mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم.. دراسة في ضوء معطيات علم اللغة الحديث

كُتب : [ 12-30-2016 - 06:41 AM ]


الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم
دراسة في ضوء معطيات علم اللغة الحديث

بقلم: سليمان بن علي*

تعتبر مسألة وجود ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم من المسائل التي كثر حولها الجدل قديما وحديثا، مما جعلها تفوز بقسط وافر من كتابات القدماء والمحدثين، من مؤيد لورودها في الذكر الحكيم ومن مخالف لذلك، ولكل حججه وأدلته من المنقول أو المعقول .
غير أنني لاحظت فيما لاحظت أن أغلب المحدثين ينزعون إلى أحد الرأيين مستميتين في الدفاع عنه بكل ما تُقدّمُه الدراسات اللغوية الحديثة من مناهج وأفكار، خاصة في مجال المقارنة بين اللغات، هذا المجال الذي اعتبره بعضهم خير دليل على عدم وجود تلك الكلمات الأعجمية في القرآن بسبب أنها تمثل تطورا لكلمات عربية قديمة " أي أن الأصل العربي القديم الذي انحدرت منه تلك الكلمات موجود، وبشيء من المقارنة نحكم على تلك الكلمات بأنها أصيلة في العربية، ولكنها خضعت للتطور )، بينما اعتبره بعضهم الآخر أفضل دليل لنفي عربية تلك الكلمات، إذ اتضح لهم بالمقارنة أن هذه الكلمات التي وردت في القرآن الكريم ذات أصول أجنبية، وأن العرب أخذوها وصقلوها بما يتماشى وقوانين لغتهم، فوقوفهم على تلك الأصول الأعجمية ينفي عندهم عروبة تلك الكلمات . وسنتحدث عن ذلك بإسهاب في حينه.
والذي يهمنا هو أن كل أولئك الدارسين من المحدثين لم يحاولوا التوفيق بين جميع ما توصلوا إليه من نتائج في مجال دراساتهم المقارنة، وإنما ذهب كل فريق بما اعتقد أنه الصواب دون غيره، لا يريد أن يتنازل عن رأيه أو أن ينظر إلى رأي الآخر على أنه يحتمل أن يكون صوابا، خاصة إذا كانت دراساتهم جميعا علمية وتستند إلى حقائق العلم المنهجي الصحيح . ولا بأس أن أورد هنا - وقبل أن نصل إلى مبتغانا من هذه الدراسة - آراء بعض القدماء في هذه المسألة معرجا بعد ذلك على آراء بعض المحدثين، بأدلتها التي سيقت لإثباتها؛ وذلك قصد وضع القارئ أمام معطيات البحث وإشكالاته بدقة .
آراء بعض القدماء
مذهب ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم أنه وقع في القرآن ما ليس من لسان العرب(1)، فمن ذلك (الطور) جبل بالسريانية و(طفقا) أي قصدا بالرومية و(القسط) و(القسطاس) العدل بالرومية (إنا هدنا إليك) تبنا بالعبرانية و(السجل) الكتاب بالفارسية و(الرقيم) اللوح بالرومية و(المهل) عكر الزيت بلسان أهل المغرب و(السندس) الرقيق من الستر بالهندية و(الإستبرق) الغليظ بالفارسية بحذف القاف (السرى) النهر الصغير باليونانية (طه) أى طأ يا رجل بالعبرانية (يصهر) أي ينضج بلسان أهل المغرب (سينين) الحسن بالنبطية (المشكاة) الكوة بالحبشية وقيل الزجاجة تسرج (الدري) المضيء بالحبشية (الأليم) المؤلم بالعبرانية (ناظرين) إناه أي نضجه بلسان أهل المغرب (الملة الآخرة) أي الأولى بالقبطية والقبط يسمون الآخرة الأولى والأولى الآخرة (وراءهم ملك) أي أمامهم بالقبطية (اليم) البحر بالقبطية (بطائنها) ظواهرها بالقبطية (الأب) الحشيش بلغة أهل المغرب (إن ناشئة الليل)، قال ابن عباس (نشأ) بلغة الحبشة قام من الليل (كفلين من رحمته) قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ضعفين بلغة الحبشة (القسورة) الأسد بلغة الحبشة، واختار الزمخشري أن التوراة والإنجيل أعجميان ورجّح ذلك بقراءة الأنجيل بالفتح(2) .
وقد يحتج لهذا المذهب عند بعضهم بأن العرب كانت لها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، وكسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرى مجرى العربي الصحيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك (3) . كما ذهب بعضهم إلى أن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه (4) .
أما مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء – كما نصّ على ذلك الزركشي - منهم أبو عبيدة ومحمد بن جرير الطبرى والقاضى أبو بكر بن الطيب وأبو الحسين بن فارس اللغوى والباقلاني فعلى خلاف ذلك إذ رأوا أن القرآن أنزله الله بلغة العرب فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها لقوله تعالى : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا )[يوسف 02]، وقوله : (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصّلت آياته )[فصلت 44] يدل على أنه ليس فيه غير العربي، لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه عليه الصلاة والسلام ودلالة قاطعة لصدقه وليتحدى العرب العرباء به ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة (5) . واستدل بعضهم على ذلك بأن ما وجد فيه من الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم (6)، أي أن ما وقع في القرآن مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات (7)، ورُدّ بأنه بعيد وأنه يجب أن تكون إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر مع عدم دفع جواز الاتفاق قليلا شاذا (8) . كما نجد أن فكرة توافق اللغات قد استبعدها فقه اللغة الحديث (9).
