين إنْ مكَّنَّاهم"، لا تتعارضُ مع القول إنَّ هذه الآية دليلٌ على صحة خلافة الراشدين، لذا رأينا الآلوسي حين أرادَ الربطَ بين أقوالِ المفسرين والوجوهِ الإعرابية صدَّرَ كلامَه بالقول: "والأَولى" لكن هذه الأَولوية لا تعني أنَّ هذه الوجوهَ تتعارضُ مع توجيه أهل السُّنة والجماعة، فكلُّ الأعاريبِ تنصَبُّ في النهاية خادمةً لمذهبهم.

والمستفاد من ذلك كلِّه أنَّ النحاةَ والمفسرين استثمروا سعةَ العربية، لبيان عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وسلكوا ما هو مطرَّدٌ واضحٌ في لسان العرب، مُراعين السياقَ العام، وأسبابَ النزول، وأقوالَ الأئمة التابعين؛ لإبراز الوجه اللغوي الذي اعتمدوه.

أمَّا المثالُ الثاني الذي نرغبُ أنْ نسوقَهُ لنتبينَ منه جهودَ النحاةِ والمفسرين في الدفاعِ عن أهل السُّنة والجماعة، فهو يتمثَّلُ بحكم شرعي فقهي، فقد ذهبَ بعض الرافضة [32] إلى جوازِ زواج المسلم بتسعِ نساء في وقت واحدٍ، ومن أدلّتهم [33] قوله – تعالى-: "فانكِحوا ما طاب لكم من النساء مَثنى وثُلاث ورُباع"؛ لأن الواو تفيد الجمع، قال القرطبي مشيرًا إلى رأيهم وأدلتِهم: "اعلَمْ أنَّ هذا العددََ مثنى وثُلاثَ ورُباعَ، لا يدلُّ على إباحةِ تسع، كما قاله مَنْ بَعُدَ فهمُه للكتاب والسُّنة، وأعرضَ عمَّا كان عليه سلفُ هذه الأمةِ، وزعمَ أنَّ الواو جامعة، وعضدَ ذلك بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم-- نكَحَ تسعًا، وجمعَ بينهن في عصمته، والذي صارَ إلى هذه الجَهالة وقال هذه المقالة: الرافضة، وبعضُ أهلِ الظاهر، فجعلوا (مَثنى) مثل اثنين، وكذلك (ثلاث) و(رباع)، وذهب بعضُ أهل الظاهر أيضًا إلى أقبحَ منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمانِ عشرةَ، تمسُّكًا منه بأنَّ العدلَ في تلك الصيغ يفيدُ التكرارَ، والواوَ للجمعِ، فجعلَ مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثُلاث ورُباع " [34]، ثم بيَّنَ سببَ جهلهم جميعًا بقوله: "وهذا كلُّه جهلٌ باللسانِ والسُّنةِ، ومخالفةٌ لإجماع الأمة" [35]، وأولُ مَن وقفت عنده على رد على هؤلاء هو النحاس، مع أنه لم يُسَمِّ أصحاب هذا الرأي، قال: "وأمَّا مَن قال معنى مَثنى وثُلاث ورُباع تسعٌ فلا يُلتَفتُ إلى قوله، ولا يصحُّ في اللغة؛ لأنَّ معنى (مَثنى) عند أهل العربية: اثنتين، اثنتين، وليس معناه اثنتين فقط، وأيضًا فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون معناه تسعًا؛ لأنه لو كان معناه تسعًا لم يكن اختصارًا أن يُقال انكحوا اثنتين وثلاثًا وأربعًا؛ لأنَّ تسعًا أخصر من هذا، وأيضًا فلو كان هذا على هذا القول لما حلَّ لأحد أن يتزوج إلا تسعًا أو واحدة، فقد تبيَّنَ بطلان هذا [36]، وتناولَ الزمخشريُّ رأيهم من غير أن يشير إليهم، لكن مضمون ما ذكره يُعَدُّ ردًّا عليهم، لقد مهَّدَ لردِّه ببيان المراد من مجيء الأعداد مكررةً، قال عن مثنى وثلاث ورباع: "إنها معدولة عن أعداد مكررة وإنما منعت من الصرف لما فيها من العدلين، عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها، وهي نكرات يُعرَّفْنَ بلام التعريف، تقول: "فلان ينكح المَثنى والثُّلاث والرُّباع" ومحلهن النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا"، وراح يسأل ويجيب بما يتضمَّن الرد عليهم، قال: "فإنْ قلت: فلِمَ جاء العطفُ بالواو دون أو؟ قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك، ولو ذهبت تقول: "اقتسموا هذا المال درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة" أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلَّت عليه الواو، وتحريره أن الواو دلَّتْ على إطلاق أن يأخذ الناكحون مَن أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إنْ شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإنْ شاؤوا مُتفقين فيها محظورًا عليهم ما وراء ذلك[37].
أمَّا القرطبي الذي بسطَ رأيهم وسمَّاهم أيضًا، فقد انبرى أيضًا للرد عليهم، فقال إنَّ:
هذه الآراء مخالفةٌ لما هو مُجمَعٌ عليه، قال: "لم يُسمَعْ عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين أنَّه جمعَ في عصمته أكثرَ من أربع، وقد ورد عددٌ من الأحاديث أمرَ الرسولُ فيها الاكتفاءَ بأربع، أخرجَ مالك في موطئه والنسائي والدارقطني في سُنَنِهِما أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لغيلانَ بنِ سلمةَ الثقفيِّ وقد أسلمَ وتحته عشرُ نسوة: "اخترْ منهنَّ أربعًا، وفارِقْ سائرَهنَّ"[38]، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: "أسلمتُ وعندي ثمانِ نسوةٍ، فذكرتُ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: "اخترْ منهنَّ أربعًا"[39].


