منهج ابن عبد ربه في تهذيب كتاب القوافي وعللها لسيبويه
سليمان أحمد أبو ستة
المقدمة:
يعد تهذيب الكتب من الأنشطة العلمية التي اهتم بها العلماء المسلمون عندما ازدهرت حركة التأليف في أواخر القرن الثاني الهجري. وربما كان الأخفش الأوسط (ت 216 هـ)، بتأليفه كتاب معاني القرآن، أول من ابتدأ هذا النشاط حين وضعه تهذيباً لكتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، فقد جاء في طبقات النحويين واللغويين للزبيدي قوله: قال أبو حاتم: "كان الأخفش قد أخذ كتاب أبي عبيدة في القرآن، فأسقط منه شيئاً وزاد شيئاً، وأبدل منه شيئاً. قال أبو حاتم: فقلت له: أي شيء هذا الذي تصنع؟ من أعرف بالغريب، أنت أو أبو عبيدة؟ فقال: أبو عبيدة، فقلت: هذا الذي تصنع ليس بشيء، فقال: الكتاب لمن أصلحه، وليس لمن أفسده"[1].
ويتفق المعنى المعجمي لكلمة التهذيب مع قول الأخفش هذا، حيث جاء في المعجم الوسيط، قوله: "هذب الكتاب: لخصه وحذف ما فيه من إضافات مقحمة أو غير لازمة"[2]. وكذلك يتفق مع ما قصده ابن عبد ربه (ت 328 هـ) بالاختيار وحسن الاختصار في مقدمة تأليفه لكتاب العقد الفريد، عندما قال: "وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الأدب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجواهر ولباب اللباب وإن مالي فيه هو تأليف الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش لدرر كل كتاب، وما سواه مأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه، وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله[3]".
لكن الأخفش وابن عبد ربه لم يذكرا فيما وضعاه من عناوين لكتبهم المنقولة مصطلح التهذيب صراحة، مع أن كتب العقد كلها تعد مهذبة في نقلها. وسوف ندلل على ذلك بمثال واحد منها هو كتاب علل القوافي، وهو الجزء الثاني من كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي بالعقد الفريد. كما سنلاحظ في مناقشتنا لهذا الكتاب قربه من أكثر مناهج التهذيب تطوراً، والبالغة قمة نضجها عند التبريزي (ت 502 هـ) بتأسيسه للمنهج التكاملي في أواخر القرن الخامس الهجري، حيث رأينا له أكبر عدد من الكتب المهذبة نحو تهذيب إصلاح المنطق لابن السكيت وغير ذلك من التهذيبات والشروح اللغوية المختلفة[4].
أهمية البحث والهدف منه:
تكمن أهمية البحث والهدف منه في محاولة التعرف على منهج قديم من مناهج التهذيب واستغلاله في الكشف عن صلة بعض الكتب ببعضها الآخر الذي ظل مفقودًا قرونًا طوالًا، مما يوفر للباحث نسخة إضافية لأثر كان يعد نادراً، وهو ما يتجلى أثره في تحقيق الكتب وتأكيد صحتها.
الدراسات السابقة:
لقد سبق وأن تناول موضوع كتاب القوافي لسيبويه باحثان على قدر من الكفاءة التي تؤهلهما للخوض في هذا الموضوع الشائك. فلا شك أن الفكرة التي كانت مهيمنة في الاتجاه البحثي السائد هي أن سيبويه لم يضع إلا كتابا واحدا في النحو، وهو ما سمي بالكتاب. والباحث الأول الذي تصدى لتلك المهمة هو الدكتور سيف العريفي في بحثه الموسوم بكتاب القوافي لسيبويه - حديث النسبة ودراسة المأثور. وقد استعرض في بحثه جميع النقول التي تعرضت لهذه القضية، كما أنه خلص بنتيجة مفادها صحة نسبة كتاب القوافي هذا إليه. وأما هذا البحث فإنه يسير قدمًا مع بحث الدكتور العريفي، إلا أنه يفترق عنه في محاولته إثبات أن كتاب القوافي لسيبويه، الذي ظل يبحث عنه، كان دوما ماثلا للعيان بين يديه، لم يغيبه عنه إلا تأثير محقق كتاب الفصوص عليه، في نسبته كتاب القوافي وعللها إلى المازني، وهو تأثير ناتج عن شدة الوهم كما سنرى في هذه الدراسة.