وقال أبو عبيدة فيما حكاه الزركشي عن ابن فارس : " إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعـم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول، قال : ومعناه أتى بأمر عظيم) (10)، واحتج بقوله تعالى : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) [الزخرف 03] (11) هذا، وقد حكى ابن فارس أيضا عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف في ذلك ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء والمنع إلى أهل العربية (12) .
هذه خلاصة ما ذهب إليه العلماء في قضية الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم سردتها باقتضاب دون تفصيل دقائقها، لأن الغرض هو أن يقف القارئ على هذا الاختلاف، فإن أراد التوسع فليعد إلى بعض المصادر التي اعتمدتها في هذه الدراسة أو إلى غيرها، وهي كثيرة .
________________________________________
يقول ابن فارس: وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل،فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آي من القرآن،ثم خلف من بعدهم خلف فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وما دلتهم الدلالة عليه.
________________________________________
إن الذي يهمنا هنا هو أن الاختلاف بين العلماء قديما – وحديثا كما سنرى – موجود، وهذا الاختلاف لا يدعونا بالضرورة إلى أن نقف إلى جانب أحد المذهبين ونصف أصحاب المذهب الآخر بعدم العلم أو عدم المعرفة أو حتى الكذب ! ، كما فعل بعض المحدثين عن قصد أو عن غير قصد، فلا يجوز أن يُقْدِم أحد على العلماء المشهود لهم – وهذا لا يعني أنهم معصومون - فينسبهم إلى الجهل ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله عز و جل، فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن، وكما يقول ابن فارس: “ وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل،فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آي من القرآن،ثم خلف من بعدهم خلف فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وما دلتهم الدلالة عليه “(13)، وهذا لا ينفي كون بعض العلماء أفقه وأعلم بالتأويل من بعض، فقد ذهب الجواليقي إلى أن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هو إلى غيره، وأن كليهما مصيب إن شاء الله (14) .
دراسات المحدثون
وإذا ما انتقلنا إلى دراسات المحدثين في هذا الشأن ألفينا نفس الخلاف، فقد انقسم المحدثون قسمين :
قسم ذهب إلى وقوع هذه الألفاظ الأعجمية في القرآن، وقسم نفى ذلك وأرجع كل ما يعتقد أنه أعجمي إلى أصول عربية، كما أظهر بعض الباحثين شيئا من الوسطية فقالوا بوقوع النزر القليل من هذه الألفاظ ثم تزيّد بعض المتأخرين من العلماء وتكثروا (15) .
فمن الذين أثبتوا وقوع الألفاظ الأعجمية في القرآن نجد الدكتور حلمي خليل في كتابه ( المولد في العربية )، الذي يرى أن العربية في تاريخها الطويل لم تنج من تأثير اللغات الأخرى أو تأثيرها في اللغات الأخرى، ناهيك عن صلتها بما حولها من أمم وما جاورها من بلاد كبلاد فارس وبلاد الروم ..، وأن كل هذا وغيره يدل دلالة قاطعة على أن اللغة العربية احتكت بمعظم اللغات القديمة سواء من العائلة السامية أم من العائلات الأخرى (16). وقد سوغ له ذلك القول أن : " كلام القرآن الكريم ليبدو فوق طاقة البشر في توازنه وتجانسه وانسجامه، ومع ذلك لم يمنع أن ترد في هذا الكتاب الكريم ألفاظ مما اقترضتها العربية من اللغات الأخرى أثناء احتكاكها بهذه اللغات أو المتكلمين بها، وذلك باعتبار أن هذه الألفاظ أصبحت ملكا خالصا للعرب والعربية ولها من الدلالات ودقة الاستعمال ما لا تغني معه ألفاظ أخرى .. “ (17) .
ولكنه - رغم ذلك - يلاحظ على بعض القدماء عدم الدقة التي اتسمت بها أحكامهم في نسبتهم بعض تلك الألفاظ إلى لغات بعينها، ملتمسا لهم العذر لأن المحدثين ممن لهم دراية بفقه اللغة الحديث وقعوا في مثل هذه الأخطاء، ولأنهم - أي القدماء – لم يلموا بفكرة العائلات اللغوية وفصائلها وحركاتها التاريخية إلماما دقيقا (18) .
ونراه يقول بعد ذلك بوجود قدر من الألفاظ المشتركة بين العربية وغيرها من اللغات السامية، وأن هذه الألفاظ هي التي تسجل عدم دقة القدماء أحيانا في إصدار أحكام بنسبة بعضها إلى لغات معينة (19)، ولكن ذلك عنده لا يقلل من جهود علماء العربية القدماء ، وذلك لأن حصر الكلمات التي اقترضتها العربية من اللغات الأخرى أو بالنسبة لأي لغة أخرى مع معرفة أصولها البعيدة والطريق التي سلكتها عند دخولها إلى العربية أمر يحفه الغمـوض أحيانا(20) . ثم يستدرك قائلا : “ وعلى الرغم من اشتراك اللغات السامية في هذه الألفاظ فليس معنى ذلك إطلاق القول بأن العربية لم تقترض من اللغات السامية كلها أو بعضها، إذ لا شك أن بعض الألفاظ، التي أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة أنها دخلت العربية، من بعض اللغات السامية “ (21) .