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 01-03-2017 - 03:08 PM ]


أمَّا ما أُبيحَ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم- فذلك من خصوصيّاته، كما قال القرطبي [40]، قال ابنُ العربي موضحًا من قبلُ هذه الخصائصَ النبويةَ المتعلقةَ بهذا الجانب: "أحلَّ الأزواجَ لنبيِّه مطلقًا، وأحلَّهنّ للخلقِ بعددٍ، وكان ذلك من خصائصه في شريعةِ الإسلام، وقد رُوِيَ عمَّن كان قبله في أحاديثهم أنَّ داودَ - عليه السلام- كانت له مائةُ امرأةٍ، وكان لسليمان - عليه السلام - ثلاثُمائةِ حُرةٍ وسبعُمائةِ سَريّةٍ، والحقُّ ما وردَ في الصحيح أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن سليمان قال: لأطوفَنّ الليلةَ على سبعينَ امرأةً كلُّ امرأةٍ تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، ونسيَ أن يقول: إن شاء الله، فلم تلِدْ منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ[41]"، وبيَّنَ في موضع آخرَ، عن إمام الحرمين، بعضَ خصائصه، فقال: "وقد خصَّص اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم- في أحكام الشريعة بمعانٍ لم يشاركه فيها أحدٌ، في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزيةً على الأمة، وهيبةً له ومرتبةً، خُصَّ بها، ففُرضتْ عليه أشياءُ ما فُرضتْ على غيره، وحُرِّمتْ عليه أشياءُ وأفعالٌ لم تُحَرَّمْ عليهم، وحُلِّلتْ له أشياءُ لم تُحلَّلْ لهم، منها مُتفقٌ عليه، ومنها مُختلَفٌ فيها، فمما أُحِلَّ له: الزيادةُ على أربع نسوة، والنكاحُ بلفظِ الهبةِ، والنكاحُ بغير وليٍّ، والنكاحُ بغير صَدَاق[42]، ونصَّ الآلوسي على "أنَّ الإجماعَ قد وقعَ على أن الزيادةَ من خصوصياته - صلى الله عليه وسلم- ونحن مأمورونَ باتباعه، والرغبةِ في سنته - عليه الصلاةُ والسلامُ- في غير ما عُلِمَ أنه من الخصوصيات، أما فيما عُلِمَ أنه منها فلا[43]، وبذلك يبطلُ هذا الاستدلال الذي اتكؤوا عليه.
ثم أضاف قائلاً: إن الواو هنا بمعنى البدل، أي انكحوا ثُلاث بدلاً من مَثنى، ورُباع بدلاً من ثٌلاث، ولذلك عطفَ بالواو ولم يعطفْ بـ أو، ولو جاء بـ أو لجاز ألّا يكونَ لصاحب المثنى ثُلاث، ولا لصاحب الثلاث رُباع[44]، وهذا التفسيرُ يؤيده أو قام على أن إعراب مَثنى وثُلاث ورُباع بدلٌ منصوبٌ من "ما" [45]، والمشهور أنها أحوال، وكلا الوجهين لا يمنعُ من القول إن الواو هنا بمعنى البدل، أما القول إن المرادَ من مَثنى اثنين ومن ثُلاث ثلاثة ومن رُباع أربعة، فقد أفاد القرطبي فيما يبدو مما ذكره النحاس والزمخشري، فقال: "هو تحكمٌ بما لا يوافقهم أهلُ اللسان عليه، وجهالةٌ منهم، واللهُ - سبحانه وتعالى- خاطبَ العربَ بأفصحِ اللغات، وهي تستقبحُ أن تقولَ: "أعطِ الرجلَ اثنين وثلاثة وأربعة"، وهي تريد تسعةً، وتستقبحُ أن تقول: "أعطِ فلانًا أربعةً ستةً ثمانيةً"، ولا تقول: ثمانيةَ عشر[46]، أي قولكم فيه جنوحٌ عن اللغة العالية الراقية عند العرب، والأَولى تخريجُ القرآن على أفصح الوجوه.
ويرِدُ هذا الردُّ على القائلين أيضًا بأنَّ مَثنى تعني اثنين اثنين، وكذلك ثلاث ورباع، أي أجازوا الجمعَ بين ثمان عشرة زوجة، لأنَّ العدلَ عندهم يفيدُ التكرارَ، والواو للجمع، قال القرطبي رادًّا عليهم أيضًا مبينًا حقيقةَ العدلِ: "لم يعلموا أنَّ اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا حصرٌ للعدد، ومَثنى وثُلاث ورُباع بخلافها، ففي العدد المعدولِ عند العربِ زيادةُ معنى ليستْ في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: "جاءت الخيل مَثنى" إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءتْ مزدوجَةً، فإنْ قلت: أريدُ من القول: "جاءني قومٌ أُحاد أو مَثنى أو ثُلاث أو عُشار" واحدًا واحدًا أو اثنين اثنين أو ثلاثًا ثلاثًا أو عشرة عشرة، فالجواب: أنك بذلك حصرتَ عددَ القومِ الجائين بثلاثةٍ وعشرة، أمَّا إذا قلت: "جاؤوني رُباعَ وثُناءَ" فلم تحصرْ عُدتَّهم، وإنما تريدُ أنهم جاؤوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين، وسواءٌ كَثُرَ عددُهم أو قلَّ في هذا الباب[47]، والمرادُ من هذا أنَّ مجيء العدد مرادًا به العدلُ يمنعُ من ذلك الفهم الذي اعتقدتْ به بعضُ الطوائف، وردَّ الشوكانيُّ بإيجاز على ما ذكروه، فقال: "وأما استدلالُ مَن استدلَّ بالآية على جواز نِكاح التسعِ باعتبار الواو الجامعةِ، فكأنه قال: "انكحوا مجموعَ هذا العدد المذكورِ"، فهذا جهلٌ بالمعنى العربيِّ، ولو قال: "انكحوا ثنتين وثلاثًا وأربعًا" كان هذا القولُ له وجهٌ، وأمَّا مع المجيء بصيغة العدل فلا، وإنما جاء - سبحانه - بالواو الجامعةِ دون (أو)؛ لأنَّ التخييرَ يُشعِرُ بأنه لايجوز إلا أحدُ الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمرادٍ من النَّظم القرآني[48].
