هل يجوز إجْرَاءُ المنقُوصِ غيرِ المنصَرفِ مُجرى (جَوَارٍ) في التسمية؟
د.مصطفى شعبان
ذهب فريق من النحاة إلى أن كل ما كان آخره ياء زائدة أو أصلية منقلبة من واو ، نكرة كان أو معرفة ، مما ينصرف نظيره أو لا ينصرف ، فإنه في حال الجر والرفع مُنَوَّنٌ ، إلا أن يضاف أو تدخل عليه الألف واللام ، وأما في النصب فإن كان منصرفًا حرَّكتَه ونوَّنْتَهُ، وإن كان غير منصـرف فتحته ولم تنون، فتقول مثلًا في المنصـرف: (رأيت غازيًا وراميًا) ، وفي غير المنصـرف : (رأيت جوارِيَ وصحاريَ) ، فإذا سميت امرأة بـ (قاضٍ) قلت في الرفع والجر: (هذه قاضٍ) ،و (مررت بقاضٍ)، والتنوين للعوض.
وذهب فريق آخرُ إلى أن كل ما كان نظيره من الصحيح لا ينصرف لم ينصـرف من المعتل ذلك المثال، فإذا سميت امرأة (قاضي) قلت: (هذه قاضِي) بإثبات الياء وتسكينها من غير تنوين، و (رأيتُ قاضيَ) ،و (مررتُ بقاضيَ)، فلا ينونون في رفع ولا جر، بل يثبتون الياء ساكنة في الرفع ، ويفتحونها في الجر كما يفعل بالصحيح ، ويمثل الفريقَ الأول: الخليلُ وسيبويه وجمهور البصـريين ، والفريق الثاني: يونس ، وعيسى ، وأبو زيد ، والكسائي ، والبغداديون .
قال سيبويه : «وأما يونس فكان ينظر إلى كل شيء من هذا إذا كان معرفة كيف حالُ نظيره من غير المعتل معرفةً ، فإذا كان لا ينصرف لم يصرف ، يقول : (هذا جَوارِي قَدْ جَاء) ، و (مررتُ بجوَارِيَ قبلُ) ، وقال الخليل : هذا خطأٌ لو كان من شأنهم أن يقولوا : هذا في موضع الجر لكانوا خُلقاء أن يُلزموه الرفع والجر ؛ إذ صار عندهم بمنزلة غير المعتل في موضع الجر ، ولكانوا خُلقاء أن ينصبوها في النكرة إذا كانت في موضع الجر ، فيقولوا : (مررت بجواريَ قبلُ) ؛ لأن ترك التنوين في ذا الاسم في المعرفة والنكرة على حال واحدة ، ويقول يونس للمرأة تُسَمَّى بـ (قاضٍ) : (مررت بقاضِيَ قبلُ) ، و (مررت بأُعَيْمِيَ منك) ، فقال الخليل : لو قالوا هذا لكانوا خُلقاء أن يُلزموها الجر والرفع»(1 ).
فمذهب الخليل وسيبويه إذًا أن نحو (جوارٍ) و (قاضٍ) و (أُعَيْمٍ) إذا سُمِّي به فإنه يبقى على ما كان عليه قبل العلمية ، فحالها في التنكير والتعريف سواء ، وأما يونس فإنه كان يوافقهم على ذلك في النكرات ويخالفهم في المعارف ، وكان يعتبر بـ (جوارٍ) ونحوه من المنقوص، فكل ما كان له نظير من الصحيح مصروفٌ صَرفَهُ ، وما لم يكن نظيره مصروفًا لم يصرفه وفتحه في الجر كما يفعل في الصحيح، فهو يحمل إذًا هذا الباب في المعرفة على نظيره من الصحيح في عدم حذف الآخر، فيقول : (رأيتُ جواريَ، ومررتُ بجواريَ) بإظهار فتحة الخفض كما تظهر في الصحيح ، فتقول لو سَميت امرأة بـ (ضَارِبٍ) : (مررتُ بضاربَ العاقلَةِ) ، ويقدم منع الصرف على الإعلال فتبقى الياء ساكنة في الرفع، ومفتوحة في النصب والجر .
وأما أبو علي الفارسي ، فقد وافق الخليل وسيبويه وجمهور البصـريين كأبي عمرو بن العلاء ، وابن أبي إسحاق ، والمبرد ،وابن السراج، في الاعتراض على مذهب يونس ومن تابعه ، ونقل عبارة سيبويه باقتضابٍ شديد جاء فيها : «قال : وأما يونس فكان ينظر في كلٍّ، فقال الخليل : هذا خطأ لو كان من شأنهم أن يقولوا هذا في موضع الجر، لكانوا خلقاء أن يلزموه الرفع والجر ، إذ صار عندهم بمنزلة المعتل»(2 ).