ويصل الدكتور حلمي خليل، بعد كل هذا، إلى حقيقة مهمة عنده، وهي أنه قد يكون من السهل إلى حد ما ردّ كلمة معربة إلى مصدرها الأول إذا كان هذا المصدر من عائلة لغوية أجنبية عن العربية، أما إذا كانت اللفظة من عائلة لغوية واحدة فإن الأمر عسير، إذ لا بد على الأقل من أن تكون الكلمة في هذه الحالة منتمية فكريا وحضاريا بشكل واضح إلى غير المجتمع الذي انتقلت إلى لغته أو أن تكون بلا سلسلة اشتقاقية (22)، لأنه إذا كان للكلمة عنده سلسلة اشتقاقية غير كاملة في العربية أو غيرها حكم عليها بعدم أصالتها في تلك اللغة، أما إذا كانت هذه السلسلة كلها موجودة في العربية فإن القول بأنها معربة باطل، إذ يمكن اعتبارها والحالة هذه من التراث العام للغات السامية كلفظ ( القدس ) مثلا (23) . وهو بذلك لا ينفي اشتراك اللغات في ألفاظ بعينها، مما ذكر بعض القدماء أنها انحدرت إلى العربية من لغات محددة ، وهذا ما دفعه إلى انتقاد بعض الدارسين المحدثين لمبالغتهم في إلحاق ألفاظ عربية أصيلة العروبة بمصادر سامية أخرى، ذاكرا أن الطريقة المثلى في حالة هذا المشترك يكون بيانها بذكر الألفاظ المشتركة بين اللغات السامية دون القول بأن العربية أو غيرها هي التي أخذت إلا عندما يثبت الانتقال بما لا شك فيه من الظواهر الصوتية والصرفية بالإضافة إلى الأدلة التاريخية و الحضارية، وهو ما لا نعدمه عند بعض الدارسين . أما إذا كانت هذه الألفاظ من مجموعات لغوية أخرى فإن المرجح هو تحقيق وجود اللفظة العربية بمعناها في أصل كامل التصرف له سلسلة واضحة من الاشتقاقات قبل أن نقول برأي في أصالة هذه الألفاظ أو عدم أصالتها في العربية (24)، فأساس الحكم عنده إذن يكمن في تصرف الألفاظ التي يشك في أصالتها في العربية تصرفا كاملا مما يولد سلسلة من الاشتقاقات، وهو ما لا يقبل به بعض المنكرين كما سنرى .
وقد ختم الدكتور حلمي خليل بحثه في هذه القضية بأن ظاهرة الاقتراض من لغات أخرى ظاهرة طبيعية ولا خطر فيها كما توهم بعض القدماء والمحدثين، وأنها وسيلة من وسائل النمو اللغوي ، وأن ذلك لا يعني فتح الباب في المقابل على مصراعيه لتدخل منه الألفاظ الأجنبية كيف شاءت، بل لا بد من مراعاة شرط العوز والحاجة، بالإضافة إلى صبها في قوالب عربية؛ وأن هذا هو السر في تشدد مجمع اللغة العربية بالنسبة للتعريب وإصداره لقراره بأن ذلك يكون عند الضرورة (25) .
هذا، ويمثل قسم المنكرين الأستاذ أحمد محمد شاكر الذي يرى أن أساس السلسلة الاشتقاقية الذي وضعه الدكتور حلمي خليل قد لا تتحقق لنا معرفته، وفي ذلك يقول : “ والعرب أمة من أقدم الأمم ولغتها من أقدم اللغات وجودا، كانت قبل إبراهيم وإسماعيل وقبل الكلدانية والعبرية والسريانية وغيرها بله الفارسية، وقد ذهب منها الشيء الكثير بذهاب مدنيتهم الأولى قبل التاريخ، فلعل الألفاظ القرآنية التي يظن أن أصلها ليس من لسان العرب ولا يعرف مصدر اشتقاقها، لعله من بعض ما فقد أصله وبقي الحرف [ أي اللفظ ] وحده ثم تزيد بعض العلماء المتأخرين وتكثروا في ادعاء العجمة لألفاظ من حروف القرآن “ (26)، وهو بذلك ينكر إنكارا تاما القول بوجود كلمات غير عربية في القرآن الكريم . ولكنه لا يثبت على هذه الحجة دائما في رد بعض الألفاظ التي ذكر الجواليقي في معربه أنها غير عربية، فمرة يرى هذا الرأي ومرة يرى أنها مما اتفقت فيها اللغات، وأخرى يفترض لها أصلا لا علاقة له بمعناه، ونحن نعلم أن من شروط الاشتقاق من أي لفظ أن تكون المشتقات مجتمعة على المعنى العام الذي وضع له ذلك الأصل، ودليلنا على ذلك قول ابن جني في تعريف الاشتقاق الذي نحن بصدده : “ .. كأن تأخذ أصلا من الأصول فتتقرّاه فتجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغه ومبانيه، وذلك كتركيب ( س ل م ) فإنك تأخذ منه السلامة في تصرفه، نحو سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم : اللديغ؛ أطلق عليه تفاؤلا بالسلامة . وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته ...”(27)، وفي رأي رابع يرى الأستاذ شاكر أن ذكرها في القرآن فقط دليل عربيتها، وكأنه يحتكم في ذلك إلى قوله تعالى: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا( [ يوسف 02 ].