والأمر عينه يمكن أن يقال عن الباحث الثاني الذي أعاد نشر كتاب القوافي وعللها للمازني مستقلا في نشرة خاصة بمجلة الثقافة والتراث، وقد تلا هذه الإعادة نشره لبحث بعنوان "حول كتاب القوافي لسيبويه"، قبل وفاته رحمه الله، تناول فيه كثيرا من النقول التي درسها الدكتور العريفي، وزاد عليه بوقوفه على كتاب "قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر" للإمام صالح الفلاني الذي تتبع فيه سند رواية الكتاب، وقال[5]: "ثم اختفى ذكر كتاب القوافي لسيبويه والنقل عنه في مصنفات العلماء، حتى القرن الثالث عشر الهجري حين وجدنا الإمام صالح بن محمد الفلاني المتوفى سنة 1218 هجرية يصرح في كتابه "قطف الثمر" بامتلاك كتاب القوافي لسيبويه وقراءته على شيخه محمد بن سنة بسلسلة من السند ترتد إلى أبي علي الفارسي عن ابن السراج عن أبي العباس المبرد بقراءته عن أبي عمر الجرمي عن أبي بكر المازني اللذين قالا: أخذنا به عن أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش عن مؤلفه أبي بشر عمرو بن عثمان سيبويه رحمه الله".
ويتألف هذا البحث من فصلين غير المقدمة والخاتمة، تناولت في الفصل الأول منهما توثيق نسبة كتاب القوافي وعللها لسيبويه، مستندا في ذلك إلى النقول التي أوردها علماء ما بين القرنين الثامن وحتى الثالث عشر الهجريين.
ثم تناولت في الفصل الثاني منهج ابن عبد ربه في تهذيب كتاب القوافي وعللها لسيبويه، متتبعا فيه خطوط هذا البحث العريضة في خطتيهما، ومن ثم أنهيت البحث بخاتمة ذكرت فيها مختلف النتائج المستخلصة منه.
الفصل الأول: توثيق نسبة كتاب القوافي وعللها لسيبويه:
قال صاعد الربعي في مستهل تقديمه لهذا الكتاب: "غير أني وجدت بخط المبرد من هذا الفن كتابا نقله عن خط المازني وفيه من أسرار علم القوافي ما لم يتضمنه كتاب على وجهه: بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا كتاب القوافي وعللها..."[6]
ثم شرع في رواية الكتاب، معتمدا على ذاكرته وحدها، حتى انقضائه.
ولو أن صاعدا في هذا التقديم زاد بعد قوله "عن خط المازني" قوله: (عن الأخفش عن سيبويه، مؤلفه)، لاكتمل له توثيق نسبة الكتاب بما يتطابق مع الإسناد الذي ورد في كتاب قطف الثمر المذكور بأعلاه. وكان صاعد قد حدثنا عن الحال الذي آلت إليه مصادره في تأليف كتاب الفصوص، وما جرى لها من فقد وضياع، فقال: "ووجدت في كتب الخلافة التي خرجت في نهب دار المقتدر، بخط الأصمعي والفراء وأبي زيد وابن السكيت وابن الأعرابي وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وأبوي العباس المبرد وثعلب وغيرهم عيونا من علم العرب لم يصنف في شيء من الكتب ضنا بها واختصاصا بحسنها. فنقلت منها بخطي موفيا على ثلاثة آلاف ورقة، وحفظت أكثرها اغتباطا بها وإعجابًا ببديعتها. ورزئت كتبي في الحادثة التي نشأت بين الوزير وصاحب بغداد، فخرجت عنها ولم تقلني أرض... ".
فهل يمكننا الاعتماد على ذاكرة صاعد وحدها، مهما بلغت من القوة، في توثيق هذه المعلومات الوفيرة أن تبقى محتفظًا بها بلا سقط ولا نسيان، وخاصة بعد حادثة الرزء هذه؟!
وأعاد صاعد في نهاية الكتاب ما قاله في بدايته، قال: "هذا ما نقلته من خط المبرد، وكتبه هو من خط المازني"[7].
