________________________________________
وقد انتقد اللغوي الشهير سوسير الدراسات المقارنة التي كانت سائدة وقتئذ في خلطها – في نهجها التحليلي – بين البعد التاريخي وبين التنظيم اللغوي، ذلك أن اللغة برأيه هي في كل لحظة واقع قائم بذاته من جهة، وتطور تاريخي من جهة أخرى . فمن الطبيعي والحالة هذه التمييز بين التنظيم اللغوي الحالي وبين تاريخ هذا التنظيم . وقد ركز سوسير في تمييزه هذا على عدة قضايا منها : الإقرار باختلاف القوانين اللغوية المتعلقة بالتطور التاريخي عن القوانين العائدة للغة في واقعها الحالي (42)، وقد ضرب لذلك مثلا استمده من ملاحظة الفرق بين ما تفضي إليه دراسة ساق نبتة ما في مقطعه العرضي وما تفضي إليه دراسة هذا الساق في مقطعه الطولي؛ ومما خلص إليه هو أن المقطع الطولي يظهر الألياف نفسها التي تشكل النبتة، وأن العرضي يظهر تجمعها على مستوى معين، ولكن الثاني يتميز عن الأول بتبيانه بعض العلاقات القائمة بين الألياف، تلك التي لا نستطيع أبدا حيازتها على المستوى الطولي(43) وبذلك بدأ الباحثون في تطوير مناهج البحث لتحليل البنية اللغوية، وزاد اهتمامهم بالمنهج الوصفي فاصبح المنهج السائد عند أكثر المشتغلين بعلم اللغة الحديث في كل أنحاء العالم (44)
سوسير
وهذا يعني بدوره أن أهم ما نجم عن التمييز بين هذين المنهجين اختلاف المفاهيم اللغوية المتعلقة بكل منهما(45)، واختلاف النتائج المتوصل إليها من خلال تطبيقهما على الظاهرة اللغوية الواحدة** . كما نجد أن هذا التمييز » قد مهد لقيام الأبحاث والنظريات في علم اللغة الحديث الذي أصبح يتوخى دراسة اللغة من حيث هي واقع راهن لا مجرد بعد تاريخي . ولم يعد البحث اللغوي، في الواقع، يتركز على مجرد وضع معايير وقواعد تتناول تطور اللغات بصورة عامة . بل طرأ تبدل عليه، إذ تحول إلى استقصاء علمي لخصائص اللغة في واقعها الحالي القائم تقريبا بمعزل عن الخلفيات التاريخية «(46).
وهذا عين ما أخذ به القدماء من علماء العربية، إذ حددوا لأنفسهم الزمان والمكان في قيامهم بجمع اللغة ودراستها؛ وهو عين المنهج الوصفي الذي ينبغي فيه تحديد الفترة الزمنية والمكان اللذين تدرس في أثنائهما الظواهر اللغوية . غير أننا نجدهم في أحيان كثيرة يخلطون هذا بمعطيات المنهج التاريخي الذي يرصد التغير المستمر للغة الذي لا يعتبر فسادا أو انحرافا فيها لأنه في أغلب أحواله مما تدعو إليه الضرورة الملحة .
جاكبسون
والجدير بالملاحظة أن المنهج التاريخي لا تقوم له قائمة في حقل الدراسات اللغوية إلا بما تصل إليه الدراسات الوصفية المتلاحقة، الأمر الذي تفطن إليه جاكوبسون، فأرجع بذلك المزج بين الدراسات التزامنية والتعاقبية إلى خلط بين ثنائيتين :
الأولى هي الثنائية ( تعاقبية – تزامنية )
والأخرى هي الثنائية ( سكوني – متحرك )
فرأى أن التزامن ليس بالضرورة سكونا، فلا يجب أن نخلط بين التزامنية والسكونية، لأن كل حقبة تتضمن أشياء محافظة وأشياء مجددة، وكل حقبة يعيشها معاصروها بديناميكيتها الزمنية، وأن الدراسة التاريخية لا تعمل على رصد التغيرات بل تحاول – وبشكل دائم – أن تكتشف العوامل العامة والقواعد الأساسية التي تكمن في أس التغيرات التعاقبية* . فالدراسة التعاقبية تقوم إذن على مجموعة من الدراسات التزامنية المتتابعة(47)، إذ إن ما يكون تزامنيا في هذا الزمان - أو في فترة محددة سابقة أو لاحقة – يصبح تعاقبيا بعد حين لما تشهده اللغة من تطور مستمر .