التعديل الأخير تم بواسطة شمس ; 12-30-2016 الساعة 06:25 PM
رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-30-2016 - 06:46 AM ]


كما نجد الدكتور فهمي خشيم من الذين قدموا دراسة وافية لرد ما يعتقد أنه من الألفاظ الأعجمية في القرآن – وفي غير القرآن - إلى أصول عربية تنفي عنها العجمة، وقد استهل حديثه في ذلك بما يعتقد أنه أساس الخلاف بين القدماء وهو صرفهم معنى ( عربي ) في الآيات التي جاءت في وصف القرآن الكريم بأنه كذلك، كمثل الذي جاء في [ يوسف 02 – الرعد 37 – طه 113 ... وغيرها ]، فقد صرفها القدماء على أنها نسبة إلى أمة العرب ولغتهم بتحديد قومي ولغوي معيّن وربما عرقي ! ، ثم يذكر أن هذه الدلالة وإن كانت تجيز مقابلتها بدلالة ( أعجمي ) فإنه ليس ثمة ما يمنع من فهم ( عربي ) بمعنى : الواضح الجلي غير الغامض، مؤيدا ذلك بدلالة الجذر ( ع ر ب ) على البداء والظهور، وبورود الصفة ( مبين ) (28).وهذا يمكن أن يُرد بما قرره هو نفسه في موضع آخر حين ذكر – في حديثه عن لفظ (مرجان)- أنه لا يمكن في الأسلوب القرآني المحكم أن يكرر الوصف (29)، لأن دلالة الواضح والجلي وغير الغامض تشير إلى كونه مبينا .
ولعل أخطر ما يمكن أن نقف عليه عنده نسبته – بعمد أو بغير عمد – القول في كلام الله بغير علم لابن عباس رضي الله عنه، وإلا فما معنى قوله : “ ومثال عمر بن الخطاب الذي لم يكن يعرف معنى كلمة (أبّ) في : (فاكهة وأبّا) قد ينطبق على عبد الله بن عباس الذي رأيناه أول من قال بسريانية أو حورانية بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتبعه آخرون “(30)، فهل يجوز على ابن عباس أن يقول برأي لم يتثبت من صحته في بعض كلمات القرآن ؟ ! وهل جهله بها يخول له أن يدعي أنها سريانية أو حبشية .. أو غير ذلك من لغات العجم؟ !، وهو ما يُفهَم من قوله بعد ذلك مباشرة : “ فالأمر إذًا هنا لا يعود إلى عدم عروبة هذه الألفاظ، ولكنه يعود إلى أن من قالوا بذلك لا يعرفونها “ (31)، معلقا على ذلك في الهامش بأن هذا – أي هذا الرأي الذي ذهب إليه – هو الذي يقبله العقل والمنطق؛ لأنه من المستحيل أن يحيط المرء بألفاظ اللغة كافة، خصوصا إذا كانت متعددة اللهجات (32) . وصحيح أنه لا يمكن أن يحيط المرء بألفاظ اللغة كلها، ولكن ليس صحيحا ولا مما يقبله العقل والمنطق أن ابن عباس وغيره من علماء الأمة المشهود لهم بالرسوخ في العلم وبالورع مع كلام الله أن يقولوا فيه بغير علم كأن يحكموا على لفظة ما بأنها سريانية لأنهم لم يعرفوها !
________________________________________
القول بعجمة لفظ من ألفاظ العربية عند الأقدمين لم يكن مبنيا على البحث والدرس والعلم بلغات غير عربية، وإنما كان مبنيا على الظن والتوهم
________________________________________
ولكننا رغم ذلك نجده يشير إلى بعض الحقائق الهامة حول دراسات القدماء لمثل هذه الظاهرة – ظاهرة ورود الكلمات غير العربية في القرآن الكريم وفي لسان العرب – وإن لم يوفق في بعضها، إذ نجده مثلا – وهو محقّ نوعا ما في ذلك – يرى أن القول بعجمة لفظ من ألفاظ العربية عند الأقدمين لم يكن مبنيا على البحث والدرس والعلم بلغات غير عربية، وإنما كان مبنيا على الظن والتوهم (33)، ولعله يعني بذلك اضطراب أقوالهم في نسبة نفس الألفاظ إلى لغات مختلفة – وهو أمر واقع – فينسبها بعضهم إلى السريانية وبعضهم إلى الرومية وآخرون إلى الفارسية .. وهكذا، غير أني أرى في ذلك دليلا على رجوع هذه الألفاظ إلى القدر المشترك من الثروة اللغوية بين هذه اللغات، وهذا نفس ما يدعو إليه الباحث في كتابه، فكان الأولى أن يأخذ اضطرابهم ذاك دليلا على وجود هذا اللفظ أو ذاك في جميع تلك اللغات لا أن يعود باللائمة عليهم .