وكان قد نقل قول المبرد: "آخر كتاب سهكل"، ليعرفنا بعد ذلك بأن المازني "كان يلقب بسهكل ويلقب المبرد حابان، وثعلب عوهم". وإذا كانت عبارة (كتابا نقله عن خط المازني) لا تحتمل معنى أكثر من مجرد كون المازني ناسخا للكتاب، وليس مصنفا له، فإن عبارة (كتاب سهكل) ذاتها، تحتمل هنا معنيين اثنين لا ثالث لهما، الأول: الكتاب الذي ألفه سهكل، والثاني: الكتاب الذي كتبه المازني بخط يده، وهو معروف لأنه أيضا نقل، هو والجرمي، كتاب سيبويه عن الأخفش.
ونسبة الاحتمال بين المعنيين متساوية، فلماذا إذن تعجل المحقق في اعتماد المعنى الأول ضاربا عرض الحائط بالمعنى الثاني، ولماذا لم يخطر بباله حتى مجرد مناقشة هذين الاحتمالين معا، قبل أن يخط بقلمه في فهرس كتابه العنوان التالي: كتاب القوافي وعللها للمازني؟
ونحن هنا نحاول أن نلتمس العذر لصاحب الفصوص في أنه لا يحتاج إلى ذكر قائل معين للكتاب استنادًا إلى معرفته العميقة بخطوط العلماء، وإن كنا لا نعلم من صاعد أي محاولة جادة له في مقابلة نص كتاب المبرد على كتاب المازني، إن كان ذلك متاحا له حقا حين كان قيما على "خزانة الكتب التي ولاه إياها الوزير أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف فأصاب فيها خطوط العلماء وأصولها التي استأثروا بها لأنفسهم دون الناس". هذا إذا صادف أن كانت الخزانة تشتمل على كتاب المازني أيضا. وهذه المحاولة لالتماس عذر ما لصاعد في عدم ذكره لمصنف الكتاب أقدمنا عليها تحرزا من مغبة اتهامه بالتدليس في إخفاء اسم القائل الحقيقي لنص الكتاب.
إن ما جعلنا نقلب هذا الموضوع من جميع نواحيه للوصول إلى عبارة معقولة من نحو (قال المصنف) ثم ذكر اسمه صراحة ما وجدناه عند صاعد بعد انتهائه من نقل (كتاب سهكل)، من استمرار في النقل ولكن من كتاب آخر بخط المازني، وهو كتاب أبي جعفر أحمد بن فورك الذي لم أقف له على ترجمة ولم نعلم من جهوده سوى أنه أحد رواة حديث القهقهة في الصلاة. فبهذا على الأقل علمنا أنه كان صاحب علم في القافية بفضل حرص المازني، ومن بعده المبرد، في ذكر اسمه على أنه القائل لذاك الكلام المنقول عنه صراحة لا مداراة فيها، كما هو الحال في الكتاب الذي نقله المبرد عن خط المازني قبل كتاب أبي جعفر هذا.
نماذج من إهمال صاعد نسبة القول لصاحبه:
ونقول صاعد في كتابه الفصوص تتأرجح بين إثبات نسبة القول إلى صاحبه، وبين تجاهل تلك النسبة.
فمن تلك النقول، قوله[8]: "نقلت من خط المازني، قال الحويدرة:
قفوا حمرات الجهل لا يوردنكم ****حياض غنيم غب ظاهرة تغضي"
فذكر القائل.
ومنها أيضا قوله[9]: "رأيت بخط ابن دريد هذه الأبيات، وهي لزهر بن مسعود:
يا أم عمرو لا تجدي حبلنا **** يا أم عمرو لا تجدي حبلنا
فكذلك أيضأ ذكر القائل بلا شك. غير أنه في الاقتباس التالي تصرف مثل تصرفه الذي لمسناه في إهماله نسبة كتاب القوافي وعللها إلى صاحبه، قال:"نقلت من خط ابن مقلة عن خط ابن السكيت[10]:
هذا النهار بدا لها من همها ****ما بالها بالليل زال زوالها"
فلم يذكر القائل، وظل متشبثا بذكر الخطاطين والعلماء الذين أوردوا القول. وهنا أسعف المحقق تنقيبه في المصادر، فاهتدى إلى القائل بسهولة.
الاستناد في توثيق نسبة الكتاب إلى المصادر التي نقلت عنه إن من قرأ كتاب القوافي وعللها جيدا، ثم نظر في الاقتباسات التي وردت في بعض الكتب اللاحقة، وهي متفرقة وفي عصور مختلفة، سيلاحظ أنها موجودة بالنص أو مع قليل من الاختلاف، في هذا الكتاب.