ولا أرغبُ الانتهاءَ من بيان هذه الملامح قبل أن أشيرَ إلى أن هناك أحيانًا إشاراتٍ ذكرَها المفسرون يريدون بها بيانَ الفروق بين أساليبَ تعبديةٍ استعملتها بعضُ الطوائف مع أهلِ السُّنة أيضًا، موضحين أن الأسلوبَ اللغويَّ الذي استعمله أهلُ السُّنةِ هو الأقوى لغةً، من هذه الأساليب "اللَّهم صلِّ على محمد وآله"، أمَّا أهلُ السُّنة فيقولون: "اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد"، أي بإعادة حرفِ الجر، لقد بيَّنَ الفرق بينهما الآلوسي حين تحدَّث عن الفرق بين قوله – تعالى-: "ختمَ اللهُ على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة"، إذ أعادَ الخافضَ، و قولِه – تعالى-: "وختم على سمعه وقلبه" ولم يُعِدِ الخافضَ، قال: "وأعادَ - جلَّ شأنُه- الجارَّ – أي في الآية الأولى – لتكونَ أدلَّ على شدةِ الختمِ في الموضعين، فإنَّ ما يُوضَعُ في خزانةٍ كان إذا خُتمَتْ خِزانتُهُ وخُتِمَتْ دارُه كان أقوى في المنع عنه، وأظهرَ في الاستقلال؛ لأنَّ إعادةَ الجارّ تقتضي ملاحظةَ معنى الفعلِ المُعدَّى به، حتى كأنه ذُكِرَ مرتين، ولذا قالوا في (مررت بزيد وعمرو): مرورٌ واحدٌ، وفي (مررت بزيد وبعمرو) مروران" [49]، إذن إسقاطُ الخافضِ في صيغة الصلاةِ على الرسول عند الإمامية المرادُ منه شدةُ الاتصال بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وآله، والغايةُ منه سَريانُ خصائصه - صلى الله عليه وسلم- على آله، وَلعلَّ* من أهمها العِصمةَ [50]، أمَّا إعادةُ الخافض فيفيدُ شدة الاستقلال بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وآله، فلكلٍّ خصوصيةٌ، كما يفيدُ فضلَ التوكيد على حصول الصلاة؛ لأنَّ إعادةَ الخافض – وهو تكرارٌ للعامل - مع الواو وهي نائبةٌ عن الفعل (صلِّ) تصيرالصورةُ "اللَّهم صلِّ على محمد وصلِّ على آله"، أي نابَتِ الواو عن الفعل (صلِّ)، في حين خلَتْ صيغةُ الإماميةِ من فضل هذا التكرار، أي اجتمعَ عندَهم النيابةُ عن الفعل فقط، في حين اجتمعَ عند صيغة أهلِ السُّنة النيابةُ عن الفعل مع تكرار العامل، وهو حرف الجر (على) في الموضعين؛ لذا عندنا ما يفيدُ الإلحاحَ في طلب الصلاة، بتكرار ما ذكرناه، ونقصت صيغتُهم عن ذلك. فإن قلتَ: هل ثمة فرقٌ آخر؟ فالجواب: نعم، ذكره الآلوسي أيضًا بقوله: "والعطفُ وإنْ كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهرًا مثلَها في الإفادة؛ لما فيه من الاحتمالِ" [51]، أي احتمالُ المعية، ومعنى ذلك أنَّ الاقتصارَ على الواو ليس قويًّا فيما يرومونه من إظهارِ المعيَّة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وآله؛ لأنَّ الواو في أصل وضعِها في استعمال العرب لا تُفيدُ المعيةَ إلا بقرينةٍ، فإنْ لم توجدِ القرينةُ فالمعيةُ محتملةٌ، أي انتقضَ الغرضُ الذي أرادوه، أمَّا صيغةُ أهل السُّنة فمضمونها - كما ذكرنا- طلبُ الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم- وعلى آله، من غير إرادة لتلك المعيةِ المفضيةِ إلى ذلك الاتحاد، بل المرادُ الاستقلالُ، وفيها من المقوياتِ اللغويةِ ما يفيدُ الإلحاحَ في الطلب - والله أعلم –، وقد ألفيتُ عبدَ القادر الكوكباني في كتابه إحكام العقد الوسيم [52] يعلِّقُ على صاحب العقد قولِه في نهاية كتابه العقدِ الوسيمِ، في الظرف والجار والمجرور وما لكلٍّ منن التقسيم: "وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم" بما نصه: "الإماميةُ تروي حديثًا موضوعًا، وهو: "لا تفصلوا بيني وبين آلي بعلى"، "ويُسندون إلى عليّ بن الحسين أنه كان يقول في دعائه: "فصلِِّ على محمد وآله"، وعقَّب الكوكباني قائلاً: "ومقتضى كتابِ الأحكام وسائرِ دوواين الإسلام أنَّهم لا يقبلون فيما تفردوا به، وجميعُ الأحاديثِ الواردةِ في تعليم الصلاة بلفظِ (وعلى آل محمد) أو (وعلى آله)، فحذفُ (على) سهوٌ من المصنف"[53]، وقد رأينا أنَّه لو وُجِدَ حديثٌ في إسقاط حرف الجر، فسوف يبقى أن الصيغة التي هي بحرف الجر أقوى لغةً.
وأخيرًا أرى أنَّه لا بد من التنويه إلى المسألة النحوية المشهورة التي تمثلُ الصراعَ اللغويَّ بين المعتزلةِ وأهلِ السُّنة، وهي تتمثلُ في:*