ثم يقرر بعد ذلك – وهو غير مصيب تماما – أن كل كلمة عندهم لم يشتهر فيها استعمال جاهلي دخيلة(34)، فكثيرا ما نجدهم بعد الحكم على لفظة بأنها غير عربية يستشهدون ببيت من الشعر أو عدة أبيات على استخدام العرب لها في كلامهم، مثال ذلك أننا نجد الجواليقي يقول في بداية كتابه : “ هذا كتاب نذكر فيه ما تكلمت به العرب من الكلام الأعجمي، ونطق به القرآن المجيد، وورد في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين رضوان اله عليهم أجمعين، وذكرته العرب في أشعارها وأخبارها . ليعرف الدخيل من الصريح “(35) . كما نجده يذكر أن العرب قد تغير بعض حروف الكلمة الأعجمية إذا استعملتها في مخاطباتها، مستدلا بقول سالم بن قحفان :”ما شربت بعد طوي القربق من شربة غير النجاء الأدفق”
والشاهد فيه قوله ( القربق ) وهي في الأصل تنطق بصوت بين الجيم والقاف، وقد تجعل ( كربج) أو (كربك) (36)، كما استشهد بقول الأعشى : “عليه ديابوذ تسربل تحته أرندج إسكاف يخالط عظلما”
في حديثه عن كلمة ( أرندج ) التي ذكر أن أصلها الفارسي ( رنده ) (37)، واستشهد بثلاثة أبيات لثلاثة من الشعراء الجاهليين في حديثه عن لفظ ( الآجر ) الذي يرى فيه أنه فارسي معرب (38)، وهناك أمثلة غير هذا كثيرة لا مجال لسردها واحدا واحدا . فهل يعقل بعد هذا أن يقال إن القدماء إذا لم يجدوا للفظ استعمالا جاهليا نسبوه إلى العجمة ؟ ! وهل لا يتعارض هذا مع قول الباحث في موضع آخر : “ ... نضرب لهذا مثلا كلمة (دشت) في الفارسية بمعنى الصحراء؛ إذ لا يجادل أحد في فارسيتها، وهي وردت في الشعر الجاهلي“(39) .
ويستدرك، بعد سرده عدة ألفاظ أرجعها إلى أصولها العروبية – وهو ما يسمى باللغات السامية التي يرى كما يرى أغلب الباحثين المحدثين أن اللغة العربية هي أمها جميعا ! - القول بأن هدف بعض من زعموا وقوع الدخيل والمعرب في اللغة العربية هو النيل من العربية واتهامها بالنقص وحاجتها إلى الاستعارة من اللغات الأخرى الأرقى منها – في تصورهم – والأغنى والأكثر تقدما فيما يتوهمون، وأنه في رده على مثل هؤلاء يبادر إلى القول إنه ليس من القائلين بأن كل لفظ مستعمل في العربية خالص العروبة، ولا ينفي الاستعارة بإطلاق من لغات أخرى،لأن ذلك في رأيه أمر طبيعي،غير أن الإمعان في زعم الدخيل وكثرة المستعار أمر غير صحيح (40). وهو ما لن يقف عليه الناظر في مواد كتابه، ولا في المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وربما يفسر كلامه ( بأن هدف بعض من زعموا وقوع الدخيل والمعرب في اللغة العربية هو النيل من العربية واتهامها بالنقص وحاجتها إلى الاستعارة من اللغات الأخرى الأرقى منها – في تصورهم – والأغنى والأكثر تقدما فيما يتوهمون ) على أن عمله في هذا الكتاب كان بحكم حبه الشديد للغة العربية ومنافحته عنها، هذه اللغة التي ليس من العيب أبدا أن تأخذ من غيرها كما مر معنا وكما هو واقع اليوم بين جميع اللغات ومن بينها العربية.
هذا نزر يسير عما دار بين الباحثين المحدثين حول ورود ألفاظ أعجمية في لسان العرب وفي القرآن الكريم، وهي كما ترى تحتاج إلى كثير من النظر والتبصر قبل الأخذ الكلي بما جاء في بعضها دون بعض. (يتبع)...
________________________________________
• الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة الأغواط / الجزائر
الهوامش:
1) الجواليقي، المعرب من الكلام الأعجمي.ت: خليل عمران المنصور. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ط1. 1998.ص 6 .
2) الزركشي،البرهان في علوم القرآن.ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.المكتبة العصرية، صيدا،بيروت. دون ط .1/288-289.
3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن. دار إحياء التراث،بيروت، لبنان. 1985. 1/68-69 . والبرهان في علوم القرآن1/289.
4) نفس المصدر 1/68
5) البرهان 1/287
6) الجامع لأحكام القرآن 1/68
7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم . دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان . ط2. 2001. 1/11. 8) الجامع لأحكام القرآن 1/69
9) انظر: د. حلمي خليل، المولد في العربية – دراسة في نمو اللغة العربية وتطورها بعد الإسلام -. دار النهضة العربية . بيروت . 1985. ص 118
10) البرهان 1/287-288
11) الجواليقي، المعرب . ت: خليل عمران المنصور. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ط1. 1989. ص6 .
12) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها. ت: د. عمر فاروق الطباع . مكتبة المعارف، بيروت. ط1. 1993. ص 62
13) نفس المصدر ص63
14) المعرب ص 6
15) انظر: د. علي فهمي خشيم، هل في القرآن أعجمي؟ - نظرة جديدة إلى موضوع قديم -. دار الشرق الأوسط،بيررت، لبنان . ط1. 1997. ص 8 وما بعدها .
16) المولد في العربية ص109 وما بعدها
17) نفس المرجع ص111-112
18) نفس المرجع ص 115. إذا كان نفيه منصبا على الدقة، فقد يكون حكمه هنا صحيحا، أما إذا كان منصبا على معرفة القدماء بفكرة العائلات اللغوية فحكمه غير صحيح، لأننا نجد في كلامهم إشارات واضحة لمعرفتهم بها، كقول ابن حزم: " الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة - لا لغة حمير- لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلس، وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله ... فمن تدبر العربية والعبرانية السريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل ) (الإحكام في أصول الأحكام . ت: أحمد محمد شاكر. منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت. ط2. 1983. 1 /31-32 ) .
19) نفس المرجع ص121
20) نفس المرجع ص122
21) نفس المرجع ص128
22) نفس المرجع ص129
23) نفس المرجع ص128-129
24) نفس المرجع ص129-130
25) نفس المرجع ص140
26) مقدمة تحقيق المعرب للجواليقي،مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة . 1361 هـ. ص13-14.
27) ابن جني، الخصائص . ت: محمد علي النجار. المكتبة العلمية . دون ط . 2/134 .
28) هل في القرآن أعجمي؟ ص 6 وما بعدها .
29) نفس المرجع ص103 .
30) نفس المرجع ص18 .
31) نفس المرجع ص18 .
32) هامش رقم 3 ص 18-19 .
33) نفس المرجع ص 20 .
34) نفس المرجع ص20
35) المعرب ص5 .
36) نفس المصدر ص7 .
37) نفس المصدر ص14 .
38) نفس المصدر ص17 . 39) هل في القرآن أعجمي؟ ص 118
40) نفس المرجع ص117

ونستطيع أن نقارن هذا بما هو معروف عند المناطقة بـ ( منطق الجهة )، أي أن الإنسان أو الباحث إذا نظر إلى شيء واحد من جهتين – أو زاويتي نظر – مختلفتين فسيؤدي به ذلك حتما إلى اختلاف وجهة نظره وتصوره لذلك الشيء باختلاف الجهتين، وقد يكون بين الوجهتين أو التصورين تناقض واضح لا يستطيع في ضوئه الجمع بينهما لما في ذلك من خرق لقانون : ( المتناقضان لا يجتمعان على شيء واحد باعتبار واحد ) . ونستطيع التمثيل لذلك بوضع شخصين أمام زجاجة ممتلئة النصف ( أو إن شئت فارغة النصف )، فيصفها أحدهما بأنها زجاجة ممتلئة النصف، ويصفها الآخر بأنها فارغة النصف؛ فهل يجوز والحالة هذه أن نحكم على أحدهما بأنه مصيب وعلى الآخر بأنه مخطئ ؟ ! أم يجب علينا أن نراعي الجهة التي نظر من خلالها كل منهما وأن نحكم عليهما معا بالصواب.
أعتقد أن مسألة المنهج كما تشير إلى ذلك الدراسات اللسانية المعاصرة مسألة مهمة جدا في هذا الصدد، وعلى الباحث اللغوي قبل أن يخوض في درسه للظواهر اللغوية العامة، أو في تعقيبه على بعض الدراسات السابقة له، أن يضع لنفسه منهجا واضحا دقيقا وأن يراعي ذلك حتى عند غيره ممن سبقه من العلماء والدارسين الذين يريد التعقيب على أعمالهم أو وصفها وصفا صحيحا على الأقل . وما أغلب الانتقادات التي توجه إلى الدرس اللغوي في جميع مستوياته عند القدماء والمحدثين من المجددين إلا من هذا القبيل، أي أنها تتعلق في جانب كبير منها بمسألة المنهج .
________________________________________
تفريق بعضهم بين نظرة المؤيدين لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ونظرة المنكرين لذلك، وهو تفريق دقيق يستمد شرعيته من الفرق المنهجي بين التاريخية والوصفية ، أو ما قد يسمى بالمحور التاريخي (Diachronie ) والمحور التعاصري ( Synchronie ).
________________________________________
ولا أريد أن يصل القارئ هنا إلى نتيجة أنفيها نفيا قاطعا، وهي أن ما وصلت إليه الدراسات الحديثة والمعاصرة في مجال المنهج كان، في عمومه، غائبا عن فكر علماء العربية قديما، بل لقد كانت لهم ملاحظات دقيقة في هذا المجال، ولكنها تعتبر إرهاصات لم تجد من يرعاها بعدهم .