فلذلك، إذن، سنبدأ باقتباسات ذكرت اسم الكتاب ومؤلفه، قال أبو إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ)[11]: "وجعله التاء في (أتبعت) رويا مع قوله (تلت) ولم يجعلها كالهاء وصلا هو رأي الجمهور من أهل القوافي. وقد زعم بعضهم أنها كالهاء لا تقع رويا إلا حيث تقع الهاء رويا، وذلك ينكسر بما أنشده سيبويه في كتاب القوافي له، من قول الراجز:
الحمد لله الذي استقلت
بإذنه السماء واطمأنت
بإذنه الأرض وما تعنت
الجاعل الغيث غيات المسنت
أوحى لها القرار فاستقرت
وشدها بالراسيات الثبت"
وقارن ذلك بما جاء في القوافي وعللها، حيث قال سيبويه[12]: "إلا أن الشعر قد يلزم ما قبل التاء كثيرا لشبهها بالهاء، لأنها تجيء للتأنيث كما تجيء، ولأنها قد تكون اسمًا مضمرًا كما تكون الهاء، وتزاد كما تزاد...". ثم قال: وقد يجيء ما قبلها مختلفا، قال الشاعر... وجاء بالأبيات ذاتها التي جاء بها سيبويه.
وفي اقتباسين آخرين جاء بهما الدماميني (ت 827 ه)، قال في الأول[13]: "فقد أجاز سيبويه في كتاب القوافي له استعمال مثل ذلك بغير ردف. قال لقيام الوزن بالحرف الصحيح مقامه بأحرف المد واللين، وأنشد:
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها ****قدما وقلت عليك خير معد"
وقد جاء ذلك عند سيبويه تقريبا، قال[14]:
"وكل هذه القوافي قد يجوز أن تكون بغير لين، لأن البناء دائم صحيح على مثل حاله بحرف اللين، وقد قالوا:
ولقد رحلت العنس ثم زجرتها ****قدما وقلت عليك خير معد"
وكنا قد صححنا قول سيبويه (البناء دائم) إلى (البناء تام)، وهناك كلمات أخرى بدلا منها وردت في بعض الاقتباسات.
والاقتباس الثاني، قال الدماميني[15]: "وقيل دخله القبض أولا ثم حذفت نونه وأسكنت لامه فعوض منهما لأنهما زنة متحرك. قاله سيبويه في كتاب القوافي له". وهذا هو مضمون كلام سيبويه، مع اختلاف في بعض الألفاظ، قال[16]: "فمما لزم حرف المد (فعولن) في الطويل، لأنه محذوف عن (مفاعلن)، فإنما حذفت النون الساكنة، وأسكنت اللام، لأنها صارت قافية".
وأخيرا نقل الدمنهوري (ت 1288 هـ) في الإرشاد الشافي هذا القول بعبارات أخرى، قال[17]: "قال الشيخ الصبان في شرحه: والردف واجب اتفاقا حيث يلتقي ساكنان أخر البيت، كقوله:
أبلغ النعمان عني مألكا **** أنه قد طال حبسي وانتظار
ليسهل الانتقال من أحد الساكنين إلى الآخر بالمد الذي هناك، وعلى قول الأكثر حيث يستكمل البيت عدد أجزاء أجزاء دائرته وينقص من ضربه حرف متحرك أو زنته، أي حرف ساكن مع حركة ما قبله كما في القطع ليقوم المد الذي هناك مقام المحذوف فيقع التعادل بين العروض والضرب، وأجاز سيبويه في كتاب القوافي له استعمال مثل ذلك بغير ردف، قال: لقيام الوزن بالحرف الصحيح، وأنشد:
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها*****قدما وقلت عليك خير معد"
وأكتفي بهذه الأمثلة المعدودة من الاقتباسات التي نجد أصلها في كتاب القوافي وعللها لسيبويه، وهي تبدو كافية لتوثيق نسبة هذا الكتاب في زمن يمتد من سنة 790 ه إلى 1288 ه القريب من عصرنا الحالي، على أن نعود في مبحث آخر إلى كشف منهج ابن عبد ربه في تهذيب كتاب سيبويه هذا وذكر العبارات المنقولة نقلا حرفيا منه، وهو المبحث الذي سيتبين لنا من خلاله الصلة الحقيقية بين الكتابين، كتاب القوافي وعللها لسيبويه، وليس المازني، وكتاب علل القوافي لابن عبد ربه، ومن أجله جعلناه عنوانا للبحث كله.