حديث النحاة عن دلالة "لن" عند الزمخشري، لقد ذهبَ الرجلُ إلى أنَّ "لن" في أصلِ وضعها تفيدُ التأبيدَ، مستدلاًّ بقوله – تعالى-: "لن يخلقوا ذبابًا" فمما رُدَّ به عليه أنها لو كانت كذلك لكان تأبيدُ النفي جاريًا في كلِّ موضعٍ وردتْ فيه، في حين نراها في قوله – تعالى-: "فلن أُكلِّمَ اليومَ إنسيًّا" مقيدةً بيوم، أي لم تُفِدْ تأبيدًا مطلقًا، كما نراها في قولِه – تعالى-: "ولن يتمنَّوْه أبدًا" قد ذٌكرَ معها لفظةَ "أبدًا"، فلو كانت دالةً على التأبيد لما ذُكِرَتْ هذه اللفظةُ؛ لأنَّ القرآنَ مصونٌ عن التكرار، ثم قالوا: "لو كانت تفيدُ التأبيدَ لم يصحَّ أن يُذكَرَ معها ما يدلُّ على الانتهاءِ، كما في قوله – تعالى-: "لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجِعَ إلينا موسى"، ومثلُهُ: "فلن أبرحَ الأرض حتى يأذن لي أبي"، أما قولُهُ – تعالى-: "لن يخلقوا ذبابًا" فالقرينةُ العقليةُ هي الدالةُ على تأبيد النفي، ولئن سلَّمنا – كما يقولُ الشيخُ محمد محيي الدين عبد الحميد - فإنا لا نُسلِّمُ أنها في كلِّ تعبير ترِدُ فيه تدلُّ على ذلك، فبطلتْ دعواه ولم يَسْلَمْ له استدلالُه [54].