ولعل خير دليل على ذلك فيما نحن بصدده تفريق بعضهم بين نظرة المؤيدين لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ونظرة المنكرين لذلك، وهو تفريق دقيق يستمد شرعيته من الفرق المنهجي بين التاريخية والوصفية ، أو ما قد يسمى بالمحور التاريخي (Diachronie ) والمحور التعاصري ( Synchronie )* ، حيث تبدأ الدراسة التاريخية بدراسة ظاهرة من الظواهر اللغوية في عصر تاريخي مبكر ثم تنزل بها إلى عصور أحدث، وهي بذلك توصف بأنها عمودية؛ فهي تعتبر تعاقب الأزمنة والعصور عنصرا مهما من عناصر تطور اللغة وتغيرها . في حين تعالج الدراسة التعاصرية ظاهرة من الظواهر اللغوية إلى جانب الظواهر المرتبطة بها في العصر نفسه ( أي آنيا، ولذا يطلق عليها بعضهم صفة أو مصطلح الدراسة الآنية )، وهي بذلك توصف بكونها أفقية؛ إذ تتوجه إلى الأحداث اللغوية آنيا ( أي في فترة معينة ) وتعالجها على أساس واقع حالي ينعكس فيه جوهر اللغة وشكلها وطبيعتها (41).
_______________________________________
انتقد اللغوي الشهير سوسير الدراسات المقارنة التي كانت سائدة وقتئذ في خلطها – في نهجها التحليلي – بين البعد التاريخي وبين التنظيم اللغوي، ذلك أن اللغة برأيه هي في كل لحظة واقع قائم بذاته من جهة، وتطور تاريخي من جهة أخرى.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-30-2016 - 06:49 AM ]


________________________________________
وقد انتقد اللغوي الشهير سوسير الدراسات المقارنة التي كانت سائدة وقتئذ في خلطها – في نهجها التحليلي – بين البعد التاريخي وبين التنظيم اللغوي، ذلك أن اللغة برأيه هي في كل لحظة واقع قائم بذاته من جهة، وتطور تاريخي من جهة أخرى . فمن الطبيعي والحالة هذه التمييز بين التنظيم اللغوي الحالي وبين تاريخ هذا التنظيم . وقد ركز سوسير في تمييزه هذا على عدة قضايا منها : الإقرار باختلاف القوانين اللغوية المتعلقة بالتطور التاريخي عن القوانين العائدة للغة في واقعها الحالي (42)، وقد ضرب لذلك مثلا استمده من ملاحظة الفرق بين ما تفضي إليه دراسة ساق نبتة ما في مقطعه العرضي وما تفضي إليه دراسة هذا الساق في مقطعه الطولي؛ ومما خلص إليه هو أن المقطع الطولي يظهر الألياف نفسها التي تشكل النبتة، وأن العرضي يظهر تجمعها على مستوى معين، ولكن الثاني يتميز عن الأول بتبيانه بعض العلاقات القائمة بين الألياف، تلك التي لا نستطيع أبدا حيازتها على المستوى الطولي(43) وبذلك بدأ الباحثون في تطوير مناهج البحث لتحليل البنية اللغوية، وزاد اهتمامهم بالمنهج الوصفي فاصبح المنهج السائد عند أكثر المشتغلين بعلم اللغة الحديث في كل أنحاء العالم (44)

سوسير
وهذا يعني بدوره أن أهم ما نجم عن التمييز بين هذين المنهجين اختلاف المفاهيم اللغوية المتعلقة بكل منهما(45)، واختلاف النتائج المتوصل إليها من خلال تطبيقهما على الظاهرة اللغوية الواحدة** . كما نجد أن هذا التمييز » قد مهد لقيام الأبحاث والنظريات في علم اللغة الحديث الذي أصبح يتوخى دراسة اللغة من حيث هي واقع راهن لا مجرد بعد تاريخي . ولم يعد البحث اللغوي، في الواقع، يتركز على مجرد وضع معايير وقواعد تتناول تطور اللغات بصورة عامة . بل طرأ تبدل عليه، إذ تحول إلى استقصاء علمي لخصائص اللغة في واقعها الحالي القائم تقريبا بمعزل عن الخلفيات التاريخية «(46).
وهذا عين ما أخذ به القدماء من علماء العربية، إذ حددوا لأنفسهم الزمان والمكان في قيامهم بجمع اللغة ودراستها؛ وهو عين المنهج الوصفي الذي ينبغي فيه تحديد الفترة الزمنية والمكان اللذين تدرس في أثنائهما الظواهر اللغوية . غير أننا نجدهم في أحيان كثيرة يخلطون هذا بمعطيات المنهج التاريخي الذي يرصد التغير المستمر للغة الذي لا يعتبر فسادا أو انحرافا فيها لأنه في أغلب أحواله مما تدعو إليه الضرورة الملحة .