ويبسط أبو علي وجهة نظر يونس ومن نحا نحوه قائلًا :
«وأخبرنا أبو بكر عن أبي العباس ، عن أبي عثمان ، أنه قال : كان عيسى بن عمر ، ويونس، وأبو زيد ، والكسائي ينظرون إلى باب (جَوَارٍ) فما لا يلحق في نظيره من الصحيح التنوين لم يحذفوه ، وما لحقه التنوين في نظيره من الصحيح نوَّنُوه، فكانوا يقولون : هؤلاء جَوَارِي ، ومررتُ بِجَوَارِي، فلا يحذفون الياء ولا ينونون ؛ لأن نظيره من الصحيح لا ينون، فهؤلاء لم يذهبوا إلى أن الياء مِن (جوارٍ) حذفت حذفًا كما ذهب سيبويه ، لكنهم قدروا أن الياء تحذف لاجتماع الساكنين ، فإذا لم يجتمعا لم تحذف.. »( 3).
ويفسر أبو علي اعتلال الخليل قائلًا : «يقول : لو كان حكم المعتل الصحيح لكان تحرك في موضع الرفع والجر كما تحرك الصحيح ، فإذا جاز في المعتل ألا يُحرك في هذين الموضعين ويخالف الصحيح فيهما فلا يُنكر أن يخالفه في حذف الياء منه وفي بيان التنوين فيه عوضًا منه»(4 )، وقال : «كل ما أجاز الخليل فيه التنوين في هذا الفصل مقيس على (جوارٍ)،أما (قاضٍ) اسم امرأة فكان يجب لولا حذف الياء منه ألا يصرف ولا ينون ، كما أنك لو سميت امرأة بـ (قاسمٍ) لم تنون ولم تصرف ، لكن لما وقعت الياء موقعًا لم يجب أن تصرف الاسم فيه حذفت الياء ، كما أن (جواري) لما وقعت الياء منه موقعًا لم يجب أن يصرف فيه حذفت الياء منه ، وصار التنوين عوضًا»(5 ).
وبيان تفسير الفارسي : أنه لو كان من شأنهم أن يلزموا الحركة حالة الجر فيجرونه مجرى الصحيح، لكان مِنْ حقهم أن يُلزموا الحركة في حالة الرفع أيضًا، فكما يلزمهم أن يقولوا : (مررتُ بِقاضِيَ) اسم امرأة ، فكذلك يلزمهم أن يقولوا : (هذا قاضِيُ)؛ إذا كانوا يجرون المعتل هنا مجرى الصحيح .
ويقف الفارسيُّ في هذه القضية جنبًا إلى جنب مع موقف غيره من شُرّاح سيبويه؛ مثل السيرافي الذي يقول : «ومذهب الخليل وسيبويه في امرأة (قاضٍ): (هذه قاضٍ) ، و (مررت بقاضٍ) منونًا ، و (رأيتُ قاضِيَ) مفتوح غير منون ، وقول الخليل هو الجيد ؛ لأن ما كان من الجمع على فواعل أو غير ذلك من بنية الجمع الذي ثالثه ألف وبعده حرفان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة ، فإذا دخل التنوين على (غَوَاشٍ) وهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة ،فدخوله على (قَاضِي) اسم امرأةٍ أولى؛لأنها لا تنصرف في النكرة»(6 ).
ويقول الرماني بخصوص مذهب الخليل وسيبويه : «وهو القياس الصحيح ، وأما مذهب يونس ، فإنه كان يحمل هذا الباب في المعرفة على نظيره من الصحيح ؛ لأن التعريف فيه ينقله ، ويقتضى له أن يُقاس على نظيره في النقل ، فتقول في (قاض) اسم امرأة : (هذا قاضي ، ورأيت قاضيَ، ومررت بقاضيَ) ، وكذلك كل معرفة من المعتل لا تنصرف ، ويفرق بينه وبين النكرة فتقول في جمع جارية : (هؤلاء جوارٍ، ومررت بجوارٍ) ، وإنما كان يخالف في المعرفة خاصة ، فألزمه الخليل أن يقول: (مررت بقاضِيَ، وهذا قاضِيُ) قياسًا على نظيره من الصحيح»(7 ).