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-03-2017 - 03:08 PM ]



الخاتمة:

بعد هذا التطوافِ حولَ المعالمِ العامةِ التي برزتْ في كتبِ أهلِ اللغةِ والنحوِ والتفسيرِ، الكاشفةِ عن جهود هؤلاء العلماء للدفاع عن أهل السُّنة والجماعة، نخلُصُ إلى ما يأتي:**

أنَّ هناك صراعًا ثقافيًّا لغويًّا بين أهل السُّنة والجماعة، والطوائفِ الأخرى تلك التي انحرفتْ عن النهج القويم، وهذا الصراع بدأ مبكرًا.
ظهرَ هذا الصراعُ على مستوياتٍ متعددةٍ، وبصُورٍ متنوعةٍ، شاركَ فيه اللغويونَ من أصحابِ المعاجم وأهلِ اللغة والنحاةِ، والمفسرون، وتنوَّعتْ صورُهُ ومظاهرُهُ، وأقواه تلك الوقفاتُ النحويةُ ثم اللغويةُ، إذ هي المعيارُ الذي يُظهِرُ الحقَّ، ويُبطِلُ الباطلَ، وذلك لأنَّه منبعٌ لكل الطوائف، فلو اعتُمِدَ على أُسسِهِ ومعطياتِهِ لكان من الواجب أن لا يقعَ الخلفُ بين هذه الطوائفِ، سواءً في الأصولِ أم في الفروعِ، لكن "الأنا" الإبليسية هي المعيارُ عند كثير من الطوائف المارقة.
ثبتَ أنَّ آراءَ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ وردودَهم على مخالفيهم تنبثقُ مما هو شائعٌ مطردٌ في كلام العرب، معتمدينَ على نصوصِ الشارعِ من القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ النبويةِ وكلامِ الصحابة والتابعين، مستضيئين بأسبابِ النزولِ أيضًا.
غلبَ على تأويلاتِ الطوائف المنحرفة الاعتمادُ على الوجوه الضعيفةِ عربيةً، وعلى تأويلات ليس لها في لغة العرب أصلٌ، دفعهم إلى ذلك التعصبُ الشديدُ؛ لما لُقِّنُوه من أقوالٍ باطلةٍ، ورواياتٍ زائفةٍ، فوصلَ بهم الحقدُ إلى كراهةِ أسماءِ بعضِ الصحابةِ كأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما-، وقد أدَّى ذلك إلى بروز ظاهرةِ التسمِّي بأسماءِ آل البيت كثيرًا مِن قِبَلِهم، ولعلَّ ذلك دفعَ أهلَ السُّنةِ إلى كثرةِ التسمِّي بأسماءِ الصحابةِ الذين تكرههم الإماميةُ وغيرهم.
لا شكَّ أن الخلافَ بين الطوائفِ أثارَ حركةً علميةً عبر العصور، وليت هذه الحركةَ أدَّتْ إلى توحيد الصف والكلمةِ، والسيرِ على منهجٍ علمي واحد يتسعُ للجميع، لكنَّ الظاهرَ أنَّ تلك الطوائفَ أبَتْ إلا الخلافَ والنزاعَ، والعداوةَ والبغضاءَ والكراهيةَ، ووصلَ الأمرُ إلى حدِّ قتل المخالف، إذ يكونُ ذلك سببًا في دخوله الجنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..!!
ساقَ أهلُ السُّنةِ في كتبهم اللغويةِ بعضَ القصصِ، ظاهرُها ظرفٌ وفُكاهةٌ لكن مضمونَهَا نقدٌ وتقريعٌ، ويبدو أن ظاهرةَ النكتِ السياسيةِ قديمةٌ جدًّا، من مظاهرها النكت بين الطوائف.
اللَّهم انفع بهذا العملِ، وبارِكْ فيه، ورضِيَ اللهُ عن صحابةِ رسولِ اللهِ جميعًا، اللَّهم اجمعْ كلمةَ المسلمين، ووحِّدهم، وأعلِ رايتَهم خفاقةً إلى يوم الدين. الإجابةَ الإجابةَ يارب العالمين.