________________________________________
قال أبو عبيد : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف [ يعني الألفاظ ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق
________________________________________
إن الأساس الذي يمكن من خلاله أن نوفق بين المؤيدين والمنكرين لوقوع الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم – أو في لسان العرب عموما - ليكمن في اختلاف وجهتي النظر باختلاف المنهج المطبق، وهو الأمر الذي ذكرنا أنه لم يغب عن فكر بعض القدماء من أصحاب العقول الراجحة، يقول ابن فارس : » قال أبو عبيد : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف [ يعني الألفاظ ] أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، من قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق « (48)، وجاء عن الجواليقي في نفس المعنى – بعد أن أورد مذهب ابن عباس وغيره ممن قالوا بوقوع ألفاظ كثيرة من غير لسان العرب ومذهب من خالفهم في ذلك كأبي عبيدة – » وكلاهما مصيب إن شاء الله . وذلك أن هذه الحروف [ يعني الألفاظ أيضا ] بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعربته، فصار عربيا بتعريبها إياه فهي عربية في هذه الحال، أعجمية الأصل . فهذا القول يصدق الفريقين جميعا «(49) .
والذي يؤكد هذا الاعتبار ويزيد النفس إليه طمأنينة قول ابن عطية، وهو أحد المثبتين بقوة لوقوع مثل هذه الألفاظ في لسان العرب والقرآن الكريم : » فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه «(50) .
الثاني، يقول كما نجد القرطبي، وهو ممن يميلون إلى القول بالمذهب ذلك بأن منهم عند حديثه عن لفظ (القسيس) في قوله تعالى قوله تعالى : قسيس[المائدة 82] : » ولفظ قسيسين ورهبانا الروم ولكن خلطته العرب القسيس إما أن يكون عربيًّا وإما أن يكون بلغة بكلامهم فصار من لغتهم، إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العـرب كما تقدم «(51) . وهذا قد يعني أن الذين قالوا بعدم وجود كلمات أعجمية في القرآن الكريم – والقرطبي منهم – لا ينكرون أن أصل بعض الكلمات في القرآن غير عربي، وأن العرب باستعمالها ونعريبها له جعلته عربيا، وبهذا الوجه نزل به القرآن عربيا .
مما تقدم نصل إلى أن من قال بوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم نظر إلى أصلها – على الرغم من تعريب العرب لها وإخضاعهم إياها لمقاييس اللغة العربية وقواعدها عل اختلاف مستوياتها الصوتي أو الصرفي أو التركيبي .. – وهذه نظرة تاريخية، ومن قال إن القرآن كله عربي نظر إلى واقع اللغة وقت نزول القرآن ومخاطبته العرب بما يستعملون، أي أن نظرته كانت نظرة وصفية آنية، وبهذا حكم القرآن على نفسه بأنه عربي مبين .
________________________________________
* الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة الأغواط / الجزائر
الهوامش:
41) ميشال زكريا، الألسنية ( علم اللغة الحديث ) المبادئ والأعلام . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت. ط2. 1983. ص146 .
42) انظر : نفس المرجع ص226-227
43)
Saussure,cours de Linguistique générale . ENAG/editions, 2 edt, 1994.
p140 44) د. محمد حسن عبد العزيز، مدخل إلى علم اللغة . دار الفكر العربي، القاهرة . 1998. ص38 بتصرف .
45) نفس المرجع ص147
46) نفس المرجع ص150
47) Jakobson, Essais de Linguistique générale, paris.ed. de Minuit,1993. tome 1. p 36
48) الصاحبي ص 62-63 .
49) المعرب ص6 .
50) الجامع لأحكام القرآن 1/68، والبرهان في علوم القرآن ج: 1/289 .
51) نفس المصدر 6/257 . وهو بذلك يرى أن تعريب العرب لمثل تلك الكلمات الأعجمية واستعمالهم لها يجعلها عربية .