وهذا الذي قرره شُرَّاح الكتاب هو الذي اتفق عليه عامة البصـريين كالمازني، والمبرد ، وابن السراج ،والزجاجي(8).
قال ابن السراج : «وقال أبو العباس - رحمه الله - : قال أبو عثمان : كان يونس وعيسى وأبو زيد والكسائي ينظرون إلى (جوارٍ) وبابه أجمع، فكل ما كان نظيره من غير المعتل مصـروفًا صرفوه ، وإلا لم يصرفوه وفتحوه في موضع الجر ، كما يفعلون بغير المعتل ، يسكنونه في الرفع خاصة ، وهو قول أهل بغداد ، والصرف الذي نحن عليه في الجر والرفع هو قول الخليل ، وأبي عمرو بن العلاء ، وابن أبي إسحاق، وجميع البصريين»(9 ).
وابن مالك وعامة المتأخرين(10 ) يصححون مذهب الخليل تبعًا للجمهور، ويجعلون مذهب يونس من مواضع الضرورات الشعرية .
قال ابن مالك : «ومذهب الخليل هو الصحيح ؛ لأن نظائر (جوارٍ) من الصحيح لا يُنَون في تعريف ولا تنكير وقد نُوِّن ، ونظائر (قاضٍ) اسم امرأة لا يُنون في تعريف وينوَّن في تنكير ، فتنوينه أولى من تنوين (جوارٍ)»(11 ).
وجعل أبو حيان ما نحا إليه يونس ومن لفَّ لفَّهُ من باب الوهم والخطأ والمخالفة للعربية لغة القرآن فقال : «وما ذكره أبو علي من أن يونس وهؤلاء ذهبوا إلى أنه لا تحذف الياء إذا كان (جَوَارٍ) نكرةً ولم يُسَمَّ به، فتقول : (هُنَّ جَوَاري،ومررتُ بجواريَ) فلا يُنَوَّنُ وهمٌ وخطأ ومخالفة للغة العرب والقرآن»(12 ).
وقد أخطأ ابن الحاجب فنسب هذا القول لسيبويه والكسائي بدلًا من يونس ، فقال : «وأما في حال الخفض فأكثر العرب يقولون : (مررت بجوارٍ) ومنهم من يقول : (مررت بجواريَ) واختار ذلك سيبويه والكسائي»( 13).
ونخلص من هذا النقاش إلى أن الاسم المنقوص إذا منع من الصرف للتسمية وكان نظيره من الصحيح الآخر ممنوعًا من الصرف أو غير ممنوع ، فإنه يجري مجرى (جوارٍ) في الإعلال ، لا فرق بين حالة التنكير والتعريف، هذا مذهب أكثر العرب وجميع البصـريين ، واختيار الفارسي والخالفين ، وهو الذي تؤيده الأصول الصرفية ؛ إذ ليس في الإثبات ما في الإعلال من الخفة ، والتخفيف شائع في كلام العرب بالحذف كثيرًا فلا فرق بين (جوارٍ) جمعًا ومفردًا ، ولا بين (قاضٍ) نكرة ومعرفة .
--------------------
(1 ) الكتاب 2/58 بولاق ، 3/312 هارون.
(2 ) التعليقة 3/127 .
(3 ) التعليقة 3/120-121 .
(4 ) السابق 3/127 .
(5 ) السابق 3/123 .
(6 ) شرح السيرافي 4/75 .
(7 ) شرح الرماني ج3، ق 309.
(8 ) انظر: المنصف 2/66-67 ، المقتضب 1/280-281 ، الأصول 2/91 ، ما ينصرف 113 .
(9 ) الأصول 2/91 .
(10 ) شرح الكافية الشافية 3/1506 ، وانظر: التبصرة والتذكرة 2/569 ، شرح سيبويه لابن خروف 393 ، شرح المفصل 1/64 ، الإيضاح شرح المفصل 2/139 ، شرح ابن الناظم على الألفية 470 ، شرح الكافية للرضي 1/154 ، ارتشاف الضـرب 2/889 ، أوضح المسالك 4/139 ، توضيح المقاصد 4/1224 ، شرح ابن عقيل 3/338 ، المساعد 3/31 ، المقاصد الشافية 5/683 ، شرح التصـريح 2/354 ، شرح الأشموني 3/400 ، همع الهوامع 1/115 .
(11 ) شرح الكافية الشافية 3/1507 .
(12 ) ارتشاف الضرب 2/890 .
(13 ) الإيضاح شرح المفصل 2/140 .