المصادر والمراجع:

أحكام القرآن، لابن العربي، تعليق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
أضواء البيان، للشنقيطي، دار الفكر، 1415هـ -1995م
أوضح المسالك، لابن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.
الإتقان، للسيوطي، الطبعة الثانية، منشورات مجمع الملك فهد، المدينة المنورة 1431هـ -2010م
إحكام العقد الوسيم، لعبد القادر الكوكباني، مخطوط، مصورة من جامع الغربية، تحت رقم 47 مجاميع.
إعراب القرآن للنحاس، تحقيق الدكتور زهير غازي، منشورات وزارة الأوقاف العراقية،1979م.
البحر المحيط، لأبي حيان، نشر مكتبة النصر الحديثة، الرياض.
تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، شرح السيد أحمد صقر، دار التراث بمصر، الطبعة الثانية،1393هـ -1973م.
الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تحقيق الدكتور التركي ومشاركيه، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى،1427هـ - 2006م.
روح المعاني، للآ لوسي، 1388هـ - 1987م.
الصحاح، للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية، دار العلم للملايين،1339هـ -1979م.
عيون الأخبار، لابن قتيبة، دار الكتب المصرية، 1925م.
فقه اللغة، للثعالبي، تحقيق مصطفى السقا وزملائه، الطبعة الأخيرة، 1392هـ -1972م.
القاموس المحيط، للفيروزآبادي، الطبعة الثانية، البابي الحلبي،1317هـ - 1952م.
الكشاف، للزمخشري، عناية خليل شيحا، دار المعرفة، لبنان.
اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل، تحقيق عادل أحمد ومعوض، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م.
لسان العرب، لابن منظور، دار المعارف، مصر.
المستطرف، للأبشيهي، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، لبنان.
المصباح المنير، للفيومي، توزيع دار الباز بمكة المكرمة.
معاني القرآن، للنحاس، تحقيق محمد علي الصابوني، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1988م.
نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف، لمحمد زبارة، مركز الدراسات اليمني، صنعاء، دارالآداب، بيروت، 1405هـ.