الفصل الثاني: منهج ابن عبد ربه في تهذيب كتاب القوافي وعللها.
نحن لا نعلم على وجه اليقين ما الذي جعل ابن عبد ربه يعكس عنوان هذا الكتاب المنقول أو المهذب ليصير (علل القوافي) بعد أن كان (القوافي وعللها). أيكون تأثر بالأخفش الذي قال إنه أصلح كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة وسماه (معاني القرآن)، أم أن له مأربا في إيهام القارئ بأن الكتاب من تأليفه لا مجرد نقله. فأما الأجيال اللاحقة من العلماء، فعرفنا منهم التبريزي (ت 502 هـ) الذي اشتهر بكثرة تهذيباته، فلم نجده غير عنوان كتاب منها سوى بإضافة كلمة تهذيب عليه.
ولعل ابن عبد ربه اتخذ من التصرف في العنوان ديدنا له يخفي به مقصده من نقل كتاب معين أو تهذيبه، كما فعل بكتاب ابن قتيبة (فضل العرب والتنبيه على علومها) الذي جعله (كتاب تفضيل العرب)[18]، وهو أمر لا نستبعده، فطالما خفيت عنا عشرات الكتب التي نقلها صاحب العقد الفريد إلى عقده، ومنها هذا الكتاب الذي لم يشر أحد من العلماء طوال القرون الماضية إلى أصله، ومعظمهم كانوا يعدونه من تأليفه لا تهذيبه. إن الغاية من إيراد هذا الفصل، مع أنها لا تختلف عن تلك التي أردناها من الفصل الذي سبقه، وهي توثيق نسبة كتاب القوافي وعللها لسيبويه بشكل مؤكد، فإنها اتخذت سبيلا غير السبيل الأول في تحقيق هذه الغاية. السبيل هو سبيل أسلوب النقل والتهذيب الذي حاولنا فيه تتبع كل كلمة قالها سيبويه في هذا الكتاب، وبيان نصيبها أو درجتها من النقل أو التهذيب. وقد ارتأينا أن يبتدئ الفصل بعرض خطة كتاب القوافي وعللها في عناوينها الريئسية، ثم أتبعناها بعناوين أبواب كتاب علل القوافي لتتبين الصلة بين الكتابين أثناء شرحنا لوجوه التوافق والتلاقي في العبارات والأفكار بينهما.
أولا: خطة كتاب القوافي وعللها:
يبتدئ الكتاب بتعريف للقافية، مع ذكر لحروفها وحركاتها. وبعد ذلك يتوالى ترتيب أبوابه على النحو التالي[19]:
1- باب تفسير القوافي في الإنشاد واختلاف العرب في ذلك.
2 - تفسير ما يجوز أن يكون حرف الروي مما لا يجوز أن يكونه.
3- تفسير ما يجوز تقييده، وإذا أطلق كان شعرا، مما لا يجوز ذلك فيه.
4- تفسير ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز ذلك فيه.
5- تفسير الإيطاء.
6- تفسير ما يلزمه أن يكون في قافيته حرف المد مما لا يلزمه ذلك فيه.
ثانيا: خطة كتاب ابن عبد ربه:
وفي هذه الخطة اختار ابن عبد ربه من عناوين أبواب هذا الكتاب، ثلاثة من العناوين التالية:
1- باب ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز.
2- باب ما يجوز أن يكون حرف روي وما لا يجوز أن يكونه.
3- باب عيوب القوافي: السناد والإيطاء والإقواء والإكفاء والإجازة والتضمين.
4- باب ما يجوز في القافية من حروف اللين.
ويلاحظ أن العنوان الثالث أضافه ابن عبد ربه من عنده.
كما سنلاحظ أثناء الشرح أن ابن عبد ربه جمع ما ذكر في البابين الثاني والثالث عند سيبويه في باب واحد، هو الثاني عنده.
وكذلك أغفل قدرا كبيرا من الباب الرابع عند سيبويه، وهو تفسير ما يجوز تقييده وإذا أطلق كان شعرا، مما لا يجوز ذلك فيه.
وقد غطت هذه الخطة الجديدة معظم حشو كتاب القوافي وعللها، بعضها بشكل حرفي، والبعض الآخر تهذيب له كما سيتبين معنا من العرض التفصيلي للكتابين في المباحث التالية، وسنبدأ بما يمكن تسميته بالمقدمة.