جاكبسون
والجدير بالملاحظة أن المنهج التاريخي لا تقوم له قائمة في حقل الدراسات اللغوية إلا بما تصل إليه الدراسات الوصفية المتلاحقة، الأمر الذي تفطن إليه جاكوبسون، فأرجع بذلك المزج بين الدراسات التزامنية والتعاقبية إلى خلط بين ثنائيتين :
الأولى هي الثنائية ( تعاقبية – تزامنية )
والأخرى هي الثنائية ( سكوني – متحرك )
فرأى أن التزامن ليس بالضرورة سكونا، فلا يجب أن نخلط بين التزامنية والسكونية، لأن كل حقبة تتضمن أشياء محافظة وأشياء مجددة، وكل حقبة يعيشها معاصروها بديناميكيتها الزمنية، وأن الدراسة التاريخية لا تعمل على رصد التغيرات بل تحاول – وبشكل دائم – أن تكتشف العوامل العامة والقواعد الأساسية التي تكمن في أس التغيرات التعاقبية* . فالدراسة التعاقبية تقوم إذن على مجموعة من الدراسات التزامنية المتتابعة(47)، إذ إن ما يكون تزامنيا في هذا الزمان - أو في فترة محددة سابقة أو لاحقة – يصبح تعاقبيا بعد حين لما تشهده اللغة من تطور مستمر .
________________________________________
قال أبو عبيد : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف [ يعني الألفاظ ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق
________________________________________
إن الأساس الذي يمكن من خلاله أن نوفق بين المؤيدين والمنكرين لوقوع الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم – أو في لسان العرب عموما - ليكمن في اختلاف وجهتي النظر باختلاف المنهج المطبق، وهو الأمر الذي ذكرنا أنه لم يغب عن فكر بعض القدماء من أصحاب العقول الراجحة، يقول ابن فارس : » قال أبو عبيد : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف [ يعني الألفاظ ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق « (48)، وجاء عن الجواليقي في نفس المعنى – بعد أن أورد مذهب ابن عباس وغيره ممن قالوا بوقوع ألفاظ كثيرة من غير لسان العرب ومذهب من خالفهم في ذلك كأبي عبيدة – » وكلاهما مصيب إن شاء الله . وذلك أن هذه الحروف [ يعني الألفاظ أيضا ] بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعربته، فصار عربيا بتعريبها إياه فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل . فهذا القول يصدق الفريقين جميعا «(49) .
والذي يؤكد هذا الاعتبار ويزيد النفس إليه طمأنينة قول ابن عطية، وهو أحد المثبتين بقوة لوقوع مثل هذه الألفاظ في لسان العرب والقرآن الكريم : » فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه «(50) .
الثاني، يقول كما نجد القرطبي، وهو ممن يميلون إلى القول بالمذهب ذلك بأن منهم عند حديثه عن لفظ (القسيس) في قوله تعالى قوله تعالى : قسيس[المائدة 82] : » ولفظ قسيسين ورهبانا الروم ولكن خلطته العرب القسيس إما أن يكون عربيًّا وإما أن يكون بلغة بكلامهم فصار من لغتهم، إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العـرب كما تقدم «(51) . وهذا قد يعني أن الذين قالوا بعدم وجود كلمات أعجمية في القرآن الكريم – والقرطبي منهم – لا ينكرون أن أصل بعض الكلمات في القرآن غير عربي، وأن العرب باستعمالها ونعريبها له جعلته عربيا، وبهذا الوجه نزل به القرآن عربيا .
مما تقدم نصل إلى أن من قال بوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم نظر إلى أصلها – على الرغم من تعريب العرب لها وإخضاعهم إياها لمقاييس اللغة العربية وقواعدها عل اختلاف مستوياتها الصوتي أو الصرفي أو التركيبي .. – وهذه نظرة تاريخية، ومن قال إن القرآن كله عربي نظر إلى واقع اللغة وقت نزول القرآن ومخاطبته العرب بما يستعملون، أي أن نظرته كانت نظرة وصفية آنية، وبهذا حكم القرآن على نفسه بأنه عربي مبين .

________________________________________
* الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة الأغواط / الجزائر
الهوامش:
41) ميشال زكريا، الألسنية ( علم اللغة الحديث ) المبادئ والأعلام . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت. ط2. 1983. ص146 .
42) انظر : نفس المرجع ص226-227
43)
Saussure,cours de Linguistique générale . ENAG/editions, 2 edt, 1994.
p140 44) د. محمد حسن عبد العزيز، مدخل إلى علم اللغة . دار الفكر العربي، القاهرة . 1998. ص38 بتصرف .
45) نفس المرجع ص147
46) نفس المرجع ص150
47) Jakobson, Essais de Linguistique générale, paris.ed. de Minuit,1993. tome 1. p 36
48) الصاحبي ص 62-63 .
49) المعرب ص6 .
50) الجامع لأحكام القرآن 1/68، والبرهان في علوم القرآن ج: 1/289 .
51) نفس المصدر 6/257 . وهو بذلك يرى أن تعريب العرب لمثل تلك الكلمات الأعجمية واستعمالهم لها يجعلها عربية .

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الاقتباس اللغوي من القرآن الكريم في الحديث النبوي الشريف مصطفى شعبان البحوث و المقالات 2 11-26-2016 05:19 AM
#بحث : الألفاظ الدالة على الصلاة في القرآن الكريم - أ.د. علي فرحان جواد الهيثم دراسات وبحوث لغوية 0 06-16-2015 09:05 AM


الساعة الآن 09:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by