____________________________________________
[1] - روح المعاني 1/5
[2] - الخصائص 3/245
[3] - البحر المحيط 1/5
[4] - روح المعاني 1/5
[5] - الخصائص 3/255
[6] - مقدمة كتاب تأويل مشكل القرآن ،2-38
[7] - تأويل مشكل القرآن ،260 بتصرف
[8] - المرجع السابع 260
[9] - البحر 1/5
4- اللباب , لابن عادل 19/301
[11] - الإتقان 6/2293
[12] -* طائفة النصيرية ، سليمان الحلبي ، 86
[13]- فتح القدير 3/200 وابن الراوندي هو أحمد بن يحيى بن إسحاق، توفي في حدود 301هجرية، ملحد مشهور، له عدد من الكتب، أشهرها الفرند والزمردة، طعن فيهما بالديانات السماوية كلها، وبالأنبياء جميعًا، وردَّ عليه الخياط المعتزلي بكتاب عنوانه "الانتصار في الرد على ابن الراوندي".
[14] - أضواء البيان 2/460
[15] - أطلق هذا اللقب على الذين رفضوا إمامة زيد بن علي بن الحسين؛ لأنهم طلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فرفض وترضى عنهما، فرفضوا إمامته، والذين أيدوه أطلق عليهم الزيدية .
[16]- عيون الأخبار (5/146), وفي الهامش أن هذا الرجل مظنون من بني مخزوم من أهل مكة، منسوب إلى الشعبي.
[17]- المستطرف 1/86 ومعنى وسنة أي قريرة.
[18]- عيون الأخبار 1/56
[19]- عيون الأخبار 1/212
[20] - أحكام العقد الوسيم للكوكباني, مخطوط 175و
[21] - البحر المحيط 1/9 أطلقوا على الباقلاني ناصر السُّنة والدين، له كتب كثيرة في الرد على الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج، ومناظراته مع الطوائف والنصارى مشهورة، توفي سنة 4033هـ.
[22]- أي أشدُّ تكبرًا وتطاولاً، و(بذخ): من باب تعب، أي: تكبر وطال، القاموس المحيط ، والمصباح المنير، (بذخ).
[23] - أي الجمادات.
[24]- فقه اللغة, للثعالبي360
[25]- انظر الصحاح واللسان، مادة (صدق).
[26] - اللسان (صدق).
[27]- معاني القرآن، 4/420 ، وإعراب القرآن 2/406 بتصرف، وانظر الجامع للقرطبي 14/413
14- الكشاف،697، ونشير هنا إلى أن السورة كما قال القرطبي مكية سوى بعضِ آياتٍ ثلاثٍ، وقيل أربعٌ ليس منها قولُه – تعالى-: "أُذن للذين يُقاتَلون..."، أي هذا يؤكد أنها دليلٌ على أن المرادَ هو المهاجرون، قال ابنُ عباس وابنُ جُبير: "نزلت – أي "أُذن للذين..."- عند هجرةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة"، انظر الجامع 14/406، أما آية التمكين فقالَ ابنُ عباس عنها: "المرادُ المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان"، وقال قتادة: "هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم-، هم أهل الصلوات الخمس"، وقال الحسن وأبو العالية: "هم هذه الأمة، إذا فتح اللهُ عليهم أقاموا الصلاة"، وقال ابن أبي نُجيح: "يعني: الولاة"، انظر القرطبي 14/412 والبحر 6/376، والظاهر أن استدلال النحاس والزمخشري القائل إن آية التمكين تؤكد صحة إمامة الخلفاء الأربعة قائمٌ على كون (الذين) في آية التمكين هي بدلٌ من (الذين) في آية الإذن؛ لأن آية الإذن كما ذكرنا نزلتْ عند هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، يعني لم يكن للأنصار فيها ذكرٌ البتة، يضاف إلى ذلك أن الآيةَ التي بعدها هي: "الذين أُخرجوا من ديارهم"، والذين أُخرجوا هم المهاجرون، وقد ألمحَ أبو حيان إلى ما نريده حين قال: "والظاهر أنه يجوز في إعراب "الذين إنْ مكناهم في الأرض" ما جاز في إعراب "الذين أُخرجوا"، إذن هم واحد، ونصّ القرطبي على أن "الذين أُخرجوا" هو بدل مجرور من "أُذن للذين يُقاتَلون"، وأجاز أبو حيان وجوهًا أخرى تفيد أن (الذين) في الآيات كلها هم الفئة نفسها، قال: "الذين أُخرجوا في موضع جرّ، نعت للذين أو بدل أو في موضع نصب بأعني، أو في موضع رفع على إضمارهم"، ولا شكَّ أن كل هذه الوجوه تؤكد أنّ الذين نزلت بهم "أُذِن للذين يٌقاتَلون..." هم المهاجرون، فإذا كان الأمر كذلك فالخلفاء الراشدون بداهةً منهم، ومن ضمنهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم جميعًا-. انظر البحر 6/374.
[29] - البحر المحيط 6/376
[30] - روح المعاني 17/165
[31] - روح المعاني 17/165
[32]- نسب أبو حيان في البحر 3/163هذا القول إلى بعض الشيعة، ونسبه القرطبي إلى الرافضة، كما في نصه الذي ستراه بعدُ، وقال الآلوسي 4/190: "والحق أن الإمامية تحرم الزيادة على الأربع، وروَوا عن الصادق - رضي الله عنه-: "لا يحلّ لماء الرجل أن يجري في أكثرَ من أربعةِ أرحام"، وشاع عنهم خلافُ ذلك، ولعله قول شاذ عندهم"؛ لذلك كله حرصت على ذكر الرافضة فقط كما قال القرطبي.
[33]- أوردَ الآلوسي عددًا من الأدلة، وتوجهنا في حديثنا هنا عن دليلين فقط؛ لعلاقتهما بمباحثنا اللغوية، وهما: إفادة الواو للجمع، والعدل، واحتجنا لبيان مذهب أهل السنة إلى الحديث عن ذلك الإجماع الوارد عن أهل السنة، مورِدين حديثَ الرسول - صلى الله عليه وسلم- لتأكيد مذهب أهل السنة، ومَن أراد المزيد من الأدلة فليرجِعْ إلى روح المعاني 4/190- 194
[34] - الجامع 6/33
[35] - الجامع 6/33
[36] -* معاني القرآن ،2/13
[37] - الكشاف، 218 وانظر البحر المحيط ، 3/163
[38] -* خرج المحققون الحديث الشريف في الهامش، قالوا: "أخرجه أحمد (4609) والترمذي (1128) والدارقطني (3684) وأخرجه مالك 2/586".
[39] - الجامع 6/34409 خرجه المحققون في الهامش، فذكروا أنه في سنن أبي داود 2241، وانظر أحكام القرآن لابن العربي أيضًا1/409
[40] - الجامع، 6/34
[41] - أحكام القرآن 3/590
[42] - أحكام القرآن، 3/598 – 599 بتصرف
[43] - روح المعاني 4/192
[44] - الجامع 6/34
[45] - لم يقوِّ أبو حيان هذا الإعراب من جهة الصناعة النحوية، انظر: البحر 3/163
[46] الجامع 6/34 بتصرف
[47] - الجامع 6/35 بتصرف
[48] -* فتح القدير 1/420
[49] - روح المعاني 1/135
[50] - أخبرني أخي الدكتور عياد الثبيتي أن القاضي عياض في (مشارق الأنوار) أشار إلى أن الغاية من إسقاطهم حرف الجر هو جريان العصمة لأئمتهم، ولم يتسنَّ لي العودة إلى الكتاب المذكور.
[51] - *روح المعاني 1/135
[52] - وهو كتاب شرحَ فيه الكوكباني كتاب (العقد الوسيم) للأخفش اليمني، جمع فيه كل ما يتعلق بأحكام شبه الجملة، وقد حققناه، وطبع ونشر في المكتبة العصرية في لبنان.
[53] - إحكام العقد، مخطوط ،177/ظ، والأخفش صاحب العقد كان زيديًّا ثم نظر في كتب أهل السُّنة فمال إلى الترجيح كما قال صاحب نشر العرف 1/793-794، فقول الكوكباني إنه حذف (على) سهوًا، لمعرفته أنه لم يعد يقبلها بعد وصوله إلى مرحلة الترجيح.
[54] - أوضح المسالك 4/149الهامش بتصرف.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-03-2017 - 06:07 PM ]


أ"نَّ هناك صراعًا ثقافيًّا لغويًّا بين أهل السُّنة والجماعة، والطوائفِ الأخرى تلك التي انحرفتْ عن النهج القويم، وهذا الصراع بدأ مبكرًا."
"الحقيقة انّ الاسلام في واد .....
والمسلمون في أودية أخرى يتناحرون"
واللغة كانت أحد الادوات التي تمّ توجيهها وتأويلها وتحريفها وأدلجتها و ......نصرة للمعتقد وللطائفة والمذهب وللمباني الذاتية ......
فاللغة وعاء مقدّس تمّ الاعتداء عليه تحت عناوين مختلفة وبسبب ذلك ازداد اختلاف المسلمين ...
وتبقى جهود الباحثين والمخلصين من أجل البحث العلميّ الصرف و من أجل الحقيقة و من أجل الاسلام الحنيف .
شكرا لعضو المجمع أ.د. رياض بن حسن الخوام على الاثراء


رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مكة وبكة في الدرس اللغوي - أ.د. رياض الخوام عبدالله جابر مقالات أعضاء المجمع 1 12-11-2014 08:37 PM
محاضرة لعضو المجمع أ.د. رياض الخوام بعنوان: (مكة وبكة في الدرس الّلغوي) إدارة المجمع أخبار المجمع و الأعضاء المجمعيين 0 11-25-2014 06:54 PM


الساعة الآن 02:41 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by